فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
59

الأغنية الشعبية في تونس: حمّالة قيم اجتماعيةأغنية يا حمامة طارت نموذجا

العدد 59 - موسيقى وأداء حركي
الأغنية الشعبية في تونس:  حمّالة قيم اجتماعيةأغنية يا حمامة طارت نموذجا
كاتب من تونس

يعد الاهتمام بالقيم مؤشراً مهمّاً من المؤشرات الحضـارية لأيّ مجتمع يسعى إلى بناء إنسان قادر على تحمّل أعباء الحياة، والمساهمة في تحقيق المأمول. ولا يمكــــن إغفال أهمية الأغنية في حياة الفرد على اختلاف المراحل العمرية، ودورها في إنتاج قيم تربوية ومعرفية ودينية واجتماعية ووطنية وإنسانية، وتعريفه بحقوقه. وتستطيع الأغنية أن تؤدي دورها وهدفها، وتساعد في إكساب القيم المختلفة وتعلّم حقوق الفرد وثقافة مجتمعه، فقد تحمل كلمات الأغنية معرفة بطبيعة الحياة أو قيمة من القيم، أو حقا من الحقوق مثل الحق في التعلّم، في السّكن الآمن، في العيش بأمان في وطن آمن، في الإعلام، في الصحّة.

إنّ الأهمية الكبيرة للأغنية لا يمكن تجاهلها، فهي تعبّر عن متطلبات الفرد وحاجاته ورغباته «وهي انعكاس لحالته النفسية والوجدانية، وتسير به في أجـواء متعددة، وتنمّي قيمه وتوجّهاته، وتساعد على تنمية المجال الفكري واللغوي والانفعالي والخيالي لديه»1.

إن ارتباط خطاب الأغاني بتفاصيل مجتمعاته وقضاياه يكشف عن حضور تاريخي مميز للإبداع الفني في تأسيس معالم الحياة الإنسانية في مختلف صورها وإغنائها وتطويرها الأمر الذي يحيل بالضرورة على أهمية ترسيخ الأبعاد الفنية في السلوك اليومي للإنسان أملا في استمرار حضور الدور الطلائعي للفن كما رافق مسيرة الوجود الإنساني منذ الأزل وهو أمر من الممكن أن يتمثّل على المستوى التطبيقي في الاهتمام بخطاب الأغاني باعتباره مدخلا ممكنا يستثمر كل السياقات الممكنة ذات الأبعاد التثقيفية والحضارية من أجل إعادة الاعتبار إلى القيم الأصيلة التي بدأت تتراجع أمام زحف قيم مغايرة لدى الإنسان لكونه صمّام أمان ضد كلّ أشكال الانزلاق الثقافي والوجداني الفردي والجماعي.

ويعود اﻻهتمام بموضوع القيم إلى كونها ترتبط بحياة اﻷفراد وعلاقاتهم وسلوكهم. وللقيمة أهمية خاصة في حياة الفرد والمجتمع، فيها تتشكل الثقافة، وعن طريقها يبدو طريق النمو والتقدم، ومن خلالها تتأكّد الروابط والعلاقات اﻻجتماعية، فأهميتها ترجع إلى أنها ﻻ تقف عند مستوى التفكير الفلسفي، بل تتعداه ﻷنها تتغلغل في حياة الناس أفرادا وجماعات وﻷنها ترتبط بدوافع السلوك وباﻵمال واﻷهداف2.

تكمن أهمية الدراسة في كونها تحاول دراسة التغير القيميّ من خلال خطاب الأغنية تلك الخاصية اﻷساسية التي تتميز بها الحياة اﻻجتماعية، فهو سبيل بقائها ونموها، وبه يتهيأ لها التوافق مع الواقع ويتحقق التوازن واﻻستقرار اﻻجتماعي، وعن طريقه تواجه الجماعات متطلبات أفرادها وحاجاتهم المتجددة، باﻹضافة إلى ذلك، تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تسعى إلى الكشف عن القيم السائدة لدى عينة دراسية لأغان شعبيّة تقترن بنمط الراب ما بعد الثورة في تونس، في زمن أصبح فيه العالم قرية صغيرة،انقلبت فيه الموازين وشاعت فيه مصطلحات وسلوكيّات دخيلة وسمت برموز للتحرر واﻻعتدال واللاتعصب.

في مفاهيم الدراسة:

1)    مفهوم القيم:

    المعنى اللغوي:

 جاء في المعجم الوسيط3 أن قيمة الشيء هي قدره، وقيمة المتاع هي ثمنه، ويقال ما لفلان قيمة أي ماله ثبات ودوام على اﻷمر كلمة القيمة في اللغة العربية تشتق من القيام وهو نقيض الجلوس، قام يقوم قوما وقياما وقَومة.

وقد استخدمت القيمة بمعنى التعديل واﻻستقامة واﻻعتدال، فقد قيل: قام اﻷمر أي اعتدل واستقام، وقام الحق أي ظهر واستقر، وقَوّم اﻷعوج: أي عدله وأزال اعوجاجه.

وتُحيل كلمة قيمة باللغة: اﻹنجليزية Value، وباللغة الفرنسية valeur، وباللغة اليونانية Axios على: اﻻعتدال والاستواء وبلوغ الغاية، فهي مشتقة أصلا من الفعل قام بمعنى وقف، واعتدل، وانتصب، وبلغ، واستوى4.

    المعنى اﻻصطلاحي:

إن مفهوم القيمة من المفاهيم التي اهتم بها كثير من الباحثين في مجاﻻت مختلفة كالفلسفة والتربية وعلم اﻻجتماع وعلم النفس، وﻏير ذلك من المجاﻻت، وقد ترتب على ذلك نوع من الخلط والغموض في استخدام المفهوم من تخصص ﻵخر، بل ويستخدم مفاهيم متعددة داخل التخصص الواحد، وسنعرض فيما يلي مفهوم القيمة واستخداماته في عدد من التخصصات:

    -    مفهوم القيمة في علم اﻻقتصاد:

لكلمة قيمة في لغة اﻻقتصاد معنيان:

1.    صلاحية شيء ﻹشباع حاجة، ويعني مصطلح (قيمة المنفعة).

2.    وهو ما يساويه متاع حين يستبدل به ﻏيره في السوق، وهذا ما يعبر عنه بمصطلح قيمة المبادلة وقيمة المنفعة لمتاع ما.

