فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

سُلطة المعرفة في الحكاية الشعبية

العدد 57 - آفاق
سُلطة المعرفة في الحكاية الشعبية

 

د. عبدالمجيد نوسي - المغرب

مقدمة :

تُعد الحكاية الشعبية جنسا أدبيا مهما في الثقافات المحلية والكونية نظرا للغنى الجمالي والفني الذي تتميز به؛ تُعد في البداية نِتاجا لذات جماعية تُروى في السياقات الاجتماعية المختلفة ثم تقدمُها ذات فَردية هي السارد الذي يُنجزُ الحَكي، حيث تنتقلُ الحكاية من الشفاهية إلى النصية(1). هذا التلقي يُكسِب الحكاية كثيرا من خصائص النص على المستوى التلفُّظي والتركيبي والمعجمي، لذلك يتوفرُ النص على الترهينات الرئيسة في التحقُّق النَّصي من خلال وجود المؤشرات الأساسية التي تُحيل على المُتلفِّظ / أنا / أو على عناصر البنية الزمنية والمكانية /هنا /، /الآن /. على المستوى التلفُّظي، يتحققُ النص الحكائي في أغلب المتون استنِادا إلى منظور الغائب «كان هناك رجل..» (الحكاية، ص63)، غير أنه في سياق توالُده يُدمج بنية الحِوار التي تتحققُ اعتمادا على المُحادثة(2) والتفاعُل بين المُتكلم والمخاطَب.

يستثمرُ النص كُل العناصر التي تُحدد منظومة مكانية لأن البطل في الحكاية الشعبية يحتاج أولا إلى إطار مكاني يُنجز داخله الأفعال مثل الانتِقالات داخل المكان أو مواجهة البطل المضاد أو القيام بالفعل الرئيس الذي يُحقِّقُ به الموضوع المرغوب فيه. تُسهمُ المؤشرات المكانية في تحديد فضاء مكاني للحكاية يتكونُ من الفضاء / المصدر والفضاءات العدائية وفضاءات الفعل وفضاءات –الهدف .

تُحيلُ الحكاية الشعبية، فضلا عن البعد الجَمالي والفني، على مَنظومة من القِيم تُشخصُها أفعال الذوات واللغات وبنيات الحِوار والعلاقات التفاعُلية بين الذوات. كلُّ هذه العناصر تتأطرُ داخل منظومة أكسيولوجية من القيم التي تُمجدُ المَعرفة أو الدهاء أو التجانُس بين الذوات داخل الكَون أو غيرها من القيم .

في ضوء هذه العناصر سنُحللُ حكاية تنتمي لفضاء الحكاية الشعبية بالمغرب، هي حكاية «نصف رجل» (حكاية الذي يعرفُ ما في رأسِه وما في رأسِ الناس) (3)، و تُصنفُها المؤلفةُ ضمن الحكايات الشعبية العجيبة. رغم أنها لا تُدمج أي مِعيار في مقدمة الكتاب لتصنيف الحكايات إلى عجيبة وحكايات الحَيوان، يمكن أن نُلاحظ أن المَتن من الحكايات التي تتأطرُ داخل هذا العُنوان يَتسمُ خاصة بحضور الخارِق الذي تتجاوزُ فيه الأفعالُ المنطِقي وتَتعدى إلى أفعال خارِقة تخرُج عن النواميس الزمنية والمكانية؛ فالبطل في الحكاية التي سنُحللُ يكتفي بإعطاء الأمر للعَصا التي تنقلُه إلى فضاءات سحيقة وبعيدة، كما أن المُؤلفة تَستوحي ولا شك التصنيفات التي اقترحها علماءُ الفولكلور بخصوص الحكاية الشعبية، حيث يتجهُ التقسيم التقليدي إلى تصنيف الحكايات إلى حكايات عجيبة وحكايات الحيوان وحكايات المغزى الأخلاقي(4) .

على المستوى المنهجي، سنستثمرُ المفاهيم التي يمكنُ أن تَصف المكونات البنيوية للحكاية بصفتها عناصر أساسية في تشكيل النص من تلفظ وزمن ومكان وفواعل وعوامل ومستويات تصويرية، وهي المفاهيم التي تجدُ، إجمالا، انتظامَها في نموذج السيميائيات السردية والخطابية التي اشتغلت بالأدب الاثنولوجي(5).إن وصف المكونات يُسعف في إبراز سيرورة الدلالة، لأن وصف بنية التلفظ أو العوامِل أو منظومة الزمن والمكان يُفضي إلى استنتاج «آثار المعنى» التي تُولدُ الدلالة في هذه الحكاية. ستقومُ المقاربةُ على التحليل المَقطَعي الذي يقومُ بتحليل الحكاية إلى مقاطع لوصف عناصرها أولا ثم استِكشاف علائق التركيب فيها ثانيا .

المقطع الأول: حالة الفَقد:

تتسم الحكاية: «حكاية نصف رجل» على مستوى التلفظ بهيمنة منظور الغائب:

«كان هناك رجل.. وكانت له ثلاث أخوات ..» (الحكاية، ص63).

ينسجمُ هذا المنظور مع تقاليد السرد في الحِكاية الشعبية، لأنها جماعية وتتكونُ من سرد جماعي ينجزُه ساردون مُتعددون يسهمون في تحقيقه، لكن حين تُنقل من الشفاهية إلى النصية، تصوغُها ذات ساردة تقوم بنوع من التَّلقي وتمنحُ شكلا للحكاية على مستوى المقاطع التي تتكونُ منها والمنظورات التلفظية التي تتراوحُ بين الغائب والمُتكلم واندماج شخصيات الحِكاية في الحكي. تكمنُ أهمية التلفظ في كونها تحددُ أيضا الفواعل التي تنجِز أفعالا على مستوى الحِكاية. فالملفوظ الذي تُستهَل به الحكاية يُحيلُ على منظور السرد وعلى الفاعل «رجل» وهو الذي يكونُ محورَ الأفعال والبرامج السردية.

