فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
35

دراسات فولكلورية من سبع دول عربية ودراستان في الأدب الشعبي العربي المقارن

العدد 35 - جديد النشر
دراسات فولكلورية من سبع دول عربية ودراستان في الأدب الشعبي العربي المقارن
كاتبة من مصر

نستعرض في هذا العدد مجموعة جديدة من دراسات الفولكلور العربية، في كل من مصر والسودان وليبيا وتونس والأردن والإمارات وقطر.. تناولت موضوعات الأدب الشعبي من خلال بحث الأزجال الشعبية، والعادات والتقاليد، وفنون الأداء الشعبي، والألعاب الشعبية، فضلاً عن دراسة متخصصة في الفولكلور التطبيقي. كما سنعرض لدراستين في الأدب الشعبي العربي المقارن، الأولى في مجال الحكاية الشعبية المتداولة في سبع دول عربية، والثانية في الأمثال الشعبية المقارنة بين مصر وليبيا. ولن نمل من النداء المتكررللتعاون والتضامن من أجل إنشاء بوابة عربية لنشر ببليوجرافيا التراث الشعبي العربي، وشروحات ومستخلصات للإنتاج الفكري العربي في المجال - تلك الفكرة التي دعونا إليها من هذا المنبر عدة مرات - حتى تعم الفائدة العلمية والتبادل العلمي بين الباحثين العرب، وهو ما نحتاجه في المرحلة الراهنة.

1.أزجال الشيخ خلف الغباري:

صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013 كتاب «أزجال الشيخ خلف الغباري: دراسة في فن الزجل» لمؤلفه عوض الغباري، ويقع الكتاب في 218 صفحة. وواضح من اسم المؤلف انتماؤه للشاعر موضوع الكتاب، و«الشيخ الغباري» هو أبو عبدالله خلف بن محمد الغباري المصري الشاعر الزجال، صاحب الأزجال الرائقة البديعة التي استخدمها في كل فنون الشعر، وأحد القُيام في دولة الملك الناصر قلاوون، وقد كان عالمًا جليلاً طلب الفقه على أئمة من الشافعية، وروى الحديث وناضل في الأصول وقرض الشعر، وكانت داره موئلاً للطلاب والقُصاد يستفتونه في أهم المسائل العلمية والشرعية. ويتناول الكتاب أشعار هذا الفنان الذى يُعد واحدًا من رواد فن الزجل في العصر المملوكي، والذي عاش في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، وقد قام المؤلف بجمع أشعار الغباري من بطون المصادر المختلفة، لأن دواوينه قد فقدت، فأضاف بهذا العمل ديوانًا جديدًا أضاء به جانبًا مجهولاً من التراث المصري العامي، الذي كانت له أهميته في الكشف عن خصائص الأدب العامي المصري ممثلاً في فن الزجل.. ولقد واجه هذا الكتاب صعوبات كثيرة منها ندرة الدراسات حول هذا الموضوع قديمًا وحديثًا. ومنها أن أدب العامية أدب مراوغ يصُعب الإمســـاك بــمصطلحـــــه إلا بكثـــير من التعـــب والعنــاء، خاصة أن هذه المنطقة من الدرس تحتاج إلى أدوات منهجية منضبطة.

والزجل فن أبدع فيه الشعراء المصريون، وعبروا عن تراثهم وحضارتهم وأدبهم الخاص، وشخصيتهم المصرية في لغتها العامية. ولقد تميزت أزجال الغباري التاريخية، كما تميزت أزجاله في المثل والحكمة والغزل والطبيعة، مما دعا المؤلف إلى تحليل مضمونها، ونقد مصطلحها مقارنا بمصطلحات الفنون الأدبية التي تداخلت مع الزجل، خاصة الموشح، وقد عالج الكتاب الخصـــــوصــــية اللغـــــويــــة لأزجال الغـــباري، فضــــلاً عـــــن كـــــــشـــــفــــه لأبــعـــــادهـــــا الجـمـالــــــية مـمـثـلـة فـــي صــورهــا الفنية وموسيقاها.

واحتوى الكتاب خمسة مباحث فضلاً عن مقدمة وخاتمة. بدأها المؤلف عن الأدب العامي المصري متوقفًا عند فن «الزجل» بما فيه من خصوصية أدبية مصرية انعكست في أزجال «الشيخ الغباري»، حيث سيشرع المؤلف في تحليل مضمون أشعاره الزجلية في فنونها المختلفة من غزل ووصف طبيعة وحكمة ومثل وأحداث تاريخية، مما أفاد المؤلف من مفاهيم المنهج التحليلي والتاريخي.. ثم عرض لشخصية وفن الشيخ خلف الغباري في عصره وشهرته بين أقرانه وأراء النقاد في فنه، وكيف كان يحظى بالقبول من قبل الحكام والمحكومين، وذلك لعلمه وأدبه، وسيرورة أزجاله، ومعالجتها لقضايا الإنسان المصري بفلسفة أخلاقه الشعبية. وقد كان الشيخ الغباري سابقًا لابن سودون أكبر أديب مصري فكاهي. مستعرضًا بعد ذلك أزجال الغباري التاريخية، حيث يقوم بتحليلها والوقوف على مواطن الجمال فيها من خلال استعراض العديد من النصوص التي استخرجها من بطون الكتب.

وفي مبحثه عن أزجال الحكمة والمَثَل، حيث زخرت أزجال «الغباري» بفنون الحكمة والمثل التي أبدعها في تلقائية وبساطة محببة للنفس. والزجل من هذه الناحية، متصل بالأدب الشعبي، اتصاله بالأدب الفصيح مع احتفاظه بخصوصيته. والشيخ الغباري مثل حي للارتباط بالأدب الشعبي العامي والأدب العربي الفصيح.. ومن أزجال الغباري التي وصلتنا تعكس هذا المفهوم قوله:

في النــاس رأيــــنـــا لــلــخــــيـر مــــــــــــــعــادن

والـــــــدُّر يــوجـــد في كـــنـز مـــثـــله

وإن رُمْت جوهر في الشخص مكنون

فجوهر الشخص حُسن فعله

***

وان كـــان تــــريــــــد صــحــــــة المــــــعـانــي

وشـرح مـــا في الـبـيـان مـحــررَّ

خـــــد فَــــرْع بــيْـــدك من أصل حــــنــظل

وازرع جــذوره في أرض عـنـبر

واســـقــــــيه بمـــاء بـــان وورد ممـــــــــزوج

وعـــقــــد جُلاَّب وحـــــلِّ سُــــــكَّــــر

وحـــــين تــــشــــوفه عَـــــــــقَـــــــــد ثــــــمـــــــــاره

وآن أوانـــه وَحَـــــل فــــــــــصـــــــــــــله

ذوقـــــــــه تـــــــــراه مـــــُـرْ والســـــبب فــــــــيـــه

مـــا يــرجع الفـرع إلا لأصــله

ثم ينطلق المؤلف عوض الغباري في تحليل أزجال الغزل والطبيعة، ويشير إلى أن فن الزجل يُعد أقرب فنون العامية اتصالاً بالغزل والوصف، وإن كان - مثله مثل الموشح - قد عرض لكل الموضوعات المألوفة في الشعر العربي. وقد دار زجل «الشيخ الغباري» حول الغزل والطبيعة، وقد ارتبط كلاهما في التراث العربي مصحوبين بالخمر. وينهي المؤلف كتابه بمبحث حول أزجال الشيخ خلف الغباري على ضوء تقنيات الزجل من حيث موضوعات الزجل - اللغة - الخيال - الموسيقى، ثم قام بتوثيق أشعار الغباري في ملحق مستقل في نهاية الكتاب اشتمل على عشرات الأبيات التي تعكس هذا الفن في تاريخ حركة الإبداع الشعبي المصري.