    -    مفهوم القيمة في الفلسفة:

ينقسم الفلاسفة بصفة عامة إلى قسمين حول هذا الموضوع:

اﻷول يتمثل في اتجاه الفلسفات المثالية أو العقلية، إذ يرى «أفلاطون» أن الناس ﻻ يعون مصادر اﻹلزام في حياتهم، ومع ذلك فهم يدركون مثلا عليا، ويتحدثون عن الحق والجمال، ويرى أنه ﻻبد أن يكون هناك مصدر استقى منه الناس هذه المعتقدات التي تؤدي بهم هذا اللون من التفكير أو الحديث أو السلوك، وينتهي «أفلاطون» إلى القول بأن مصدر هذه اﻷفكار السامية عالم آخر ﻏير هذا العالم الذي نعيش فيه، عالم توجد فيه الأشياء كاملة كما يجب أن تكون، وهو عالم الحق والخير والجمال.

أما «كانط» فلم يلجأ إلى العالم الخارجي واهتدى إلى حل وأكّد أن العلم والجمال واﻷخلاق مصدرها العقل .

أما اﻻتجاه الثاني: فيتمثل في الفلسفات الطبيعية والتي تعتبر القيم جزءا من الواقع الموضوعي للحياة والخبرة اﻹنسانية، فالقيم هي من نسج الخبرة اﻹنسانية أكانت خيرة أو شريرة صحيحة أو خاطئة، قبيحة أو جميلة، وإنما هذه اﻷحكام نصدرها من واقع تأثيرنا في هذه الأشياء وتأثرنا بها5.

    -    مفهوم القيمة في الدين:

جاءت الديانة المسيحية فأبرزت ما للتعاليم والوحي السماوي من شأن في الحكم على قيم الأشياء واﻷعمال، فتكبر بشعور ما يترتب عليها من ثواب.

أما القيم اﻹسلامية فتتميز عن ﻏيرها، بأن مصدرها اﻷساسي هو القرآن الكريم، كلام ﷲ المنزه عن الخطأ، وكذلك سنة رسوله ونبيه محمد صلى ﷲ عليه وسلم ولذلك تتصف النظرة اﻹسلامية للقيم بالكمال، ﻷن مصدرها هو ﷲ عز وجل الذي يعلم خبايا الانسان، والكون وسننه، التي يتحرك اﻹنسان في إطارها.

    -    مفهوم القيمة في علم اﻻجتماع :

يرى علماء اﻻجتماع أن عملية التقييم تقوم على أساس وجود مقياس ومضاهاة في ضوء مصالح الشخص من جانب، وفي ضوء ما يتيحه له المجتمع من وسائل وإمكانات لتحقيق هذه المصالح من جانب آخر، ففي القيم عملية انتقاء مشروط بالظروف المجتمعية المتاحة.

فالقيم هي مستوى أو معيار للانتقاء من بين بدائل أو ممكنات اجتماعية متاحة أمام الشخص اﻻجتماعي في الموقف اﻻجتماعي6.

وتظهر القيمة الاجتماعية لدى الفرد الذي يحب الحياة ويميل إلى الناس فهو يحبهم ويميل إلى مساعدتهم، ويجد في ذلك راحة نفسية اجتماعية سعيدة وكذلك إشباعا له، ويتميز هذا النوع من اﻷفراد بروح تعاونية كبيرة سمتها البذل والسّخاء والعطف والحنان7، ويرى «سبرانجر» أن القيم اﻻجتماعية في أنقى صورها تتجرد عن الذات وتقرب جدا من القيم الدينية8.

    -    مفهوم القيمة في علم النفس:

يتناول علم النفس موضوع القيم بطريقة تختلف عن تلك التي تناولها علم اﻻجتماع، فنجد أن علم النفس يركز اهتماماته على دراسة قيم الفرد «Individual «value ومحدداتها سواء أكانت نفسية أو اجتماعية أم جسمية، ويهتم بكل جانب من جوانب سلوك الفرد في المجتمع إذ يركز عنايته على سمات الفرد واستعداداته واستجاباته فيما يتصل بعلاقاته باﻵخرين، في حين تعامل علم اﻻجتماع مع القيم الجماعية. «Group values»

2)    الإنتاج الموسيقي: ظاهرة حضارية:

إنّنا لا نقصد بالإنتاج الغنائيّ ما تحمله إلينا آلة الإنتاج الضخمة بوسائطها المتعددة فقط، ولكنّنا نعني أساسا التناول الحضاري للإنتاج الغنائي ومناسباته المختلفة. وممّا لاشك فيه أن الموسيقى لغة، غير أنها ليست لغة عالميّة كما يتصور البعض، وإنما هي لغات مختلفة، إذ أنّ لكل شعب لغته الموسيقيّة ذات الخصائص المميّزة. وإذا كانت الموسيقى من حيث أسسها واحدة، كونها تنسيق الأصوات بطريقة محببّة للأذن وأنّها من حيث أصولها مرتبطة بمعتقدات الإنسان وطباعه وهى لغة الروح والمشاعر، فلكل لغة موسيقيّة خصائص تكمن في المادة الموسيقية ذاتها من حيث مضمونها القيميّ ووظيفتها الاجتماعية والحضارية.

وثمّة شروط نراها أساسيّة للوصول إلى قراءة ثقافية دالّة للإنتاج الغنائيّ منها :

    -    توافر المادة الميدانيّة المعبّرة عن المجتمع موضوع البحث:

من الأهمية بمكان، أن نشير إلى أنّ القراءة الثقافية للنص الغنائيّ تظل قاصرة، ومنقوصة، بل ومضلّلة أحيانا، إذا اعتمدت على مادة ميدانية لا تعبّر عن الثقافة التي تمثّلها، وهو ما يقتضى إعمالا للمعايير العلمية في جمع المادة الميدانية المعتمدة، فهي تحتاج إلى مادة ميدانية متنوعة تغطّي مجمل النّشاط الإنساني للثقافة. ومما لاشك فيه أن البحث في المضمون القيميّ له علاقة أكيدة بعامل الزمن، اعتبارا إلى التغيّرات التي تطرأ على المجتمع وبالتالي على ثقافته وإبداعاته ومن هذا المنطلق، نرى ضرورة البدء في جمع نماذج غنائيّة محددة، ووفق أهداف يقصد من ورائها دراسة المضمون القيميّ، وأن يشكّل هذا الجمع رافدا لأرشيف يتيح هذه المادة للباحثين والفنانين، بل ويسمح بطرح نماذج ممثّلة لهذا الإنتاج الغنائيّ.

