فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

هل بدأت الآلة بتغيير مفهوم الثقافة بشكل عام والثقافة الشعبية بشكل خاص؟

العدد 46 - آفاق
هل بدأت الآلة بتغيير مفهوم الثقافة بشكل عام والثقافة الشعبية بشكل خاص؟
كاتب من لبنان

إذا كان من الصعب إعطاء تعريف ثابت وشامل للثقافة الشعبية، فمن الممكن، بصورة غير رسمية، اعتبارها نوعاً من أنواع المكتسبات المعرفية المشتركة التي يتقاسمها أفراد مجتمع معين، يتأثرون بها وتؤثر فيهم. إضافةً إلى ذلك، إن الثقافة بشكل عام، المتضمنة للثقافة الشعبية، في حالة استمرارية وتطوّر دائمين، فهي تُبنى على الماضي والحاضر، وتتأثر بمجمل التغيُّرات الحياتية وتتفاعل معها، مع العلم أن كل جديد يُبنى على ما سبق. استطراداً، من الصعب الحد بين مفهوم الثقافة العامة والثقافة الشعبية والثقافة العالمة والثقافة الوطنية وغيرها من المصطلحات التي تمثل مفاهيم تتعلق بشمولية طُرق الحياة. هذا التداخل المفاهيمي - المصطلحي - يأتي نتيجة آلية تكوّن الفرد داخل المجتمعات، و«يغرف» منها معرفته المجتمعية التي تؤدي إلى تكوين هُويته.

من جهة ثانية، إذا سلّمنا بأننا في مرحلة الحتمية التقنية، على أساس أن التقنيات هي المسبب الرئيس للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فما هو دور التقنيات الرقمية، على أنواعها، في التأسيس لثقافات شعبية لم تكن موجودة سابقاً وتتماشى مع التغيرات الرقمية؟ وما هو دور وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الثقافات الشعبية الراسخة والمستجدة؟

على الأرجح، إنّ انتشار المعطيات والمعلومات، مهما كانت طبيعتها، إذا ما جرى بطريقة منهجية، فإنه سيؤدي دوراً في عملية اكتساب المعرفة، لتشكل هذه المعلومات جزءاً من المخزون الثقافي - المعرفي، الذي يصبح بالتالي محركاً للذكاء الجماعي وللوعي الجماعي، فالثقافة الشعبية، بحسب البعض، هي «حقل من الحقول المعرفية» التي تتأقلم مع المتغيّرات الحياتية بكل جوانبها وتتماشى معها وتدخل ضمن نطاقها.

من هنا، بات من الضّروري أن تؤخذ الثقافة الرقمية على محمل الجد، لأننا في مرحلة الانتقال إلى ما يسمّى «الإنسانية الرقمية» (بحسب المصطلح الذي يستخدمه الأكاديمي ميلاد دويهي لعنوان كتابه Pour un humanisme numérique)، ذلك أنّ الرقمنة دخلت في حياة الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات، لكونها تتأقلم مع ما يُعرف بالصناعات الثقافية. هذه الصناعات الإبداعية لا يمكن أن تكون فاعلة وأن تكون لها سلطة اجتماعية، إلا من خلال تأسيس علوم إنسانية ترقى إلى ما نسميه الإنسانيات الرقمية، التي هي دعوة إلى الإبداع في العلوم الإنسانية لتصبح علوماً إنسانية علميّة. ففي الثقافة الشعبية، تتقاطع الحقول المعرفية المختلفة كافة، فالرقمنة والتمظهر وبناء السمعة الرقمية وأرشفة الوثاثق والتنقيب عنها ونشرها، لم تعد محدّدة في الزمان ولا في المكان، ولا حتى في النص الذي هو أساس المقاربات المعرفية المختلفة للعلوم.

تساعد الإنسانيات الرقمية على تشكيل المعنى. ففي المجتمعات المختلفة، نحن في مرحلة بناء رموز تعبيرية جديدة تتماشى مع التغيرات التقنية، والإنسان، كما هو معروف، هو المحور الأساس الذي تدور في فلكه كل هذه التغيرات. وهذه التغيرات لها تأثير في كل ما يحيط بالفرد، فقد بتنا الآن في طور تكوين جديد للهُوية، يُحدَّد بحسب ارتباطنا بالتقنيات الرقمية التي تتكون من خلالها الهوية الرقمية للأفراد وللمجتمعات، كما تؤدي إلى تكوين ما يعرف بالمواطنة الرقمية كجزء من الثقافة الشعبية (الثقافة الرقمية تحدد هويتنا الحالية). فالتقنيات، من جهة، حوَّلت الإنسان إلى وثيقة كباقي الوثائق، ومن جهة ثانية فإنه أصبح إنساناً هجيناً. انطلاقاً من ذلك، أين هي الثقافة الشعبية في ظلّ كل هذا التغيير! إذا أردنا أن نصف الواقع الحالي والتوقعات المستقبلية، فإننا في مرحلة تقارب بين الآلة والإنسان، فنحن نؤنسن الآلة من جهة، ونطوّع الإنسان نحو الآلة من جهة ثانية، فالأدوات والتطبيقات التقنية تشكّل امتداداً للإنسان جسدياً وفكرياً، والرقمنة بحد ذاتها هي حدث ثقافي بالمفهوم الواسع، تمسّ رؤيتنا للعالم بأكمله، والنزعة الإنسانية الرقمية هي حالة بحكم الأمر الواقع. إنها «نتيجة للتقارب بين تراثنا الثقافي المعقد وتقنية أصبحت تأخذ مكاناً غير مسبوق من الأنسنة».

هذه الثورة الرقمية حولت العالم الرقمي من هدف (objet) إلى موضوع. وإذا كان الرقمي هو ثقافة جديدة، فيجب أن يُنظر إليه انطلاقاً من أنّ له بعداً إنسانياً، وأنه يغيّر معنى الإنسان، فلم نعد بشراً يستخدمون التقنيات، بل إن تشكّل الإنسان بات من خلال وجود التقنية الرقمية، وبتنا بالتالي بشراً رقميين. وبمجرد التغلب على التناقض أو التعارض الواضح بين البشرية والتكنولوجيا، لا يعود من الضروري الاختيار بين النهج القائم على الأدوات والنهج النظري، لأن الأوّل لا يمكن أن يكون موجوداً دون الآخر، والتفكير في الرقمنة يعني تنمية الممارسات، وتصميم الأدوات يعني التنظير في الرقمنة. إذاً، الإنسانيات الرقمية هي توافق لإنتاج تطبيقات معلوماتية، ودراسة الأبعاد النظريّة لتأثيرها في إنتاج المعرفة التي تشكل جزءاً من الثقافة الشعبية وتداولها.

استطراداً، علينا أخذ الأمور كما هي في الواقع المعيش، فالتقنيات حاضرة، ولا يمكن التعامل معها على أساس منهجيّ يحتّم التفكير فيها كشيء معارض للإنسان، أو على أساس أنّ الإنسانية في صراع بين الإنسان والآلة، بل التفكير بالعكس من ذلك، والبحث عن التقارب بين التقنية والثقافة، فالرقمنة هي حقيقة، وهي بالفعل ثقافة وحضارة.

إذاً، نحن الآن في مرحلة بناء للمفاهيم العلمية التي من المفترض أن تساعد على وضع قواعد لتنفيذ الممارسات الجيدة التي تؤثر في الانتماء الثقافي للشعوب، الذي هو بدوره التحدي الكبير للإنسانية فيما يخص الرقمنة وأثرها في الثقافة الشعبية بمفهومها الواسع كوسيلة للانتشار.

سنحاول في هذه الدراسة طرح بعض التصوّرات حول بعض المفاهيم الجديدة التي من الممكن أن تتماشى مع التغيرات التقنية، وأثرها في الثقافة الشعبية بمفهومها الشامل، وخصوصاً بعد هذا الانتقال من زمن «البداوة» الرقمية إلى زمن «الترحال» التواصلي، أي أن التقنيات الرقمية لم تعد محصورة الممارسة بمكان محدد لذلك، بل باتت تصاحبنا في كل الأمكنة. ثانياً، سنحاول عرض الإشكاليات الموجودة حالياً المتعلقة بأرشفة الوثائق الرقمية، لكون هذه الإشكالية عالمية، وتخص المحتوى الرقمي العالمي، كما تخص المحتوى الرقمي في كل بلد.

تداخل الثقافة مع العلم

بحسب عبد السلام المسدي، إن الحضارة الإنسانية لا تعدو أن تكون حصيلة الانسلاخات المتلاحقة التي تراكمت عبر تفاعل الثقافات بعد انصهار بعضها في بعض بموجب قانون الحلول والتجاوز. [المسدي، ص. 106]

إن العنصر الثقافي هو بمثابة تقاطع الخط الذي هو ثمرة حركة الأفراد، كل على حدة، مع الخط الذي هو حصيلة الحركة الجماعية في مجتمع من المجتمعات البشرية، فالثقافة تحدد بحسب الواقع المعيش على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.

في الحقيقة، كل شيء ثقافي، بما في ذلك الجانب الوجداني والعاطفي في الإنسان، كما كلّ ما له علاقة بسلوك الأفراد وبكيانهم، إضافة إلى مجالات الإبداع، مهما كانت، انطلاقاً من أبسط معايير التصرفات في المجتمع وصولاً إلى الإبداعات التكنولوجية، وهذا هو الترابط بين العلم كمجال منطقي موضوعي، والإنسانيات كعلوم «فكرية» ترتكز على الملاحظة والتنظير. ولن نكون بذلك خارج المجال الاقتصادي أيضاً، ففي الأساس تتعلق مجمل الأمور بالتغيرات الاقتصادية كمسير للحياة، وهذا لا يتعلق بالفقر والثراء للدول وللشعوب (فالجميع له ثقافته الخاصة به.. وخصوصاً ثقافته الشعبية)، ولكن الوضع الاقتصادي بصورة عامة يؤثر في الثقافة وفي صيرورة بنائها، فالثقافة ليست معطاة بشكل عشوائي، بل تُبنى كما يبنى المعنى من النص وفيه.

