فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

الطقوس والممارسات المرافقة للمولود الجديد بقصبة الجزائر

العدد 57 - عادات وتقاليد
الطقوس والممارسات المرافقة للمولود الجديد بقصبة الجزائر

د. فاطيمة سكومي - الجزائر

تنوعت المعتقدات الشعبية العربية فتوزعت جغرافيا وتاريخيا، كما لعبت لعبتها في المخيلة الإنسانية وفي الواقع المعاش على حد سواء، ورغم أن العالم في تطور دائم إلا أن ذلك لم يمنع من استمرارها خاصة في المجتمعات التي تحكمها ثقافة تقليدية أو ثقافة شعبية واسعة، إذ يسهل في حالتها التشبث بالماضي العتيق وبالتفاصيل المتجذرة التي تزينها، وهناك أماكن عربية متعددة تعبق برائحة التراث وتتجمل بثوب التفرد فحسب F.Boas: «كل ثقافة تعد ظاهرة فريدة وخاصة»(1)، من بين هذه الأماكن قصبة الجزائر العاصمة.

«القَصْبَة» كما ينطقها الجزائري، عند ذكرها يحضر القول الشعبي «من لم يزر القصبة لم يتمتع بجمال العاصمة بعد»، لكن اشكالية الجمال هنا لا تأخذ البعد الشكلي بل يكمن رونقها في المزيج الثقافي والتراثي المتجانس المادي وغير المادي، العمراني والاجتماعي-الأنثروبولوجي، التاريخي والجغرافي، لذلك لا يجوز لزائر الجزائر أن لا يحط رحاله بالقصبة لأنها ستلخّص له حكاية الجزائر العميقة، كما تعتبر من أكبر وأشهر الأحياء القديمة في الجزائر وتصنف ضمن المواقع الأثرية العريقة، إضافة إلى أن هذا الحي بموقعه ومعالمه وهندسته يعدّ شاهدا على ذاكرة الأمة وتاريخ المجتمع الجزائري، لاحتوائه على أكبر تجمع عمراني لمبان يعود تاريخ بنائها إلى التواجد العثماني بالجزائر الذي دام لأكثر من ثلاثة قرون (1516_1830م)(2).

إذ يتجسد بين «زنيقاتها»(3) الملتوية وخلف الكثير من جدران «دويراتها»(4) حكايات واساطير وخرافات وطقوس، تكاتفت لتصبح موروثات ثقافية تطبع اليوميات والمناسبات خاصة بالنسبة لنساء القصبة، نساء يلتحفن بـ«حايك» أبيض اللون يمشين في حياء بين أزقتها الضيقة، يستحضرن ذكريات وصورا عالقة في الأذهان ومعبرة عن ماض جميل، وحتى وان انحسرت العديد من عاداتها مع رحيل الكثير من سكانها الأصليين أو قدوم وافدين جدد من أصول مختلفة (ما أحدث نوعاً من التثاقف والمثاقفة)، إلا أن الإصرار على التمسك بما يمكن إنقاذه من تراث كان أقوى من أن يمحى كليا، لذلك نجد أغلب سكان القصبة يعيشون مع الذكريات محاولين قدر الإمكان إعادة إحياء ما أفل منها.

من بين العادات التي تحاول الصمود تلك الطقوس المرافقة لولادة المولود الجديد، فلكل مجتمع خصوصياته التي يتفرد بها وهناك ما يشترك فيها مع مجتمعات أخرى، وللقصبة هذه الخصوصية التي كان لنا الحظ في تجربة معايشتها المباشرة، وسط ساكنتها لمدّة لا تقل عن اثني عشرة سنة، أصبحنا فردا منها وسجّلنا ممارساتها الاجتماعية بعين السوسيو-أنثروبولوجي في محاولة لمعرفة ما تعنيه وما توحي به، وجدنا أنفسنا بعد ثلاث ولادات في القصبة نسجل ما لاحظناه، ما نصحنا به، ما أمرنا به وما نهينا عنه من طرف نساء كبيرات في السن غالبا، قريبات وجارات.

هو موضوع رأينا أنه يستمد أهميته من كونه يدخل ضمن مجال المعتقدات الشعبية التي تقتضي محاولة التفسير لحملها دلالات ومعاني تعكس تراتبا ثقافيا ضاربا في القدم، غير أننا سنكتفي في هذا المجال بتعدادها وجمع عناصرها، محاولين مسارعة الزمن الذي أصبح ينذر باندثار العديد منها ،بسبب عمليات الترحيل التي طالت مئات الأسر ولا تزال مستمرة خوفا من انهيار البنايات على قاطنيها، منها ما أصبحت تمثل خطرا حقيقيا على حياة العائلات بسبب تآكل الجدران واهتراء الأسقف وتدهور حالة السلالم...الخ، لذلك حاولنا تداركها قبل ضياعها كموروث ثقافي يحاول التشبث في ظل التحولات والتغيرات المتسارعة.

القصبة هي مدينة جزائرية تواجدت منذ أكثر من 2000 سنة بعد قيامها على الأطلال الرومانية «أكزيوم»، ويعود تاريخ تأسيسها إلى العهد العثماني بعدما وضع حجرها الأساس القائد «عروج بربروس» سنة 1516م وأكمل بناءها «خيدر باشا» سلطان القسطنطينية سنة 1592م(5)، صنفت ضمن التراث الثقافي العالمي عام 1992 من طرف منظمة اليونسكو، تطل على البحر الأبيض المتوسط وتشبه المتاهة في تداخل أزقتها الكثيرة والمتقاطعة والتي تنتهي دائما بأبواب المنازل. كانت القصبة عبارة عن حصن يغلق ليلا وله عدة أبواب في جهاتها الأربع، حماية لأهل المدينة من خطر الهجوم الاسباني، ورغم قدمها إلا أنها لا تزال آهلة بالسكان.