2. حكايات من التراث الشعبي المقارن:

نعرض هنا للدراسة الأولى في الأدب الشعبي المقارن، في مجال الحكايات الشعبية، حيث صدر بالأردن عام 2005 كتاب «حكاية شعبية عربية: دراسة مقارنة، جمع طه على الهباهبه، عن منشورات أمانة عمَان الكبرى، ويقع الكتاب في 163ص من الحجم الصغير. ويحمل الكتاب في بيانات الفهرسة الملحقة عنوانًا آخر هو «حكايات من التراث الشعبي»، وتكمن أهمية هذا الكتاب كون المؤلف قد تناول دراسة حكاية شعبية واحدة متداولة ومعروفة في سبع دول عربية هي: الحكاية المصرية «كشكول ذهب» - الحكاية السورية «حب الرمان» - الحكاية الفلسطينية «فريط رمان ذهب»، «ست الحسن والجمال» - الحكاية الأردنية «عَجيبت العَجَبْ» - الحكاية اليمنية «وسيلة» - الحكاية السعودية «الفتاة اليتيمة مع المُدرّس الساحر» - الحكاية الكويتية «فَتّ رمان بصواني ذهب». ويشير نايف النوايسة الذي قدم للكتاب إلى أن المؤلف قرأ من خلال هذه الحكايات الفوارق في اللغة وآليات السرد والنتيجة التي انتهت إليها، مبينًا الخصائص الصوتية لبيئة الحكاية والمعاني المستفادة. إن هذا اللون من الدراسات محمود في إعادة قراءة تراثنا الشعبي بقصد إبراز الجذور المشتركة لأقسام التراث. وتأكيد أهمية الهوية الحضارية للأمة في حوارها الدائم مع الحضارات الأخرى.. وقد لفتت الدراسة الانتباه إلى أهمية قراءة التراث القومي للأمة قراءة مقارنة، وهو نهج حميد اختطه الهباهبة أمام الباحثين في التراث.

ولا يدع المؤلف مساحة للمقدمات المكررة والمتشابهة التي اعتدنا عليها في الدراسات التي تناولت الحكاية الشعبية، فيبدأ مباشرة في الموضوع المقارن الذي حدده هدفًا له، فيبدأ بمفاتيح المقارنة فيقول: سأحدثكم.. سأسولف.. سأحكي.. سأروي.. سأخرفكم.. سأحرزكم.. هذه العبارات يُطلق عليها دارسو الأدب الشعبي «مفاتيح الحكايات». وهي مقدمات ذات مضامين واحدة. وهي تعني نقل مفاهيم من بيئة لبيئة أخرى، من جيل سابق متقدم إلى جيل لاحق.. ثم يستعرض طقوس الحكي العربي وشروطه من حيث المكان والزمان والمبدع الأول والجمهور، وكذا منهجية التدوين.. والعناصر الرئيسية والثانوية للحكاية. وقد اعتمد المؤلف على حكايات جاء بعضها باللهجة الأصلية، والبعض الآخر بلغة المدون، وهو ما أفرز العديد من الإشكاليات حول اكتمال عناصر النص.

وقـــد اعــتــمــد المـــؤلف عـلــى مــصــادر مـتـنـوعة لمـــادة حــكــايــاتــه، إذ رجــع لنــص الـحـكـايــة المـصــريــة «كشـكـول ذهب» في كتاب نبيلة ابراهيم «قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية ص 68 وما بعدها، ورجع لنص الحكاية السورية «حب الرمان» في كتاب عادل ابو شنب «كان ياما كان» ص117 وما بعدها. ورجع لنص الحكاية الفلسطينية «فريط رمان ذهب» في كتاب عمر الساريسي «الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني» ص357 وما بعدها، وحكاية «ست الحسن والجمال» من المصدر نفسه. ورجع لنص الحكاية الأردنية «عَجيبت العَجَبْ» في كتاب طه الهباهبة «الحكاية الشعبية في محافظة معاز» ص58 وما بعدها. ورجع لنص الحكاية اليمنية «وسيلة» في كتاب علي محمد عبده «الحكاية الــيــمــنــيــة» ص95 ومــا بــعـدهــا، ورجــع لنـص الــحـكـايــة السعـــوديــة «الفـتـاة اليـتـيـمـة مـع المُدرّس الساحر» في موسوعة كتاب عبد الكريم الجهيمان «أساطير شعبية مـن قـلب الجزيرة العربية» ص 28913 ومــا بعــدــها. وأخيرًا نص الحكاية الكويتية «فَتّ رمان بصواني ذهب» مـــن كتـاب صفــوت كـمـال «الـحـكـايـة الـشـعـبيـة الـكـويـتـية» ص 208 وما بعدها.

ويــرصــد المــؤلــف مـلاحـظـات عــامـة حــول الحـكــايــة، تـرصد في النهاية عناصرهـا الأسـاسية علـى النـحـو التـالــي:

الفتاة.. ابنة الملك..

(الملا، المطوع) جني من الجان..

يحاول افتراس الفتاة ولكنها تهرب..

تهرب الفتاة بعد أن نسيت خلخالها الذهبي.

(الـجـنـــي) يمتــحن الــفـتـاة لمـعـرفـة قـدرتـهـا عـلـى كتمان سـره.

يأكل أهلها جميعًا.. والغريب في الأمر أن (المُلا) قتل جميع أهل الفتاة، مع أن والدها سلطان البلاد فكيف يموت ملك وعائلته دون ضجّة. ولماذا سكت الجمهور على هذا الأمر؟!.

الفتاة تتزوج ابن الملك فتنجب. يأخذهم (الجني) واحدا واحدا.

الأمير يطرد زوجته (آكلة أولادها) من القصر، ويضعها مع الخدم.

الأمير لم يتزوج فتاة أخرى.

يسافر الأمير .. إلى مكان غير معروف.. فتطلب الفتاة (لعيبة الصبر).

رواة الحكاية، ومدونوها.. يحاولون إعطاء (اللعبة) صفة الواقعية. فهي لعبة مع قربة ماء وسكينة، وصحن من الخزف.. كما أن بائع اللعبة يخبر الأمير بأن من طلب هذه اللعبة تحمل سرًا يريد أن يبوح به، وأن اللعبة إذا ما انفجرت فإنها تودي بحياة من باح لها بسره المكتوم.