وإذا كان البعض يميّز بين الثقافة والعلم، فإننا نعتقد أنّ التقنيات ضيّقت هذا التباعد الشكلي، فنحن في مرحلة تداخل الثقافة مع التكنولوجيا من جهة، ومن جهة ثانية نشهد تأثيراً متبادلاً بين المجالين. ولكن بالرغم من كل هذه التداخلات التي طرحتها الرقمنة، هناك سؤال دائم الطرح يأتي بعد كل تغيير في أساليب الحياة: من هو الذي سيفرض سيطرته الثقافية على الآخر؟ إذاً، بعد هذا التغيير الذي أدت إليه الرقمنة، هل تؤدي دوراً في طرح ثقافة مسيطرة يُعمل على أن تصبح معياراً للشعوب؟

انطلاقاً من ذلك، يأتي السؤال الطبيعي عن دور المعرفة في كل ذلك، فما هي الغاية المعرفية على مستوى المجتمعات الإنسانية؟ إن العلم، كما يقول المسدي - بتقدمه وبنمط التفكير الذي أسّسه وعمّمه حتى صيّره آلية من آليات الإنسان الحديث - أنشأ مأزقاً للثقافة، وكانت أدق منعطفات المأزق ساعة تصادم العلم مع الثقافة، ولكن هل نحن فعلاً في مرحلة تصادم، كما يقول المسدي، على أساس أن العلم له صبغة كونية، فيما الثقافة لها صبغة خصوصية؟

هذا التخوف الدائم من العلم يتعلق برؤيتنا إلى من يبدع فيه ومن يملكه، على أساس أن من يملك العلم يسيطر على من يستخدم منتجات العلم؟ لذلك، نعتبر أنه بالرغم من النظرات التشاؤمية والتخوف من فقدان الخصوصية الثقافية، فمن المفترض أن نرى أنّ الترابط بين العلم والثقافة يأخذ منحى أبعد من هذه النظرة السلبية، إذ علينا رؤية أنّ العلم عام وأنه للجميع، بغض النظر عمن صنعه، والمهم كيف نستفيد من هذا العلم، وكيف نطوّر هذا الإنتاج المعرفي، فالمشكلة ليست في الآخر الذي يُسوّق، بقدر ما هي في «نحن» المستهلك.

من يملك المعرفة يملك السلطة، بحسب ما يقول فوكو، والمعرفة، إذا أردنا، ليست حكراً على أحد، بل من الممكن أن نعمل على اكتسابها بكل قوانا الفكرية، ولا سيما أنّ المعرفة الحالية، الإنتاجية، لا تتعلق كثيراً بالمواد الخام بقدر ما تتعلق بالفكر، فالمادة الخام الحالية التي تشكل رأس مال الفرد هي قدراته الذهنية (الفكرية). لذلك، من الناحية العملية الفعلية، خارج نطاق التنظير، لماذا لا نستفيد من الرقمنة كنتاج علمي لنشر الثقافة الشعبية؟ (سنرى لاحقاً أن المبادرات كثيرة، ولكنها غير منظمة)، فالثقافة هي الذات والآخر؛ كل ذات وكل آخر، خارج نطاق التأثير والتأثر، كما يقول المسدي (ص. 107)، والسيطرة تكمن في الأساس عندما نكون في حالة من الفجوة المعرفية عند الأفراد وعند بعض الشرائح الاجتماعية، والسيطرة دائماً ممكنة على الضعيف فكرياً.

إذاً، إن الترابط الثقافي يصبح ثورة ثقافية في العلاقات الإنسانية إذا ما بنيت على أساس أنّنا في مرحلة ترابط وتوافق إيجابي بين العلم المتجذر حالياً بالتكنولوجيا وبين الثقافة، أي ثقافة، ومهما كانت، وهذا ما أسّس من فترة ليست ببعيدة لما يسمى «الإنسانيات الرقمية»، ليتكوَّن عندنا وعي ثقافي مرتكز على الوعي المعرفي، من خلال فهم للمارسات والكفاءات المطلوبة.

استطراداً، يصبح من الجائز القول إن كل ما يتعلق بالإرث الثقافي الخاص، وبالممارسات الثقافية العامة، يشكل ما نسمّيه «الهوية»، ولكن من منظور تقني جديد يرتكز على مفهوم الهوية السابق، ويضاف إليه مفهوم الهوية الرقمية، فالعلم كالثقاقة، له هويته إذا ما ارتبط بالمعايير بحسب منظومة القيم في المجتمع.

الهوية الرقمية

عندما نستخدم أي وسيلة رقمية، مهما كانت، فإننا نترك أثراً... من خلال ما يسمى الـ«أي بي» (IP) (بروتوكول الإنترنت، وهو عبارة عن مجموعة من الأرقام تحدّد كيفية إرسال المعلومات)1 الخاص بكل شخص. ومن هنا، يبدأ تكوين الهوية الرقمية لكلّ مستخدم. وإذا كانت الهُوية بصورة عامة - شكلياً - إدارية وبيولوجية، فإنها أيضاً تعابير وهوايات وألعاب وأفكار وآراء... والطرق التي يرانا من خلالها الآخرون... وفي عالم التقنيات، هي محدّدة على أساس تعريف ومصادقة، فللهُويّة الرقمية إدارة تتمثل بعدة خصائص:

تعبيرية: ماذا تقول؟ نشر وإعلان: ماذا تعلن؟ عمل: ماذا تفعل؟ رأي: ماذا تحب؟ سمعة: ماذا يقال عنك؟ هوايات: ماذا تهوى؟ تعريف: ماذا يُعرف عنك؟ استهلاك: ماذا تشتري؟ معرفية: ماذا تعرف؟ رمزية: ماذا تمثل ومن يمثلك؟ مشهدية: من تعرف؟ ومسكنية: ما هو عنوانك؟

وإذا كان ماكس فيبير (Max Weber) قد تكلّم عن الخبرة في الفعل والخبرة الكينونية (savoir être & savoir faire)، فإن هذه الهوية الرقمية تُحدَّد بأمرين، إضافة إلى ما حدده فيبير، يتمحوران حول الخبرة في التفاعل والخبرة في التمظهر (savoir interagir & savoir paraitre)، وهي تتماشى مع استعداد الأفراد للإغواء الدائم في كل فترات حياتهم.

إن دخول التقنيات إلى الحياة ضاعف من أشكال الهوية التي تخص أي مستخدم للإنترنت: الهوية البيولوجية (الواقعية)، والهوية الرقمية (الافتراضية)، والهوية الوظيفية (النشاطية) والهوية (السردية) بحسب بول ريكور3. فتداخل عالم القراءة وعالم الكتابة مع كل ما لهذا من معنى وتأثير في كل المستويات، وبالتالي تداخل عالم النص وعوالم الفرد والجماعة، حيث يتشكّل الفرد في الجماعة، يجعل هذه العوالم في النهاية موروثاً تاريخياً لكل شخص. ومن هنا، جاء هذا التقارب مع الجينات البيولوجية، حيث إنها هي ما ورثنا وهي ما سنورّث!

لهذا، وصلنا إلى مرحلة الانتقال مما يسمى بالتكشيف النصي (توصيف المعلومات النصية والصور وغيرها)، إلى تكشيف الأفراد (توصيف المعلومات عن الأفراد)... ممّا سيؤدي إلى الانتقال من الشبكة العنكبوتية للنصوص إلى الشبكة العنكبوتية للأفراد، أي من www) WWideW) إلىwlw) WLifeW).

فنحن الآن في منظومة تواصلية، وقد توصلنا إلى خرائط مجتمعيّة متشابكة من التواصل، من شخص إلى شخص، ومن شخص إلى جماعة، ومن جماعة إلى جماعة، ليصبح التشابك حقاً أساسياً وليس خدمة! فالأدوات التقنية تدفع إلى تخطي السلوكيات الحالية نحو سلوكيات جديدة تؤدي بالتالي إلى الانتقال من ثقافة الإبحار (Browser) إلى ثقافة البحث (Search)، ومنها إلى ثقافة التشارك (Share). هذا التشارك في الشبكات الاجتماعية سيدخلنا إلى مفهوم الأنا الاجتماعي الرقمي.

رقمنة الثقافة

إن التقنيات الرقمية موجودة، وعلينا التعامل معها على أساس أنها موجودة، وأن نحاول الاستفادة منها قدر الإمكان بالطرق السليمة التي تتناسب مع قيم كل مجتمع وثقافته. وكما يقول ريفيل، إذا أردنا فهم التأثير الحالي للتكنولوجيا الرقمية في الأفراد وفي المجتمع المعاصر، فيتعيّن علينا تجاوز تلك المقاومة العقيمة، لأن التكنولوجيا والمجتمع وحدتان غير مستقلتين، فهما في حالة تفاعل مستمر، ودائماً في حالة تشابك، والواحد يُغني الآخر. [ريفيل، ص. 34]

وكما بات معروفاً، إن التكنولوجيا ليست محايدة، وإذا كانت الأجهزة والتطبيقات المستخدمة من الناحية التقنية تحتم استخداماً عالمياً من دون أن تتأصل فيه، فعليها أن تتفاعل مع التنوع الثقافي والحضاري. ولا يمكن للحضارة أن تكون كونية، لأن الإنسان ليس كذلك، بل هو ينتمي إلى مكان ما وجنسٍ وماضٍ، وإلى تكوين وزمن محدّدين، فحقيقة كونية تقنية تُبعد وجود ثقافة، ويبدو أن هذا يُعتبر تحدياً خطيراً لنظرية نشوء الثقافة على هذا النحو بحسب جاك إيليل [مقتبس من ريفيل، م. ن. ص 32]. إن دخول التقنيات إلى حياتنا اليومية لا يعني أنها ستلغي ثقافتنا الشعبية، ولكن ذلك على أساس فهمنا للتقنيات من ناحية، وتقديرنا للثقافة من ناحية ثانية. فممارساتنا اليومية في شبكات التواصل تبني ثقافة شعبية وغير شعبية، وهي بحد ذاتها ثقافة جديدة لم تحظ حتى الآن بالدراسات الكافية لفهمها وتحليلها، ولكن هذا الممارسات هي حصيلة سلوك الأفراد وتصرفاتهم؛ سلوك مبني في جزء منه على الذاكرة الثقافية، ومن الممكن أن يؤسس بدوره ذاكرة ثقافية للمستقبل.

لا جدال فعلياً في أن من الممكن للتقنيات أن تبني جسوراً بين ثقافات الشعوب، وهذا هو دور الإعلام الكلاسيكي والرقمي، وهو أيضاً دور مستخدمي منصات شبكات التواصل الاجتماعية، سواء كانوا على علم بذلك أم لا. وقد بات معروفاً دور رقمنة الوثائق في نشر البيانات والمعلومات على أنواعها، وهي عملية تتطلب مهارات وكفاءات لكي تكون على مستوى الإبداع الثقافي ومستوى أهمية الذاكرة الثقافية. وبحسب فتحية معتوق، فإن الذاكرة الثقافية لم تعد تقتصر على التراث والهوية والقيم، بل من المفترض مراجعة مضامين هذه الذاكرة من خلال إعادة النظر في تحديد عمليات انتقال الثقافة بين الأجيال وسبل بناء الهوية الفردية والجماعية والوطنية، فالحفاظ على الذاكرة الثقافية تتعلق بإرادة وسياسة تعترف بأنها عنصر أساسي في الهوية الجماعية، وتتشكّل طِبقاً لرهانات الحاضر، وهي ليست عملية جمع للذاكرة الفردية وتخزين لأحداث الماضي، بل هي عمل اجتماعي ينبغي أن يتجاوز النزعة التاريخية الضيّقة التي تفسر كل حركة عبر التاريخ. [معتوق، ص. 229]

فالذاكرة الثقافية هي نتاج البيئة الاجتماعية، وهي تتعلق بكل الممارسات والظواهر التي ولّدتها. ولهذا، فإن الثقافة الرقمية تؤدي دوراً في بناء الذاكرة الثقافية، مهما كان شكل هذه الثقافة ونوعها، فالثقافة هي نتاج يتعلق بالممارسات الفردية والجماعية في سياق معرفيّ جامع. ومن هنا، نعتبر أن الرقمنة هي ثقافة تدخل في سياق ممارساتنا اليومية التي من الممكن أن تمارس بطرق معينة، وأن تشكل جزءاً من الثقافة بشكل عام، ومن الثقافة الشعبية بشكل خاص.