يُقدمُ السارد في المقطع الاستِهلالي على غرار البناء في الحكاية الكَونية كما درسها فلاديمير بروب(6)، الفواعِل التي تتكونُ منها الحكاية: الرجل صحبة ثلاث أخوات. كما أنه يقدمُ للقارئ نظامَ هذه الذوات، يقدمُ الشخصيةَ في البداية بصفة عامة من خلال سمة «رجل»، غير أن السرد في نُموه يُشيدُ صورَة الشخصية بمجموعة سِمات. إن شخصية «الرجُل» التي يضعها السارد في المقدمة تجعلُ القارئ يصوغُ فرضية أنه يمثلُ البطل(7) باصطلاح مُحللي الحكاية الشعبية لأنه هو الذي يستهلُّ سيرورة الأفعال، «حين أغيب» (الحكاية، ص63)، فهو يشيرُ إلى إمكانية انتقالِه إلى فضاء آخر. ينتقلُ المتلفظُ في هذا الملفوظ من المنظور الغائب الذي استهلَّ به الحكاية إلى المُتكلم، مُحدثا خاصيةَ الفصل التلفُّظي لأنه يُحدِث تغييرا على مستوى التلفُّظ، ويعودُ هذا التنوع إلى استراتيجية المتلفِّظ في إقناع المُتلقي «بصِدق»(8) الأفعال التي ينقلُها في الحكاية. ملفوظُ الذات الفاعلة «حين أغيبُ»، يُحيل على فعل «الغياب» ويدلُّ على الانتقال ومغادرة الفضاء للبحث عن العمل، بمعنى أن سَفر البطل يقترنُ باختِلال على مستوى نسق الكينونة. إن الذات تغادرُ الفضاء وهو فضاء حميمي وفضاء استِقرار للبحث عن موضوع، عن أفُق آخر . ينسجِمُ هذا الفعل مع خاصية تُميز الاستِهلال في الحكاية الشعبية التي يُحللها فلاديمير بروب والتي تتسمُ بكونيتها عامة، حيث يقوم البطل بوظيفة «الابتعاد»(9) عن الفضاء الرئيس في رحلة البَحث عن موضوع رغبة، موضوع يبتغي من خلاله الحُصول على قِيم.

مقطع التحوُّلات العجائبية:

يحاولُ الرجل الذي يتأهب للسفر تجاوزَ الفَقد بالبحث عن رَفيق لأخواته أثناء غيابه. اشترى حَملا ليكون رفيقا لهن. تُقيمُ الحكايةُ هنا علاقة تَواز بين عالمِ الإنسان والحيوان، حيث تصبحُ كينونةُ الإنسان في حالة انسِجام مع الحيوان، فالغياب يمكنُ أن يُعوَّضَ بحضور بديل عن الأخ وهو الحمَل، غير أن الحكاية تحفلُ بمجموعة من التحوُّلات العجائِبية التي تُشيدُ مسارا لشخصية الرَّجل .

1) التحوُّل الأول:

اشترى الرجُلُ حَمَلا وفي المساء اتجهت الأختُ الكُبرى إلى الإسطَبل من أجل أن تُقدم له الشعير، غير أن الحَمَل ضربَ رأسه أرضا مَرتين وتَحولَ إلى عفريت، حيث يظهرُ العفريت بصفته أحدَ كائِنات الحِكاية، وهو كائن يتسمُ بسمات مُغايرة للفواعِل الإنسانية، إنه يمثلُ فئة أخرى من الفَواعِل على مستوى الحكاية ،هي الكائنات الأسطورية، لذلك تصبح الحكايةُ فضاء لهذه الكائنات: الإنسان، الحيوان، الكائن الأُسطوري. يصفُ المتلفظُ هذا الكائن بهذه السمات:

«المخيف، المرعب ..» (الحكاية ،ص. 63).

يستولي العفريتُ بقُدرته الأسطورية على الأخت ويختطِفها إلى مكان مجهول وحين يذهب الأخ إلى الإسطبل لا يجدُ الأخت الكبرى ولا الحَمَل. يوافقُ فعلُ الاختطاف وظيفة «الإساءة» التي تتجسدُ في الحكاية الشعبية من خلال أفعال مثل اختِطاف كائن إنساني أو سرقة شيء ما يكون له طابع سِحري أو فِعل يتخذُ شكلَ سَرقة، وتعدُّ هذه الوظيفة حسب فلاديمير بروب بالغةَ الأهَمية لأنها تمنحُ للحكايةِ « حركَتها» أو ديناميتها(10).

العفريت --> فعل --> اختِطاف الأخت الكبرى.

«لم يعرف ما سيفكر فيه ..» (الحكاية، ص 62.)

يُعدُّ ملفوظُ السارد جَزائيا لأنه يقدمُ حُكما حول حالة البطل الذي لم تَعد له القُدرة على التفكير في مصيرِ الفعل الذي سينجزهُ، سواء تعلق الأمرُ بالبحثِ عن الأخت أو السفر الذي كان يعتزمُ القيام به.

2) التحوُّل الثاني:

بعد الحادثة الأولى سيشتري الأخُ طائرا ليكون رفيقا لأخواته أثناء الغياب:

« هذا الطائر سيكون رفيقا لكن حين أغيب..» (الحكاية، ص.63).

حين تقدمت الأختُ الثانية مساء لتطعِم الطائِرَ حبوبا ضربَ الجدار برأسه مَرتين وتحول إلى عفريت، يَسِمه السارد بسمات:

« عفريت ضخم...»( الحكاية، ص 62).

طائر --> تحوُّل --> عفريت ضخم.

سيستولي العفريت على الأخت الثانية ويختطفُها.

العفريت --> فعل --> اختِطاف الأخت الثانية .

يذهب الأخ لتَفقد الأمر، وقتها يتأكدُ من غياب الأخت الثانية. بعد هذه الأفعال التي أدت إلى اختِلال نسق العائلة، خاطبَ الأخ أخته الصغرى :

«لن أتركك لحال سبيلك ولن أسافر أبدا» (الحكاية، ص63).

3) التحوُّل الثالث:

أحضرَ الأخُ سلة من الأسماك، قدمَها لأخته الصغرى لتنظفَها تمهيدا لوجبة العشاء. وبينما كانت تنظفُ السمك، ضربت السمكةُ الكبرى الرأس بالأرض وتحولَت إلى عفريت. بعد التحوُّل، يختطفُ العفريت الأخت الصُّغرى إلى مكان مجهول.

السمكة الكبرى --> تَحوُّل --> عفريت.

العفريت --> فعل --> اختِطاف الفتاة الصغرى.

يتم التحوُّل في الحكاية من الحيوان: الحَمَل، الطيور، الأسماك وهي حيوانات ترتبطُ فضائيا بالأرض والسماء والماء، إلى كائن أسطوري مُتخَيل: العفريت، الذي يحمل سِمات القوة حسب ملفوظات السارد، فهو ضخم ومرعِب ومُخيف. هذه السمات تجعلُ من العفريت كائنا مُتسما بقُدرة أسطورية. يتخذُ العفريت في الحكاية تمظهُرات مختلفة؛ فهو العفريت الحمَل أو العفريت ملك الحيتان أو العفريت ماك الطيور ،يتسمُ بقدرة أسطورية وينجز وظيفة «الإساءة» مُمثلة في اختطاف الأخوات. لذلك يتحَددُ في الحكاية بصفته ذاتا مضادة للبطل، إنه من يمتلكُ الموضوع الذي يبحثُ عنه البطل( الأخوات)، كما أن فِعل الاختطاف الذي قام به أفضى إلى إحداث الاختِلال في النسق الثقافي بتفكيك الأواصِر بين الأخ وأخواتِه. إن وظيفة «الإساءة» تُحدِث علاقة الصراع والتنافُر في الحكاية وتشكلُ بداية لسيرورة الفِعل عند الذات الرئيسة في الحِكاية، وهو رِحلة البحث.