إن رواة الحكاية قد لعبوا بعواطف الجمهور.. عندما نسى الأمير إحضار الهدية.. ثم تذكرها بعد فترة.. ولما اشتراها نسي أن يعطيها للفتاة إلا بعد فترة.. كل هذا من أجل التعاطف مع الفتاة المسكينة التي كانت زوجة أمير، فأصبحت خادمة لا قيمة لها..

الأمير يتابع حديث الفتاة مع لعبتها، فيعرف الحقيقة، وقبل أن تنفجر اللعبة، يرش عليها الماء، فينقذ حياتها.. كانت ستنقذ حياته من بطش (الملا) لو أخبرته بسرها.

(الملا) يعيد الأولاد للفتاة، ويشكرها على صبرها، وكتمان سره، كما يشكر الأمير على كتمانه السر. ويعود الأمير بزوجته وأولاده إلى القصر، وسط أفراح في كل مكان.

تتضح بعض الملامح الشعبية الكويتية في هذه الحكاية، وخصوصًا عندما لعبت الفتاة لعبة (البروي) مــع شقيـقــة الأمــير، وهـي مـن الألـعـاب الشـعـبـيـة في الكويت. وبواسطتها تم اكتشاف معدن الفتاة وأصلها وتـربيـتـها، وكـان زواج الأمــير من الفـتاة نتـيـجة لـهـذا الامتحان. وهي لفتة ذكية من رواة هذه الحكاية.

لم يعين (المُلا) وزيرًا كما في حكايات أخرى. ولم ينتحر بعد أن اكتشف أمره أثناء لعب الفتاة مع (لعبة الصبر). ويمكن القول أن شخصيته جمعت بين الخير والشر، خاصة بعد أن قتل أهل الفتاة بلا سبب.

ان الفتــاة لم تتعرض للتعذيب والاضطهاد والهجران والجوع كما في الحكايات الأخري. وكل ما تعرضت له أنها عادت خادمة مع خدم القصر، حتى ظهرت الحقيقة. كما أن زوجها لم يتزوج مرة ثانية، بل نراه محبًا، متعاطفًا، متابعًا لأوضاعها حتى أنه قام بإنقاذ حياتها قبل أن تنفجر (لعبة الصبر) بوجهها.

ثم يعرض المؤلف للعناصر المشتركة بين الحكايات العربية السبع وكذا عناصر الاختلاف بينها، شارحًا لأهم شخوص الحكايات وهم: المعلم - الفتاة - الزوج.

3.القيم في الأمثال الشعبية بين مصر وليبيا:

أما الدراسة المقارنة الثانية التي نعرض لها فقد جاءت بعنوان «القيم في الأمثال الشعبية بين مصر وليبيا، في مجتمعي البيضاء الليبي والغرق المصري: دراسة مقارنة في الأنثروبولوجيا الثقافية» للباحث المصري محمد أمين عبد الصمد، وصدرت الدراسة في 565 صفحة من القطع المتوسط عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الثقافة الشعبية رقم (12)، عام 2014. وأشار المؤلف في مقدمة دراسته إلى أنهاستهدف عدة محاور مهمة منها: اختبار فرضية أن مجتمعي كلاً من منطقة شمال غرب مصر، ومنطقة شمال شرق ليبيا تمثلان منطقة ثقافية واحدة، لها سمات ثقافية متماثلة، وعقل جمعي واحد واتجاه فكري متقارب. واستهدفت الدراسة كذلك دور الأمثال الشعبية في ترويج بعض القيم الثقافية وترسيخها، ودورها في اختيارات وتوجهات المجتمع وأفراده، مستكشفة السمات العامة لثقافة مجتمعي البحث، ورصد المشترك بينهما.

وتناول عبد الصمد في الفصل الأول من الدراسة الإطـــار النظـــري والمنهـجــي، وأهـمـيـة دراسـة الأمـثــال الــشـعـــبــيـــة أنثــروبــولــوجـــيًا، وأســباب اختيار المــوضوع وأهداف الدراسة على النحو الذي شرحناه. ثم يرصد المصطلحات والمفاهيم المرتبطة بالدراسة ويقصد هنا «المثل الشعبي» وهو الأسلوب البلاغي القصيرالذائع بالرواية الشفاهية، والمعين لقاعدة الفروق أو السلوك أو الــرأي الشعبــي، وتنشأ الأمثال الشعبية نتيجة تجارب إنسانية فردية أو جماعية عميقة الجذور في مجتمع معين.. ويميز الأمثال الشعبية إيجاز اللفظ وإصابة المعنى، وحسن التشبيه وجودة الكتابة..ثم يعرض لخصائص الأمثال الشعبية و مجموعة القِيَم التي تحملها وتصنيفها، ثم آليات انتشار هذه القيم من خلال الأمثال الشعبية، ثم يشرح النظرية الأساسية للدراسة وتجربته الميدانية والمناهج المتبعة في البحث. وخصص المؤلف الفصل الثاني لدراسة مجتمعي البحث، حيث عرض للمجتمع الأول وهو «مجتمع البيضاء الليبي» من حيث: الموقع - أصل التسمية - الجغرافيا - المناخ - الطقس - نبذة عن تاريخ ليبيا - العرب في ليبيا - الهلالية وشرق ليبيا - الاحتلال الإيطالي في ليبيا - الدين - الإسلام في ليبيا - السنوسية في ليبيا - السكان والتعمير في البيضاء - أشهر أحياء منطقة البيضاء - سكان منطقة البيضاء - المرافق والخدمات في البيضاء - الأنشطة الاقتصادية - المعالم التاريخية - الجمعيات الخيرية. أما المجتمع الثاني، فكان «مجتمع الغرق المصري» بالفيوم ومن ثم استعرض تاريخ الفيوم - اسم الفيوم - تاريخ الفيوم الحديث - الموقع والمساحة - التقسيم الإداري - السكان - الأنشطة الاقتصادية - التعليم - قرية الغرق (المجتمع الثاني للبحث): تاريخ الغرق - السكان والتقسيم الإداري للغرق - العربان في الفيوم - القبائل العربية في الفيوم.

وفي الفصل الثالث تناول المؤلف بنية المثل الشعبي ومصادره من خلال بحث المثل الشعبي والحكمة، وازدواجية اللغة، ومراحل تكون المثل الشعبي، والمثل الشعبي والسخرية، والخصائص اللغوية والمعرفية للأمثال الشعبية في مجتمعي البحث، ثم قضية تشابه الأمثال الشعبية في مجتمعات مختلفة، وكذا صياغة المثل الشعبي، ومصادر الأمثال الشعبية في مجتمعي البحث بمصر وليبيا. أما القيم في الأمثال الشعبية في مجتمع البيضا، فقد ركز فيها المؤلف على بحث القيم النظرية والاقتصادية والجمالية والاجتماعية والسياسية والدينية في الأمثال الشعبية في البيضاء، مستعرضًا التحليل الإحصائي لها. ثم انتقل متتبعًا المنهج نفسه في بحث القيم في الأمثال الشعبية في مجتمع الغرق بالفيوم المصرية. على حين خصص الفصل السادس والأخير للدراسة المقارنة بين القيم في الأمثـــال الــشـعــبـيـة في مـجــتــمـعــي البـحـث. ويشير الباحث إلى أن هناك الكثير من الأمثال الشعبية من مجتمع الغرق المصري ترتبط بالحياة الزراعية وثقافة الاستقرار، ومنها: «احضر إردبك يزيد خروبه» و«إذا كان الغلة تيجي قد التبن.. كانت الحما تحب مرات الإبن» و«أردب ماهو لك لا تحضر كيله.. تتعفر ذقنك.. وما ينوبك غير شيله» و«أشبع البهايم.. ودبر البرسيم» و«ان كنت عاوز تمص قصب مص من الوسط.. وان كنت عاوز تخطب خد رفيعة الوسط»، وتقابلها أمثال شعبية تعكس ملامح الثقافة البدوية وقيمها في مجتمع البيضا ومنها: «البنت كيف العصيدة وين ما تبرد ما يقربهاش حد» و«بير تشرب منه ما تحدفش فيه الرشاد» و«التريس تتلاقي والجبال ما تتلاقى» و«الجدي جدي.. ولو رضع ميت تدي».