والثقافة، بحسب تايلور (مقتبس عن معتوق)، لا تنشأ عن الوراثة البيولوجية، وإنما هي مكتسبة داخل الجماعة. ومن المهم القول إن الثقافة ليست لجماعة دون أخرى، فلكل مجتمع ثقافته، ولا علاقة لذلك بالمستوى الاقتصادي للمجتمعات... وهي في استمرارية دائمة البناء، كما أنّها متنوعة بتنوّع المجموعات البشرية، ومختلفة بحسب اختلاف السياقات الحياتية لكل مجموعة، وهي توجه السلوك البشري في ممارساته الحياتية.

والذاكرة الثقافية من الناحية الإدراكية هي تراكم ذهني لأفراد المجتمع، فالفرد هو عضو داخل مجتمع يتقاسم مع أفراد مجتمعه العادات والتقاليد المشتركة، وكما يقول دوركايم: «عندما أتذكّر، فإن الغير هو الذي يدفعني إلى ذلك، فذاكرتي تعتمد على ذاكرته، وذاكرته تعتمد على ذاكرتي» (معتوق، ص 233). انطلاقاً من ذلك، تكوّن مفهوم الذاكرة الجمعيّة عند موريس هالبوش (La mémoire collective)، التي تعتبر أن التذكر الفردي لا يمكن أن ينشأ إلا ضمن إطار اجتماعي معين.

كما أن الذكريات الفردية لديها مكانتها ضمن المنظومة الاجتماعية كنتيجة لتفاعل الفرد مع محيطه الاجتماعي. ومن خلال ذلك، تتكون هوية المجتمع عبر التذكر، ونعني بذلك التفسير المشترك للماضي. بالنسبة إلى هالبواش، فإن الذاكرة الثقافية تعتبر ظاهرة مجتمعية، لأن تفسير الثقافة لا يمكن أن يتم بعيداً عن فهم طبيعة الذاكرة الجمعيّة وعلاقتها بالإطار الثقافي والاجتماعي للمجتمع. في النتيجة، تعتبر الذاكرة الجمعية حصيلة ذاكرة الأفراد، وهي تؤسس لهوية المجتمع وضمان استمراريته. استطراداً، ونظراً إلى الربط العضوي بين الذاكرة الفردية والذكاء وعلاقة الذاكرة بالنمو المعرفي، وبالتالي بالذاكرة الجمعية، تُطرح مسألة الذكاء الجمعي المتعلق بالتقنيات الرقمية التي أسّست وسهّلت بروز هذا المفهوم من خلال العلاقات التشعبية وشبكات المعلومات الاتصاليّة. في النتيجة، يمكننا القول إن مجموع الأفكار والمعارف المتداولة لدى جماعة بشرية تشكّل الهوية الثقافية، فكيف تتشكل الهوية الرقمية؟ وعلى ماذا ترتكز لكي تتشكّل هوية المجتمع الرقمي؟

الذكاء المشارك أو الذكاء الجمعي و/أو الجماعي5

لا شكَّ في أن النظم الطبيعية تقوم على أساس تعاوني، لا على أساس تنافسي أو فردي! أما الذكاء المشارك فهو الذكاء الآتي من مشاركة عدد من الأشخاص في حل مسألة ما. أمّا بالنسبة إلى الذكاء الجماعي - الجمعي، فمن أهم الأشكال المعروفة له مملكة النمل التي تقوم بتنفيذ مجموعة من العمليات بشكل منظم، وكل نملة لها دور محدّد للمساهمة في القيام بعمليّة ما (تعلّموا من النمل... فاتحادهم المعرفي يؤدي إلى الوصول إلى حلول ذكيّة دائماً). كما لا يمكن للشعوب أن تعيش في أمان إلا من خلال التشارك في نظم أو أنظمة موحّدة ورمزيّة، كالإشارات واللّغات والعادات. تولّدت هذه الإمكانيات من الوثائق الرقمية، ومن خلال العلاقات النصيّة الفائقة، التي هي علاقات وثائقيّة فائقة - متشعبة، ترتبط افتراضيّاً (رقمياً) فيما بينها لتشكّل هذا العالم السيبرناتي. صحيح أن الإنترنت هو حصيلة تواصل الحواسيب فيما بينها للتشارك في الموارد الرقميّة على أنواعها، ولكن من المفترض اعتبار الإنترنت شبكة من المعلومات المترابطة.

هذا الترابط، كما يقول بيار ليفي، سيكون مؤشراً للتطور ولارتفاع الذكاء الجماعي. فالذكاء الجماعي، كعمليّة، وجد عند الإنسان في اللحظة التي بدأت فيها عمليّة التواصل الإنساني من خلال اللّغة، مهما كان شكلها ورموزها، فذكاؤنا ونتاجنا المعرفي مبني على نتاج سابق، ألا وهو توارث المعلومات من جيل إلى جيل آخر، ما يغني البشرية، كما الذاكرة الجماعية بشكل عام.

استطراداً، إنّ الذكاء الجماعي يستثمر في كلّ المؤسسات والطبقات الاجتماعية من خلال الوثائق الرقميّة، ولم يعد هناك مستخدم سلبي، بل كل مستخدم هو منتج ومستهلك للمعرفة. ولم تعد العملية التواصلية أحادية التوجّه، كما هو الحال في الراديو والتلفاز والكتاب... بل إننا في حركة معرفية، ليست فقط دينامية، بل تفاعلية، وحالياً تشاركية...

من جهة ثانية، إنّ تطوّر الذكاء الجماعي لا يمكن أن يتم إلا من خلال خلق معايير للتحليل ولتبادل الرموز اللغوية. ومن الناحية التقنية، إن ابتكار لغات توصيف الوثائق، وخصوصاً html، وحالياً xml، كمعايير لتوصيف الوثائق، هو الذي سمح بإمكانية التبادل.

يحدد فيليكس فاندر (Felix Stalder) مبادئ «الذكاء التعاوني»، كما يسميه، أولاً، بالوصول غير المحدود إلى المعلومات الموضوعة من قبل المجموعة. ثانياً، بتقييم المشاركة في العمل من قبل المجموعة. ثالثاً، أن يكون نظام السلطة مبنياً على الشهرة (notoriety) أو السمعة (reputation)، وأن تكون مستويات الأنظمة مبنية على الجدية في الإنتاج... وبحسب أهمية الإنتاج... ولا يوجد «منع» لأي كان من المشاركة، شرط أن تكون المساهمة مثمرة.

إنّ أكثر ما يترجم مفهوم الذكاء الجماعي والذكاء التعاوني هو البرامج «المفتوحة المصدر» (open source)، المبنية على أنّ كل من يملك معرفة ما تساعد على التطوير، باستطاعته أن يساهم في تغذية البرنامج. هذه الآليّة كانت قد وضعت قبل حركة برامج حرّة مفتوحة المصدر (Free and open source software).

في سياق متصل، أدت شبكات التواصل الاجتماعية إلى نهوض بعض المفاهيم والعلوم، كعلم النفس الثقافي (Psychology Cultural)، الذي يهتم بدراسة دور الثقافة في الحياة العقليّة للكائن الإنساني، انطلاقاً من التساؤلات والدراسات التي تعتبر أنّ ثقافة الإنترنت تغيّر طبائع الإنسان النفسيّة، على اعتبار أنّ الإنسان والآلة أصبحا مندمجيْن فيما بينهما عقلياً ونفسياً من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وعن ماهية علم النفس الثقافي، يرى البعض أنَّ هذا العلم هو دراسة الطرق التي تعبُر بها التقاليد الثقافية والمفاهيم الاجتماعية إلى ذهن الإنسان، مع ملاحظة الاختلافات الإثنيّة في الذهنيات والمشاعر. وبحسب عزب، ففي كتاب شهير صدر في العام 2009 بعنوان «علم النفس الثقافي»، أثار مؤلِّفه عالِم النفس الفرنسي برتران تروادك سؤالاً عن علاقة النمو المعرفي بالثقافة. كما يصف الكاتب علم النفس الثقافي بأنّه دراسة عامة للثقافات كلّها، وخصوصاً ثقافة الفرد. [عزب، جريدة الحياة 17 أيلول/ سبتمبر 2018]

ولو سلّمنا أنّ من الصّعب إبداع أشياء خارجة عن نطاق العقل، فعلى علم النفس الثقافي أن يتفاهم مع الواقع الذي يتعيَّن على ذلك العلم أن يتناوله، كما يرى مايكل كول، إذ تتوجّب مقاربة الحياة العقليّة للإنسان ضمن فهمٍ ما يعتبرها مرتبطة بالأشياء التي يصنعها. ووفق كلمات كول: «تعيش الكائنات البشريّة في عالم من مصنوعات الإنسان: أدوات، وكلمات، ووتيرة أعمال (روتين)، وطقوس... ويتعامل الإنسان مع تلك الأشياء التي هي في الوقت ذاته مستودعات للفكر والحكمة البشريّة السابقة». وعن الأدوات التي نستخدمها، بالنّسبة إلى كول، بحسب خالد عزب، «يمثّل المنتج المصنوع شيئاً مادياً تم تعديله عبر إدماجه في عمل إنساني هادف... وكذلك تعتبر المنتجات، بفضل التغييرات المحدثة في عملية خلقها واستخدامها، أشياء فكريّة، إضافة إلى كونها أشياء ماديّة». ويؤكّد أيضاً أنّ نمو العقل البشري يمثّل تطوراً مشتركاً لنشاطات البشر ومنتجاتهم.

انطلاقاً من ذلك، طُرح السّؤال عن ترابط الذكاء بالثقافة، وتبيّن من خلال الدراسات التي أُعدت لحل مشاكل الفشل في الدراسة أنَّ «حاصل الذكاء» يعتبر مؤشراً ضرورياً من أجل فهم سبب اعتبار الاستراتيجيات الثقافية المقارنة وسيلة لاكتشاف تأثير الثقافة في الذكاء، إذ يوجد في الذكاء ملكة أساسيّة يؤثر تغييرها أو غيابها تأثيراً بالغ الأهمية في الحياة العملية. تلك الملكة هي الحُكم، أو ما نسمّيه الحسّ السّليم، أو الحسّ العمليّ، أو البداهة، أو التكيّف مع الظروف، وإجادة الفهم والاستدلال والحكم على الأمور وإعمال العقل... وتلك النشاطات ضرورية للذكاء.