تلهم زائرها بإحساس جميل مرتبط بماض أجمل وهو يجول بين المحلاّت ودكاكين الحليّ والتحف التقليدية والملابس وأسواق وطاولات الخضر والفواكه، وسط تلك الأزقّة الضيّقة والمتشعبة التي لا تخلو من السلالم صعودا ونزولا ولكل منها نشاطها الحرفي فهناك «زنيقة العرايس» و«زنيقة الحدادين» و«زنيقة النحاسين»، أين لا يمكن للمركبات السير داخلها حيث يضطرّ موظفو النظافة إلى يومنا هذا إلى استخدام الحمير لنقل القمامة.

كما تعد مركزا سياحيا هاما لما تحتويه من آثار عريقة وقصور غاية في الجمال والتصميم، فهي من بين أقدم المدن التاريخية عبر العالم، ونظرا لأهميتها التاريخية والاجتماعية والتراثية زارها ولا يزال يزورها العديد من المؤرّخين والأدباء والشعراء، وعلماء الآثار الجزائريين والأجانب لدراسة معالمها العمرانية والتاريخية، كما تعتبر مصدر إلهام للعديد من الفنانين التشكيليين الذين انبهروا بسحرها فحاولوا تجسيد أصالتها في لوحاتهم لتكون هذه الموروثات مخلدة لعراقة المدينة ومجسّدة لآثارها على صفحات الحاضر، بعدما وقف أبدع الفنانين أمام سحرها الأخاذ منهم محمد راسيم.

تتميز القصبة بهندسة بيوتها الجميلة بمعمار إسلامي بسيط ومتميز فخارجيا كلها مطلية بالأبيض، أبوابها خشبية متينة ذات أقواس ونوافذها صغيرة مزينة بقضبان حديدية، البنايات متقاربة جدا بل متلاصقة ويمكن المرور من دار إلى أخرى عبر السطح(6)، وما يلفت الانتباه أيضا هو وجود الدعامات الخشبية في كل مباني القصبة تقريبا خصوصا العالية منها، أين استعملت طيلة تاريخ وجودها لضمان اتكائها عليها وحماية لها من الانهيار.

أما داخليا فهي متشابهة أيضا، إذ تحتوي كل البيوت على ساحة مربعة الشكل تعرف بـ«صحن الدار» أو «وسط الدار» وبئر ونافورة ماء، هذه الساحة محاطة أيضا بأعمدة مقوسة تقع من حولها كل غرف البيت والتي تتّسم بالصغر والتشابه، نوافذها صغيرة مزينة بقضبان حديدية، وتستخدم نساء القصبة ساحة المنزل لغسل الأواني وغسل الملابس والطهي.. الخ.

- أما سطح المنزل فهو مكشوف ومخصص للعنصر النسوي تحديدا، وهو ما ذكره «Benjamin SARRAILLON» بل حتى رسمه: «الأسطح هي أكبر متنفس للمرأة المسلمة، عزلة خالدة، تستغلها لأقصى حد، الرجال لا يحق لهم التواجد بها»(7) يستخدم لنشر الغسيل ولالتقاء النسوة وتبادل معارفهن والترفيه عن أنفسهن سواء بين الجارات من نفس الدويرة أو مع جارات من سطوح أخرى، كما يتعاونّ في صنع حلويات العيد أو حلويات الأفراح وسط فرحة ونشاط جماعي، تتشاركن في صنعها بكميات كبيرة وأنواع مختلفة، فهذه المجموعة تعجن والأخرى تطبع وتزين وتلك تطبخ وبعد الانتهاء يتقاسمنها مناصفة، ولحدّ اليوم لا تزال نساء العاصمة والقصبة تحديدا تتفنّن في صنع الحلويات التقليدية مثل «الدزيريات»، «مقروط اللوز» و«التشاراك المسكّر» التي لا يغيب عنها اللوز والعسل، ويستخدم السطح أيضا لإقامة الأفراح بوضع كراسي للجلوس عليها وزرابي في الوسط وتزيينه بالورود، ومن أجل سير حفل الزفاف أو الختان أو العقيقة في جو بهيج، تقام السهرات بالأغاني التراثية المسلية والتي تبدأ دائما بـ«التقدام»(8) التي تلقيها غالبا الجدات وسط مشاركة وحماسة الحاضرات.

- تقطن بـ«دويرات» القصبة عائلات توارثت المنازل أبا عن جد كما توارثت العادات والتقاليد والقيم، وهناك أخرى بيعت لعدة أشخاص، لذلك نجد بـ«الدويرة» الواحدة أكثر من عائلة، إذ تملك مثلا غرفة بالطابق السفلي وأخرى في الطابق الثاني، كما نجد في الطابق الواحد أكثر من أسرة يتشاركون «السحاين»(9)، كما يتشاركون الحمام أيضا إذ يوجد واحد فقط في كل طابق. هذا التقارب المكاني لأسر من أصول مختلفة زاد من التنوع الثقافي والاجتماعي ومن تبادل المعارف، وهو ما أثرى الممارسات الشفاهية التي تناقلتها الأجيال عن الحياة اليومية النسوية خاصة، بعد أن انسجم الوافدون مع السكان الأصليين، وسكان القصبة القدماء أصبحوا يعيشون اليوم مع الذكريات فكثر حنينهم لأيام الماضي، وقد عبر عن ذلك «Djaffar LESBET» في مقدمة كتابه عن قصبة الجزائر بـ«القصبة، ماض في الحاضر»(10).