    -    المنهج أو الطريقة الواجب اتباعها لدراسة الموسيقى الشعبية: 

إنّ هذا المنهج يقتضي فرز المادة الغنائيّة وفقا لموضوعاتها ونسب انتشارها في الفضاء الافتراضي، وصولا إلى الخصائص الموسيقيّة ودراسة السّياق الاجتماعي الذي تصدر عنه وتؤدى فيه وفقا للأبعاد الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، مع الاستفادة من المنجزات الفكرية في جانب النظريات التي تهتّم بتفسير الثقافة وتحليلها.

3)     أهميّة الأغنية في المجتمع التونسي:

لقد غلبت ظاهرة البداوة في القرن التاسع عشر على المجتمع التونسي واتّسمت بازدهار الجانب الأدبي والفني في ذلك العصر نظرا لما شهده المجتمع من فنّ راق وأدب ثري ومتنوع ارتبط بالمجتمع عامة والبادية خاصة فهي «كانت موضوع الشعراء والمغنين والفنانين. وقد أنتجت شعرا وغناء وأدبا ثريا متنوعا عبر بوضوح وحرارة عن حياة تتدفق شاعرية وحسا مرهفا ووعيا خلاّقا»9.

إلاّ أنّ المجتمع التونسي شهد تغييرات جذرية في جميع الميادين منذ بداية القرن العشرين ولعلّ ذلك يعد طبيعيا نظرا لما شهدته البلاد التونسية من   «اختلاط الجنسيات والثقافات الناتجة عن انتصاب الحماية الفرنسية في تونس منذ أواخر القرن التاسع عشر والذي كانت له تأثيراته السلبية والايجابية على جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية»10، والفنّ «لم يقف على حياد من هذه التغييرات والموسيقى بصفة خاصة تأثرت كثيرا وأبت إلاّ أن تشارك وتترجم الواقع المعيش كما أنها رفضت أن  تبقى  بمعزل عمّا يجري  خاصة بعد ظهور الفونوغراف سنة 1905 الذي أصبح من الميسور بفضله أن نسمع إبداع ما أخرجت عبقرية الفنّ الجديد»11.

وقد تأثّر الذوق الفني العام للتونسي في بداية القرن العشرين بشكل كبير بهذه التيارات الموسيقية «لاسيّما الغناء الشرقي المصري والحلبي والموسيقى الغربية الأوروبية تلك التي حاول المستعمر غرسها في الوسط الثقافي التونسي قصد اجتثاث الناس عن جذورهم العربية الإسلامية وكذلك موجة الأغاني الهابطة لحنا وكلمة والتي أصبحت موضة طائفة من المغنين أغلبهم من اليهود»12.

رغم هذه الظروف المتقلبة والتأثيرات الخارجية التي سُلّطت على المواطن التونسي في بداية القرن العشرين إلاّ أنّ المجتمع كان في حالة توق إلى التجديد والخلق، ولقد كانت الموسيقى في خدمة هذه التطلّعات نظرا لاعتبارها شكلا من أهمّ الأشكال التعبيرية «فهي تعكس وعيا جماعيا وتقدم سجلا حيّا يكشف عن طبيعة الأفراد وقواعد سلوكهم وأنماط حياتهم العلمية والفكرية والشعورية».

فبالرغم من عدم وجود إذاعة أو تلفزة في تلك الفترة ظهر الكثير من الفنانين على الساحة الفنية، ولقد تعددت المجالات التي  كانت تبرز فيها هذه الفئة من الفنانين وهي حفلات الأعراس وليالي رمضان والمناسبات الدينية وحفلات أخرى داخل بعض البيوت من هواة الفن التي تساعدهم على الظهور والنجومية وإبراز مواهبهم وطاقاتهم. «فبالإضافة إلى حفلات الزواج والحفلات العامة التي تقام في الساحة العمومية كانت في تونس طبقة اجتماعية تحبّ الفن من أجل الفن تنظّم له سهرات داخل البيوت يلتقي فيها الفنان والعازف والسامع لإحياء سهرات مشتركة عائلية يستمع فيها الجميع للغناء والتقاسيم وأيضا لأداء الشعر13.

وبما أنه لم تكن توجد نواد خاصة بالفنانين والشعراء والأدباء عامة في تلك الفترة فإنّ وجود الجمعيات التمثيلية ساعدت العديد من الفنانين على ممارسة هواياتهم خارج بيوتهم وعائلاتهم، «ففي المسرح كانت جلّ التمثيليّات تعمد على إدخال بعض الأغاني في العروض التمثيلية والشبيهة بالأوبريت تماشيا مع رغبة الجماهير لسماع الفن والطرب الغنائي مع التمثيل ليضفي مزيدا من الفرجة»14. 

ولقد مثّلت هذه العوامل والظروف سببا رئيسيّا «لظهور بوادر لنهضة كبيرة في مجال الموسيقى، فنشطت الساحة الموسيقية بظهور ألوان وأنواع موسيقية جديد»15، ولعلّ ذلك يعود أساسا إلى ظهور نخبة من الموسيقيين الذين كان لهم دور كبير في تحديد سمات الموسيقى التونسية المعاصرة.

 فماهي إذن أهم الألوان الموسيقية التي كانت رائجة في بداية القرن العشرين؟              

     الألوان الموسيقية الرائجة في مطلع القرن العشرين:

    -    المالوف:

المالوف التونسي «هو نمط غنائي مألوف عند التونسيين.اشتهروا بترديده واحتضنته الذاكرة الجماعية جيلا بعد جيل»16.  وهو «عبارة عن أشعار غنائية انتخبت من قصائد وموشحات وأزجال»17.  ولقد تمّ تداول هذا المالوف عن طريق الرواية الشفوية إلى أن تم تدوينه في الأسفار الرسمية والتي عددها عشرة أسفار18. وبالاعتماد على هذه الأسفار يمكن تقسيم المالوف إلى ثلاثة أقسام:

1.    النوبات19 التونسية: ويبلغ عددها ثلاث عشرة نوبة وتترتب كالأتي:

    نوبة الذيل، نوبة العراق، نوبة السيكاه، نوبة الحسين، نوبة الرصد، نوبة رمل الماية، نوبة النوى، نوبة الإصبعين، نوبة رصد الذيل، نوبة الرمل، نوبة الاصبهان، نوبة المزموم ونوبة الماية.