يتعلّق هذا الفحص بتقييم أداء تلك الأعمال الضرورية المتّصلة بالذكاء في «الحياة العملية» التي كانت تعني آنذاك الحياة المدرسيّة وأنواع المعرفة والمهارات المتعددة التي يتوقّع أن يكتسبها الأطفال في المدرسة، ثم الحاجة إلى فهم الرموز المكتوبة والتعرف إليها واستخدامها من أجل تخزين كميات هائلة من المعلومات، ثم استرجاعها، وإعادة تنظيمها وفق متطلبات اللحظة، وكذلك استخدامها في إيجاد حلول لعدد هائل من المشكلات التي لم تصادف الأطفال من قبل على الإطلاق. [عزب، جريدة الحياة 17 أيلول/ سبتمبر 2018]

أما من الناحية الإدراكية، فتتكوَّن المعرفة من خلال العمليات والقواعد التي يكتسبها الفرد، ويكون باستطاعته أن يُكوّن من خلال هذه المعلومات معلومات جديدة يحفظها في الذاكرة من أجل إعادة استخدامها. لهذا، تصبح المهارات أساسية في تكوين الذاكرة الجماعية للأفراد وللمجتمع. ولكي تتمكَّن الشعوب العربية من الحفاظ على ثقافتها وهُويتها من دون الخضوع لتبنّي قواعد وسلوكيات وثقافات أخرى، لا تتناسب مع منظومة القيم المعيارية في المجتمع العربي، فعليها تنمية المهارات الفردية الرقمية ليصبح المستخدم العربي مستخدماً محترساً للمعلوماتية، وليس فقط مستخدماً سلبياً يخضع لسلوكيات الآخر، فالمعرفة وردم الفجوة المعرفية هي من أسس الحفاظ على الذاكرة الثقافية العربية التي تميّز الشعوب العربية على اختلاف انتماءاتها عن الشعوب الأخرى، ويكون بذلك مستمراً في بناء شخصيته الفريدة المتجانسة، فالرهان على استمرارية الشخصية العربية يتعلّق بأرشفة الإرث الثقافي الشعبي الذي يشكّل الجزء البارز لهذه الشخصية.

وفي سياق متّصل، تتعلّق الفجوة الرقميّة بالمهارات والكفاءات التي يتمتع بها أفراد المجتمع في تعاملهم مع التقنيات ومدى الاستفادة منها. ولا يعني مجرد حيازة حاسوب وألواح رقميّة وهواتف ذكيّة خروجاً من الفجوة الرقميّة، لأن ذلك لا يحدث إلا إذا صارت تلك الأجهزة الرقميّة أدوات معرفية في الحياة اليوميّة، بمعنى اندراجها في تقدّم المجتمع اقتصادياً وتربويّاً وتعليميّاً.

ومن المفترض لردم الفجوة المعرفيّة الحاليّة البدء بردم الفجوة الرقميّة، فالمعرفة هي الركيزة الأساسية في فهم الذات والآخر وتمييز الصالح من الطالح، وبخاصَّة في هذا الحيز الرقمي والبيئة الرقمية التي تسمح بالانتشار والتشويه والإشاعات، وتؤدي بالتالي إلى طرح استراتيجيات لطمس الهوية. هذا الإشكالية ليست عربية فقط، ولكنَّها عالمية، وهذا ما نشهده في الكثير من البلدان الأوروبية، ولكن على عكس الكثير من الدول العربية، ثمة محاولات في الغرب للحدِّ من هذه التدخلات التي تهدف إلى السيطرة الثقافية وطرح ثقافة الأقوى، فالمبادرات العربية الرسمية ضعيفة مقارنة مع ثراء الثقافة الشعبية العربية. ومن المفترض بهذه المبادرات أن تكون موجّهة إلى الأفراد المستخدمين كما إلى الآخر، إضافةً إلى أرشفتها وحفظها (وهذا ما سنأتي عليه في الجزء الثاني من النص).

إنّ المستخدم هو من يتلقّى الرسائل. وكما تقول معتوق، لا يمكن أن نتوقّع أنَّ الجمهور العربي يصدّق وينصاع تلقائياً للرسالة الإعلامية التي تحدّثه عن ثقافته وأفكاره وقيمه وقناعاته وعاداته. لذلك، علينا بناء استراتيجيات إعلامية ملتزمة بالقضايا الثقافية، وأن لا تقتصر هذه الاستراتيجيات على عرض عارض لجزء من الثقافة الشعبية يناسب فقط بعض أذواق القائمين على النشر الثقافي في الإعلام العربي (ولهذا حكاية أخرى، راجع جريدة «الحياة»، صفحة ثقافة، غسان مراد). ومن أهمّ التحديات صيانة الإنتاج الثقافي الشعبي، من خلال رقمنته من ناحية، وأرشفته من ناحية ثانية.

ففي ظلّ هذا التداخل الرقمي مع الثقافة، هل من الممكن أن نستفيد من الرقمنة في نشر الثقافة الشعبية رقميّاً بهدف الحفاظ على هذا الإنتاج الرقمي ونشره للعالم أجمع والتعريف به، بهدف الحفاظ على الثقافة الشعبية الموروثة، والحفاظ على الثقافة الشعبية التي تُبنى حالياً، لكي لا تضيع في المستقبل؟

بناء الذاكرة والأرشيف: كي لا تضيع ذاكرة البشرية!

1) الأرشفة الرقميّة:

هي آليّة تستخدم لما هو غير «مرقمن» ولما هو رقميّ. ثانياً، إنّ إشكاليّة الأرشفة الرقميّة هي مشكلة عالمية. إذاً، إضافة إلى الرقمنة والمجال الذي تقدّمه شبكة الإنترنت، ما هي الأسس التي من المفترض اتباعها لأرشفة الوثائق الرقمية؟ كما أنه إذا كانت الإشكالية سابقاً تتعلق برقمنة الوثائق لأرشفتها، فنحن الآن في صلب مشكلة وجود هذه الوثائق. من الممكن القول، إنّ الأرشفة الإلكترونيّة تعاني هواجس التآكل الرقمي.

في مقارنة ربما بدت غرائبيّة، أشار اختصاصي في «مختبر الحوسبة الكليّة» (Ubiquitous Computing) في «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» إلى مزايا يتفوّق بها الكتاب الورقي على نظيره الإلكتروني! نشرت تلك المقارنة في أحد أعداد مجلة «تايم»، مع دعوة القرّاء إلى عدم التسرّع في الحكم عليها قبل التمعّن بها، ولو قليلاً.

رأى ذلك الاختصاصي أنَّ الكتاب الورقي لا يحتاج إلى جهاز إلكتروني معيّن لقراءته، بل إنه يمثّل الكتاب والجهاز سويّة، ولا يعتمد الكتاب على الكهرباء أو البطاريّة، إنّما يقرأ بيسر وبطريقة مباشرة. وكذلك من المستطاع طيّ الكتاب في غير اتّجاه، إضافة إلى التنقّل به إلى السيّارة والباص والحمّام وغرفة النوم، من دون أدنى جهد. ولتخزينه، يكفي وضعه على الرفّ! ومن المستطاع استخدامه خارج إطار القراءة، كاستعماله لإسناد شيء معين أو حتى وضعه تحت الرأس أثناء القيلولة.

لم يخلُ ذلك المقال من الجمع بين الطريف والمفيد، لكنه ظلّ جديّاً تماماً في مقاربته، إلى حدّ أنه ذهب إلى القول إنه لو اختُرِعَ الكتاب الورقي بعد الإلكتروني، لنُظِر إليه على أنّه اختراع مُدهش!

التآكل الرقميّ وتهديداته:

يمتلك الوسيط الورقي في الأرشفة ميزة يجدر التأمل فيها بتروٍّ، لجهة عمر الوثيقة. أولاً، كلّنا يعرف أنَّ أدوات التخزين الإلكتروني قابلة للتآكل رقميّاً (تقنيّاً تُسمى تلك الخاصية «Digital Decay»)، فيما يستمرّ الورق لفترة أطول، وهو أكثر ثباتاً في ذلك المعنى.

2) تخزين المواد الإلكترونيّة:

يخضع تخزين المواد الإلكترونيّة لمواصفات الأداة التي يجري التخزين فيها. فمثلاً، إذا جرى التخزين في أدوات «فلاش»، فربما تتوقّف عن العمل، وتغدو غير صالحة للتخزين، من دون سابق إنذار. يصحّ الأمر عينه أيضاً (لكن بدرجة أقل) مع القرص الصلب. وتُضاف إلى القائمة نفسها المشاكل الناجمة عن الفيروسات الإلكترونيّة واختراق الشبكة الداخلية للأرشيف وغيرها.

3) بروتوكول الكتابة:

وهو الأمر الأشد أهمية، إن بروتوكول الكتابة على الورق لا يتغيّر مع الوقت، ما يعني ثباتها زمانياً، فبإمكانك قراءة وثيقة ورق مكتوبة قبل خمسين سنة، بمثل ما تقرأ به وثيقة مكتوبة حاضراً.

في المقابل، تعاني الأرشفة الإلكترونيّة «بعبعاً» خفيّاً اسمه تغيير بروتوكول التطبيقات المستخدمة في كتابة الوثائق الإلكترونيّة. مثلاً، تخلّت مايكروسوفت عن دعم التطبيقات المتصلة بنظام التشغيل «ويندوز 95»، ما وضع عشرات ملايين الوثائق التي كتبت بتطبيق «وورد - ويندوز 95» في مهبّ الريح. صحيح أنّ الشركة أبقت على ذلك التطبيق بعد صيحات احتجاج كثيرة، لكن بعد بضع سنوات قد تصبح تلك الوثائق غير قابلة للقراءة على معظم الكومبيوترات. وفي المقلب الآخر من المأزق نفسه، لا تستطيع التطبيقات الرقميّة القديمة أن تقرأ الوثائق الحديثة، ولا يستطيع حاسوب عليه تطبيق «وورد 95» أن يقرأ وثيقة مكتوبة بنظام «وورد 2005» وما فوق.

هناك برامج متوافرة لتحديث التطبيقات، على الرغم من أن الفترة الزمنية لا تزيد على بضع سنوات، فكيف يكون الحال بعد عشرين سنة مثلاً؟ حينها، بإمكانك أن تستخرج وثيقة من أرشيف ورقي وتقرأها مباشرة. أما إذا كانت على وسيط رقمي، فمن الصعب التنبؤ باحتمالات ذلك الأمر، فتلك المشاكل لا تنطبق على الوسيط الرقمي، ما يعني أن الوثائق المؤرشفة محميّة من أثر الزمن على تقنياتها في الكتابة.