رجل القصبة أو «القصباجي» ينعت بصفات عديدة منها: الحياء، الشجاعة، الشهامة، البساطة..، يروح عن نفسه خارج الدويرة في المقاهي الشعبية التي لا تزال قائمة منذ الفترة العثمانية إلى يومنا هذا، والتي كانت تستقبل فرقا موسيقية في شهر رمضان وفي المناسبات الدينية مثل المولد النبوي الشريف. كما اشتهرت القصبة بالمديح الديني وبالأغاني الشعبية الأصيلة التي كانت تؤدى باللهجة العامية في مقاهي القصبة والتي أصبحت على ارتباط وثيق بالمجتمع وتمثل موروثه الثقافي والاخلاقي، فإضافة إلى الموسيقى الجميلة وجودة الكلمات وبساطة الإلقاء التي كانت تميزها، ما كان يجذب المستمعين أكثر هو الرسالة الأخلاقية التي كانت تدعو اليها من خلال احترام العادات والتقاليد والابتعاد عن المعاصي.

من بين من اشتهر بأدائها: «الحاج محمد العنقى» والذي يعدُّ الأب الروحي لموسيقى الشعبي أو «كاردينال» الأغنية الشعبية –كما يطلق عليه- أبرز ما أدّى «سبحان الله يا لطيف»، وهناك أيضا «الحاج الهاشمي قروابي» و«الشيخ الحسناوي» و«عمر الزاهي» و«عبد القادر شاعو» الذي تميز بقصيدته الشهيرة «القصبة وأنا وليدها» وغيرهم ممّن عاشوا في هذا الحي وتشبعوا بعبق خصوصياته وبجمال تفاصيله.

إن ما عايشناه في حي القصبة يعتبر تجربة اجتماعية وثقافية فريدة بالنسبة لنا، فقد كان لنا الحظ في العيش والتعايش مع العديد من الأسر في دويرة واحدة، وكل أسرة لا يقل عدد أفرادها عن ستّة أشخاص، كنّا ننتبه لكل ما يلفت انتباهنا، ونحاول تدوينه في يومه، إذ كان التحقيق الميداني هو السبيل الوحيد لدراسة هذه الخصوصية الثقافية.

لذلك فتسجيل نصائح من نساء القصبة (خاصة كبيرات السن) بشأن تربية المولود الجديد وحمايته ووقايته من علل جسدية وغير جسدية بل حتى غيبية، يدخل ضمن ملاحظاتنا (الميدانية) المستمرة لطبائع أدركنا أنها تميّز مجتمع القصبة(11)، هناك من يصنفها في خانة الخرافات والأساطير، ونحن نصنفها ضمن الخصوصيات والمميزات الثقافية التي لا يمكن ملاحظتها ودراستها إلا من خلال التحقيق الميداني.

هي ممارسات شدّ انتباهنا إليها انتشارها الواسع في الثقافة الشعبية النسوية خاصة، وتحولها إلى ممارسة جماعية وسط حرصهن على استمرارها، كما أنها تعتبر جزءا من مجموعة واسعة من المنتوج الثقافي الجزائري من خلال انتمائها إلى التراث اللامادي الذي يعتبر عاملا مهما في الحفاظ على التنوع الثقافي وعلى مختلف المعارف والمهارات التي تنتقل من جيل إلى آخر، وبما أن الأنثروبولوجيا تحتوي الكثير من الفروع التي تختلف باختلاف الموضوعات التي تتناولها وتعالجها، فإن هذه السلوكيات تعتبر في الغالب منتوجا صرفا للأنثروبولوجيا بتفرع تخصصاتها، لذلك ينحصر هدفنا العلمي في دراسة هذه العادات مهما كان تصنيفها، سواء كانت طقوسا أو خرافات أو ممارسات رافقت المولود الجديد في الأشهر الأولى من حياته، وبالتحديد من يومه الأول حتى بلوغه ستة أشهر.

حصرنا حدود دراستنا في فضاء حي القصبة، بما أننا عايشنا مجتمعها وكل فترات الأمومة كانت بها وسط نصائح وتنبيهات وتحذيرات عينة من نسائها.

هذه النصائح والتنبيهات تحمل قيما ضمنية تعتقد نساء القصبة أنها وقائية أكثر وأنها تحمي المولود الجديد وتشفيه في حال علة ما، كنا نسجل في هذا المجال ملاحظات تعكس تصورات نسائها اللواتي كنّ يحرصن على أن نطبق بالحرف الواحد كلّ ما ينصحن به. على الرغم من أن هذه النصائح تبدأ منذ فترة الحمل، لذلك نجد من يحتفظن سراّ بحملهن لأطول فترة ممكنة بدون إخبار أحد من الجيران وحتى من بعض الأقارب، حتى تصبح ملامح الحمل واضحة للجميع، خوفا من الحسد والعين(12).

كما أنه غالبا ما يتوقعن جنس المولود بدون تدخل طبيبة أمراض النساء، إذ تستطيع العديد من نساء القصبة تحديده بمجرد القاء نظرة على شكل بطن الأم، فإذا كان الانتفاخ طولي الشكل فسيكون المولود ذكرا وإذا كان دائريا فستكون فتاة، كما أن رؤية المولود الذكر في الحلم يفسّرنه على أن الحامل سترزق بفتاة والعكس صحيح.

ومن خلال معايشتنا للظاهرة، حصرنا الملاحظات والممارسات التي سجّلناها واختزلناها على شكل النقاط التالية، لكن قسمناها حسب تصنيفاتهن وإن كان فيها العديد من التداخلات:

ما يعتقدن أنه اتباع للسنة النبوية:

- أوّل ما يولد الطفل يؤذن في أذنه اليمنى، وتقام الصلاة في اليسرى بصوت معتدل، يقوم بذلك والده أو أحد أقربائه الرجال، وذلك بعد الولادة مباشرة بحيث يسمعه المولود ولا يُؤذيه وهو من السنّة النبوية، وقد أبدى ابن القيم الحكمة في ذلك، فقال «سرّ التأذين أن يكون أول ما يقرع سمع الانسان متضمنا كبرياء الربّ وعظمته، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها في الاسلام، غير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه وتأثره به»(13) ولها فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الآذان وهو الذي كان يترصده حسب الاعتقاد الشعبي السائد.