2.    القطع الآلية: وهي مجموعة من القوالب الموسيقية الآلية كالبشارف20 والسماعيات.

3.    القطع الغنائية: هي مجموعة من القوالب الغنائية أضيفت للنوبات وشملت الأزجال21 والفوندوات22 والأشغال23 والموشحات24.

    -    الموسيقى الشعبية:

1.    الغناءالشعبي:

يعتبر «الغناء الشعبي في تونس جزءا لا يتجزّأ من ممارسة النّاس اليومية يحضر في كل مجالات نشاطهم ويعبر عن نظرتهم للحياة وعوائدهم وقد ارتبط الغناء الشعبي أساسا بالصنائع والحرف»25.

 ويمكن لنا أن نرصد نوعين من الأغنية الشعبية وهما:

    -    الأغنية الشعبية البدوية26. 

    -    الأغنية الشعبية الحضرية27. 

2.    حلقات الذكر والإنشاد:

في كتابه الأغاني ذكر الرزقي يقول:

«ولقد انتشرت هذه الحلقات لدى مختلف «الطرق الصوفية» التي كان عددها يزيد على 10 طرق من أبرزها العيساوية والقادرية والعزوزية والسلامية والرحمانية والتيجانية والشاذلية وهي وإن كانت أذكارها وأناشيدها تحتكم إلى الضوابط الإيقاعية والنغمية للموسيقى التونسية (المالوف) فإنها لا تعتمد الآلات، إلا الطريقة العيساوية التي تصاحب أذكارها آلات الإيقاع فقط كالبندير والنغارات، أو الطريقة العامرية التي تعتمد آلة الزرنة (الزكرة) إلى جانب آلات الإيقاع»28.

ولقد ارتبطت هذه الحلقات «بالتصوف»29 «الذي يعود ظهوره في تونس إلى القرن الثاني للهجرة»30، كما خصّص لهذه الطرق مكانا يجتمع فيها المنتسبون لطريقة ما للقيام بالإنشاد والذكر ويسّمى هذا المكان بالزاوية.

3.    الموسيقى المشرقية:

إنّ انتشار الحاكي واسطوانات مشاهير الغناء في المشرق العربي أدى إلى «انتشار الغناء المشرقي بين الناس وخاصة عند العامة الذين حرصوا على التواجد في المقاهي والفضاءات الخاصّة التي تؤمّن الاستماع إلى أشهر المطربين والمطربات»31. 

«فانتشر الغناء والعزف الشرقي وكثرت نوادي الموشحات وعوضت حفلات المالوف بحفلات الموشحات والأدوار الشرقية والمصرية»32 كما تأثّر عديد الملحنين والفنانين التونسيين بهذا اللّون وغلبت على أعمالهم الموازين والمقامات الشرقية ولعلّ من أبرز هؤلاء الملحنين نذكر الشيخ احمد الوافي33. والشيخ خميس ترنان34 الذي قام بتلحين نوبة كاملة في مقام النهوند وعنوانها «نوبة الخضراء»35.

قراءة في مضمون أغنية «يَا حَمَامَة طَارِتْ»:

1)    أغنية «يَا حَمَامَة طَارِتْ»36 من الشعبيّة إلى التغنّي بقيم الشعب

 «يا حمامة طارت» هو عنوان أغنية تنتمي إلى النمط الغنائي «الرّابْ» وقد قام بأدائها كلّ من «الشابْ بَشيرْ» و«أَرْمَاسْتَا» وهي عبارة عن أغنية مزدوجة تم فيها مزج نمطين مختلفين من الأنماط الغنائيّة المتداولة في تونس ونعني بذلك «الأغنية الشعبية» وأغنية «الراب»، والواقع أنّ هذا المزج بين هذين النمطين يُعد من الابتكارات الفنية الجديدة فيما يتعلّق بالإنتاج الغنائي التونسي خصوصا وأنّ أغنية «يا حمامة طارت» هي في الأصل أغنية شعبية من التراث تمّ توظيف لحن المذهب وكلماته في صياغة هذا الأنموذج الغنائي. وقد تمّ تصوير هذه الأغنية على طريقة الفيديو كليب وتنزيله على الصفحة الرسمية للفنان «أرماستا» وقد لاقت رواجا كبيرا لدى فئات عديدة من المجتمع التونسي إذ بلغ عدد المشاهدات لفيديو36 هذه الأغنية أكثر من 100 مليون مشاهدة وقد تصّدرت المشهد السمعي البصري في تونس لعدة أشهر منذ تاريخ تنـزيلها يوم 8 أكتوبر2016.

واعتمادا على النص الشعري لأغنية «يا حمامة طارت» يمكن القول بأنّ البناء الشعري قد تمّ نظمه باعتماد أسلوبين مختلفين من الكتابة: الأولى تخصّ جزء المذهب الذي يتمّ إعادته بعد أداء كلّ بيت وفيه نجد مفردات شعبيّة بدويّة أمّا الأسلوب الثاني فمجاله بقيّة أبيات الأغنية التي نظمت بمفردات شعبيّة محليّة متداولة في الأحياء الشعبيّة الحضريّة تُتداول كثيرا في  نصوص أغاني «الراب».