بديهي القول إنّ التدريب على الكومبيوتر شكّل العقبة الأكثر بروزاً في فترة الانتقال من الكتابة ورقياً إلى المرحلة الإلكترونيّة. في الجيل المخضرم من الصحافيين، هناك من بدأ بالتعامل مع الكومبيوتر عندما كان يعمل بنظام «دوس DOS» الذي يتطلّب حفظ سلسلة طويلة من الأوامر، ثم كتابتها باستعمال كلمات محدّدة توضع بطريقة تتغيّر بحسب الوظيفة المطلوبة. لم يكن ذلك سهلاً، وكذلك الحال بالنسبة إلى الإنترنت والشبكات الداخلية، فما زالت مسألة «فلترة» المواد المؤرشفة إلكترونيّاً للحصول على مادة بعينها أمراً يحتاج إلى تدريبٍ ووقتٍ. وهناك مسألة الأذونات الإلكترونيّة، بمعنى صلاحيات الدخول إلى مواد معينة أو ملفات بعينها، وهناك أيضاً مشكلة المُدّة المقيّدة زمنيّاً... فلم تكن تلك الأمور موجودة في الأرشيف الورقي. وفي وقت ما، تطلّب استعمال الأرشيف الإلكتروني تدريباً على نسخ المواد على القرص المرن (Floppy Disk) (من يتذكّره؟)، وهو نموذج آخر من المتغيرات التي يملك الورق مناعة ضدّها. وبعدها، صار مطلوباً النسخ على أسطوانات مدمجة، مع التدرّب على برامج من مثل «نيرو» (Nero)، فهناك مسائل تتعلّق بالثقة بأن أحداً لا يطّلع على ملفّ ليس له. ربما يعالج ذلك الأمر بالأذونات الإلكترونيّة (مثل إغلاق ملف ما بكلمة مرور)، لكن ذلك الأمر يترك آثاراً ليست معروفة راهناً في علاقات العمل بين الزملاء، ولا تحدث تلك الأمور أيضاً في الأرشيف الورقي.

وإذا أخذت مجموعة مواد أرشيفيّة على أداة «فلاش»، فربما لا تصل إليها في لحظة ما من دون سبب واضح. ولذلك، من الضروري أخذ الحيطة والحذر، والاحتفاظ بنسخ على أقراص مدمجة مثلاً. لا مكان لمثل تلك الأمور في الوسيط الرقمي المتميّز بالثبات في العمل، بحيث لا يتضرر إلا بالعوامل الفيزيائية المحضة (مثل التمزيق أو الحريق)، وهي أمور بإمكانها أن تضرب أدوات الوسيط الرقمي أيضاً.

فالسؤال عن أهمية هذه العملية غير مجدٍ، فهي حتمية، وأرشفة المعلومات الرقمية أصبحت في حالة طوارئ. لا يحق لنا أن لا نترك هذه البصمات (ان كانت مشرّفة أو غير مشرّفة)، فالتاريخ يحاسب ويحاكم على أهميّة المعلومات المكتوبة حاليّاً، فتخزين المعلومات الإلكترونية له أهميّة عالمية ووطنية.

إن أرشفة المعلومات ستساعد لتكون في مستقبل قريب شكلاً من أشكال المكتبة الإلكترونية، وفي المستقبل البعيد شكلاً من أشكال التراث الثقافي لعصر معين أو ما يمكن أن نسميه التراث الإلكتروني (patrimoine-E).

بعض المصاعب

كي نحلّ مشكلة الأرشفة، يجب علينا أن نجيب على بعض الأسئلة (أو التساؤلات): كيف سنخزّن عملية القراءة التناصية التي قمنا بها، والتي من المحتمل أن تشكّل ثروة للمعرفة؟ كما نعرف، نجد على شبكة الإنترنت «الصالح والطالح»، فهل سنخزّن كل شيء ونترك على عاتق التاريخ قضية التحليل واستنتاج الخلاصات والعبر؟

إنّ العملية صعبة وشائكة ومعقّدة، نظراً إلى التغيّر المستمر لمحتوى الإنترنت: بعض الصفحات تعيش إلى الأبد، وبعضها الآخر لا يتعدى عمره الأيّام أو الساعات.

ماذا وكيف سنؤرشف؟

كيف نعرف حدود نصّ معيّن موجود على الويب؟ وما هي حدود النص إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الوثائق مترابطة؟ ما هي الوثائق التابعة لدولة معيّنة أو تلك الوطنيّة؟ فإذا كانت عملية الأرشفة وطنية سيكون من الصعب تحقيقها، لأنّ من الصعب حاليّاً تحديد ما هو تابع لدولة ما.

كيف سنحصل على المعلومات المخزّنة؟ وبأيّ طرق عمليّة وتقنيّة؟ توضع المعلومات الورقية على رفوف مرتّبة ومشفّرة بحسب نسق ورموز ثابتة ومتعارفة، أمّا المعلومات الرقمية، فلها شكل آخر وطرق معلوماتيّة خاصة.

كيف نؤمِّن الوسائل للحصول على المعلومات والتنقيب عنها؟ يجب تخزين المعطيات كما البرامج التي تسمح بقراءة هذه المعطيات، فالمعلومات الرقميّة غير ظاهرة مباشرة، ويلزمها أنظمة لإظهارها، ناهيك بأنّ هذه الأنظمة ليست محاذية دائماً للمعلومات، بخلاف المطبوعات الورقيّة. كما أنّ المعلومات الرقميّة بحاجة إلى برامج إخراج تسمح بإعطائها شكلاً مناسباً، أمّا المطبوعة، فالمعلومات وإخراج المعلومات يكونان من خلال الحامل نفسه، بعكس المعلومات الورقيّة التي هي وثيقة تستعمل تلقائياً ومباشرةً وخلال كتابتها.

كيف سنرمّز هذه المعلومات بشكل نوعي (qualificatif)، وبأيِّ معيار (norme) ومقياس (standard) توثيقيّ؟ على الويب، يوجد نصوص، صور، جداول، فيديو، تلفزيون، معلومات جارية، بنوك معلومات، وبرامج تؤهل للوصول إلى بنوك المعلومات، فهل لنظامٍ ما الحقوق القانونية لتخزين ما هو خاص وما هو عام؟ وكيف ستُعطى الحقوق لتخزين المعلومات؟ ومن يعطيها؟ هل يحقّ للدولة أن تؤرشف كل ما هو موجود في المراكز حاملة المعلومات داخل نطاق بلد معين؟

إنّ طبيعة الإنترنت ومبادئه لا تطرح إشكالية صاحب المعلومات على مستوى البلد والدولة، فهي بحد ذاتها (على الأقل حاليّاً) غير مجزّأة ولا محدّدة، فالجغرافيا غير حاضرة على هذا المستوى. المشكلة تكمن في حقوق التخزين والأرشفة... ومعرفة إذا ما كان هذا الموقع ينتمي إلى بلد معين هي عملية صعبة جدّاً، فاسم مقطع البلد (Domain and code Name) لا يكفي لذلك. وما لا يكفي أيضًا هو اللغة التي يكتب بها.

كيف سنحافظ على حامل المعلومات ونحميه من الخراب ونضمن الحفاظ عليه وعدم المساس به وتغيير ما يحتويه من معلومات؟ وكيف سنجنّب الحامل للمعلومات والمحتوى من الفيروسات التي من الممكن أن تضرب الوثيقة فيزيائياً ومحتوًى، أي تدمير حوامل المعلومات والبرامج المعلوماتيّة؟

والأسئلة الأخرى: كيف ستتم عمليّة الإبحار في المواقع المخزّنة؟ وماذا عن الآلة (الحاسوب الحاليّ) ومدى قدرتها على مصارعة الوقت والتاريخ؟ أمّا بالنسبة إلى أماكن التخزين، فيجب الحفاظ على درجة حرارة مؤاتية للحامل. ولمن سنخزّن؟ ولماذا؟ أسئلة يجب أن تُطرح عند مرحلة إنشاء المواقع والصفحات والوثائق المرقمنة، فعلى صانع الموقع أن يأخذ بعين الاعتبار كل ما يتعلّق بالوثيقة خلال إنشاء الموقع، كما عليه تقويم عمليّة تنظيم الفهارس والمصطلحات للمعلومات التي تصلح أن تكون مفاتيح للبحث عن الوثيقة. لهذا، يجب تأهيل المنظّمين والعاملين في مجال خلق المواقع وفي مجال تخزين هذه المواقع.

كـما عـلى الـمـــؤرشـف حـالـيـّاً حـفـظ البـيـانـات (métadonnées) التابعة للوثيقة. بشكل عام، يوجد نوعان من البيانات: البيانات التي تخصّ الوثيقة مضموناً (بعض المفاتيح الدلاليّة، توصيف المحتوى، تاريخ الإنتاج...)، والبيانات التي تخصّ الوثيقة شكلاً من ناحية استعمالها (البرنامج المعلوماتي الذي باستطاعته استخراجها، المحتوى الشكليّ: فيديو، صوت، صورة، نص...).

1) بعض طرق الأرشفة:

تتطلّب عملية تخزين المعلومات وأرشفتها عدّة عمليّات ضروريّة، بدءاً باختيار المواقع، ثمّ تحديد العلاقات التناصيّة لمعرفة حدود الموقع وحاله وعلاقته مع مواقع أخرى. بعد ذلك «شفط» الموقع، ومن ثم إعطاؤه رمزاً وتوضيبه ضمن نطاق أرشيفي معيّن وتخزينه على حامل، وأخيراً وضعه بين يد المستخدم للحصول عليه في حال بحث عنه.

2) بعض الحلول:

إنّ التكنولوجيا عاجزة حاليّاً عن إيجاد حلول ثابتة، والمسألة هي مسألة فيزياء وتحوّلات في المادة. من ناحية أخرى، يلغي التطوّر التكنولوجي السريع كل ما هو «عتيق»، والعتيق من جهة التقنية الحديثة لا يتعدّى بضع سنوات، فقد قامت بعض الدول في ظل ذلك بالعمل على تخزين المعلومات الرقميّة، فأرشيف المعلومات الأميركي لتخزين الإنترنت اعتَمد سنة 1996 مبدأ الشفط (السفط) كل 18 شهراً باستعماله روبوتاً «aspirateur». وبهذا يجمع حوالى 100 تيرابايت (تيرابايت 1 = 1024000000000 بيت)، فمثلاً 200 صحيفة تحتوي كل واحدة منها 340 موضوعاً بـ 10 صفحات للموضوع خلال 10 سنوات = 1 تيرابايت، ما يساوي 100 مليون موقع، أي خمسة أضعاف عدد كتب مكتبة الكونغرس. هذه الطريقه «تشفط» فقط ما هو ظاهر على الشبكة، فلا تسجّل مثلاً بنوك المعلومات، لأنّ لها لغة خاصة بها، وتتطلّب ترخيصاً لشفطها نظراً إلى خصوصيّتها.

