فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
64

الثقافة الشعبية بين ضبط الجمع ونسقية العلم

العدد 28 - التصدير
الثقافة الشعبية بين ضبط الجمع ونسقية العلم

لعل تغييرالإشارة التعريفية لمجلتنا من «فصلية - علمية – متخصصة» إلى « فصلية- علمية – محكمة» لم يمر مرور الكرام.ولاغرو, فلقد كان بدءا استجابة لطلب ملح من فريق واسع من كتابنا. سارع جُلّهم إلى تثمين ذلك وتقديره والتهنئة به.

والحقيقة فإن الانتقال من لفظ إلى آخر لايعني انتقالاً ما في الدلالة. فالدورية المتخصصة لاتكون في تقديري إلا محكمة. والتحكيم لايسعه أن يستقيم إلا في مجال من مجالات الاختصاص.

وعلى هذا الأساس, فالخطوة لاتعني بحال تغييرا في الخط التحريري للثقافة الشعبية. فهي اليوم كما كانت دائما, حريصة على أن تكون دورية الملمّ العارف ومنبر الباحث المتخصص. تتّسع لبحوث الجميع تستجيب إلى حاجاتهم وتقرّب من غاياتهم . يجد فيها القارئ العرضي  ضالّته تشدُّه إليها إذا مارامها وتأسره إذا ما تطلّع إليها . ذلك أن البحث في مجال الثقافة الشعبية يتميز عن غيره  بحكم طبيعة الظواهر وخصوصية المادة, يسهم فيه الجامع المحقق ويضيف إليه الباحث الدارس. يلتقي نهجاهما, يتكاملان ويترافدان. وهي إلى ذلك فضاء يرنو إليه الجميع من داخل دائرة الاهتمام وخارجها يعدّونها جزءا من كيانهم ويرونها قبسًا من أرواحهم.

ولقد كان الحرص على الجمع بين نشرالمعرفة الشّائعة بين أفراد الجماعة من ناحية وتلك التي تنشد نسقيّةً علميةً ما من ناحية أخرى رهانا صعبا اختارت هيأة التحرير أن تمضي فيه.

فغنيّ عن القول أن المعرفة العلمية لاتكون إلا انتظامًا وفق منهجية يقرّهاالنظر العلمي ولا تحتمل أن تكون بين بين. ولكن علينا أن نُقرّ أوّلاً أن «العلميّة» في مجال العلوم التي تعرف بالانسانية تختلف عنها في مجال العلوم الصحيحة اختلاف «الاحتمال» عن «اليقين» . ومع ذلك فإن جملةً من الشروط والخصائص تبسط فلاسفة العلوم في عرضها وشرحها يمكن أن نقضيَ على أساسها بمدى علمية بحثٍ ما أو تهافته. وإذاكان الأمريشمل البحث في مجال العلوم الانسانية بإطلاق فإن وضع الثقافة الشعبية يبقى أكثر خصوصية. وذاك ما يفسر احتكام مجلتنا إلى هيأتين متمايزتين علمية واستشارية. فالثقافة الشعبية منتشرة زمانًا ومكانًا يقلّص تغيّر نمط الحياة من مساحتها.وينال تسارع وتيرة العصر من حيّز وجودها. فكان جمعها وتصنيفها وحفظها على أسس منهجية واحتكامًا إلى أصول متعارفة لدى المحقّقين , كان ذلك جميعا, قضية ثقافية أساسية. فإذا استقام الجمع واستقرّت له أسباب الصون والحماية والتدوين , انفتحت غايات أخرى قوامُها الدرس والبحث والنظر  والعمل على الخروج بالبحث في مجال الفلكلور من مجال الحفظ والخزن إلى مجال الفكر العلمي المنتظم, درسا للظواهر وتعليلا لوجودها ونظرا في أسبابها وتأليفا بين عناصرها وخروجا بها من حيّز  التخزين إلى حيز البناء والتأليف. ولايمكن لهذه المرحلة أن تستقيم إلا إذا استقامت الأولى على نحو يستجيب إلى شروط الضبط والتحقيق. وصحيح أن أكوام المعارف لاتمثل نسقا علميًّا تماما كما أن أكوام الحديد والحجارة لاتمثل إنجازًا معماريًا. ولكن صحيح أيضا أن الجيّد منها هو الذي يتيح لك إنجاز عمل متماسك تقرّه أنساق الفكر وترتضيه مناهج العلم  في النظر والإنجاز.

لذلك نقدّر أنّ مجلتنا ستظل منفتحةً على نشر موادّ الثقافة الشعبية تحتفي بما يتسنى للجامعين الميدانيين أن يصلوا إليه . وستظل مع ذلك تتطلّع إلى الدراسات العلمية المنتظمة على أسس معرفية منتظمة تخرج بنا كأمّة من خانة الجمع والتخزين التي يرى عدد من الغربيين أننا لانمتلك الأدوات النظرية التي تتيح لنا تجاوزها. سنظلّ نطمح إلى ذلك آملين أن تنشأ بين عموم  كتّابنا وشائجُ معرفية تسمح باستفادة بعضهم من بعض. يحيل أحدهم على الآخر. يستدرك على مافاته ويستأنف  من حيث انتهى . ولانظل أبدا ننطلق في بحوثنا من نقطة الصفر مهما اشتغل  غيرنا. فقد  مضى  زمن  يمكن فيه للواحد الفرد أن يحقّق في مجال البحث العلمي فتحا  لم تأت به الأوائل . وغدا النشاط البحثي  في شتى أصناف المعارف والعلوم شغل الجماعات والمخابر وثمرة تعاونها المشترك مهما ابتعدت الشقة بينها. فأنت تجد تعاونا بين مخبرٍ هنا وآخر في أقصى الأرض . يتواصلان ويتزاوران ويتبادلان المعلومة .ويتيح أحدهما لباحثي الآخر إمكان الاستفادة من تجهيزاته ومعدّاته ووسائل البحث فيه لمدد تصل إلى السنوات. وليست ترجمة ملخصاتنا إلى الفرنسية لغة الثقافة , والانجليزية لغة العلم إلا طموحا منا لوضع مادتنا العلمية على محكّ النقاش العلمي والفكري. ليس على مستوى مجتمعنا العربي وإنما على مستوى مجتمع العلم والمعرفة. فالمعرفة العلمية كونيّة أولاتكون.وإدراكها ليس عزيزا على جمهور علمائنا ولكن ذلك يحتاج قدرا من الأخلاق العلمية قوامها استفراغ الجهد والأمانة واحترام اللاّحق لجهد السابق . تحقيقا لضرب من التراكم المعرفي  نُفيد منه ونضيف إليه.

أعداد المجلة