2)    كلمات نص أغنية «يا حمامة طارت»: معانيها وقيمها

جدول: تحليل الخطاب اللفظي في أغنية «يا حمامة طارت»

النص باللهجة العامية النص باللغة العربية المعنى القيمة
يَا حْمَامَة طَارِتْ ، طَارِتْ لِلْعالِي العالِي تِشكِيلُو يَا ، يَا لُمِّيمَة يَامَّا العالِي تِشكِيلُو واه ،يَا زَهرِي يَامَّا، واشنْدنِّيلُو يَا يَالُمِّيمَة يَامَّا ، كَانْ جَاء قولِيلُو واه يا حمَامَة طارتْ، طارتْ إلى العالي، تناجي لله، يا أمّي يا أمّي يا لَحظّي يا أمّي ماذا أفعلُ له يا أمّي لو أتَاني قولي له آه يخاطب المتكلم أمّه مناجيا الخالق محاورا الطير شاكيا همّه الشكوى الضعف
عيش حْيَاتِكْ كِيمَا تْحِبْأَنْسَاهَا النَّاسْ ديمَة لَابَاسْ، سَرْبِينِي عابِيلِي كَاسْ الرَّاسْ رْزُنْ، مِن الهَلْوسْ سَوسْ شيطَانْ وسْواسْ، وعرِيبَ تْبِيعكْ بِنْحَاسْ فِي ضَهْرِكْ غَدرُوكْ، يِضْويو علَى غِيرِكْ اليُومَرْمَاووكْ، والبَارَحْ غَاطْسِينْ فِي خِيرِكْ تُوفَى فْلُوسِكْ، اِيجِي غِيرِكْيِذِلُّو كِي طَاحِتْ بِينَا لَا سَالُو لَا طَالُّو إيعيشوا بْنِفَاق مْعانَا مَا مَلُّو عاشوا بْـخِيرْنَا و عينِيهُمِ تْحَلُّو خَرْجِتِإسْكَاكِنْهُمْ وقتِاِلِّي حَكِّتْ لُورَاق حْسِبْنَاهُمْ ذْهَبْيَاخِيطَلْعو فْحَمْ سْحَاق مَا يِشبَعمِالدنْيَااِلِّي تْرَبَّى مُشتَاق واصْحَابِكْ لِي بَاعوكْ مَا يِسْواو بْزَاق نِفَاق و حَسْد، وكْحَالِتْ لِقلُوبْ لِي مْشيتِ مْعهْ بْنِيَّة ، كْلَالِكْ لَحْمِكْ كِي المَكْلُوبْ عش كَما شئتَ وانسَ الناس اسقينِي واملأ ليَ الكأسْ ثَقلَ الرّأسُ، الهَلوسة فالشيطانُ وسواسْ. ومن حولكَ يبِيعونكَ بالنُّحَاسْ غدرُوا بكَ في ظَهركَ، تَرَكُوكَ اليَومْ، وبالأمسْ يَنتَهٍي مالُكَ ويأتِي غَيرُكَ عليه الذلَّة عندما ضعفنا لمْ يسألوا عنّا ولم يؤازرونا يعيشونَ معنا بالنفاق والغدرولم يملُّوا أخرَجوا لنا سُيوفهم وقت الضيق كنّا نعتقد أنهم من عيار الذهب فاكتشفنا أنّهم من عيار الفحم الرديء لا يشبع منَ الدنيا منْ تربّى محروما من تعاملتَ معه صادقا أكل لحمَكَ مثل الكلب المسعور التعبير عن معنيي التّحدي والتصدي لمن خان وغدر يعيب المتكلم غدر الأصحاب وخيانتهم الشكوى الغدر الخيانة النفاق الوصوليّة
بِطْوالِ المُدة تِفْرِزْ بِينِ ذْهَبْ ونْحَاسْ وكْلَامْ هَا النَّاسْ ، مَا خَلَّاكْلَابَاسْ سَرْبِينِي زِيدزِيدعبِّيلِيفِي الكَاسْ مِنْهُمْ رِينَا كَانْ هَدرَة و وجِيعتْ رَاسْ فِي رَاسِكْ هَبْلُوكْ يِحِبُّوكْ فْقيرْ يِتْقصْ جْنَاحِكْإنْتِ كَانْ تْحِبْاتْطِيرْ تَضْوي عـالغِيرْ الشمْعة لْتُشعلْ فِي دارِكْ يَحْكِيو فِي ظَهْرِكْ هُومَا فْتَاو أَسْرَارِكْ خُلْطَة ومَّارِكْ مَا تَنْفَع مَا تْضُرْ سْقينَاهُمْ بِيدينَا يَاخِي شرْبُونَا المُرْ بِنْسَاهَا بِرْجَالْهَا تِدوانْ وتِتْغَرْ وانَا يَا لُمِّيمَة مَا عنْديش الزْهَرْ يَا دنْيَا دورْدورْ بِينَا ورِّينَا ، آش مَازَالِتْ فِالعينْ تْشوفْ طَالْ صْبَرْنَا يَا امِّيمَة مَلِّينَا يَا لَيَّامْ علِينَا رُوفْ على مرّ الزمان تسطيع التفريق بين الذهب والنحاس إنّ كلام الناس يجعلكَ في بأس اسقيني واملأ الكأس لمْ نَر منهم إلاّ الحديث ووجع الرأس يقطعون جناحك إذا أردتَ أن تطير الشمعة التي تنير دارك لا تنير إلا غيرك أفشوا أسرارك فنالوا جزاء فعلهم يا أمّي لا حظّ لي طالَ صبرُناومللنا الحياة رفقا بنا أيّها الزمن   التعجيز الاحتقار اليأس الإحباط
فْهِمْتِ العالَمْبِالغَالِطْ ، اِفْرِزْ لَحْبَابْ
أَعرَفْشتْخَالِطْ يَا مَا كَارُّو علِينَا تْشلْنَا
سْهَرْنَا مْع بْعضْنَا فْتِلْنَا ، غْرُقنَا فْمِحْنَة هْتِرْنَا
تَبَّعنَا كْلَامْهُمْ لِي غَرْنَا، نْسِينَا الفِعلْاِلِّي ضَرْنَا
شكِينَا لْرَبِّي وصْبَرْنَا ، مُوش بِيدينَا مَا اخْتَرْنَا
انتق الأصحاب كن خبيرا بمعاشرة الناس انسقنا وراء كلامهم فلحقنا منهم الضرر شكونا الله وصبرنا، ليس بأيدينا ما اخترنا الدعوة إلى التأمل والاعتبار الغدر الإساءة الصبر
خَلّي نِمْشي نشكِي ، نشكِي للصِّيدا
يَايْ ولْد اللَّابَّة يَا ، يَا لُمِّيمَة يَامَّا
الصِّيد ولْد اللَّابَّة ، اِيه ولْد اللَّابَّة
عمْرِكْشي الخَرْشي ، عمْرُو يِتْرَبَّى يَا
أشكو حالي للقوي ابن اللبوة، يا أمّي يا أمّي بحياتك أرأيت نذلا يترّبَّى الشكوى من الخيانة الخيانة

 

3)    مدار النص الغنائيّ لأغنية «يا حمامة طارت» :

ينقل النص شكوى الإنسان وتألّمه بسبب ضنك الحياة التي يعيشها داخل مجتمع تسوده المشاكل والمصاعب ويدين خيانة الأصدقاء وغدرهم وشقاء الحياة.   