وخــلــصـــت الـــدراســـة لـــخـمــس وعشــريـــن نتيــجــة مـــن بينها: أنــه مــن خــلال دراســة الأمــثال الشعبية، وتحليل مضمونها، ومعرفة القيم التي تحملها وتروجـها، تتأكد فرضية وجود منطقة ثقافية واحدة في البيئة المتمثلة في شمال غرب مصر وشمال شرق ليبيا، وتتقارب خصائص تراث المنطقة المشترك في هاتين البيئتين، ولوحظ تواجد أربع صفات أساسية يتصف بها تراث مجتمعات هذه المنطقة المشتركة وهي:

مجموعة من الخصائص العامة الشاملة التي تميزها عن مجتمعات المناطق الأخرى.

روابــط بـــين الثـقـافـات الفـرعــية المنتشـرة في هـذه الأقاليم والتي تشكل دلــيلًا علــى تعرض هذا التراث لنفس المؤثرات العامة والتيارات الثقافية.

تقارب الحدود المكانية والزمانية.

تماثل التغير الثقافي الذي يحدث أثناء الفترات الزمنية وداخل المنطقة المحددة، وهو الذي يتطابق في بعض الأحيان.

وتُعد هذه المنطقة الجغرافية منطقة ثقافية «Cultural Area»، لـوجــود قــدر كــبــيـر مــن الـتـشــابـــه الثقافي فيها من الداخل بينما تتباين مع ما حولها في عناصر كثيرة. وخلصت الدراسة أيضًا إلى أن الأمثال الشعبية تقوم بدور مهم في عملية الغرس الثقافي والتنشئة الاجتماعية، إذ يقوم المثل الشعبي بدور تعليمي واضح، محاولًا نقل الخبرات من السلف إلى الخلف، حتى يستمر تواجد ونماء المجتمع. كما أن هناك عدة مصادر في ثقافة مجتمعي البحث تنطلق منها صياغات الأمثال الشعبية، على اعتبار أنها ناتج خبرات حياتية، عاشها المجتمعان، وعركها الزمان واختبرها، ومنها ما هو حادثة واقعية، حكاية شعبية، من السير الشعبية، من القرآن الكريم، أمثال مرتبطة بالبيئة، أمثال انعكاس لقواعد قانونية.

4.الفولكلور التطبيقي الإفريقي:

وفي الســودان صــدر كتــاب «دراســات في الفـولــكـلـور التطبيـقـي الإفـريـقـي» لــسـيــد حـامـــد حــريــز، تــرجــمه للعــربيـة مـحـمـد المـهـدي بشـرى عـن مـعـهـد الـدراسـات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، ضمن سلسلة دراسات في التراث السوداني رقم (40)، ويقع في 132 صفحة من القطع المتوسط. وقد صدر الكتاب في طبعته الأصلية الأولى عام 1986 بااللغة الإنجليزية تحت عنوان: Studies in African Applied Folklore، ثــــم صــدرت الـطـبـعـة الـثـانـية مـنه بـعد المراجعة والتنقيح عام 2006، وهذه هي النسخة التي اضطلع محمد المهدي بشرى بتـرجـمتها إلـى اللـغة العربية، ورأى المعهد أهمية نشرها باعتبارها الطبعة الثالثة. لتوسيع دائرة الفائدة للقارئ غير المُلِمْ باللغة الإنجليزية، وهي إضافة تستحق الإشادة. وقد درجت السلسلة منذ إصداراتها الأولي تحت إشراف وحدة أبحاث السودان في ستينيات القرن الماضي على الاهتمام بتوثيق الموروث الشعبي السوداني، واستمر هذا المسعى بعد تحول الوحدة إلى معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية في العام 1972م، وكان قسم الفولكلور أحد أقسام المعهد. ويُعد هذا الكتاب هو الأول في مجال الفولكلور التطبيقي في السودان، وهو تطور جديد في دراسات الفولكلور يضع الفولكلور في قلب المسعى والاهتمام العام بقضايا التنمية الاقتصادية والتعليم والتربية وعمليات التمدين والتحديث، وكذلك الطب التقليدي وتوظيفه في النواحي السياسية، هذا بالإضافة إلى مسألة الفولكلور وكتابة التاريخ. هذا الاتجاه العملي في توظيف الفولكلور هو امتداد لمحاولات سابقة قام بها باحثون في مناطق أشار إليها الكاتب في كلمته عن الحوار حول الفولكلور التطبيقي والتي تصدرت فصول الكتاب، وسيجد القارئ فيها - وكذلك باقي الفصول - المعلومة المفيدة الجديدة والكلمة البليغة المقنعة. ويشير يوسف مدني في تقديمه للكتاب إلى أن هذا العمل كان وما زال هو المرجع الأساسي الذي يُعتمد عليه في تدريس مقرر الفولكلور التطبيقي لطلاب القسم في برنامجي الدبلوم والماجستير.

وتعتمد هذه الدراسة على بيانات من عدة بلدان، خاصة جمهورية السودان الديموقراطية - قبل التقسيم بطبيعة الحال - وهي ليست مجرد جمع للفولكلور الإفريقي، كذلك ليست تحليلاً أدبيًا للنصوص، بالرغم من استخدام المؤلف لمجموعة من النصوص تمثل مختلف أجناس الفولكلور. وقد اتخذت مجموعة الدراسات بالكتاب منهج الفولكلور التطبيقي كتطور جديد في دراسات الفولكلور. ويناقش المؤلف عدة محاور موضوعية مهمة بدأها ببحث الحوار حول الفولكلور التطبيقي «قراءة مختصرة وتعليقات»، مركزًا على الفولكلور في الولايات المتحدة، حيث استمر النقاش حول هذه القضية - كما يشير المؤلف - للخمسين سنة الماضية. وهذا لا يعني بأن الفولكلور التطبيقي لم تتم معالجته في بريطانيا أو ألمانيا، أو في مكان آخر. في بريطانيا ساهم كثير من الفولكلوريين وعلماء الإنسانيات في الفولكلور التطبيقي، لكن بدون أن يشاركوا في أي نقاش حول: أيكون الفولكلور تطبيقيًا أم يبقى نظريًا. أعمال مثل مساهمات السير جورج لورانس قوم «الفولكلور كعلم تاريخي»، أو كتابات السير جيمس فريزر «الفولكلور في العهد القديم»، يُذكرا كمثالين واضحين للأعمال المتنازع عليها في الفولكلور التطبيقي. كما ناقش موضوع الأنثروبولوجيا الثقافية، والعلاقة بينها وأوجه تشابهها مع الفولكلور، مقدمًا دراسة حالة للسودان.