رحلةُ البطل:

البحث عن الأخوات وإعادة التوازُن.

حين تبين للأخ أن الأخت الصُّغرى اختُطِفت بدورها، أغلقَ منزله وتوجهَ للبحث عن أخواته. كان الانتقالُ في بداية الحكاية افتِراضيا؛ يريد الأخ الانتقال من فضاء العائلة الذي يرمُز إلى الاستقرار إلى فضاء آخر. حاول الحِفاظ على نَسق الاستقرار بإحضار حيوانات تُحققُ الأُلفة، غير أن تحولَ الحيوانات إلى كائن أسطوري اختطفَ الأخوات جعل الذات الفاعلة تُعاني من الفَقد الذي يحيلُ دلاليا على انفصال الذات عن كينونة العائلة. على مستوى قيمي، يُحيل فعلُ الانفِصال على اختِلال التوازُن في القِيم. إن فَقد الأخوات يمثلُ تصدُّعا على مستوى نسق العائلة .من منظور القيم السوسيوثقافية، وفي مجتمع ذكوري تُسند الحكاية إلى الذات الفاعلة وظيفة ترميم التصدُّع الاجتماعي، لذلك فإن أولَ سمة يسندها المتلفظُ للذات هي سمة «رجل» وتقترنُ بسمة الحُضور والهيمنة . يصبحُ الانتقال في سياق هذه الحالة ضرورة، ينتقلُ من النِّظام الافتِراضي إلى نظام التَّحيين، ثم التَّحقُّق:

«حينما أدرك الأخ أن أخته الثالثة اختُطِفت مثل أختَيها، أغلق المنزل وغادر للبحث عن أخواته..» (الحكاية، ص.64).

الذات الفاعلة --> فعل --> السفر (الانفِصال عن الفضاء الأصل).

إن الانفصال عن الفضاء-الأصل، المَوضِعي يتمُّ لأن الذات أصبحت تعاني من الفَقد ومن اختِلال النسق القيمي على مستوى الكينونة، ذلك أن الأخ يُمثلُ عماد النسق الثقافي لأنه يلعبُ دورا ثقافيا، إنه المحافظُ على نظام العائلة. تتسمُ الحكاية بإجراء سيميائي هو البرمجة المكانية(11) وتمثلُ التعالُق بين توزيع الفضاءات داخل الحكاية والبرنامج السردي للبطل. ينتقلُ البطل من الفضاء-المصدر وهو فضاء العائلة الذي تتسمُ فيه الكَينونة بالاستقرار نحو الفضاء- الهدف الذي توجَد فيه أخواتُ البطل بعد الاختطاف.

فضاء-مصدر --> فضاء العائلة --> فضاء الهَدف.

يقترنُ فعلُ الانتقال داخل الفضاء إذا ببناء الموضوع الذي يمثلُ رغبةَ ومُبتغى الذات الفاعلة وهو البحث عن الأخوات اللواتي تعرضن للاختطاف، لهذا فالتَّوازي بين فعل الانتقال داخل الفضاء والرغبة في البحث يُحددُ السمات التي تجعل منه بطلا مُحتملا داخل الحكاية، يُحدد لنفسه موضوعا هو البحث عن الأخوات، ذلك أن تحقيق هذا الموضوع يدلُّ أيضا على اقترانه بجُملة من القِيم الثقافية والاجتِماعية، وهي الحِفاظ على نسَق النظام الاجتماعي

1) الاختبارات: البطَل في مواجهة التَّحديات:

سيواجهُ البطل على شاكلة سيرورة الأبطال في الحكاية الشعبية مجموعة اختبارات في رحلة البحث عن أخواته.

« بعد أن اجتاز صحاري وعزلة ..» (الحكاية، ص64).

الانتقال من الفضاء/ المصدر نحو الفضاء/ الهدف يمُر في الحكاية الشعبية من فضاءات وسيطية(12)، يمكن أن تكون مساعدة حين يحصلُ البطل على الموضوع السِّحري أو يلتقي بالمُساعد الذي يجعله ينتصر مثل الخاتم السِّحري في هذه الحكاية ،أو مُضادة حين يتعرضُ البطل لفعل الغول أو لعوائق طبيعية مثل الجبال أو الصحاري.

كانت الاختباراتُ الأولى طبيعية، تمثلَت في المصاعب الطبيعية يحددُها المتلفظ «بالصحاري»، وهي ذات بُعد طبيعي وبحالات العُزلة، وهي ذات بعد نفسي وأهوائي. أما الاختِبار الرئيس، فهو اختِبار المعرفة التي يجب أن يحصُل عليها من أجل الوصول إلى مكان اختِطاف أخواته.

التسخير واكتِساب القُدرة:

سيلتقي بعد هذه الرحلة ثلاثةَ رجال يتنازعون مِلكية ثلاثة أشياء: شاشية، بلغة (زوج حذاء جلدي) وعصا. سألهم :

« إخوتي، لماذا هذه الخصومة من أجل أشياء مثل هذه » (الحكاية، ص.64)

أجابه أحدهم: هذه الأشياء هي الثروة التي تركَها لنا الأبُ، وكل شيء من هذه الأشياء له مزية عجيبة، إنه يتميزُ بسِمة العجيب والخارق، فالشاشية تجعل من يلبسها متخفيا عن الأنظار، أما زوج الحِذاء الجلدي، فيجعل من يلبسه لا يشعُرُ بالتعب مهما طالت المسافة التي قطعها، أما العصا فيكفي الاتكاء عليها وتوجيه الأوامر إليها بأن تذهب بك إلى أبعد مسافة، بل إلى أصقاع الدنيا. تَستثمرُ الحكاية هنا رمزيةَ العلامات داخل نسَق الثقافة والمُتخيل، منها شاشية «الاختفاء» أو العصا التي تتسمُ بميثولوجيا كثيفة في الثقافة العربية والإسلامية، يتمُّ تصويرها بقُدرتها على قضاء المآرب الكثيرة، تتجسدُ من خلال صورتها في النص القرآني: «قالَ هيَ عَصايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فيهَا مَآرِبُ أُخْرَى»(13)، فحسب المُفسرين هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام، فهي صالحة للمَشي، ويهُز بها الشجرة ليتساقط ورقُها وترعاه الأغنام وفيها حوائج أخرى .تُبرز هذه العلامات أن السرد في الحكاية الشعبية يغتني بالعلامات التي تحضُر في الثقافة الشعبية والعالمة على السواء لأن النص نسيج وله ذاكِرة مُتعدِّدة، يغتَني بالملفوظات القادِمة من النصوص الرئيسة في ثقافة الراوي .