- بعد سبعة أيام من مولد الطفل يتم الاحتفال بازدياده، ويسمى هذا الاحتفال بالـ«عقيقة» وهي من السنة النبوية أيضا، وتُشبه حفل الزفاف أو عرسا مصغرا، وتحرص الأسر الجزائرية وحتى العربية عامة على الاحتفال بمرور أسبوع على ولادة الطفل الجديد ويمكن أن يؤجل، وليس لذلك علاقة بالحالة الاقتصادية للأسرة فحتى لو كانت الأسرة تعاني ضغوطا مالية فإنها تحرص على إحياء هذه العادة حسب مقدورها، حرصا منها على دعوة الأهل والجيران والأصدقاء هدفها الإعلان والاحتفال بازدياد المولود الجديد، كما يتم حلق شعره والتصدق بوزنه.

وتتعدّد طقوس الاحتفال بـ«العقيقة» بتعدد وتنوع الموروث الذي ترتكز عليه أعراف وتقاليد كل منطقة، وفي القصبة هي فرصة للتعبير عن الفرحة من خلال إقامة وليمة يتم فيها دعوة الأهل والأحباب إلى هذه العقيقة، وهي عبارة عن ذبح كبش إذا كان المولود بنتا وكبشين إذا كان المولود ذكرا وتنظيم وليمة غذاء، وسط فرحة وزغاريد النسوة، وفي المساء يتمّ شرب القهوة وأكل الحلويات مرفوقة بـ«الطمينة والمشوشة» وغيرها من الحلويات التي تحضّر خصيصا في هذه المناسبة، كما تقوم النساء بالغناء على إيقاع «الدربوكة»(14) وغالبا ما يحدث ذلك في سطح «الدويرة» أو «وسط الدار» إذا كانت واسعة، كما يُقدّم المدعوون هدايا وأموالا للرضيع تعبيرا عن تهانيهم لازدياده. ويلبس الطفل أبهى الملابس ويداه الصغيرتان مخضبتان بالحناء، وهناك من يضع الكحل على عيني المولود وعلى حاجبيه لكي يتمتع بعيون وحاجبين سوداوين عندما يكبر.

ما يعتقدن أنه حماية من العين والحسد والجن:

- أوّل ما إن تخرج المرأة من المشفى حتى يوضع تحت لسانها خليط ووراء اذنيها وأسفل قدميها، وهذا الخليط تحضّره أم الزوج غالبا أو أم الزوجة، تُكوّنه من دقيق وزيت، وأيضا خليط آخر يوضع في منديل ورقي أو أي قطعة قماش أساسه كمون وملح..، تحمله النفساء في يدها لترميه خلسة عند عتبة باب المنزل قبل دخولها هي ومولودها، والغاية من ذلك حسب تفسيرهّن هو حماية الأم ومولودها من عين وحسد الجارات.

- غالبا ما يوضع مصحف صغير قرب رأس المولود على وسادته، لحمايته حسب قولهنّ من «ترصُّد الشيطان» له ومن «العين الحاسدة»، كما تقرأ سورا قصيرة من القرآن على المولود قبل و/أو بعد إظهاره لضيوف أو غرباء، خاصة ممن يُعتقد أنهم من «الحاسدين».

- تعليق «الخامسة» على صدر المولود مع وجوب أن تكون ذهبية، ومن أشهر التمائم هي تلك المشهورة باسم «يد فاطمة» اشارة إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهي عبارة عن كفّ متلاصقة الأصابع، تُصنع من الذهب أو الفضة أو النحاس أو غيرها من المواد المعدنية وتُعلق على مكان بارز من الجسم، العنق غالبا حتى تكون في مرمى بصر الآخرين وتُبطل مفعول كل عين شريرة.

تحتل هذه الكفّ مكانة مهمة في الثقافة الشعبية، فنجدها معلقة على صدور النساء أو في السيارات، إذ يعتقدون أن بها قوى سحرية تحصّن حاملها من المخاطر وتقيه من العين الحاسدة أو تبعد عن سيارته الحوادث، وكثيرا ما توضع «خامسة» ذهبية صغيرة على صدر المولود خاصة عند إخراجه من البيت أو عند قدوم ضيف، حتى لا يتعرض للحسد فيمرض أو لا يزيد وزنه، وهناك من تُفسر إشارة اليد بهذه الطريقة (كأنها إشارة قف) بمعنى أنها توقف وتُعيد العين أو الحسد لصاحبها.

- وهناك حتى من تُحمّل طفلها ما يعرف بـ«التحويطة» أو «الحرز»، وهي ورقة مطوية باحكام ومغلفة بإحكام مكتوب فيها طلاسم، تُدسّ في ثيابه أو تحت وسادته، وتسمّى أيضا بـ«التميمة» كان يعلقها العرب قديما على أولادههم معتقدين أنها تقيهم من العين والحسد، وتُعرف أيضا بـ«الحجاب» لأنه يحجب بمعنى يمنع العين أو الضرر عن المولود، وهناك من تستعمل ما يسمى بال«ودعة» وهي عبارة عن صدفة يعتقدن أنها تقيه من عين الناس.

- أن يطلق على المولود نعت قبيح أمام من يُعتقد أن لديه عين حاسدة(15).