كما استعرض المؤلف قضية «الفولكلور والتمدين والتحديث»، مستعرضًا فترة الاستعمار ونهوض الصفوة الثقافية الحضرية، والصفوة الحضرية ومواقفها السالبة تجاه الفولكلور، وناقش وضع وعلاقة الفولكلور ضمن الواقع الإفريقي المعاصر، مركزًا على التمدين والتحديث على الأجناس الفولكلورية في السودان، والهجرة الريفية - الحضرية، وتأثير وسائل الاتصال الحديثة، ثم ألقي الضوء على عدد من الدراسات التي تتعلق بتطبيقات الفولكلور.

ثم يشرع المؤلف في الفصول التالية من الكتاب في تناول الدراسات التي تتعامل مع تطبيق البيانات وثقافة الفولكلور في التعليم، فيبدأ ببحث الفولكلور والتعليم التقليدي في إفريقيا، مستعرضًا رؤية الإفريقي للعالم، ومفهوم التعليم، وصفات أخرى للتعليم التقليدي في أفريقيا، ووضع الفولكلور والتعليم، مركزًا على «التعليم البيئي»، والتعليم الاجتماعي والأخلاقي «التربوي»، و«التعليم الجمالي»، و«التعليم المهني»، ثم تعليم «نمط التخصص التقليدي»، ويخلص حريز إلى أن التعليم التقليدي في أفريقيا يحمل آلياته الثقافية، ويملك فلسفة ومنطقًا ينبثقان من المفاهيم الواسعة لرؤية الأفارقة للكون من حولهم. ويجدر بالباحثين الأفارقة فهم واحترام الحياة الأفريقية عامة، فالغلبة إما تبالغ في دور هذه الآليات أو تأخذها ببساطة دون إعمال النظر في جدواها. وفي مبحثه للفولكلور والآليات الثقافية للتاريخ الشفاهي الإفريقي يعرض حريز لمفهوم التاريخ، ومحتـــوى التــاريـــخ الاجـتـمـاعـــي، والفــولـكــلـور وصـناعـة التاريخ مشيرًا إلى أن دراسة التاريخ الشفاهي الإفريقي يجب ألا تتم خارج الأُطر الثقافية والاجتماعية، وأن التاريخ والوظائف الاجتماعية وضرورة التاريخ الشفاهي الإفريقي يجب أن تُدرس في إطار مفهوم التاريخ الذي تتبناه الجماعة محل الدراسة. ثـم يعرض المؤلف لموضوع الفولكلور والتنمية، موضحًا مفهوم «التنمية»، كما ناقش موضوع الزراعة التقليدية وأساسها الفولكلوري كإعــــداد الأرض لـــلفـــــــلاحــــة، ونـظــــام الـــــري، وحــمـــايـــــة المحصول.. مشيرًا للتحول من الزراعة التقليدية إلى الميكنة. وخَلُص حريز إلى أن التحدي الجوهري الذي يواجه صناع السياسة هو إحداث تنمية تنهض على الموارد المحلية وعلى عناصر الثقافة التقليدية، وأن التقنية التقليدية توفر دعمًا وخطوة إيجابية في هذا الاتجاه.. أما مبحثه حول الفولكلور والطب التقليدي فقد ناقش فيه موضوع «السحر» ورؤية الكون والعالم، مشيرًا إلى أن الأجناس الفولكلورية تمثل مستودعًا للطب التقليدي. كما يسجل في معرض حديثه عن الفولكلور والطب النفسي التقليدي أن الفولكلور عامة يثري الثقافة التقليدية بأساليب متنوعة من الممارسات العلاجية النفسية التي توسع استخدامها بفرح عامر طوال قرون عديدة. كما يؤكد على أن الثقة المتبادلة والتنسيق الجيد بين المعالجين الشعبيين في النمطين التقليدي والحديث لازمان لتفهم الخدمات الصحية واسعة الانتشار والمؤثرة لتشمل قطاعات أوسع ضمن السكـــان الأفـارقـة في الـريـف والمـدينة على حـد سـواء. ويختم حريز مجموعة دراساته بمبحث حول التقاليد باعتبارها قاعدة النضال القومي في أفريقيا.

5.ألعاب الأطفال القطرية:

صدر عام 2015 كتاب «ألعاب الأطفال الشعبية القطرية» للباحثين: عبد العزيز أحمد المطاوعة، عبد العزيز رفعت عبد العزيز، عنإدارة التراثبوزارة الثقافة والفنون والتراث، وهو الجزء الأول من المجموعة التي تقع في 160 صفحة من القطع الكبير. ويشير المؤلفان إلى أن الكتاب اعتمد على مشروع ميداني، استهدف جمع أغاني وألعاب الأطفال الشعبية في قطر، وهو المشــروع الـذي تجـشـم أعبـاءه المـاديـة مـركـز الـتراث الـشـعـبــي، وانتـدب لتنـفـيذه الـدكـتـور/حسـين قدوري، بالتعاون مع الباحثتين: كلثم علي الغانم، وشيخة عبد الله ذياب، وذلك في الفترة من أبريل 1989 وحتى مارس 1990م. والتقرير المتعلق بهذا المشروع جيد من حيث هو تقرير، لكنه ضئيل الفائدة بالنسبة للبحث العلمي، والاستماع إلى تسجيلات المادة الميدانية أكثر فائدة منه، حيث يمكن من خلالها استنباط ما لا يمكن استنباطه من التقرير المكتوب، خاصة وأنه - أي التقرير - لم يعتمد في وصفه للألعاب الشعبية التي يتضمنها على المشاهدة العيانية لممارسات الأطفال الطبيعية لها، وإنما اعتمد على أحاديث رواة متفاوتي القدرات، الأمر الذي اتصف بسببه عدد غير قليل من الألعاب فيه بالخلط أو عدم الوضوح، وعدد آخر بنقص جانب هام من البيانات والمعلومات الأساسية التي لاتُعد المادة الشعبية مادة ذات دلالة إلا بها. وقد قام المؤلفان بتحقيق هذا العدد وذاك من الألعاب على نحو جيد وكاف اعتمادًا على مشروعات ميدانية أخرى، ويضيف المطاوعة ورفعت: استكملنا جانباً آخر من الألعاب، وإن كان قليلاً اعتمادًا على مصادر ميدانية ومكتبية موثوقة، وزودنا الألعاب جميعها بما يلزمها من الصور الفوتوغرافية والتوضيحية التي تساعد على فهمها وكيفية ممارستها، فلم تكن ثمة صور تفصيلية متوفرة في أرشيف مركز التراث الشعبي عن هذه الألعاب تجعل منها شيئًا حيويًا وواضحًا على نحو مقبول. ومع ذلك فنحن - من جهتنا - نعتبر أصحاب المشروع المذكور مشاركين معنا في إعداد هذا الكتاب بدرجة أو بأخرى، وأن جهدهم الرائد هو الأساس الذي انطلقت منه جهودنا نحو توثيق هذا الجانب من جوانب الثقافة القطرية، وإتاحته لعلماء التربية في قطر - من جهة - كي ينتقوا منه ما يصلح لغرس القيم الإيجابية في نفوس النشء الجديد من أبنائنا، وإتاحته - من جهة ثانية - للمبدعين القطريين، ورجال الأعمال الوطنيين، عساهم يقفوا منه على لعبة يمكن تطويرها «لعبة الصبة مثلاً»، ونشرها على نطاق عالمي واسع.