العقد: الدهاء والمعرفة:

سينشِئ المسافر بينه وبين الإخوة عقداً لتوزيع الإرث بناء على آلية التَّسخير. إن التسخير هو إقناع المتلقي(14) بجَدوى الفعل؛ سيُقنع الإخوة المتخاصمين بقدرته على توزيع الإرث بطريقة خاصة : سيصعدُ الجبل ويرمي الأشياء، وكُلُّ من حصَل على شيء، يصبحُ في ملكيته. قَبول الإخوة بالعقد سيستثمرُه البطل مُعتمدا على الدهاء الذي يمتلكه، لذلك سيوظف هذه المعرفة في تَسخير(15) المُتخاصمين الذين انطلَت عليهم الحيلةُ. منحهُ الإخوة ُالأشياء فصعد إلى الجبل.

التسخير: عا --> فعل --> الإقناع (بتوزيع الإرث).

التسخير: عا --> فعل --> (امتِلاك الأشياء العَجيبة).

وضع على رأسه الشاشية وأصبح مُتخفيا ثم لبس الحذاء العجيب واستنَد إلى العصا وهنا تستحضرُ الحكايةُ ميثولوجيا العصا في النسق الثقافي، اتكأ عليها وقدم طلَبه:

«أيتها العصا، انقليني إلى حيث توجد أختي الصغرى، زوجة ملك الحيتان» (الحكاية ،ص64).

وبمُجرد ما أن أنهى طلبه تَحققت بُغيته، وجد نفسه إلى جانب بئر وهو من الفضاءات الوسيطية المُساعِدة في الحكاية لأنه سيسعِفه في الحصول على المُساعدة.

فضاء وَسيطي : البئر ( فضاء المُساعدة):

سيلتقي فتاة سوداء اللون تستقي الماء داخل سطل من ذهب. طلب منها أن تسقيه ماء، وبينما هو يرتوي رَمَى في السطل خاتَما. في الطريق نحو سيِّدتها، حاولت الخادمةُ أن تأخذ الخاتم غير أنها لم تُفلِح لأن الخاتم كان ملتصِقا بقوة في عُمق السطل.

التعرُّف على هوية الفاعل.

بعد عودة الخادمة من البئر، أخبرت سيدتَها بوجود رجل شاب قرب البئر وبأن حُسنه يُماثِل حُسنها والشَّبه بينهما غريب وأنه تركَ خاتما يَسقُط في السطل لم تتمكن من إزالته.

التعرُّفُحافز التعرف (الخاتم)التعرُّف.

يمثلُ الخاتم في الحكاية حافزَ(16) التعرُّف لأن الزوجة الشابة تتمكنُ من اقتلاع الخاتم من السطل، وحين تنظرُ إليه تتعرفُ على الشاب الذي لن يكون سوى أخيها، لذلك تُكلفُ الخادمة بإحضاره. بعد أن عانقته وقدمت إليه الأكل، طرحت عليه السؤال:

« كيف لي أن أخبئك كي لا يلتهمك زوجي حين حضوره؟» (الحكاية، ص65)

تكرسُ الحكايةُ التقابل بين الكائن الإنساني والأسطوري، وتجسدهُ علاقة التنافر والتقابل بين الذوات المختلفة، بين الأخ/ الإنسان / والعفريت / الكائن الأسطوري .

التحول: الذوات والاشياء.

ضربت الزوجةُ الأخ بعصا من ذهب، فتحول إلى زَربية تجلسُ عليها. حين عاد العفريت ملك الحيتان، صاح:

« إني أشم رائحة بني آدم» (الحكاية، ص.65).

قالت له: «كيف سيحضرُ بنو آدم إلى هنا، لا يوجد من يهتم بي سوى أخي». وعدَها العفريت بأنه سيُحسِن وفادةَ الأخ إذا حضر. ضربت الأختُ الزربية بالعصا الذهبية، فظهر الأخ واستقبله العفريت بكثير من التَرحاب، بعد أن قضى جزءا من الوقت، قال لأخته:

«سأذهب لرؤية أختك الوسطى» (الحكاية، ص65).

الانتقال: البحثُ عن الأخت الوسطى.

تتخذُ العصا دلالة سحرية في الحكاية، إنه العنصرُ المساعد للبطل في إنجاز أفعاله، خاصة فعل الانتِقال داخل الفضاءات بحثا عن أخواته. اتكأ على عصاه وأمرها أن تنقله إلى فضاء ملكِ الطيور، بمجرد ما أن أغلقَ عينيه وفتحهما وجد نفسه قريبا من بئر، حيث توجد فتاة صغيرة تستقي الماء داخل سطل من ذهب. طلب منها أن تسقيه ماء ورمَى خاتَما داخل السطل. حين عادت الخادمة أخبرت سيدَتها بوجود شاب له من الحسن ما يُماثلُ حسنها ويشبهها إلى حد غريب. حين وجدت السيدةُ الخاتم في قعر السطل صاحت:

« إنه أخي..» (ص.65، الحكاية)

بعد ما أدخلته الخادمة، استُقبِل بالتَرحاب الذي لقيه في ضيافة ملك الحيتان. بعد أيام في ضيافة ملِك الطيور، قررَ الاستمرار في رحلة البحث عن الأخوات.

« بقي لي أن أرى أختنا الكبرى. سأغادر» (الحكاية، ص65).

الانتقال: البحثُ عن الأخت الكبرى.

يتخذُ فعلُ الانتقال داخل الفضاء تمظهُرات مختلفة؛ في بداية الحكاية تم الانتقالُ من الفضاء المصدر نحو الفضاء-الهدف ،غير أن الانتِقالات داخل الفضاء- الهدف مُتعددة بناء على أن الهدف غير مُوحد؛ كُل واحدة من أخوات البطل تتأطرُ داخل فضاء معين ،الأخت الصغرى عند ملِك الحيتان والأخت الوسطى عند ملك الطيور، لذلك تتعددُ الانتِقالات والفضاءات.

الانتِقال: (العصا) --> فعل الانتقال --> فضاء جديد.

مكنته القوةُ السحرية للعصا من الانتقال بسرعة البرق؛ أغلقَ عينيه وبعد أن فتحهما سيجدُ نفسه إلى جانب بئر مهدمة تقريبا.

الفضاء الوسيط : بِئر مهدمة .

إلى جانب البئر كانت هناك خادمة مُتقدمة في السن، تحملُ خدودا على وجهها وتلبسُ أسمالا قذرة وتستقي الماء في سطل قديم. يقدمُ المتلفظُ مجموعة سمات وظيفية تختلفُ عن السمات المُميزة للفضاءات الجزئية الأخرى الخاصة بملك الحيتان وملك الطيور، وتتضحُ كالآتي.

- البئر مُهدمة .

- خادمة مُتقدمة في السن: تحملُ خدودا على وجهها/ تلبسُ أسمالا قذرة/ سطل قديم.

- تُحيل هذه السمات على آثار معنى سلبية :

- الخراب / خراب الفضاء.