- عندما يبكي الطفل كثيرا وباستمرار بعدما يكون قد رآه غرباء، فإنه يجب أن «يسبعولو»، بمعنى أن تحمل المرأة «كمشة» من الملح في يدها وتديرها حول رأس المولود سبع مرات من اليمين إلى اليسار وسبع مرات من اليسار إلى اليمين، ثم يُبصق فيها ويرمى بعضها في البالوعة والبعض الآخر على نار الفرن، وهكذا حسبهن يذهب مفعول العين التي أصابته، ويقول في ذلك (Edmond DOUTTE): «ليس من الضروري أن يعبر المعيان عن إعجابه، فهو حين يرى بقرة يعتبرها دابة رائعة يرغب في امتلاكها، تسقط مريضة، وإذا ما وقع بصره على طفل في صحة جيدة ويرغب في أن يكون له ولد مثله يصاب الصبي بالمرض ويوافيه الأجل»(16)، لذلك يعتقدن أن الملح له فائدة في درء العين عن الصغير، كما تقول الأساطير أيضا أن الجن يكره الملح.

- -الرضيع يجب أن يغطى حتى وان كان الجو حارا، خاصة إذا نام، ويُفسّرن ذلك بأنه يجب أن «يُستر» حماية له من «مسّ الجن» الذي يغار منه عندما يراه نائما كأنه ملاك، والجن هي «شخصيات غير محددة المعالم يتم استحضارها بالشعائر والابتهالات، ويُعتقد عموما أن هذه الكائنات لا يمكنها أن تتوانى عن الاستجابة لذلك النداء»(17).

- -عندما تُغسل ثياب الرضيع يجب أن لا تبقى خارج المنزل حتى الليل، بمعنى منشورة في سطح المنزل أو على النافدة، ويجب أن تُنزع وتُدخل قبل آذان المغرب حتى وإن لم تجف، ففي اعتقادهن يمكن أن تسكنها «الأرواح» التي تنتشر عقب صلاة المغرب. كما أن الحديث عن القوى الشريرة أمر خطير حسبهن، لذلك لا يٌتحدث عن الشيطان من غير قول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أما الجن فغالبا ما يتفادون النطق باسمهم، فيقال «هادوك الناس» بمعنى أولئك الناس.

- عندما تكون المرأة النفساء ورضيعها في منزلها وتزورها سواء: امرأة نفساء مثلها ورضيعها أو امرأة حامل أو عروس جديدة أو طفل كان قد ختّن حديثا، فإنه يجب عليها أن تحمل رضيعها وتلتقيهّن أمام باب المنزل، فإنه في اعتقادهن هذا الضيف سـوف «يأخذ صحّة الطفل» المضيف وأنه مستقبلا سيتعرّض لمشاكل صحية بل حتى يمكن أن يصاب بمتلازمة «داون» «Mongolien»، وتحرص نساء القصبة كل الحرص على تطبيق ذلك(18).

- ينصحن الأم بعدم إرضاع صغيرها أمام الغرباء، ومنع أي كان من تصويره.

- يعتقدن أنه عندما يبتسم الطفل وهو نائم أو يضحك فإنه يكون يرى الملائكة في حلمه، وعندما يبكي يكون يرى الشيطان ويجب أن يستعان بالله من الشيطان، مثل قول «أعود بالله من الشيطان الرجيم» وأن يوضع قربه مصحف حتى ينصرف عنه.

- الحرص على تفادي إخراج الطفل من المنزل وقت العصر ووجوب إرجاعه قبل المغرب، خوفا عليه من «مسّ الجن» أو «الأرواح الشريرة» التي تنتشر في تلك الأوقات خاصة حسبهن، كما يجب تفادي حمله والمرور به فوق بالوعة لأنها أمكنة يرتادها «الجن».

- يتعرض الأطفال للإصابة بالعين والحسد، خصوصا إن كانوا ملفتين للنظر، كما أن تغاضي الأم والأب عن تحصين أطفالهما يسبب إصابتهم بالحسد والعين الذي يؤدي الى الأمراض والأوجاع وتغير الطباع حسب نساء القصبة، وأهم أعراض الإصابة بالحسد والعين: رفض الرضاعة من ثدي الأم، حمى بدون سبب، كثرة البكاء بدون أي سبب، شحوب الوجه، تأخر في النطق فيما بعد، لذلك تلجأ الجدات غالبا إلى مثل هذه السبل لحمايته، ويعتبر (DOUTTE) أن: «الوسيلة الأولى للحماية من العين التي تتبادر للذهن هو حماية النفس بحجاب.. ويستعمل الملح والشب عموما في شمال افريقيا في المراسم المتعلقة بفك السحر عن الأشخاص الذين تعرضوا للإصابة بالعين، التي يعتبر الطقس الأساسي فيها ذر الملح والشّب حول الرأس»(19).

ما يعتقدن أنه من العادات.والتقاليد المتوارثة:

- أوّل مرّة يدخل فيها المولود للمنزل وسط زغاريد الأهل والجارات يُرفع عاليا على طول باب أوّل غرفة، حتى يكون شأنه عاليا في المستقبل بقدر علو باب الغرفة حسب تفسيرهن، يرافق ذلك حفل استقبال صغير للمولود الجديد تحضُره الجارات وبعض المقربات اللواتي سمعن بقدومه، وأشهر ما يُحضّر من أكلات في هذه المناسبة هو «البركوكس» أساسه المعجنات ومرق خضار ودجاج منكّه بالتوابل، أما مع القهوة فـ»الطمّينة» واجبة، أين تحضّر بدقيق محمص يضاف اليه العسل والزبدة ويزين بالقرفة، و«المشوشة» المحضرة بكثير من البيض وقليل من الدقيق، تعتبر هذه أكثر المأكولات المغذية التي تساعد المرأة النفساء على استرجاع عافيتها ولكن لسبب آخر تركز على أهميته نساء القصبة، هو أن هذه المأكولات تدر الكثير من الحليب بالنسبة للمرضعة لذلك فهو مفيد جدا للرضيع.