ويناقش الكتاب بعض التعريفات المرتبطة بالألعاب الشعبية وخصائصها وأنواعها وممارسيها.. وبعد ذلك يتسائل المؤلفان: هل يمكننا أن نضع تعريفًا للألعاب الشعبية من شأنه أن يلبي هذه المعايير، ومن ثم يحدد بدقة مفهوم هذه الألعاب دونما لبس أو غموض. إن وضع تعريف جامع مانع للألعاب الشعبية، ليس بالتأكيد أمرًا سهلاً، لا سيما وأن التحليل الذي قدماه ينصب فقط على ألعاب الأطفال القطرية، وربما وجدت لعبة في ثقافة أخرى - وإن كان هذا مستبعد جدًا - تخالف هذا التحليل، وتند عنه. ولذا فإن تعريفنا هنا للألعاب الشعبية هو بمثابة تعريف إجرائي، وبالتالي لا يقطع الطريق أمام أية محاولات أخرى، علمية وجادة، لتعريف الألعاب الشعبية على نحو أفضل. وعلى هذا النحو يعرف المؤلفان الألعاب الشعبية بأنها: أشكال فنية تقليدية بسيطة، ذات طبيعة تنافسية، يجري تجسيدها حركيًا أو ذهنيًا، أو بالطريقتين معًا، بمشاركة طوعية لا إرغام فيها، ودونما ارتباط بمناسبة معينة، أو استهداف لأي غاية غير غاية اللعب ذاته، وهي تتمتع بالأصالة والعراقة والشيوع في الثقافة التي توجد فيها.

أما خصائص ألعاب الأطفال الشعبية فتنقسم إلى خصائص عامة: وهي تلك الخصائص التي تشترك فيها الألعاب الشعبية مع بقية مواد التراث الشعبي الأخرى، وبالتالي فهي لا تصلح بمفردها للتمييز بين الألعاب الشعبية وبين هذه المواد، ولكنها تصلح بامتياز للتمييز بين ما هو شعبي وما هو غير شعبي. والنوع الثاني هي «الخصائص النوعية» ويصنفها المؤلفان إلى: البساطة - طرق الاقتراع التقليدية - العراقة - الأصالة - التنافسية - حرية الممارسة - انتفاء الحوافز المادية.. ويدلل الكتاب على نماذج تشير إلى كل من هذه الخصائص.

وقد رصد المؤلفان المطاوعة ورفعت وظائف الألعاب الشعبية تبعًا لما استخلصاه من المادة الميدانية، وهذه الخصائص هي: تنمية التفاعل الاجتماعي بين الأطفال، وتنمية قدرات الطفل الجسدية والذهنية والجـمـاليــة والإبــداعــية، فـضــلاً عـن اكتشـاف قـــدرات الأطفال الخاصة وتنميتها، واكتساب بعض المهارات والمعارف المختلفة، وتنمية مبدأ الغيرة والحفاظ على الممتلكات الخاصة والعامة، ثم تدريب الأطفال على فنون القيادة والطاعة والانضباط، واحترام القوانين والقواعد والأصول، وتصريف طاقات الطفل الحيوية بطريقة مشروعة، وأخيرًا نقل تراث المجتمع وعاداته وتقاليده ومعتقداته وخبراته من جيل لجيل. ثم يستعرض الكتاب تصنيف الألعاب الشعبية إلى تصنيف على أساس جنس اللاعبين: ألعاب الأطفال الذكور، وهي ألعاب تحتاج إلى قدرات جسدية متميزة لممارستها، وقد ترافقها أحيانًا أهازيج بسيطة لشحذ همم اللاعبين وبث روح الحماس فيهم، والقليل منها الذي ترافقه أغنية مطولة، ومن هذه الألعاب:عظيم لواح (عظيم سري)، لعبة بوسبيت حي لو ميت، الدوامة والبلبول، المغاوص، القشاطي، الشقحة الشقحية..إلخ. ثم ألعاب الأطفال الإناث، وهي غالبًا على شكل رقصات، أو ترافقها الأغاني، وهي لا تحتاج إلى جهد بدني كبير، ومنها لعبة: أنا الذيب باكلكم - قوم يا شويب - طاق طاق طاقية - اللقفة (لكتور).. إلخ. ثم الألعاب المشتركة وهي ألعاب يمارسها الأطفال من الجنسين، كل جنس بمفرده أو مع بعضهما البعض، وفي هذه الحالة الأخيرة يكون الأطفال عادة من صغار السن، ومن أبناء عائلة واحدة، أو من الجيران، مثل لعبة: هدو المسلسل هدوه - الخشيشة - الصبّة.

أما التصنيف على أساس عدد اللاعبين فهي إما ألعاب جماعية، ويشكل هذا القسم معظم ألعاب الأطفال الشعبية، وتبرز صفة الجماعية فيها على أنها عامل من أهم عوامل بث وترسيخ قيم التشارك والتعاون والتضافر بين أفراد المجتمع الواحد، باعتبار أن هذه القيم ضرورية لبقاء المجتمعات وتماسكها. ومن هذه الألعاب - على سبيل المثال - لعبة: أنا الذيب باكلكم - ضلالوة - الخشيشة...إلخ. ثم ألعاب ثنائية وهي الألعاب التي يمارسها لاعبان أو لاعبتان فقط، وهي أقل عددًا في كل الثقافات الشعبية من الألعاب الجماعية، وتعمل أساسًا باتجاه تقوية روابط المحبة والصداقة فيما بين ممارسيها، مثل لعبة اللقفة - الصبة - القيس..إلخ. وأخيرًا الألعاب الفردية وهي ألعاب تتمتع بندرة ملحوظة في الثقافات الشعبية بعامة، وهي فردية في جوهرها، لكنها قد تمارس بشكل جماعي قصد المنافسة، وتعمل باتجاه تنمية قيم الاستقلال والحرية لدى الفرد في المجتمعات الشعبية، ومن أمثلتها لعبة: الدحروي - الدورفة..إلخ.