من المسائل الشّائكة وجود الوسيط الَّذي سيكون قابلاً للعمل في كلّ الظروف، وبشكل دائم، من دون فقدان المعلومات بشكل تام أو فقدان جزء منها مع مرور الزمن، وخلال الانتقال من وسيط إلى آخر، فقد ارتأى البحّاثة في هذا المجال أن يتم انتقال المعلومات من وسيط إلى آخر عندما تشاء الظروف. وتشير الإحصائيات إلى أنّ عمليّة انتقال المعلومات من حامل إلى آخر تؤدي إلى فقدان 3 % منها خلال 8 سنوات، بينما يصبح ضياعها 2.0 % بعد سنتين. إحدى أهم المسائل هي حامل المعلومات، إذ لا يمكن الاعتماد على أي تقنيّة حاليّاً، فباستطاعتنا قراءة ما كتب على الطين منذ آلاف السنين، ولكن ليس باستطاعتنا قراءة ما كتب على الأقراص الممغنطة التي لا يزيد عمرها على 10 سنوات! فمعدّل حياة الأقراص المدمجة لا يتعدى 15 سنة. لهذا السبب، فإنّ الحلّ المعتمد حاليّاً يبقى فقط انتقال المعلومات، أي نسخها من حامل إلى آخر، ويجب أن لا ننسى أنّه عند كلّ عمليّة نقل يتحتّم علينا نسخ المعلومات والأنظمة التي تساعد على قراءتها.

بشكلٍ عام، يوجد في الوقت الحالي وجهتا نظر لإتمام عمليّة التخزين: الطريقة الانتقائيّة التي تسحب بنسق دائم كل ما نشر حول مواضيع تعتبر مهمة، والطريقة الشاملة التي تسحب كل محتوى الإنترنت، ولكن في أوقات محددة، أو ما يسمى التقاط «صورة» للإنترنت في وقت ثابت.

بالنسبة إلى الدول العربية، فإنّ أرشفة المعلومات، رقمية كانت أو غير رقمية، تشكّل إحدى الفجوات العديدة، فمحاولات الأرشفة لا تزال خجولة، إن كان على صعيد أرشفة المعلومات أو على صعيد مهنة الأرشفة.

الأرشفة الرقمية في شبكات التواصل وآليات التصنيف الإدراكية

من الواضح أنّ الأرشفة الرقميّة توسّعت لتشمل الحياة اليوميّة. وممّا لا شك فيه أنّ هذا النوع من الأرشفة يطرح السؤال حول نوع العمليات التصنيفيّة التي تجري في أرشفة الثقافة، وذلك بهدف فهم التكوينات الثقافيّة والتغيّرات التي تحصل، وخصوصاً ضمن هذه البنى التحتية التي تعتمد على التشارك. والأرشفة عبر التاريخ الحديث لتصنيف الوثائق ترتكز على عمل المؤرشف، وعلى الأرشفة الآليّة، من خلال وضع رموز (وسوم Tags) كعمليّة أرشيفية وتصنيفية. هذه العلامات هي ما يسمى الميتاداتا أو البيانات الوصفية (أي البيانات التي تصف البيانات).

على الأرجح أنّ آليات التصنيف هي عمليات إدراكية تتعلَّق بالمحتوى وبكيفيَّة الاسترجاع، من أجل وضعه بمتناول الجميع وإعطائه معنًى. والتصنيف عملية نمارسها يومياً بشكل روتيني بحسب معايير فردية، ولكن عندما تصبح العمليّة عامّة، فمن المفترض أن ترتكز على معيار محدّد. وللتذكير، إنّ أوّل من قام ببناء المعايير الحديثة لتبادل الوثائق هم العاملون في المكتبات، فهُم من أنشأوا لغات توصيف الوثائق المعتمدة حالياً في المكتبات وفي كل الأنظمة التي تساعد على البحث عن المعلومات، ولا سيَّما صفحات الويب (SGML وغيرها).

أمّا بالنسبة إلى الثقافة الشعبية والممارسات الشعبية، فكيف يمكن تصنيفهما وأرشفتهما؟ ما هي متطلّبات هذا النوع من التصنيف لتنظيم الثقافة على المستويات التنظيمية وغير الرسمية واليومية؟ وهل هذا المحتوى في مثل هذه الأرشيفات مفيد للإنسانية مستقبلاً؟

من الصَّعب إيجاد معيار موحّد وثابت للأفراد يتعلّق بكيفيّة تصنيف الثقافة بسبب التغيّرات في الاستهلاك الثقافي والإنتاج والنشر. والهدف من الأرشيف ليس فقط الوصول إلى الوثيقة، بل أيضاً مراقبة تغيّرات الثقافة وتطوّراتها وفهمنا لها. وكما ذكرنا سابقاً، يعاني الإنترنت حالياً مشكلة الأرشفة الرقمية لكلّ هذا الإنتاج الرقمي في العالم.

كما أن مصطلح «أرشيف» مطاط، فمنه ما هو رسمي مغلق، ومنه ما هو رسمي مفتوح، ومنه ما هو متاح للجميع. بالنّسبة إلى الثقافة الشعبية، فإننا نعتقد أنه يندرج أولاً ضمن إطار ما هو متاح، فهو يشكّل جزءاً من أدوات التنظيم الاجتماعية. وثانياً، من المفترض أن يكون رسمياً مفتوحاً، وهذا هو دور المؤسَّسات الرسمية من أجل الحفاظ على الإرث الثقافي وتنظيمه.

استطراداً، إنَّ كلّ ما نقوم به مؤرشف. وإذا كانت الأنظمة تؤرشف كلّ شيء عن الأفراد وعن حياة الناس، فهو، بصورة أو بأخرى، عامل من عوامل تعزيز هياكل السلطة من خلال مراقبة الأفراد. والتقنيات سمحت للمؤسسات بأرشفة حياة الناس من أجل تحديدهم وتمييزهم من خلال سجلاتهم أو ملفاتهم. في الواقع، يعتبر ذلك شكلاً جديدًا من ممارسة السلطة والقوة، ويستند إلى معرفة سلوكية الفرد، لأنّ الأفراد باتوا موثّقين في كلّ ما يقومون به.[مراد 2014]

هذا السّؤال حول الذاكرة الشخصية والجماعية يتجه نحو أنواع جديدة من الأرشفة، فلم تعد مراكز الأرشفة عبارة عن مبانٍ ومكتبات وجدران... بل نحن في ثقافة الانتشار الرقمي والأجهزة الرقمية، ولم تعد الأرشفة حكراً على الباحثين الذين يؤرشفون ويبحثون، بل باتت هذه الأرشفة روتينية في الحياة الفردية والجماعية للذين يسعون إلى الحفاظ على الوثائق والصور الفوتوغرافية واليوميات والتسجيلات الخاصة بهم لتكوين ذاكرتهم. والوصول إلى البيانات لم يعد خاضعاً لأنظمة مركزية، بل لأنظمة موزّعة.

وقد انتقل الدافع إلى الأرشيف أبعد من الدولة لدمج كل أنواع المحفوظات التي تحتوي وثائق لا تعد ولا تحصى ومصادر أخرى غير نصيّة، وهذا ما تسمح به محركات البحث، فهي تشجّع على تخزين الصور ومقاطع الفيديو المنزلية والوثائق الشخصية الأخرى في ما يسمى المعلوماتية في السحاب (Cloud computing)، التي من الممكن أن تكون حلّاً لإشكالية الأرشيف الفردي والخوف من تلف الأجهزة القديمة. ومن المهم القول إنّ مسألة الأرشفة هي في قلب المشكلات العالمية، لأنّها تضع المفاهيم الثقافية في محور تساؤل لكيفية فهمنا للثقافة، فلا ثقافة من دون حفظ، مهما كان شكل الوسيط، والأرشيف هو المستودع المنظّم للمعرفة.

أرشفة الحياة اليومية والأرشفة الشخصية للوثائق

إنَّ أرشفة الحياة اليومية هي موضوع ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن على حافة بعض التغيرات في تنظيم الثقافة التي يمكن استكشافها من خلال مفهوم الأرشيف، وهو موقف اكتسب مزيدًا من الصدى بعد ظهور هذه التغيرات. والمحتوى الرقمي متعدد الوسائط، فهو خليط من النص مع الفيديو والصوت وأشكال أخرى، وهذا ما يطرح تساؤلاً حول آليات البحث والاسترجاع. وإذا كنا نعرف أن البحث النصي هو الشائع، لأنّ التوسيم (tagging) نصي، مهما كان الوسيط، ولكنّ ذلك لم يعد كافياً لكلّ أشكال المحتوى، فقد بدأت بعض الآليّات بالتغيّر، وذلك باستخدام الصور أو الصوت للبحث عن المعلومات واسترجاعها على مستوى أكثر شيوعًا، فبعض التطبيقات الذكية على الهاتف تعطينا اسم المغني عند سماع مقطع من أغنية معينة، ما يساعد على البحث في المحفوظات الموسيقية.

فشبكات التواصل الاجتماعي حوَّلتنا من الثقافة التفاعليّة إلى ثقافة المشاركة لأرشيف الناس العاديين. وإنتاج الوثائق يرتكز على المستخدم، فالمنتج هو المستخدم المرتبط بثقافات الشبكة الرقمية. هذا الأرشيف هو نتاج نشاط «مفترض»، ذلك أن المستخدمين لا يستهلكون فقط المحتوى الذي يقومون ببنائه، بل هم أيضاً منتجون له، فالخلط بين المنتج والمستهلك في هذا الحيز الافتراضي دفع إلى المشاركة الواسعة، كما دفع إلى فهم مختلف لمفهوم المستهلك. كما أن ثقافة المشاركة التي أمّنتها، في بنيتها التحيتة، وسائل التواصل الاجتماعي، هي التي تحدد هيكليّة المشاركة للبيانات التي تتراكم في بنيتها، وهي التي تنظّمها وتتحكّم بجريانها.

الأرشفة: تنظيم تداول الثقافة الشعبية

إنَّ وضع الوسوم (Tags) هو من ضمن البنية التحتية للتنظيم التشاركي والأرشفة، فالتوسيم هو ما يسمح للمادة المؤرشفة بأن تكون قابلة للاسترجاع لأي شخص يبحث عن هذه الكلمات الرئيسية. ومن المهم القول إنَّ الأرشفة الفردية يمكن اعتبارها ذاتية التنظيم، وهي تحتوي بيانات وصفية تساعد الأفراد على الوصول إليها. لهذا، من المفترض أن نعطي وزناً أكبر للنظم التصنيفية الأرشيفية لتصبح مركزية في الثقافة السائدة وفي الحياة اليومية للناس كافة.

ومن المؤكّد أنَّ هذه المحفوظات الثقافية اليومية الشائعة المفتوحة للمحتوى والمنظّمة من قبل «الناس»، هي نوع من أنواع التضامن الجماعي والاجتماعي، كما أنها أبعد من أن تكون سطحية. في الواقع، هي صورة عن الواقع وتتمتع بالقدرة على بناء الحقائق، وهذا ما يغيّر كيفية إنتاج المعرفة. نشير إلى أنّ بنية هذه المعلومات (المساهمات اليومية الفردية) هي مصدر ربح المنصات وشبكات التواصل، وهي التي تتحكَّم بتسيير البيانات وتوجيهها (على سبيل المزاح، من الممكن القول إنّنا نعمل جميعاً عند مارك زوكربرغ ولكن بشكل مجانيّ)، فالفايسبوك واليوتيوب وغوغل وغيرها، تجمع بشكل متواصل البيانات لتحديد أنماط المستخدمين، وماذا يفضّلون، وما هي رغباتهم، بهدف تحليلها وإعادة استخدامها وبيعها، فالبيانات غير مركزية في الشكل، ولكنها مركزية في العملية الاقتصادية.