- من بين أوّل ما طُلب منّا هو «تقميط» المولود، ورغم أنها ثقافة منتشرة في انحاء العالم، إلا أن نساء القصبة ترى أنها عادة تحفظ عظام المولود وتمنع أرجله من التقوس كما تساهم أيضا في مساعدته على الهدوء والنوم جيدا، فلا يفزع من حركة يديه وحتى لا يخدش وجهه بأظافره، والفترة المخصّصة لذلك على الأقل أربعون يوما، كما يُدهن جسده الصغير قبل «تقميطه» بزيت زيتون دافئ زائد ملح(20) من رأسه حتى قدميه، وتكون هذه العملية ليلا قبل نومه يوميا لمدة أسبوع.

- الخروج ممنوع على الأم ورضيعها من المنزل لمدة لا تقل عن أربعين يوما ابتداء من يوم ولادته، وتسمى هذه المدة بفترة النفاس، كما يجب عليها أن تحدّ من نشاطها وتلزم الراحة وذلك لمساعدة الرحم للعودة إلى حجمه الطبيعي، كما يجب عليها الحفاظ على جسدها دافئا وذلك بارتداء ملابس سميكة وتناول أغذية صحية وساخنة، كالحساء والشاي وغيره من المشروبات الساخنة التي تساعد على تطهير الجسم وتنقية الدم، كما تخضب يديها ورجليها بالحناء.

- الاستحمام ممنوع على المرأة النفساء لمدة لا تقل عن أربعين يوما أيضا، فحسب قولهن «عروق الجسم تكون كلها مفتوحة» والاستحمام سيسبّب أمراضا متعدّدة في هذه الحالة كوجع الرأس مثلا، لذلك ينصحن بالاكتفاء بإسفنجة وتبليلها وتمريرها على الجسم.

- يُمنع أن نخطو خطوة فوق الطفل بمعنى لا يمكن أن نمر من فوقه، بتعبيرهن «ما نتخطاوش الصغير» لأن ذلك سُيساهم في قصر قامته مستقبلا في اعتقادهن.

- عندما يعاني الرضيع من ما يسمى بـ«الشهاق» أو «الحازوقة»، فإن إيقافها حسب اعتقادهن يكون بوضع خيط أحمر، أو قطعة قماش حمراء صغيرة توضع على جبينه.

- ممنوع أن تأكل الأم وتُرضع طفلها (رضاعة طبيعية) في نفس الوقت، فحسبهن سيجعل منه ذلك طفلا شرها يأكل بلهفة كبيرة مستقبلا ولا يشبع أبدا.

- الحرص على استعمال زيت الزيتون كثيرا في تربية المولود، سواء على جسمه لتقوية عظامه وترطيب جلده، أو حتى إدخاله كمادة أساسية في غذائه عندما يبدأ الأكل، لعلمهن بما يحتويه من فوائد صحية كبيرة، كما ينصحن بالابتعاد قدر الامكان عن الطبيب وتفادي الأدوية الكيميائية في حال اصابته بأحد الامراض الشائعة كالحمى أو الزكام...، فمثلا إذا أصيب الطفل بزكام فإنهن ينصحن الأم بعشبة «المريوت»(21)، ترى فيها أنها تساعد في تطهر الجهاز التنفسي وتخلص الرضيع من البلغم المتراكم في حلقه، وحتى تنقي جهازه الهضمي من الميكروبات وتفتح شهيته، وللعلاج من مرض ما يسمى بـ «الصفيراء» أو «اليرقان» على الأم المرضع تعزيز الرضاعة الطبيعية لرضيعها الذي يعاني من الصفار، كما تُنصح بشرب منقوع عشبة «مليلس»(22)،كما ينصحن ببذور «الكروية» أو «الكمون» كمنقوع خفيف مسكن إذا كان الرضيع يشتكي من مغص معوي وللتخلص من الغازات أيضا.

- ينصحن الأم بأن تبدأ في تعليم ابنها كيفية الجلوس ابتداء من الشهر الخامس، أما البنت فابتداء من الرابع، ويُفسّرن تأخير فترة تلقين الجلوس بشهر بالنسبة للولد حتى لا تتكوّن لديه أرداف مثل أرداف البنات مستقبلا.

- يعتقدن أن الطفل عندما يلامس رجليه بيده كثيرا فإنه سيمشي باكرا، وأنه من الأفضل أن لا يقبّل الأهل رجلي الرضيع وخاصة والديه(يقومون بذلك لمداعبته) لأن ذلك سيجعله عاقا لهما في المستقبل، ويصيرون «تحت رجليه».

- يجب أن «يحنّى» الطفل كل ليلة خميس لفترة أربعين يوما، وذلك بوضع عجينة الحنة في اليد اليمنى والرجل اليسرى، والخميس الذي يليه توضع في اليد اليسرى والرجل اليمنى وهكذا حتى يُتّم أربعين يوما، وكانت الحنة قد عرفتها الكثير من المجتمعات منذ عهود، فالفراعنة استعملوا مسحوق أوراقه في تحنيط جثث الموتى خشية تعفنها، كما استعملوا عجينة الحناء أيضا لتخضيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج القروح... وترى نساء القصبة أن في حنة الصغير حكمة كبيرة، فبالإضافة إلى استعمالها كعلاج للبدن، يعتقدن أنها ستجعل منه عطوفا حليما في المستقبل لذلك ينعتنها بـ«الحنة الحنينة».