والتصنيف الثالث للألعاب جاء حسب طبيعتها، مثل: الألعاب الغنائية، ومنها ألعاب: هدو المسلسل هدوه - إحديه إبديه. ألعاب الحوار، مثل لعبة قوم يا شويب - دلخوة. ألعاب الحظ: لعبة الخبصة. ألعاب الاستراتيجية: مثل لعبة «الصبة». ألعاب البراعة، مثل: الدوامة - البلبول - التيلة - اللقفة - الرين. ألعاب المطاردة والملاحقة والاستخفاء، مثل: لعبة الخشيشة - صب صبيح - طاق طاق طاقية. ألعاب المهارات البدنية، مثل: لعبة الخوضة - الشقحة - التحسونة - القيس. ألعاب الكرة، مثل لعبة «التمبة». الألعاب التمثيلية والإيهامية، مثل لعبة المدود- قوم ياشويب. ألعاب التأرجح والتزحلق والارتقاء، مثل ألعاب الدورفة - التدربي. ألعاب التحدي والقدرة على التحمل، مثل ألعاب «تخاف مني ولا من ربك» - مكاسر (كاسرني ولا اكاسرك) - بوسبيت حي لو ميت. ألعاب السباق مثل لعبة الدحروي.

ويشير المؤلفان إلى أنه يمكن إضافة أنماط أخرى إلى هذا التصنيف طالما وجدت هناك ألعاب تمثلها، مثل ألعاب: نط الحبل، ألعاب التودد، ألعاب الورق الذهنية، وغير ذلك. كما أن هناك تصنيفات أخرى يمكن تسجيلها كالتصنيف حسب البيئة، أو التصنيف حسب وقت ممارسة اللعبة.. والعلاقة بين هذه التصنيفات جميعها هي علاقة تشابك على الرغم من أنها تبدو كما لو كان كل منها يسير بمحاذاة الآخر.

وتشمل بيانات توثيق كل لعبة حقول معلوماتية محددة، هي: تعريف اللعبة - عدد اللاعبين - أدوات اللعب - طريقة اللعب. ويصاحب كل لعبة عدد من الصور التوضيحية، وجاء بيات توثيق كل لعبة على النحو الذي نعرضه في المثال التالي:

لعبـــة القـشـــاطـــي: لعــــبة شـعــــبـيـة مـــن الألــعـــاب المــــرتبــــطة بـــالــبـيـئـة البــحـريـــة، يـمـــارســهـا الأطـــفـال الــذكـــور، مـمن تتراوح أعمارهم ما بين 9/13 سنة تقريبًا، وهي من الألعاب التي يمكن ممارستها بشكل فردي أو جماعية.

عدد اللاعبين: غير محدد.

أدوات اللعب: قطعة من العملة المعدنية.

طريقة اللعب: يقوم كل طفل بجمع مجموعة من العيدان الخشبية، ويأخذ في تهيئتها على شكل قارب صغير «قشطي» لا يتجاوز طوله 50سم، ويصنع لها شراعًا من قطعة قماش رقيقة. وأحيانًا يقوم بعض الأطفال بطلاء قواربهم وتزيينها، ثم ينظمون سباقًا لهذه القوارب على ساحل البحر بالقرب من الشاطئ، بحيث لا تتجاوز مياه البحر سيقان اللاعبين، ومن يسبق قاربه بقية القوارب يشعر بسعادة فائقة، وينظر له بقية المتسابقين من الأطفال على أنه صانع قوارب ماهر ومتمكن.

6. فرق الفنون الشعبية المصرية:

وفي إطار توثيق فنون الأداء الشعبي، صدر كتاب جديد لمحمد شبانة بعنوان «فرق الفنون الشعبية» عن قطاع العلاقات الثقافية الخارجية المصرية، ضمن سلسلة إصدارات الإدارة العامة للإعلام الخارجي بوزارة الثقافة، والكتاب يحوي مادة مصورة ويقع في 98 صفحة.. وقد ناقش المؤلف في البداية مفهوم مصطلح «فنون شعبية»، وتاريخ فن الرقص الشعبي، مشيرًا إلى أن أغلب الرقصات الشعبية نشأت كشكل من أشكال الاحتفالات أو الشعائر الدينية، أو طريقة للسيطرة على قوى خفية، وبنيت أشكال وحركات كثير من هذه الرقصات على معتقدات خرافية، فمثلاً كان عدد من الرقصات الشعبية القديمة يؤدى في دائرة لاعتقاد البعض أن لهذا الشكل قوى سحرية، وفي بعض الثقافات القديمة كان هناك اعتقاد بأن الحركة الدائرية تجلب الحظ السعيد أو تبعد السوء.

ثم يستعرض شبانة تاريخ فرق الفنون الشعبية المصرية منذ خمسينيات القرن العشرين، مارًا بأشهر فرقتين خلال هذه الفترة وهما فرقة رضا للفنون الشعبية، والفرقة القومية للفنون الشعبية، مشيرًا إلى أنه بنجاح هاتين الفرقتين الرائدتين، أصبح المجتمع مؤهلاً وراغبًا في هذا النوع من الفنون، ومن ثم فقد اهتمت الدولة بإنشاء فرق جديدة للفنون الشعبية في إطار وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبإشراف إدارة الفنون الشعبية بالهيئة، وقد أنشئت هذه الفرق للتعبير عن الخصوصية الثقافية للأقاليم التي نشأت بها، وقد وفرت الهيئة لهذه الفرق الإمكانات المادية والكوادر الفنية المؤهلة للقيام بهذه المهمة. ومن الإنصاف أن نشير إلى أهمية الدور الذي تقوم به هذه الفرق في الحياة الثقافية المصرية، حيث تشارك في الفعاليات الثقافية والفنية داخل مصر، وتمثـــــل مــــصــــر فــي المهــرجــانــات والاحتـفـالات الـدولية خارج مصـــر، وهــو ما يؤكد ضرورة دعــم هــذه الفــرق وإلقاء الضــوء عليها، وإتـــاحة المـــوارد الكفيــــلة بتطــــويـــر برامجها والحفاظ عليها لتكون بحق ممثلاً للثقافة الشعبية المصرية.

ثم يبدأ المؤلف في بحث فنون الرقص الشعبي وأصوله في مصر القديمة، ثم الرقص في الثقافة المصرية المعاصرة، مستعرضًا فنون العوالم والغوازي، وأفراح النوبة، والرقص في احتفالات السامر، والخيل والرقص، والتعبير الحركي الاعتقادي. ثم يعرض شبانة لفرق الرقص الشعبي في مصر والمؤسسات التي تولي اهتمامًا بها، مثل إدارة الفنون الشعبية، وقطاع العلاقات الثقافية الخارجية، ووزارة الشباب والرياضة. ثم يستعرض القطاعات الحكومية المهتمة بالرقص الشعبي ويوثقها من الناحية التاريخية وما قدمته من عروض وفنون على المستويين المحلي والدولي، ثم القائمون على هذه الفرق وأهم المؤدين والملحنين وبرنامج كل فرقة. وبدأها بفرق قطاع الفنون الشعبية والاستعــراضــيـة والتــــي تضم فرقتي رضــا، والفرقة القومية للفنون الشعبية. ثم فرق الفنون الشعبية التــابـــعـــة للــهــيـئـة الـعـامة لـقـصــور الثقــافــة، وتــشـمـــل تسع عشرة فرقة: فرقة مطروح للفنون الشعبية - فـــرقــــة الـحـــريـــة للـفـنـون الشعـبية - فرقة المنوفية للفنون الشعبية - فرقة البحيرة للفنون الشعبية - فرقة الغربية للفنون الشعبية - فرقة قصر ثقافة الأنفوشي للفنون الشعبية - فرقة الشرقية للفنون الشعبية - فرقة كفر الشيخ للفنون الشعبية - فرقة العريش للفنون الشعبية - فرقة الاسماعيلية للفنون الشعبية - فرقة بني سويف للفنون الشعبية - فرقة ملوي للفنون الشعبية - فرقة المنيا للفنون الشعبية - فرقة الأقصر للفنون الشعبية - فرقة سوهاج للفنون الشعبية - فرقة توشكى قنا للفنون التلقائية - فرقة أسوان قنا للفنون الشعبية - فرقة قنا للفنون الشعبية - فرقة التنورة التراثية.