ومن الواضح أنَّ الأرشيفات أساسية في إنتاج الذاكرة الفردية والجماعية، وتنظيم الأرشيف هو تنظيم الذاكرة. أما المحتوى في الأرشيف، فيؤدي دوراً في تشكيل الذاكرة. لهذا تعتبر أرشفة المحتوى وتصنيفه وجعله قابلاً للاسترجاع قوة في تعزيز هذه الذاكرة والمحافظة عليها، وهذا ما يساعد على إعادة استخدام البيانات، ليس فقط في إجراءات الحياة اليومية، ولكن أيضًا في العمليات الإنتاجية والتحليل الفيلولوجي والأنثروبولوجي لاحقاً.

وقد بات معروفاً أنّ هذا النوع من الأرشيف غير مقيّد، بل في حركة دائمة التغيير، كما هو الحال مع كل ما هو رقمي، فالبيانات ديناميكية ومتحركة، ما يؤثر في تغيير المحتوى والتنظيم والتطبيقات وآليات التصنيف.

ومن الملاحظ أنَّ قضية الذاكرة في هذه الأرشيفات الجديدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بطبيعتها الديناميكية وكيفية الحفاظ على هذه المحتويات الديناميكية، فالذاكرة الرقمية نفسها، على مستواها الاجتماعي، معرّضة لمحدودية الزمن، وبحاجة إلى صيانة مستمرة. وتطرح ديناميكية هذا المحتوى وتنظيمه أسئلة عن قوة هذه المحفوظات لتشكيل الذاكرة.

إنَّ الشعور بعدم استقرار هذه المحفوظات مقارنة بالمحفوظات القديمة والأكثر استقراراً، يثير أسئلة حول مدى سرعة الذاكرة وعدم القدرة على استعادة الذكريات من داخل هذه الكتلة من البيانات والبيانات الوصفية المتغيّرة. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ هنا مجموعة من النقاشات حول كيفية قيام الأرشيف بتشكيل الطريقة التي يتم بها عمل التأريخ، ومن ثم أنواع الذكريات التي يمكن استخلاصها من الروايات والقصص المنتشرة الأكثر جدية. كما يمكننا أن نتخيّل في المستقبل أنّ شكل الأرشيف وتصنيفه من قبل الأفراد من الممكن أن يُترجم ويفسّر ويعطي صورة عن ممارسات عديدة تؤدي إلى بناء الذاكرة الجماعية والفردية.

إن قوة الوسوم (Tags) في هذه الأرشيفات في بعض الطرائق بسيطة للغاية. إنها تشكّل الثقافة التي نجدها، وكيفية القيام بتصنيفها، والتمييز الذي نجعله في التصنيف، وتشكّل أيضًا جزءًا من مشاركتنا ومساهماتنا في الترتيب الثقافي. إن التوسيم هو تجسيد للخيال التصنيفي، وهو كيفية إيجاد المادة التي نبحث عنها، والتي هي اليوم كيفية تصفحنا لهذه المحفوظات الثقافية، فالتوسيم هو أيضًا ممارسة وضع العلامات أو تصنيف الأشياء من حولنا في هذه الحالة مع التصنيفات المنتشرة عالميًا.

فمن أجل فهم الثقافة، نحتاج إلى تطوير فهم أكثر وضوحًا للأرشيفات الثقافية والآليات الإدراكية للتصنيف، وإلى فهم البنى التحتية للمشاركة، كما نحتاج أيضًا إلى فهم البنى التحتية للتنظيم التشاركي، وهذا يعني أنه من أجل استكشاف أهمية تدفقات البيانات الثقافية، نحتاج أولاً إلى فهم كيفية تنظيم هذه التدفقات (flux). ومن الناحية الهيكلية، أصبح «حراس» هذه المحفوظات هم المستخدمين أنفسهم الذين ينظّمون المحتوى ويحدّدونه.

هذه التغيرات في أرشفة الثقافة قد تغيّر أيضًا الثقافة نفسها، ذلك أنَّ الثقافة تُصمّم أو تصنع بشكل متزايد من هذه المحفوظات، فالتغيرات في تكنولوجيا الأرشيف لا تغيّر فقط الشكل الذي تُسجَّل به الثقافة، ولكنها تؤثر بشكل كبير في المحتوى المستقبلي للأرشيف من خلال تغيير الظروف التي يتم بموجبها إنتاج الثقافة وسنّها (adoptée). أما من حيث السياسة اليومية للاستهلاك الثقافي، فإنّ ما نستهلكه من المرجّح أن يشكّل نظرتنا للعالم. ومن المهم أيضاً بالنسبة إلينا الآن أن نعيد تشكيل الثقافة إلى ما هو أبعد من الخطوط المدروسة جيداً من الطبقة والمجتمع والثقافة الفرعية، وأن ننفتح على آفاق جديدة نستنتجها من هذه البيانات والمحفوظات، وهذا ما سيؤدي إلى إعادة النظر في كيفية بناء الروابط الاجتماعية في هذه الأفعال من التنظيم المجتمعي والتواصلي.

أمثلة عن بعض المبادرات لنشر الثقافة الشعبية

- إضافةً إلى المبادرات التي يقوم بها معهد الشارقة للتراث، وبعض المبادرات في مصر والبحرين، فمن خلال تصفّح سريع لما نراه من مواقع تتحدث عن الثقافة الشعبية أو عن تشعباتها، نرى أن ثمة مجموعة لا بأس بها تهتم بالثقافة الشعبية، وتحاول أن تُعرّف الآخر إلى بعض الجوانب الثقافية، فعلى سبيل المثال، يكفي أن نبحث عن كلمة «الثقافة الشعبية» لنحصل على مئات الحسابات، من بينها:

- حساب «الثقافة الشعبية» البحرينية، وهو حساب يعود إلى طالبات بكالوريوس في اللغة العربية في جامعة البحرين لمقرر الأدب الشعبي: يحتوي 1097 تغريدة، وفيه 105 مشاركين، ويشترك مع 86 حساباً.

- الصفحة الرسمية للجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون: يحتوي 1678 تغريدة، وفيه 37 مشاركاً، وما يقارب 32،4 مشتركين.

- صفحة «أمثال شعبية» لإعادة التراث الكويت وبعض الكلمات الكويتية القديمة: يحتوي أكثر من 3200 تغريدة، وفيه 2500 مشارك، 8000 مشترك.

- ويوجد على الأقل 30 حساباً في تويتر للأمثال الشعبية، وأكثر من 14 حساباً للأمثال العربية. ويوجد أيضاً صفحات ثقافية شعبية عامة، وحوالى 36 حساباً للتراث، فضلاً عن صفحات التراث الشعبي، وحوالى 25 حساباً تحت اسم «تراثنا».

- ويوجد كذلك 37 حساباً تحت مسمى «أكلات شعبية»، و5 حسابات بعنوان «مأكولات شعبية»، و6 بعنوان «طبخات شعبية». ويُضاف إلى كل ذلك حوالى 13 حساباً تحت اسم «أغاني شعبية”.

- ومن الممكن الوصول بسرعة إلى مواقع وحسابات عديدة تهتمّ بالثقافة الشعبية في موقع فايسبوك، ففيه، على سبيل المثال، 120 حساباً لمجموعات أمثال شعبية، 39 حساباً لمجموعات أغانٍ شعبية، 31 حسابات لأشخاص، 90 صفحة تحت عنوان «زجل»، 100 حساب مجموعات، و71 حساباً تحت مسمى «zajal».

- أما إذا أردنا ببساطة البحث عن بعض الكلمات المفتاحية على غوغل، فإننا نجد ما يقارب 413000 موقع عن الأمثال الشعبية، 1000000 موقع عن الزّجل، ما يقارب 2470 موقعاً يتحدَّث حصراً عن «أمثال لبنانية»،70900 موقع يتحدَّث عن الأمثال العربية من دون علامات تنصيص،23300 عن «الأمثال العربية» مع علامات تنصيص،444000 موقع عن الأغاني الشعبية. ويوجد4 900 000 موقع للأغاني الشعبية على اليوتيوب...

- ومن ضمن الأمثلة على الأرشفة الشخصيّة باستخدام الفيسبوك، صفحة الشاعر الراحل عصام العبد الله (1941-2017). أُنشئت الصفحة في شهر كانون الثاني/ يناير 2018، وبلغ عدد متابعيها حتى 16 أيلول/ سبتمبر 2018 أكثر من 15،500 متابع، ونشر فيها 171 فيديو و138 صورة، يتابعها 800000، ويشاركها ما يقارب ال 70000مستخدم؛ حصلت على مليون و200 الف انطباع، وجرى ما يقارب 180000 مشاهده للفيديوهات...

هذا المثال يؤكّد أننا عندما نهتمّ بالأرشفة، من الممكن أن نحصل على نتيجة مهمّة تفيد في التعريف بشاعر ربما، ومن الممكن أن تستخدم كأرشيف أيضاً في المستقبل، فما قام به ابن الشاعر (ورد العبد الله) خلال فترة وجيزة يعتبر إنجازاً، إذ استطاع أن يجمع النصوص والمقابلات على أنواعها ومقاطع الفيديو في الحيّز الرقمي نفسه. ولكن نكرر أنه من المفترض ايضاً، أن تجري عملية الأرشفة حتى لهذه الصفحات بشكل منهجي، لأن شبكات التواصل هي قنوات لتبادل المعلومات ونشرها وليست تطبيقات للارشفة، فمن الممكن أن يحصل تغيرات عليها تؤدي إلى ضياع هذه المعلومات والبيانات.

هذه الأرقام ليست إحصائيات دقيقة، ولكن يمكن القول من خلالها إننا نستطيع الاستفادة من الرقمنة للتعريف بثقافتنا الشعبية من ناحية، ونشرها من ناحية ثانية، وللدلالة على أننا من الممكن أن نحصل على بعض المعلومات عن الثقافة الشعبية خلال أقلّ من خمس دقائق. وإذا كانت الثقافة الشعبية بمفهومها الضيّق عانت وتعاني من التدوين، فمن الممكن استغلال شبكات التواصل والإنترنت لكي تصبح أدوات لتخزين التراث الشعبي العربي. وإذا لم يحصل ذلك، نكون قد حكمنا على التراث بالضياع عدّة مرات، عسى أن تكون التقنيات فرصة لحفظ التراث الشعبي والثقافة الشعبية على أنواعها وصكّ براءة لهما من الاندثار.