- عجزُ الإنسان.

- القِدم: قِدم الأشياء (السطل).

تدلُّ «آثار المعنى» التي تحيلُ عليها السِّمات على أن البطل لن ينجحَ في فعل البحث عن الأخت الكبرى لأن سمات الفضاء تؤشرُ على قُبح الذات المرتبطة به. حين أدخلتهُ الخادمة عند أخته وجدَها في منزل خرِب وتلبسُ أسمالا قذرة وتعيش حالة الجوع وبضربة عصا من خَشب ستُحولُه إلى حَجر. في الحالات السابقة كانت أخته تضربهُ بعصا من ذهب بخلاف هذه الحالة. كان يُحولُ أيضا إلى زربية بخلاف هذه الحالة التي أصبحَ فيها من حجر. حين عاد العفريت، قال إنه يشمُّ رائحة بني آدم.

« كيف تريد أن يأتي بنو آدم إلى هذه الصحراء التي فرضت عليّ العيش فيها؟ »( الحكاية، ص66).

يحيلُ ملفوظ ُالأخت على فضاء وسيطي مُغاير للفضاءات الأخرى وهو الصحراء، بما يحملُه الفضاء من معاني البعد والجفاف والقساوة وهي المعاني التي تنسجمُ وفعل الذات الأسطورية: العفريت زوج الأخت الكبرى. يحذرُها أيضا من عودة أخيها الذي سيجعل منه « مضغة سائغة» (الحكاية، ص66).

العامل المعاكس:

العفريت / الفعلمنعُ حضور الأخ.

2) بحث البطل عن الاستِطاعة.

أمام فعلِ المُعاكس القبيح وقُوته، سيحاولُ البطل التسلُّح بالاستِطاعة التي يمكنُ أن تهزم غريمَه في هذه المُواجهة، لذلك عاد إلى أخته زوجة ملك الحيتان وأخبرها بما تتعرضُ له أخته الكبرى وبقُبح العفريت- الحمَل.

ظهور العامل-المساعد.

طلب منه ملكُ الحيتان أن يعود لزيارة أخته ليتعرفَ على المكان الذي يُخبئ فيه العفريت- الحمَل روحَه. على إثر عَودته أعادت أختُه فعلَ التحوُّل؛ بضربة عصا أحالَته إلى حجر بعد أن عرفت المُراد من زيارته. وفي المساء لاطفت الأختُ الكبرى العفريت وطلبت منه معرفة أين يضعُ «روحه»، غير أنه غضِب منها وعاملَها بفظاظة كبيرة. وقبل أن ينصرفَ كعادته، صارحها بالقول:

« روحي في مكان آمن، توجد في بيضة، والبيضة في حَجَلة والحَجَلة في عُمق البحر» (الحكاية، ص66).

بعد انصرافِ العفريت، غادر الأخ وأخبر ملك الحيتان بجواب العفريت-الحمَل. يتحولُ ملِك الحيتان في الحكاية إلى عامل مُساعد(17)؛ سيدخلُ عمقَ البحر باحِثا عن البيضة التي توجد بها روحُ العفريت. لم يقتل ملك الحيتان الحَجلة لأنها باضت البيضة وخلدت إلى النوم. حمَلها إلى صهره الذي أوصاه بأن لا يخافَ من الحمَل حين العودة وعليه أن يَكسر البيضة على جبين العفريت.

المُبارزة وانتِصار الذات الفاعلة.

عاد إلى بيت أخته، وفي هذه المرة لم يختبئ. حين عودة العفريت عَنَّ له الأخ مُتحديا، توجه إليه مخاطبا:

« لم أعد أخاف منك، لأن روحك توجد في بيضة، ها هي هذه البيضة» (الحكاية، ص67).

بدأ العفريت يرتعدُ خائفا وطلب منه أن يُرجِع له البيضة، واقترح عليه تعاقُدا جديدا بدل علاقة التهديد والوعيد. هذا التعاقد تحددُه الأفعال :

-أن لا يُلحِق به أذى،

-أن يمنحَ أختَه قصرا وصحونا من ذهب كما هو الأمر بالنسبة لأخواتها.

غير أن البطل لم يقبَل هذا التعاقُد وأسرع إلى إنجاز الفعل.

الفعل --> قدف البيضة على جبين العفريت.

- تكسرت البيضة.

- قَضى العفريت نَحبه.

تنتهي المبارزة بانتصار البطل، سيأخذ أختَه ويذهب للعيش عند العفريت ملك الحيتان.

تحوُّلات الحِكاية: ظهور بطل جديد.

كانت زوج ملك الحيتان حاملا، أنجبت طفلا صغيرا، في اليوم السابع حين أرادوا تسميتَه، صاح: «لا تضعوا لي اسما، لقد أحضرت اسمي معي: اسمي «نُص الناس» (نصف رجُل) الذي يعرفُ ما في رأسِه وما في رأسِ النَّاس الآخرين» (الحكاية، ص67).

أصبحت الأختُ غيورة من علاقة الصداقة بين أخيها الذي أصبح فردا من العائلة و زوجِها لذلك أمرته بأن يقتلَه غير أنه لم يستطع. اقترحت عليه أن تُحوِّلَه إلى أفعى تَضعُه داخل الزربية وحين يحملُها الأخ يلسَعُه ويموتُ دون أن يعرفَ السَّبب.

التَّسخير --> فِعل --> القَتل.

غير أن «نص الناس» خَمنَ مشروع أمه وأخذ الزربيةَ وطواها بشكل لا يُمكِن للأفعى أن تخرج منها ووضعَها على كتفه. أمرتهُ أمهُ أن لا يقوم بهذا العمل، غير أنه رفض ونفضها. وحين فتحَها، وجد أفعى، حملَها إلى أمه.

إفشال التسخير والمناورة:

تقمُّص «نص الناس» لدور الأخ.

لقد طوى «نص الناس» الزربية بشكل لا تخرج منه الأفعى، بحيث لم تستطع التنفس ،لذلك قضت روح العفريت، حيث لم يستطع التنفُّس ومات اختناقا.

صاحت الأم قائلة: «لقد قتلتَ أباك، واليوم لا يمكن أن أعيش بينك وبين أخي، لقد كنتما السَّببَ في تعاسَتي» (الحكاية، ص68).

المناورة من جديد: القتل بالسُّم.

هيأت الأمُّ وجبة مسمومة، غير أن «نص الناس» بمعرِفته أدركَ المكيدةَ وأفشلَها، وأصبح الفعلُ انعِكاسيا في الحكاية:

فعل انعكاسي --> أكلُ الطعام( من لدن الأم) --> موت الأم.

الفعلُ الانعكاسي في الحكاية جعلَ الأم هي من تأكلُ الطعام وتموت.