4)    العناصر الموسيقية المكونة للخطاب الغنائيّ في أغنية «يا حمامة طارت»:

اعتمدنا في تدويننا للأغنية على ما ورد في الفيديو المنشور على موقع اليوتيوب وقد حاولنا تقديم نصّ موسيقيّ يقوم على خط لحني واحد وذلك بحسب الطبقة الصوتية الأصلية قياسا بدرجة «اللا» معيـار (440 hrz).

اعتمادا على الوثيقة المسموعة يمكننا استخراج جملة من الخصائص الموسيقية التي تتنوع بين الجانب الإيقاعي والجانب الموسيقي«نوتة موسيقية رقم(1)»:

    علاقة الإيقاع بالدلالة:

قدمت لنا المدونة الموسيقية جزئين من الخلايا الإيقاعية الأول يشمل المذهب الذي يؤديه الشاب بشير والثاني يتعلق بالمقاطع التي يغنيها «ارماستا» ولعلّ هذه التجزئة جاءت جراء طبيعة النمط المغنّى، إذ أنّ الأول هو عبارة عن جزء من أغنية كافية (نسبة إلى ولاية الكاف) تراثية تتميز ببساطتها في صياغة لحنها وإيقاعها نتج عنها وجود أشكال إيقاعية من ذات المشالة والسوداء وحضور خلايا إيقاعية بسيطة من حيث تركيبتها وهذا ما يعكس طريقة آداء الملفوظ المغنى بوضوح من المطرب خصوصا أنّ هذا المقطع يتكرّر كثيرا في كامل الأغنية«نوتة موسيقية رقم(2)».

يَا حْمَامَة طَارِتْ ، طَارِتْ لِلْعالِي

العالِي تِشكِيلُو يَا

أما على مستوى المقاطع الشعرية الأخرى المكونة للنص الشعري فقط خصّصت لمغنّي الراب «ارماستا» الذي عرف بآدائه لنمط «الراب» وهو مختص فيه لذلك كان من البديهي أن يكون الجانب الإيقاعي مميّزا أكثر من الجانب اللحني عند صياغة الكلمة موسيقيا،  إذ وجدنا أشكالا إيقاعية متنوعة بين المشالة وذات الشيلين وهي متواترة بكثافة مما يوحي بالتركيز أكثر على تلفّظ الكلمة إلقاء وليس غناء مثال ذلك ما ورد في مقطع «نوتة موسيقية رقم(3)»: 

عش حَيَاتكَ كَمَا شئْتَ ودعكَ مِنَ النَّاس

نحنُ بخير على الدوام، اسْقني واملأ ليَ الكأس

إنّ هذا الاختلاف والتنوع من حيث البناء الإيقاعي أدى إلى وجود ثراء إيقاعي ميّزّ الأغنية.

    علاقة اللّحن بالدلالة:

انطلاقا من التسجيل الصوتي والوثيقة المكتوبة يتبين لنا أنّ هناك جملة موسيقية مميزة تمّ إعادتها كثيرا على كامل الأغنية وهي الجملة التي استهلت بها الأغنية فترجمت لنا لهجة موسيقية مميزة للتراث الكافي من خلال خطاب فني مميز سواء على مستوى آداء الشاب بشير للنّص الشعري أو على مستوى الخط اللحني «نوتة موسيقية رقم(4)».    

كان اللحن بسيطا ممتنعا ولكنّه على بساطته لحنيّا مكّن المتلقي من سرعة حفظه وإعادة غنائه خصوصا وأنّ النغمة التي لُحن فيها هذا المقطع هي نغمة المحير سيكاه وهي نغمة شعبية تتواتر بكثرة في مستوى المحيط السمعي للمجتمع التونسي ما ساعد على ترسيخ هذا المقطع كلمة ولحنا.

أما في مستوى المقاطع الغنائية الخاصة بـ «أرماستا» فإنّه لا يمكننا التغافل عن إبراز ميزة لحنية ربما انفردت بها هذه الأغنية تتمثل في تميّز مسار الخط الإيقاعي وخاصة الخط اللحني المساير للأول إذ نجد فيه إبرازا لمسافات صوتية مميزة من حيث حركاتها تحتوي على مسافة السداسية الصاعدة والثنائية الصاعدة والخماسية الصاعدة والرباعية الصاعدة والنازلة أضفت تنوعا في المسافات الصوتية ومسارا لحنيا مميزا تزامن مع إلقاء «أرمستا» للكلمات.

استنتاجات الدراسة:

1)    الجانب الفنّي للأغنية:    

    -    إنّ التغيير الذي عرفته البلاد التونسية على مستوى المشهد السياسي إبّان ثورة «الربيع العربي» والذي كانت له انعكاسات على المستوى الاجتماعي شمل كذلك الجانب الفكري والثقافي والفني ومنه الموسيقي الذي شهد بدوره تطورا في المجال الإبداعي فأفرز لنا واقعا فنيّا جديدا مختلفا يتمثل في أنماط غنائية أثّرت على الذائقة الفنية للمجتمع التونسي.

    -    إنّ تنوع الأنماط الغنائية يوحي بتنوع التذوق الفني في المجتمع التونسي ويعبّر عن دور الأغنية بصفتها عنصرا من عناصر الثقافة ومعيارا دالا على تنوع القيم الجمالية والتعبيرية.

    -    يعود الإقبال على الأغنية الشعبية عامة وأغنية «الراب» خاصة في تونس لكون هذين النمطين من بين الأنماط الغنائية الأكثر تأثيرا على ذائقة الفرد الشاب في المجتمع باعتبار وقع أثر الكلمة نفسيّا وما تحمله من مضامين تعبّر عن الواقع المعيش. 

