فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

«مشمر» اللحظة غير العابرة

العدد 58 - لوحة الغلاف
«مشمر» اللحظة غير العابرة
مملكة البحرين

يشهد العالم الحديث، خاصة في البلدان الأكثر نمواً بالمقاييس الاقتصادية، علاقة عكسية بين ألفة أُناس المكان وترابطهم، وبين الوضع الاقتصادي، إذ تشكل المدن نوعاً جديداً -بمقاييس التاريخ التطوري- من العلاقات الإنسانية التي لا تحكمها القرابة والجيرة والألفة ضمن المجموعة البشرية التي لطالما عاشت وفقاً لها، فيما بقيت القرية محتفظة بهذا النمط من الترابط، والتواصل، والمشاركة، والتبادل، بشكل يندر وجوده في مجتمع المدينة الذي تحكمه روابط سوسيولوجيا أخرى.

وبين المدينة والقرية، يمكن للملاحظ أن يلتمس الفروقات الواضحة، دون أن يكون عالم اجتماع، أو أنثروبولوجي؛ تلك الفروقات المتمثلة في علاقة الناس بعضهم ببعض. فالعولمة بأشكالها المتعددة، باتت تتغلغل في كل زقاق، وأضحت الفروقات تذوب باطراد، لتتشكل ثقافة جديدة وأنماط ملبس، ومأكل، وتفضيلات، وأخلاقيات... أحادية، تتسق مع روح المدينة، حتى في القرى والأرياف، خاصة بين أبناء الجيل الجديد، ما يتهدد روح القرية، من منظور من يرى في هذه الأحادية تهديداً!

وفي ظل السيطرة الطاغية للعولمة وأشكال الاتصال اللامحدود، تبزغ صورة هذان العجوزان، في قريةٍ يبدو بأنها تحافظ على ما تبقى من ألفة القرية وحميميتها. ففي صورة الغلاف الأمامي لهذا العدد، نذهب إلى حيث لحظة من السكينة التي تشوبها الفرحة، لرجلٍ وامرأة يقفان على باب دارهما، متبادلان الابتسامة بعفوية نابعة من البساطة، وشعور من الألفة التي يعدان لها حول أبريق شاي، أو مشروب دافىء.

وترتدي المرأة رداءً يتخذ مسميات مختلفة باختلاف لغات الشعوب ولهجاتها، ففي البحرين، وبعض المناطق الشرقية من السعودية -حيث يُرتدى مثل هذا الرداء- يسمى بالدارجة «مشمر»، أو «بشار». أما في إيران، حيث الصورة، فيسمى «تشادر» أو «چادر»؛ وهو غطاء ترتديه المرأة، يمتاز بنقوشه المستلهمة من الأشكال النباتية والهندسية، وألوانه المتعددة. وفي المغرب العربي، رداءٌ مقارب له، يسمى «حايك» أو «سفساري»، لكنه يمتاز ببياضه دون زخارف وألوان. أما الرجل فيعتمر قبعة رأس قريبة من تلك التي ترتديها بعض الشعوب القاطنة في آسيا الوسطى، وشرق أوروبا.

وإذا تأملنا مسألة أغطية الرأس، للرجال والنساء، فإنها مسألة تستحق الدراسة والتفحص، لأنها تشكل مشتركاً إنسانيا، فلطالما حرصت الشعوب على أن ترتديها، ليس لغرضٍ ديني فقط، بل لأغراض متعددة. ولهذا نجدها، إذا ما عدنا للألبسة التقليدية للشعوب، شائعةً لدى كل الثقافات حتى البدائية منها، التي تعيش عاريةً، إلا من أغطيةٍ بسيطة، إذ تحرص على غطاء الرأس باختلاف تمثلاته، كما لدى قبائل «بابوا غينيا الجديدة»، وبعض قبائل «الأمازون»، و«الكاسا | Kasa» في اليابان، والقبعة المخروطية في شرق وجنوب شرق آسيا...

وقد اتخذ غطاء الرأس العديد من التمثلات، فنجد العديد من الديانات تتخذه رمزاً، كما الـ «كيباه» اليهودية، و«القلوسة» و«السكوفيه» و«القلنسوة» المسيحية، والعِمّة لدى الطوائف الإسلامية، أو الطاقية «القحفية» التي تتخذها العديد من الشعوب، الآسيوية بشكلٍ خاصة، رمزيةً على انتمائها الديني، بالإضافة لأغطية الرأس في البوذية والزرادشتية وغيرها... أو تلك الخاصة بالرمزيات السياسية والاجتماعية.

أعداد المجلة