ازدواجية الحكاية: برنامجُ العاملين:

أفعالُ الشخصية الجَديدة التي ظهرت في الحكاية ستفضي إلى تشعُّب الحكاية .بحثَ الابن «نص الناس» عن أخِ أمه وقال له:

«لقد قتلتُ أبي وأمي من أجل حُبي لك ودافعتُ عنك، والآن إذا أردت أن تصبح أخي.. سأقوم بحمايتك» (الحكاية، ص68). سيتجَددُ النسبُ في الحكاية، تُصبح الذات الأولى أخا بالتبني«لنص الناس». طلب منه أن يغادرَ الأماكن «المكروهة»، وأن يأخذَ كُلُّ واحد طريقا؛ يأخذُ الأخ طريقَ الرِبح، و«نص الناس» طريقَ الحَظ العاثِر. أخبرهُ من مُنطلق المعرفة التي يتَمتعُ بها أنه سيَلتقي الأمهَق وحذَّره أن لا يدخُل معه في «شراكة» ولو توسلَ إليه بشدة وغادر المكان.

الانتقال --> فعل ( الانتِقال)

الأخ --> نحو طريق الرِبح .

نص الناسن --> حو طريق الحَظ العاثر.

عقد جديد:

التقى الأخُ بالتبني «لنص الناس» برجُل أمهق، طلب منه الأخيرُ أن يدخُل معه في شراكة مع شرط واحد في العَقد وهو أن الذي لا يملِكُ نفسه ويغضَب ستُقطع بشرةُ وجهه وتعودُ إلى الخلف. امتنعَ في البداية مُتذكرا وصايةَ أخيه «نص الناس»، غير أن الأمهَق ألحَّ عليه كثيرا مما جعله يقبَل العَقد.

الأفعال/ الاختِبارات:

حددَ الأمهقُ مُهمة للأخ بالتبني وهي أن يملأَ جرةَ بالماء، كانت الجرةُ مثقوبة. رغم أنه استقى ماء وفيرا لم تبقَ منه قطرة في قاع الجَرة. في المساء بدأ يشتكي التَّعب، قال له الأمهق: هل غضبت الآن؟ ردَّ بالنفي. وفي الغد أمره بالتباري جريا مع كلبة، ووعَده إذا ربح السباق بأن يحصلَ على العشاء. ربحت الكلبة ولم يحصُل على عشاء. سأله الأمهق: هل أنت غاضِب؟ أجاب بالنفي. لكن الشريك كان مُتعَبا وجائعا بفعل ألاعيب الأمهق.

المواجَهة وتشكُّل ملامح البطل.

أمام اندِحار الأخ في مُواجهة الأمهق، جاء «نص الناس» لمُساندة أخيه وحين أصبح أمام الأمهق اشتَرط عليه نفس شروط العقد. أوكلَ الأمهقُ «لنص الناس» جملةَ أفعال.

- الأمهق --> فِعل (ملء جَرة بدون قاع) .

- رد فعل «نص الناس» --> كَسْر الجَرة.

- فعل السِّباق في مواجهة الكلبة

رد فعل « نص الناس» خسر السباق عن قَصدلا يريدُ إيذاء الحيوان.

الفعل --> سَقي الحديقة --> رد فعل «نص الناس» --> قَطع كل الأشجار وإغراق الحديقة.

الفعل --> رعاية الغنم --> رد فعل «نص الناس» --> باع الخِرفان وأحضر الذيول وقال له بأن الغول والسِّباع أكلَت الخرفان ثم سلَّم المالَ لأخيه بالتَّبني.

عند نهاية كُل فعل من هذه الأفعال، يسألُ «نص الناس» الأمهق: هل أنت غاضب؟ كان جوابُه دائما بالنفي لأنه لا يريد أن يفشلَ في المواجهة، غير أن الأمهق أراد التخلُّص من هذا الشريك وفكرَ في بعثه إلى الغابة عند الغول، وبذلك سيتعرضُ للافتِراس. نادى عليه وخاطبه:

« عندي سبع بنات، اذهب وابحث لي عن طيور لتَسلِيتهن» (الحكاية، ص69).

بمعرفتِه خمنَ «نص الناس»، قصدَ الأمهق، لذلك لم يذهب إلى غابة الغول. أخذ جِرابين وجمعَ فيهما العقارب والحيات وقدمَهما للأمهق موهِما إياه أنه أحضر العصافير وعليه أن يغلِق باب غُرفة الأطفال لكي لا تفلِت الطيور. التهَمت العقاربُ والحيات الأطفال. سأل «نص الناس» الأمهق: هل أنت غاضب؟ أجاب بالنفي، لذلك عمد «نص الناس» إلى إسقاط أب الامهق صريعا، أما زوجته فأجهَضت خوفا. إنه يريد بهذه الأفعال أن يجعله غاضبا ليخسِر المواجهة بناء على شرط العَقد بينه وبين الأمهق.

طلب الأمهق من «نص الناس» حراسة المنزل مُتذرعا بالسفر صحبة زوجته للهروب من الاستِمرار في المواجهة. وبعد انصرام ثلاثة أيام تأكد تخمين «نص الناس»، لذلك لحق بالأمهق وزوجته وحين رآه الأمهق صاح: «أتتبعني حتى هذا المكان» (الحكاية، ص70). ردَّ «نص الناس»: «هل أنت غاضب؟».

«نعم، إني غاضب» لم يتمالك الأمهق نفسه من كل الأفعال التي ألحقها به «نص الناس»، فعبر عن غضبه وبذلك خسِر المواجهة التي خاضها ضد «نص الناس».

الإنجاز --> «نص الناس» --> فعل --> اقتلع بشرة وجه الأمهق ووضعها في الخلف.

قام «نص الناس» بالفعل الذي تم الاتفاق عليه في العقد دليلا على انتِصاره. بعد الانتصار في معركة المواجهة، سيستحوذُ على أملاك الأمهق صحبة أخيه ويعيشان في سعادة.

قامت الحكايةُ على مسارين؛ مسار الأخ الذي عانى من اختلال النسق القيمي بفقدان أخواته وانخرط في مسار البحث عن مصيرهن مع الكائن الأسطوري العفريت. تتسمُ هذه الحالة بسمتين سلبيتين: الفَقد واختلال النسق العائلي والتوازي بين الإنسان و الكائن الأسطوري. تتمكن الذات الفاعلة في هذا المسار من تجاوز الاختبارات التي تتعرضُ لها، منها الطبيعية حين قطع الجبال والاختبارات الرئيسة حين تغلبَ على العوامل المُعاكسة ومنها ملك الحيتان وملك الطيور وخاصة العفريت-الحمَل الذي يُمثل المُعاكس «القبيح» باللغة الواصفة لفلاديمير بروب(18)، لأنه يدخلُ معه في مبارزة ويحصلُ على بيضة الحَجلة، يكسرها على جبينه وينتصر عليه. أفعال هذا المسار تمكنُه من لم شمل الأخوات حين تخلُق الحكاية بقُدرتها الخارقة وقابليتها لرسم عوالم ممكنة انسِجاما بين عالم الإنسان والحيوان.ويصبحُ صديقا للعفريت ملك الحيتان. في الحكاية الشعبية تحدُث إمكانية الحديث والحوار بين الآدمي والحيوان، ولكنها تظل صيغة من صيغ حديث الإنسان عن نفسه، فهو يستعيرُ لغة الحيوان للتعبير عن رغباته في الانسجام داخل الكون(19).