- أن يُلبس الطفل ثيابه بالمقلوب، أي الظهر بدل الصدر، والجزء الذي من المفروض أن يكون من الداخل (ما يلامس جسده مباشرة) يصبح من الخارج، وهذا في الحالات التي ينام فيها الطفل كثيرا في النهار ويبقى مستيقظا في الليل، ويكون تفسيرهن لذلك أن المولود «مبدّل الليل بالنهار» بمعنى أنه غيّر الليل بالنهار ويجب أن نغير طريقة لبسه حتى يتغير توقيت نومه.

- إذا كان على الأم أن تتخلّص من حليبها لأسباب مختلفة كـ(فائض في الحليب يمكن أن يسبب لها ألما أو مشكلا في الرضاعة..)، فإنه يُمنع عليها أن ترميه في البالوعة أو أي سطح إسمنتي، فإن ذلك سيجعل الحليب يجفُّ في ثدي الأم، بل يجب عليها أن ترميه في التربة والأحسن أن تكون تربة بها غرس حتى يستمر عطاء الأم من الحليب لرضيعها.

هذه الممارسات اختبرنا أغلبها في حي القصبة وبالضبط في حي «جامع ليهود»(23)، هي معتقدات شعبية تراكمت مع مرور الزمن وانعكست تجلياتها في حياتهم العملية، هن يعتقدن أنهن بهذه الممارسات يحصّن الرضيع ويحمينه خصوصا من الخطر المجهول المصدر، كالعين والحسد أو مسّ الجن، وتسمى العين الشريرة في العربية بـ«العين»، والشخص ذو العين الشريرة يسمى «معيانا» ويقول القسطلاني: «حين ينظر بغبطة إلى شيء ما أو شخص ما أعجبه فإنه يوقع بما يراه مصيبة ما.. ومسألة معرفة إذا ما كانت نظرته تسلط على ما هي موجهة له مادة غير مرئية، كما ينبع السّم من عين الحية أمر محتمل فقط»(24)، ولكي يتم فعل العين الشريرة لابد من حضور «المعيان» و«المتعين» وفي موضوعنا بمعنى الرضيع والشخص الذي يحسده أو يغار منه.

كما أنه «من بين العيون التي تعتبر خطيرة وتخشى: العين الساهمة النظر، ونظرة الرجل الشارد الذهن. ويقول أهالي شمال افريقيا عن الرجل الساهم المحدق في الفراغ وفي البعيد «كيخزر في إبليس» معناه يحدّق في إبليس.. إن خلف النظرة المتوهجة ثمة دائما مكر ما، حسد.. والحسد هو قبل كل شيء العنصر الفاعل للعين الشريرة، فالمعيان حين يعثر على شيء جميل، ينزع عنه جماله ويهلكه إذا كان كائنا حيّا»(25) ونساء القصبة يخشين النظرة الشاردة الساهمة ويقمن بالممارسات التي ذكرناها لاعتقادهن أنها تحمي الرضيع وتحصنه.

إن الطقوس المتوارثة في التقاليد المحلية بالقصبة قد عرفت استمرار البنيات الاجتماعية والذهنية التقليدية في البنيات الحديثة، في محاولة لتوريث الرأسمال المعرفي على حد تعبير (P. BOURDIEU)، وبما أن المولود الجديد هو الهيئة الأولية للإنسان فإن حمايته من أي خطر محتمل كما تعتقد الجدّات أو «مسنّات القصبة» أمر مهم للغاية، كما تحرص على مواجهة الشرور الممكن حدوثها وإحداث كل ما يُمكّن من جلب الخير والسعد للطفل، باستخدام هذه المجموعة من المعتقدات والتصورات والقيم كوسائط الدفاع ضد ما يمكن أن يصدر عن الآخرين من ضروب العين والحسد أو الجن والأرواح الشريرة وأحيانا حتى السحر، وغيرها أيضا لحمايته أو شفائه من علل جسدية بطرق تقليدية متوارثة يعتقدن في منفعتها عن تجربة، إذ أن سنوات طويلة من ممارستها جعلت القول المأثور «اسأل المجرب ولا تسأل الطبيب» حاضرا بقوة، ومن الأمهات التي تعترض أو تبدي انزعاجها من هذه الممارسات تنال نصيبها من النقد اللاذع من طرف كبيرات السن، وهناك من يسبّب لها مشاكل عائلية (كالخلاف بين أم المولود وجدّته)، كما تبقى وجهة نظر هؤلاء النسوة مرتكزة على أن هذه الممارسات «ربّت أجيالا وحفظتهم».

الهوامش

1. Cf. COPET-ROUGIER, Elizabeth.- Anthropologie- in Encyclopédie Universalis- p 521.

2. د. ناصر الدين سعيدوني الشيخ المهدي البوعبدلي، الجزائر في التاريخ العهد العثماني، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1984، ص 14.

3. مفردها "زنيقة" وتطلق على الأزقة الطويلة الضيقة.

4. مفردها "دويرة" وتطلق على مبان القصبة.

5. COMEDOR, étude pour la rénovation et la restructuration de la Casbah d’Alger, les transformations du tissu de la Casbah pendant la période coloniale.

6. لا زلنا نقوم بذلك في العديد من المرات من الدويرة التي نقطنها إلى الدويرة المجاورة التي تسكنها أخت زوجي.