    -    احتلّت الأغنية الشعبية المقترنة بنمط «الراب» في تونس موقعا مميّزا لدى شريحة كبرى من المجتمع التونسي خاصّة منها فئة الشباب وذلك لأنّ البناء الشعري واللحني لمثل هذه الأغاني هو بناء خال من أيّ تعقيد يُذكر من حيث الصياغة الأدبية أو الموسيقية، وذلك لبساطة النغمة والأسلوب التعبيري مع مواكبة التطور الذي عرفه المجال الموسيقي من حيث آلات التسجيل والتصورات الفنية الجاهزة على مستوى تركيبتها الإيقاعية والنغمية ما جعلها تكون مسايرة للتطور السريع في مجال التلحين والتوزيع الموسيقي في العالم بشكل عام.

    -    تحتلّ الأغنية الشعبية في تونس موقعا متميزا ومجاورا لأغنية «الراب» في مستوى الانتشار الشبابي ، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ هذه الأغنية نابعة من وجدان الأفراد تحاكي أحاسيسهم وتعبّر عن ذواتهم وتنقل شواغلهم وتعكس معاناتهم في الواقع المعيش، وهذا ما يفسّر كثرة الإقبال على الأغنية الشعبية ذات البناء اللحني القريب لنمط أغنية الراب.

    -    تُعد الموسيقى عنصرا هاما من عناصر الثقافة في المجتمعات، وهي على أهميّتها تعد بمثابة المعيار الفني الذي على أساسه يقدر به التطور الحضاري للشعوب باختلاف جنسهم وعرقهم ولونهم ولغتهم وتاريخهم وجغرافيّتهم. فالموسيقى هي العنصر الحيوي الذي يغوص في أعماق المجتمعات فيكون بذلك حمّالا لمشاعر وناقلا لأحاسيس متنوعة ومختلفة لأفراد يتفاعلون مع الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية المحيطة بهم.

    -    لمّا كانت الموسيقى هي الوسيلة التعبيرية الأقرب إلى العديد من أفراد المجتمعات، فقد مثلّت الأغنية الشعبية باختلاف أنماطها إحدى أبرز القوالب الموسيقية من خلالها يبثّ الفرد خطابه الشعري والموسيقي وعبرها يستشرف تطلعاته وآماله. ومن هذا المنطلق تكمن أهميّة عنصر التأويل ومستوى التفاعل الفني مع محتوى الأغنية ومضمونها ، إذ أنّ اختلاف الرؤى في مسألة الإعجاب والإدراك والتفاعل يعد أمرا محمودا باعتباره يولّد قيمة فنية للأغنية بغضّ النظر عن موضوعها وأسلوب صياغتها.

    -    إنّ العملية الإبداعية للأغنية الشعبية هي عملية تحكمها جملة من المعايير والمقومات الفنية التي تتولّد لدى المبدع أولا ومن المحيط الذي يعيش فيه ثانيا: فهي متولّدة في المبدع باعتبار ما يختلج بداخله من تفاعلات حسيّة وذوقية في علاقة مباشرة بخلفيّته الفكرية والثقافية والفنية من جهة وبحالته النفسية من جهة ثانية، وهي أيضا متولّدة من المحيط الاجتماعي والثقافي الذي نشأ فيه المبدع وتعايش معه فيتأثّر بها وتؤثّر فيه.

    -    تمثّل الأغنية الشعبية في تونس مادة ثقافية تحمل في بنيتها الأدبية والموسيقيّة هُويّة ثقافية ذات مقومات وخصوصيّات فنيّة وحضارية مميّزة ، وفي هذا الاتجاه، يمكننا القول إنّ هيكليّة البنية الإيقاعية واللحنيّة للأغنية وما تحتويه من عناصر فنيّة تُشكّل خطابا موسيقيّا يحمل مضامينَ ومعانيَ ودلالاتٍ تتأتى أساسا من البيئة التي تنتمي إليها كُلّ العناصر المنتجة للأغنية. وبالتالي، يمكن اتّخاذ هذه السّمات الفنية معيارا أمثل لمعرفة ملامح هُوية ثقافيّة وفنيّة وفكريّة لمجتمع ما.

2)    الجانب القيميّ للأغنية:    

    -    إنّ الرمز في كلمات هذه الأغنية متعدد الأطوار، وكثير الصور، وعميق التأثير، ويحتاج إلى تفصيلات كثيرة لإدراك أبعاده كما أنه بمثابة أداة معرفية لإدانة الهزائم التي تعاني منها الأمة في هذا العصر. ولم يلجأ الشاعر في بناء رمز الحمام إلى استدعاء الأشخاص، ولكن إلى استدعاء الأماكن (طارت في العالي) والوعي الإنساني بأبعاد هذا الرمز، وذلك لأمرين أساسيين: الأول: تحقيق مبدأ التعويض فالتطلع إلى الحرية  كان أكثر شيء يشغل بال الشاعر والثاني: استحضار كل ما قاله الشعراء على مر العصور في النصر والتفوق, والحب والعذاب، والأمل وخيبة الرجاء تجسیدا لما یختلج في نفسه وما یحلم به، وما یعایشه من واقع.

    -    لقد وجد الشاعر في طبائع الحمام إصرارا وإقداما وعزيمة ووفاء وشوقا للحب والوفاء والسلام، لهذا ظل السلام السمة الأبرز لهذا الرمز، كما كان رمزا للتقدم الحضاري وعالم جميل لطالما كان يحلم به. أصبح رمز الحمام في هذه الأغنية تجريدا للواقع وتجسيدا للذاتي، وحينها توحّد الشاعر مع الآخر نشدانا  للأمل والحلم، أو اللغة والجسد، أو الروح والمعنى، والمثالية وھكذا فقد غرّد الشاعر بین أسراب الحمام آملا بالسلم وواھبا حلمه للأجیال.

 

 الهوامش 

1.    (قناوي) هدى، أدب الأطفال، مكتبة الانجلو مصرية، القاهرة، ط.1، 1990، ص. 56.

2.    (عبد الفتاح) إسماعيل، القيم السياسية في الإسلام، الدار الثقافية للنشر، ط.1، القاهرة، 2001، ص .10    

3.    إبراهيم أنيس وآخرون: المعجم الوسيط، ط.2، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1979، ص .768

4.    (العوا) عادل، الفكر العربي الإسلامي، الإصول والمبادئ، المنظمة العربية للثقافة والإعلام، إدارة البحوث التربوية، تونس، 1987.

