فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

ذائقةٌ عابرةٌ لحدود الثقافات

العدد 57 - لوحة الغلاف
ذائقةٌ عابرةٌ لحدود الثقافات

نعرف جيداً بأن أحداً منا ليس بحاجة للانتماءات والإثنيات ليتوقف مذهولاً أمام الجمال؛ فليس بحاجة لأن يكون مسلماً ليستشعر روعة العمارة الإسلامية. ولا مسيحياً ليدهش بتعقيد العمارة القوطية، ورسومات سقف كنيسة «سيستيا». ولا هندوسياً أو بوذياً ليعجب بمعابد «أنغكور وآت». وبالطبع لا يستدعي الأمر أن تكون من أي الإثنيات التي شيدت هذه الأمكنة، فالجمال عابرٌ لحدود هذه المحدودات؛ من ثقافات، وأديان، وإثنيات، وأوطان... فهو الفضاء اللامحدود الذي لا يمكن حده، مهما اصطنعنا له حدود. والأمر ذاته، ينطبق على الأزياء، والمذاقات، وغيرها.

صحيح بأننا نألفّ تذوق شيء دون غيره، فيصبح معياراً للمذاق، وكذلك الأمر بالنسبة للجمال؛ فما هو مألوف لناظرنا، جمالٌ قد لا يراهُ من لم يألفه، بيد أن لهذه الألفة حدودها المقرونة بالحدود الذاتية، حيثُ ذات الرائي. فيما ليس للمذاق، أو الجمال، حدود ومعايير تفرضها ذاتية الشيء المنظور. بل حتى ما يمكن أن نعتبرهُ حسناً أو قبيحاً في ذاته، خاضعُ -في بعض الأحيان- لنسبيةٍ تحددها ظرفية هذا الحسن أو القبيح من وجهة الناظر إليهما، ولنا في شق الشفاه، وحشوها بصحنٍ أو قرص، لدى بعض القبائل الأفريقية، مثالاً.

من هذه المقدمة، ننطلق للصورة، التي نعرضها على غلاف هذا العدد الخلفي، وهي ذات جانبين، الأول لفتاةٍ تتوسط الصورة، وهي ترتدي الأزياء الأوزبكية التقليدية مع لمساتٍ حديثة وفقاً لمعايير الأزياء العالمية، كالمبالغة في امتداد الذيل. أما الجانب الثاني، فهو ما يبدو كخلفيةٍ تجلي روعة العمارة الإسلامية، المتمثلة في بوابة مدرسة «تيلا قاري» أو «طلا كارى» (Tilya Kori) بمدينة سمرقند، ثاني أكبر مدن أوزباكستان. وقد شيدت هذه المدرسة في العام (1646 م)، بأمرٍ من حاكم المدينة آنذاك، (يلنكتوش بهادر)، واستغرق بناؤها (15) عاماً. وإلى جانب كونها مدرسة، فهي مسجدٌ كذلك.

إن العمارة، والعادات والتقاليد الأوزبكية، كسائر تجليات الثقافات الأخرى، نتاجُ خليطٍ ثري من الثقافات والقوميات التي مرت بهذه المنطقة، وقد تراكمت لتشكل إرثاً ثقافياً ذي جوانب معقدة مع الزمن، أو كما يعبر عنها عالم النفس المقارن، واللغوي الأمريكي (مايكل توماسيلو) بقوله إن «بعض التقاليد الثقافية تراكم التعديلات التي أدخلها أفراد مختلفون عبر الزمن حتى تصبح أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً من حيث الوظائف التكيفية»، وهو ما يطلق عليه «التطور الثقافي التراكمي».

إن المساجد، والمدارس، والقصور، والأضرحة الأوزبكية، تعكسُ هذا المزيج، الممثلُ في عمارةٍ إسلامية ذات أبعاد جمالية، وغنىً لوني، تعكسهُ موتيفاتها، مشكلةً تحفاً معماريةٍ هي نتاج مراكمة ثقافية متعددة المشارب. كما أن الأشكال الزخرفية في هذه العمارة، والتي أبدع فيها المسلمون، تجنباً لتصوير ذوي الأرواح، الذي عد محرماً، جعل الجانب الزخرفي، وفن صياغة الحروف «التيبوغرافي»، وفن الخط «الكاليجرافي»، ذي حظوة مركزية، انعكست جمالياً على العمارة الإسلامية في كل الأمكنة التي مرت بها هذه الثقافة.

أ. سيد أحمد رضا

أعداد المجلة