7. Benjamin SARRAILLON, EL DJEZAIR Alger, 3 Rue Berthezene -Alger 1958, pas de pagination.

8. "التقدام" هو مجموعة أقوال ملحونة جميلة ترافق المناسبات السعيدة خاصة "حنة العروس"، إذ تقوم النسوة بترديد مقولات تحمل أجمل الكلمات والتمنيات والأوصاف في نعث العروس أو العريس وأهلهما مع تعالي الزغاريد بعد كل مقولة، مثال على ذلك:

بسم الله بسم الله وبيها يبدا البادي والصلاة على رسول الله محمد سيد الأسيادي

محمد محمد وصلوا يا الأمة عليه، سيدنا وحبيبنا يربح من صلى عليه

حنينة يا حنينة وحنينة في صحن البلار، تربطها لالة العروسة والصلاة على النبي المختار

هاذي عادة قديمة وخلاوها اللي فاتو، مبروك على (ذكر اسم العريس) والعاقبة لأخواته

يا بنتي (ذكر اسم العروس) يا شجرة الخوخ، انت رايحة لأرض بعيدة وأنا بيك نزوخ (بمعنى اتباهى)

أما المقولات التي ترافق حنة المولود الجديد أو ختانه: يا فرحي يا سعدي وأنا كتبتلي التانسة (بمعنى الأنس)

(ذكر اسم اخ الزوج الذي لم يتزوج بعد) داخل عروس و(ذكر اسم النفساء) نافسة

يا فرحي يا سعدي وكبرولي الغروس...(بمعنى زادت فروع وأغصان الشجرة كناية عن قدوم مولود جديد للعائلة).

9. مفردها "سحين" ومعناه الأروقة المفتوحة في الطوابق.

10. Djaffar LESBET, la Casbah d’Alger gestion urbaine et vide social, OPU/ 1, place Centrale de Ben Aknoun, Alger, 1985, P 1.

11. حتى وان تقاطعت تفاصيلها واشتركت فيها مع مجتمعات أخرى.

12. "أن يؤمن الانسان بأثر العين، فذلك أمر لا يمكن أن يثير فينا الدهشة، بما أن الأدب مليئ برواسب هذا المعتقد....وتعابير من قبيل "التهم بعينيه" لا تزال سارية إلى اليوم" ادموند دوتي ترجمة فريد الزاهي، السحر والدين في شما افريقيا، دار رؤية للنشر والتوزيع، ص 256.

13. ابن القيم، تحفة المودود بأحكام المولود، المحقق الأرناؤوط، مكتبة دار البيان دمشق، 1391ه 1971م، ص- ص 25- 26.

14. "الدربوكة" هي آلة موسيقية ايقاعية، تتكون من جسم من الفخار على شكل مزهرية يشد عليها جلد ماعز يلتصق بجوانبها، تصدر أصوات ايقاعية عند الضرب بأصابع اليدين، كما تعتبر الالة الأكثر انتشارا واستعمالا في العالم العربي، تستعمل بشكل واسع في القصبة من قبل النساء في حفلات الزواج والختان والميلاد، ولا يخلوا منها أي منزل.

15. فمثلا جدة ابني كانت تنعته بـ"الكحلوش" بمعنى أسود البشرة، أو "المزعوق" بمعنى القبيح، وتتحدث عنه بكل سلبية أمامهم وبأنه كثير البكاء والنكد حتى تمنع عنه حسدهم.

16. ادموند دوتي، ترجمة فريد الزاهي، السحر والدين في شما افريقيا، ص 257.

17. نفس المرجع، ص 63.

18. فشخصيا جدة ابني كانت لا تترك امرأة (من المجموعة المذكورة) تجتاز عتبة الباب إلا وطلبت منها الانتظار حتى أحضُر أنا ومولودي لاستقبالها.

19. ادموند دوتي ترجمة فريد الزاهي، السحر والدين في شما افريقيا، ص 260.

20. "-الملح- المقصود من استعماله المصالحة والتآلف مع الآخر: أي القوى الخفية "، مقال تقنيات وثقافة حمام المولود، سليم خياطي، النساء والمعرفة في العالم العربي المعاصر، تنسيق وتقديم مريم بوزيد سبابو CNRPAH، ملتقى دولي الجزائر 9 -11-2007 عدد 12.

21. هي عشبة برية تستعمل أوراقها جديدة أو مجففة، تهرس بإضافة قطيرات من الماء حتى تعطي مفعولها، تقطر بعض القطرات في أنف الطفل، لحظات بعدها حتى يبدأ في العطس.

22. وهي عشبة تشبه أوراقها أوراق النعناع، تغلى في الماء وتشربها الأم المرضعة عوضا عن الماء.

23. هو من أشهر مساجد الجزائر بني سنة 1666م من قبل الشيخ "عبد الرحمن بن فارس" الأندلسي الذي قدم من الأندلس فاشترى عقارا وشيد مسجدا أصبح يحمل اسمه "مسجد فارس"، إلى أن حلّ الاستعمار الفرنسي فهدّمه سنة 1845م وأقام مكانه كنيسا للأقلية اليهودية من سكان الجزائر، وبعد الاستقلال حوّل من جديد إلى مسجد بعد ازالة كل الآثار التي تشير إلى الديانة اليهودية، وأطلق عليه سكان الحي إلى يومنا هذا "جامع ليهود".

24. القسطلاني، شرح صحيح البخاري، المجلد الثامن، ص390.

25. ادموند دوتي، ترجمة فريد الزاهي، السحر والدين في شما افريقيا، ص 275.

الصور

- من الكاتبة.

1. https://www.artmajeur.com/medias/standard/h/a/hamri/artwork/4958089_casbah03.jpg

2. Lucien GOLVIN, Palais et demeures d’Alger à la période ottomane, C-Y. Chaudoreille, Edisud, Aix-en-Provence, France 1988, P133.

3. - تصوير الباحثة من الدويرة التي تقطنها.

4. Benjamin SARRAILLON, EL DJEZAIR Alger, P P.

5. Benjamin SARRAILLON, EL DJEZAIR Alger, P P.

6. https://t3b.org/s_15679.

7. https://images.app.goo.gl/3fVU6xK68maW6E198

8. Benjamin SARRAILLON, EL DJEZAIR Alger, P P.

أعداد المجلة