ولكن هل يكفي ذلك؟ هذا هو السؤال الأساسي. إنّ أكثر ما نجده هو عبارة عن مبادرات شخصيَّة وأخرى تنظّمها بعض الجمعيات، ولكن لا وجود فعلياً للمؤسسات الرسمية إلّا بالخطاب، والخطاب، كما نعلم جيداً، لا يؤسِّس لثقافة، شعبية كانت أم غير شعبية! وكما يقول سعيد يقطين، صحيح أنّنا نجد اهتماماً وبداية انشغال بالثقافة الشعبية العربية، من خلال بعض المؤسَّسات والجمعيات والمجلات، لكن زخم هذا التراث وغزارته وتعدده وتنوعه، يجعل مما هو متوفر غير ذي جدوى لنقل هذا التراث من «الغياب» إلى الحضور، عن طريق الطباعة أو التسجيل الصوتي والصوري أو استثمار الوسائط المتفاعلة [ص. 17]، وبالمقارنة مع الشعوب «المتطورة»، لا نجد ما هو كافٍ للحفاظ على تراثنا من التلف.

إضافة إلى ذلك، هل تشكّل الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، بالرغم من الدور الذي تؤديه، ذاكرة للثقافة الشعبية؟ الجواب، لا. إنَّ الدور الذي تؤديه هو النشر، ففي الأساس هي وسائل للنشر، ولكي نصل إلى نتيجة فعلية للحفاظ على الثقافة الشعبية، من المفترض أن نعتمد على استراتيجيات الأرشفة الرقمية (كما ذكرنا سابقاً)، ولا يخفى على أحد أنَّ مشروع المكتبة الرقمية بدأ بحفظ التراث.

أخيراً، تبقى التساؤلات عديدة، ليس بهدف «جلد الذات»، بل لإيجاد حلول: هل ما ينشر ذو محتوى غني لكي يستخدم بكثافة وبتكرار؟ هل البنية التحتية لتسهيل توزيع الثقافة والأفكار مؤهلة لذلك؟ هل هناك تسهيلات منظمة (سيستيماتيّة) لنشر الأفكار لكي تصبح نافذة ومستخدمة؟ هل هناك استيراتيجيات فعليّة لنشر الثقافة العربية والتعريف بها؟ هل هناك إنتاج ثقافي وفكري ومعرفي نتطلّع إلى نشره لكي يشكل ما نعرّف به، ولكي يصبح نتاجاً مطلوباً من الآخرين يبحثون عنه لاستخدامه؟ هل نحن مؤهلون تقنيّاً لكي نبني واجهات معلوماتية على الإنترنت مقبولة لنشر الثقافة العربية؟ هل نحن مؤهلون لغويّاً لذلك؟

أين نحن من عدد الوثائق «المهمة» المترجمة من اللغة العربية إلى اللّغات الأخرى؟ هل نحن قادرون على خلق محتوى وأشكال جديدة من الإبداعات الثقافيّة لكي تستمر؟ ما هي ميزانية الأبحاث ومراكز الأبحاث في العالم العربي؟ هل التكنولوجيا الشبكية تساعد فعلاً على نشر الثقافة أو أنّ المشكلة تكمن في مكان آخر، كالتربية والقراءة والكتابة والإبداع الفكري؟

هذه الأسئلة تُطرح دائماً، ولكنّها لا تكفي من دون إرادة ومن دون فعل! لذلك، يجب على المجتمعات تهيئة وتشكيل البيئة المناسبة سياسيّاً وقانونيّاً وتربويّاً للإبداع والابتكار، فبهذه الطريقة فقط تؤدي ثقافة ما دوراً فعّالاً في مجال النشر المعلوماتيّ أو غيره، وإذا لم تُخلق البيئة المناسبة، يصبح المجتمع مجرد متلقٍّ لثقافات أخرى أكثر ديناميكيّة، فكلّ مجتمع يحتاج إلى خلق وسائل سمعيّة وبصريّة، وخلق بيئات فكريّة ديناميكيّة، ونشر هذا كلّه لتنمية القطاع الثقافي للمجتمع.

أخيراً، مع صعود البرمجيات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، نحن الآن في مرحلة بناء أنظمة تقوم بأرشفة الوثائق الرقمية (ولهذا حديث آخر). إضافةً إلى ذلك، لم نتطرَّق في هذا الموضوع إلى إشكالية اللغة العربية، ليس من منظور الحفاظ عليها، فهي كلغة بألف خير... ولكن من المفترض أن تدخل أنظمة المعالجة الآلية للغة العربية وحوسبة اللغة ضمن مناهج تعليم اللغة العربية في الجامعات، فذلك له أهمية كبرى في تطوير برمجيات الترجمة الآلية من العربية وإليها، كما تطوير برمجيات التنقيب الآلي عن المعلومات. تدخل هذه النقاط ضمن ما نسمّيه الإنسانيات الرقمية، وهو مفهوم وُلد نتيجة دخول المعلوماتية في العلوم، وخصوصاً العلوم الإنسانية. [مراد 2014]

الهوامش

1. انظر: https://en.wikipedia.org/wiki/Internet_Protocol

2. انظر: https://en.wikipedia.org/wiki/Max_Weber

3. انظر: الهوية السردية عند بول ريكور http://www.islammemo.cc/print.aspx?id=6356، في 18-1-2019.

4. انظر: https://en.wikipedia.org/wiki/World_Wide_Web، في 18-1-2019.

5. على الرغم من الاختلاف بين هذه المفاهيم، فإننا سنستخدمها من دون تمييز في هذه المقالة.

المراجع العربية

- المسدي، عبد السلام، نحو وعي ثقافي جديد، دار الصدى، عدد 34، دبي، آذار/ مارس 2010.

- المطيري، سلطان بن خلف محسن، (2015)، شبكات التواصل الاجتماعي وعلاقتها بتحقيق الأمن المجتمعي.‎

- * رابح، صادق. (2012)، الهوية الرقمية للشباب: بين التمثلات الاجتماعية والتمثل الذاتي.‎

- ريفيل، ريمي، التورة الرقمية، ثورة ثقافية؟ عالم المعرفة، ترجمة سعيد بلمبخوت، عدد 462، تموز/ يوليو 2018.

- عزب، خالد، جريدة الحياة 17 أيلول/ سبتمبر 2018، http://www.alhayat.com/article/4603336

- مراد، غسّان: الإنسانيّات الرقميّة. بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط 1، 2014

- مراد، غسان، الإعلام الرقمي والتعبير الثقافي، الإعلام الثقافي في الوطن العربي في ضوء التطور الرقمي. الدورة العشرون لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، تونس، 14-15 كانون الأول/ ديسمبر 2016.

- فتحية معتوق، الذاكرة الثقافية العربية وتحديات البيئة الرقمية، الإعلام الثقافي في الوطن العربي في ضوء التطور الرقمي. الدورة العشرون لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، تونس، 14-15 كانون الأول/ ديسمبر 2016.

- مجلة الثقافة الشعبية، العدد 28، السنة الثامنة، شتاء 2015.

- مايكل كول، «علم النفس الثقافي: ماضيه ومستقبله»، ترجمة عادل مصطفى وكمال شاهين، القاهرة 2018.

- يقطين، سعيد، ترقيم التراث العربي: الضرورات والإشكاليات، عدد 1، نحن والثقافة الرقمية، دار الأمان، الرباط، ص. 15، 2018.

المراجع الأجنبية

- BAJO ERRO, C. (2013). Les soleils de la citoyenneté numérique. Participation sociale et politique pendant l’élection présidentielle de 2012. Le Sénégal sous Abdoulaye Wade, CRES-karthala, Dakar-Paris.

- Coch & Masanès 2004] Coch، J. and J. Masanès. «Language engineering techniques for web archiving.» In 4th International Web Archiving Workshop (IWAW’04). 2004. Bath (UK). http://www.iwaw.net/04/proceedings.php?f=Coch

- DC 2003]. “Dublin Core Metadata Element Set، Version 1.1: Reference Description”. http://dublincore.org/documents/dces/ June 2003.

- Doueihi Milad, Pour un humanisme numérique, La librairie du XXIe siècle, 2011.

- Ellul Jacques, La technique, ou, L’enjeu du siècle Broché – 15 mars 2008

- Frédérique Roussel، La BNF asspire le web، Libération، septembre 2004.

- GEORGES, F. (2007), Sémiotique de la représentation de soi dans les dispositifs interactifs. L’hexis numérique, thèse de doctorat, université Paris 1 Panthéon-la Sorbonne, 14 décembre 2007, HAL: http:// tel. archives-ouvertes. fr/ tel-00332747/

- Greffet, F., & Wojcik, S. (2014). La citoyenneté numérique. Réseaux, 184(2), 125-159.

- Georges F., « Représentation de soi et identité numérique », Réseaux 2/2009 (n° 154), p. 165-193. URL : www.cairn.info/revue-reseaux-2009-2-page-165.htm

- Jean-Pierre Archambault, Coopération ou concurrence, Médialog n°48, http://www.ac-creteil.fr/medialog/ARCHIVE48/jpa48.pdf)

- KLEIN, A. (2001), « Les homepages, nouvelles écritures de soi, nouvelles lectures de l’autre » [En ligne], Spirale, Nouveaux outils, nouvelles écritures, nouvelles lectures, n° 28, Lille, université Lille III, p. 67-83. Disponible sur : http:// www. univ-lille3. fr/ www/ revues/ spirale.

- LACOMBLED, David. (2013).Digital citizen: manifeste pour une citoyenneté numérique. Plon.

- Merzeau, L. (2009). Présence numérique : les médiations de l’identité.

- Mounier, P. (2013). Humanités numériques et patrimoine.

- Masanes 2002]. Masanès، Julien. «Towards Continuous Web Archiving: First Results and an Agenda for the Future.» http://www.dlib.org/dlib/december02/masanes/12masanes.html D-Lib Magazine 8، December 2002.

- Martine Jaudeau ،la mémoire du web a-t-elle un avenir، Thot، 2002.

- Mourad Ghassan 2004 ،projet Watson، compte rendu، Paris-Sorbonne، 30 septembre 2004.

- Nora Pierre, Les lieux de mémoire, tome 1, Gallimard, 1984, pp. 132-133.

الصور

1. https://fr.cdn.v5.futura-sciences.com/buildsv6/images/wide1920/7/d/3/7d3661bc20_132924_deep-learning-deepl.jpg

2. http://blogs.sciences-po.fr/prospectibles/files/2017/12/IA.jpeg

3. https://hospitality-on.com/sites/default/files/2019-02/header-915122.jpg

4. https://www.protegez-vous.ca/var/protegez_vous/storage/images/medias/illustrations-et-images/intelligence-artificielle/1691700-3-fre-CA/intelligence-artificielle.jpg

5. https://media-s3-us-east-1.ceros.com/cbre/images/2018/10/30/050270543ac1475019916f75da0d8327/intelligence-artificielle.jpg?imageOpt=1&fit=bounds&width=859

6. https://fr.timesofisrael.com/un-expert-israelien-veut-creer-un-wikipedia-pour-lapprentissage-automatique/

أعداد المجلة