بناء على عناصِر هذا المسار، يمكنُ للقارئ أن يعتبرَ أن هذه الذات الفاعلة تمثلُ البطل في الحكاية، لأنها تنتقلُ من الحالات الرئيسة التي تقوم عليها بنية الحكاية الشعبية وهي اختِلال التوازن، الفقد، مغادرة الفضاء الحميمي نحو الفضاء-الهدف، والانتقال عبر فضاءات عدائية، المواجهة، المبارزة والانتصار، غير أن هذه الحكاية تتميزُ بالتشعُّب في نموها بظهور ذات أخرى وهو «نص الناس» أو «نصف رجل» كما يحددُ ذلك الراوي أو المُتلقي الذي يقوم بجمع هذه الحكايات. تظهر هذه الشخصية في الحكاية حين انتصار الذات الفاعلة الأولى في مواجهة العفريت-الحمَل وعودته عند ملك الحيتان.

يحملُ ميلادُ الطفل في الحكاية سمات خاصة؛ حين وضعته زوجة ملك الحيتان رفض التسميةَ من عائلته وأخبرهم أنه أتى حامِلا معه اسمه هو «نُص الناس» وأنه «يعرف ما في رأسه وما في رأس النَّاس». إن علامة التَّسمية رئيسة بالنسبة للشخصية في الحكاية، وهي تحيلُ في هذه الحالة على عنصر المَعرفة، وتجعل هذه الشخصية منذ برزوها على مستوى الذوات الفاعلة متسمة بالمعرفة التي تجعلُ منها شخصية لها استطاعة فِطرية متحققة مع الولادة، لذلك فإن هذا التشعُّب يطرح فرضيات القراءة المُتعددة بالنسبة للقارئ: ما هو دور هذه الاستِطاعة الفطرية ؟ هل تحددُ نظام البطل في الحكاية؟

يقومُ مسار «نص الناس» في الحكاية على أفعال في علاقة المُواجهة بين شخصيات الحكاية ويؤسسُ لنفسه مسارا تركيبيا، قائما على مجموعة أفعال. تقومُ هذه الأفعال جميعُها على المعرفة معرفة «نص الناس» بما في رأسه وما في رأس النَّاس؛ فالاستطاعة التي يمتلكُها ليست استطاعة القوة مثلا، حين يواجهُ العامل المضاد ولكنه الدهاء القائم على المعرفة، لذلك يضعُ المُتلقي للحكاية عنوانا: «الذي يعرف ما في رأسه وما في رأس النَّاس»، فالاستطاعة معرِفية، وهي التي تجعلُ مسار الأفعال على هذه الصيغة:

التخمين والتنبؤ بأفعال الأم:

- التنبؤ برغبةِ أمه في قتل أخيها الذي أصبح صديقا لزوجها عن طريق تحويل العفريت / الزوج إلى حية.

- إفشال مُناورة الأم بتقمص دور الأخ.

- موت العفريت / الأب ونجاة الأخ.

- التنبؤ بفعل الأم مُناورة الأم من جديد: القتل بالسُّم.

- إفشال مناورة القتل بالسم .

يصبح الفعل انعكاسيا: بدل موت «نص الناس» تموتُ الأم بالسم.

- التنبؤ بمناورات الأمهق .

- مساندة الأخ الذي اندحَر وخَسر المواجهة مع الأمهق بسبب مناوراته (أعطاه جرة ماء مثقوبة، خاض سباقا مع كلبة).

رغم أن الأخ أفلحَ في التعرُّف على مكان أخواته (الكبرى، الوسطى والصغرى)، فإنه لم يستطع أن ينتصر في رهان المُواجهة مع الأمهق، بمعنى أن تبئير الحكاية لمسار الذات الفاعلة: «نص الناس»، الذي يتنبأ بفعل معرفته بمناورات الأمهق، يفرض إعادة فرضيات القراءة.

يتنبأ «نص الناس» بمناورات الأمهق، (ملء جرة بدون قاع – السباق في مواجة كلبة – سقي الحديقة – رعاية الغنم – بعثه إلى الغابة عند الغول) لذلك يُفشِل مَسعاه في كُل هذه الأفعال بكسر الجرة وخَسارة السباق وبيع الغنم وإحضار الحيات بدل الطيور. كل هذه الأفعال تجعله يغضب ويربَح «نص الناس» الرهان في المُبارزة ضد الأمهق. تنتهي الحكايةُ بملفوظ جزائي يقدمُ فيه المتلفظُ حكما حول حالة الأخ و«نص الناس»: «عاشا سعيدين..» (الحكاية، ص64). إن السعادة تدلُّ على حالة أهوائية بحمولة دلالية سماتها الأساسية الاستِقرار وسيادة القيم الإيجابية وانتفاء الاختلال في النسق الثقافي. هذه الخصائص هي التي يُمكن أن تُعزز فرضية أن الحكاية تعرفُ مسارين وأن ما يُجَسِّدُ البطل بمفهوم الحكاية الشعبية هو مسار «نص الناس» الذي يستطيعُ بمعرفته أن ينجحَ في الاختبارات وأن ينتصر في مواجهة الأمهق، كما أنه الفاعل الذي يُحققُ حالة السعادة للأخ في نهاية الحكاية، اعتبارا أن السعادة بصفتها حالة أهوائية إيجابية هي التي يهفو إليها البطلُ في الحكاية الشعبية.

خلاصة :

نلاحظ أن حكاية « نُص الناس» تَحتفي بالمَعرفة، إنها العنصُر الذي يستندُ إليه فعلُ الذوات، فالاستِطاعة لا تُجسدها قدرة القوة ولكن تتبلوَرُ في الحكاية بواسطة الدهاء والمَعرفة؛ المعرفة هي التي تجعلُ الأخ يحصلُ عل الأشياء السِّحرية (البلغة، العصا، الشاشية) من الإخوة المُتخاصمين، ويقوم بالانتِقالات داخل الفضاءات الشَّاقة والقاهرة، وهي المعرفة التي مكنت «نُص الناس» من اكتِساب مهارة التخمين والتنبؤ بمناورات الأم ومُناورات العامل-المُضاد، حيث سينتصر في مواجهة الأمهق وينجز شرط العقد وهو أن يقتلع بشرة الوجه ويثبتها في الخلف .يحيلُ هذا الفعلُ أيضا على كناية «الوجه والقفا»، فمن معاني القفا في اللغة مُؤخر العُنق(20)، وحين تُحولُ بشرة الوجه إلى الخلف أو إلى القفا، فإنها تدُل على الوجه الآخر. لذلك حينما يُغير «نص الناس» بشرة الأمهق إلى الخلف، فإنه يكشفُ الوجه الآخر للأمهق الذي يقومُ على المُناورة ومحاولة إفشال مسعى الذوات الأخرى. فالحكاية تُشخصُ نظامَ الذوات من خلال مقولة الظاهر والكينونة؛ الظاهر هو إنشاء تعاقُد بينه وبين الشخصيات ينهضُ على شروط، غير أن كينونة الأمهق هي المناورة والتسخير من أجل إفشال برنامج البطل.