5.    معتز سيد (عبدالله)، محمد خليفة (عبد اللطيف)، علم النفس الاجتماعي، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، ط.1، 2001، القاهرة، ص .353

6.    محمد خليفة، (عبد اللطيف)، ارتقاء القيم (دراسة نفسية)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1992، ص .39

7.    نصر الدين (جابر)، الهاشمي (ولوكيا)، مرجع سابق، ص 169.

8.    اسكندر (نجيب) وآخرون، مرجع سابق، ص .500

9.    خواجة (أحمد)، الذاكرة الاجتماعية والتحولات السياسية من مرآة الأغنية الشعبية، تونس، سلسلة أضواء، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس ، أليف منشورات البحر الأبيض المتوسط، 1998، ص.84.

10.    10) الهدار (عارف)، أثر البيئة في تكوين شخصية الفنان محمد الجموسي، دراسة تحليلّة لأنموذج من إنتاجه الموسيقي، رسالة ختم الدروس لنيل شهادة الماجستير في الموسيقى واثنولوجيا الموسيقى اختصاص اثنولوجيا الموسيقى، المعهد العالي للموسيقى بصفاقس، إشراف الأسعد الزواري، جوان 2008، ص. 13 - 14.

11.    11) خريف (مصطفى)، "الموسيقى التونسية"، مجلّة العالم الأدبي،ع.19، السنة الثالثة، د.ن، جويلية 1932، ص .307.

12.    قطاط ( محمود)، "الموسيقى في سياقاتها الاجتماعية والحضارية"، مجلة البحث الموسيقي، البحث العلمي في الموسيقى، المجمع العربي للموسيقى، جامعة الدول العربية، مج. 5، ع.1، 2006، ص.10.

13.    خريف (مصطفى)، نفس المصدر السابق.

14.    المصدر نفسه.

15.    الزواري (الأسعد)، الطبوع التونسية من الرواية الشفوية إلى النظرية والتطبيق، ج.1، مطبعة التسفير الفني، 2006، ص.5.

16.    الزواري (الأسعد)، المصدر السابق، ص.5.

17.    الرزقي (الصادق)، المصدر السابق، ص. 194.

18.    الهدار (عارف)، العنوان السابق، ص.16.

19.    نوبات: هي جمع لكلمة نوبة وهي قالب تتناوب فيه مقطوعات غنائية وآلية بصفة منتظمة يحكمه تسلسل الموازين والخلايا اللحنية للطبع المناسب لكل نوبة.

20.    البشارف: هي جمع لكلمة بشرف، والبشرف التونسي هو معزوفة آلية تتركب من قسمين:القسم الأول يكون على إيقاع بطيء الحركة كالمربع تونسي أو السماعي ثقيل، وقسم قان يسمى الحربي ويكون على إيقاع سريع كالختم أو وزن الحربي.لمزيد الاطّلاع راجع الزواري، (الأسعد)، العنوان السابق، ص.5-17.

21.    الزجل: "اللعب والجلبة ورفع الصوت وخص به التطريب".

22.    الفوندو: هي كلمة ايطالية الأصل تعني "الماس الرفيع" ، وموسيقيا هو تأليف غنائي يكون على شاكلة المالوف.

23.    الأشغال: مفردها شغل وهو غناء من نوع التوشيح يتميز باستعماله للموازين التي تتجاوز تلك المستعملة في قالب النوبة.

24.    الأشغال: مفردها شغل وهو غناء من نوع التوشيح يتميز باستعماله للموازين التي تتجاوز تلك المستعملة في قالب النوبة.

25.    الكحلاوي (محمد)، " من مظاهر الحداثة في الموسيقى  التونسية خلال القرن العشرين" ، تونس، ع. 125، مجلة الحياة الثقافية، ماي 2001، ص.30.

26.    الأغنية الشعبية البدوية: هي التي ينتشر أداءها في الأرياف والبداوي وتكون كلماتها "مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشعر الملحون وهو النطق بلغة عربية غير معرّبة. 

27.    الأغنية الشعبية الحضرية: هي التي تعبّر عن كلّ ما يختلج في صدر التونسي من سخط الأوضاع السياسية والاقتصادية  والاجتماعية.

28.    الرزقي (الصادق)، العنوان السابق، ص.104.

29.    التصوف: من فعل صاف بمعنى "صاف عني شره يصوف صوفا أي عدل، و صاف السهم عن الهدف يصوف ويصيف أي عدل عنه".

30.    الهدار (عارف)، العنوان السابق، ص.18.

31.    الزواري (الأسعد)، العنوان السابق، ص.4.

32.    الهدار (عارف)، العنوان السابق، ص.25.

33.    الشيخ احمد الوافي: هو احمد بن حميدة الوافي، ولد سنة 1850 وتوفي سنة 1921 عاش وترعرع في وسط ثني، تعلّم عديد الألوان الموسيقية كالصوفية المشرقية والشعبية التونسية، ولقد تميّز إنتاجه الفني بالتلحين في مقامات مشرقية وعلى موازين من أصل تركي.

34.    الشيخ خميس ترنان: ولد سنة 1894 وتوفي سنة 1964 وترعرع في وسط عائلي ولوع بالغناء، كان موهوب بالعزف والغناء منذ صغر سنه، عاش في تونس منذ سنة 1917 وكون فرقة موسيقية أصبح يحيي بها السهرات في المقاهي. كان ضمن الوفد التونسي المشارك في المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقدة بالقاهرة، كما كان من ابرز المساهمين في بعث الجمعية الرشيدية سنة 1934.

35.    نوبة الخضراء: هي أول نوبة تونسية معاصرة (1956 / 1957) التزم فيها ملحنها بضوابط النوبة التقليدية من حيث عدد الأقسام والتركيبة الإيقاعية المكونة لها، مع الاعتماد في تلحينها على مقام مشرقي وهو مقام النهوند. 

36.    https://www.youtube.com/watch?v=bMDn1_x-nVA (consulté le 30/102020)

 

 

الصور

1.    https://i.pinimg.com/originals/e4/ae/06/e4ae066062745260d1897239e7bba695.jpg

2.    https://i.pinimg.com/originals/b5/50/b6/b550b61e4e76531a316df8b64583b381.jpg

 

أعداد المجلة