نلاحظ أن مسارَ الذات في الحكاية الشعبية يبدأُ بحالة اختلِال النِّظام وينمو وفق أفعال يُنجزُها البطلُ. إنه يجتازُ الاختِبارات الطبيعية والأهوائية ويخوضُ صِراعا أبديا مع قِوى الطبيعة أو القوى البَشرية التي تحاولُ كَسر شوكته في مسارِه نحو الانتِصار وتحقيقِ القيم التي يرنو إليها.

هذه المنظومة التركيبية، فضلا عن بُعدها الجمالي والفني، تعكسُ كينونةَ الفرد داخل الوجود في تجلياتها المختلفة القائمة على الصِّراع والمواجهة والرغبة في الحفاظ على توازُن الوجود والعالم.

تُشخصُ الحكاية الشعبية، أيضا ،من خلال الذوات الفاعِلة وأدوارها التركيبية طبيعةَ الكائنات في الكون، إنها تحيلُ على علائق الانسِجام والوحدة والتنافر وإمكانيات الحوار بين الآدمي والحيوان والأسطوري، وبهذا فإن العوالِم المُتخيلة التي تقوم بصياغتها استنادا إلى اللغة والشخصيات و منظومة الزمن والمكان، ترمزُ إلى العناصر الفاعلة داخل الكون وإلى إمكانيات بناء العَلاقات فيما بينها.

 

الهوامش

1. HJELMSLEV( Louis ) .Prolégomènes à une théorie du langage ,Paris ,,Editions de Minuit ,1966,P.26.

2. GREIMAS(A.J), COURTES ( J ).Sémiotique. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris, Hachette, 1979, P.191.

3. جمعت المؤلفةُ الطبيبة ليجي هذه الحكايات من مدينة مراكش بالمغرب استنادا إلى الاستِماع لعدد كبير من الرواة:

. ضمنتها في كتابها :

. Doctoresse LEGEY .Contes et Légendes Populaires du Maroc, Paris, Editions Ernest Leroux, 1926. P.63.

4. PROPP (Vladimir) .Morphologie du conte ,Paris , Seuil ,1970 ,P.12.

5. تعتمد المقاربة النصوص الأساسية في السيميائيات السردية .

- GREIMAS( A.J), COURTES ( J ).Sémiotique. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris, Hachette ,1979.

- GREIMAS ( A ,j) .Du sens ,Paris ,Seuil, 1970.

6. PROPP ( Vladimir ) .Morphologie du conte , op. cit, P.36.

7. GREIMAS(A.J), COURTES (J) .Sémiotique. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, op.cit, P.171.

8. GREIMAS(A.J), COURTES (J) .Sémiotique. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, op.cit, P. 417.

9. PROPP (Vladimir) .Morphologie du conte, op. cit, P.36.

10. PROPP (Vladimir) .Morphologie du conte, op. cit, P.42.

11. GREIMAS(A.J), COURTES (J).Sémiotique. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, op.cit., P.295.

12. CHADLI (EL Mostafa).Le conte merveilleux marocain, Publications de la faculté des lettres de Rabat, 2000, P.77.

13. سورة طه، آية 18.

14. GREIMAS (A .j). Du sens II, Paris, Seuil, 1983.P .117.

15. نوسي، عبدالمجيد .التحليل السيميائي للخطاب الروائي، الدار البيضاء ، المدارس ، 2002، ص.221.

16. COURTES (Joseph). « Le motif, unité narrative et /ou culturelle ? In Le Bulletin, N16, Décembre ,1980.P.44.

17. - نوسي، عبدالمجيد "خطاب الكرامة الصوفية"، الثقافة الشعبية، ع 49، ربيع 2020.ص.54.

18. PROPP (Vladimir ) .Morphologie du conte, op. cit, P.42.

19. حجو محمد .الإنسان وانسجام الكون، الجزائر، منشورات الاختلاف، الرباط، دار الأمان، 2012، ص.254.

20. ابن منظور. لسان العرب، بيروت، دار صادر، الطبعة الأولى ، 1990.ص 192.

المصادر و المراجع.

المتن .

- Doctoresse LEGEY .Contes et Légendes Populaires du Maroc, Paris, Editions Ernest Leroux, 1926.

المصادر .

1. القرآن الكريم.

2. ابن منظور. لسان العرب، بيروت، دار صادر، الطبعة الأولى، 1990.

المراجع باللغة العربية

1. حجو محمد. الإنسان وانسجام الكون، الجزائر، منشورات الاختلاف، الرباط، دار الأمان، 2012 .

2. نوسي، عبدالمجيد "خطاب الكرامة الصوفية"، الثقافة الشعبية، ع 49، ربيع 2020.

3. نوسي، عبدالمجيد. التحليل السيميائي للخطاب الروائي، الدار البيضاء، المدارس، 2002.

المراجع باللغة الأجنبية .

1. CHADLI (EL Mostafa).Le conte merveilleux marocain, Publications de la faculté des lettres de Raba, 2000.

2. COURTES (Joseph). « Le motif, unité narrative et /ou culturelle ? In Le Bulletin, N16, Décembre ,1980.

3. GREIMAS(A.J), COURTES (J).Sémiotique. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris, Hachette, 1979.

4. GREIMAS (A ,j) .Du sens ,Paris ,Seuil ,1970.

5. GREIMAS (A .j). Du sens II, Paris, Seuil, 1983.

6. HJELMSLEV (Louis) .Prolégomènes à une théorie du langage ,Paris ,Editions de

7. Minuit ,1966.

8. PROPP (Vladimir) .Morphologie du conte ,Paris , Seuil ,1970 .

الصور

1. https://i.pinimg.com/564x/b2/8c/da/b28cda546dfdc3a7e0f9e60628a6e615.jpg

2. https://windling.typepad.com/.a/6a00e54fcf7385883401910268391b970c-pi

3. https://i.pinimg.com/564x/66/9f/45/669f4539f64af9b8104ee7ef7a1b08f2.jpg

4. https://i.pinimg.com/564x/2c/09/40/2c0940eb5135ab0b40ccabafea5bba33.jpg

5. https://i.pinimg.com/564x/5b/16/71/5b16717383b8a8c5f69255d627197b66.jpg

أعداد المجلة