ويُعـــــد أهــمـــية هـــــذا العمل كــــونه توثيقًا مصورًا وتحــلـيــلاً علـمــيًا لــفـرق فـــنـون الــرقــص الشـــعــبي ومـــا يصاحبها من موسيقى وأزياء وعادات وتقاليد كجزء من حركة الفنون الشعبية المصرية عامة. ويحتاج من المؤلف التوسع في هذا المنهج العلمي ليغطي جميع فنون العرض الشعبي المصري على هذا النحو الذي يجمع بين المنهج العلمي والثقافة العامة.

7. أخلاق وعادات الإماراتيين:

وفي الإمارات صدر هذا العام 2016 عن معهد الشارقة للتراث كتاب «أخلاق وعادات الإماراتيين في كتابات الرحالة الغربيين»، للباحث الذي رحل عن عالمنا مؤخرًا الأستاذ عمار السنجاري، والكتاب هو الطبعة الأولى من القطع المتوسط، في 139ص. وهذا الكتاب هو الثالث للمؤلف في هذا المجال - أدب الرحلة - خاصة ما ورد في كتابات الغربيين، الأول حمل عنوان «البدو بعيون غربية»، والثاني نُشر تحت عنوان «ذاكرة الصحراء» قدم في الأول قراءة نقدية في كتابات الرحالة الغربيين الذين زاروا وكتبوا عن منطقة الجزيرة العربية والخليج، وفي الثاني عرض المؤلف لكتابات الرحالة ولفرد ثيسجر المعروف عند بدو الإمارات باسم مبارك بن لندن، وأول الحوارات المنشورة باللغة العربية التي أجراها السنجري مع رفاق رحلته «سالم بن كبينة»، و«سالم بن غبيشة» اللذين أهدى إليهما كتابه «الرمال العربية» والذي اعتمده المؤلف مصدرًا من جملة مصادر هذا الكتاب. ويقول المؤلف أن هذا الكتاب هو جهد أولي وضع من خلاله أولى اللبنات لموضوع جهود هؤلاء الرحالة والمستشرقين، الذين دونوا ملاحظاتهم الإثنوغرافية الوصفية، وكتبوا عن العادات والتقاليد المحلية للإمارات، وهو ما اصطلح عليه محليًا تعبير «السَّنع»، وهو ما يتعلق مباشرة بـخـصــوصية هـذه الــعـادات والـتـقـالـيـد والـسـلـوكـيـات والـتــعـــابيـر والــــفــنـون الـــقـولــيــة والأهــــــازيـج والــــفـنـون الـحـركية وتأثيراتها وعلاقتها بمجتمع الإمارات قديمًا، وما يتبعها من الشق المادي من أزياء وطرق عمارة تقليدية وحرف وآلات وأدوات كانت تُستخدم قديمًا في شتى مناحي الحياة.

ناقش الكتاب مجموعة من المحاور المهمة بدأها بملاحظات الرحالة حول مدن الساحل وتجارتها، منها مشاهدات الرحالة بالجريف في الإمارات، والوثائق الأجنبية الاقتصادية، ووصف سفن اللؤلؤ. ثم عرض لنشاط الرحالة برترام توماس الرائد في عبور الربع الخالي، حيث قام بعدة رحلات في المنطقة الشرقية لعُمان، فذهب إلى صور وبلاد بني علي، وبعد ذلك عبر أراضي الحدود الجنوبية عن طريق وهيبة وغبة حنيش، وسافر إلى ظفار، ثم عبر عام 1930 إلى الربع الخالي. مسجلاً هذا كله في كتابه «العربية السعيدة»، ومشيرًا إلى الرحلة وعلم الأنثروبولوجيا، وملاحظات توماس الإثنوغرافية ولهجات القبائل، وحديثه عن الختان وهي من العادات ذات الأهمية البالغة عند القبائل إلى جانب المعتقدات السحرية المرتبطة بالعين الشــريــرة وكيفــية الوقــايـة منهـا. وســجـل السنجري الفصـــل الثـــانــي بعنـــوان «ثـيسـجــر.. ذات صبــــاح مـــن صباحات الصحراء»، والذي يعرض لرحلته للإمارات في الأربعينات من القرن الماضي، حيث جاء - مبعوثًا من قبل شركة الشرق الأوسط لمكافحة الجراد - إلى عُمان للسفر في الربع الخالي، وقد تميز بأسلوب أدبي رومانسي في كتابه «الرمال العربية»، وقد استعان في وصفه بكتب الرحالة السابقين، ولم يخف إعجابه بتوماس الذي سبقه إلى منطقة الربع الخالي بستة عشر سنة.. وقد سجل شعوره بالأسى مما سيحل فيما بعد بالصحراء لو دخلتها الآلة وما ستحدثه من تغيير في حياة وشخصية إنسان هذه الصحراء. ويصف ثيسجر في كتابه كرم بدو الإمارات ويروي عدة روايات تعكس حفاوتهم السخية كأسطورة، كما يصف قيم التسامح وحسن المعشر التي وجدها في الربع الخالي مع رفاقه من بدو الإمارات.

ويسجل السنجري في كتابه فصلاً وصفيًا وتحليليًا حول «الزي الشعبي الإماراتي» وكتابات الرحالة حوله، ويشير المؤلف إلى أنه من الملاحظ أن الأوربيين وصفوا ما شاهدوه من ملابس من دون تحليل أو دراسة لها، وقد اختلفوا في وصف الزي وإطلاق الإسم عليه، فمثلاً الدشداشة «الكندورة» أحدهم سماها قميصًا والآخر سماها قميصًا طويلاً، وثالث جلبابًا، ورابع سماها دشداشة أو كندورة. بل وقد لبس بعضهم الزي المحلي ليس كإعجاب، ولكن ربما لتنفيذ مخطط معين. وقد أفاد وصفهم في تأكيد ما هو موجود اليوم بيننا من زي، وأن الأزياء لم تختلف في الشكل العام، وإنما اختلفت نوعية الأقمشة والخام المستعمل، وهذا بالتأكيد ناتج عن التطور الصناعي والاستيراد من مختلف البلدان. وبعضهم اهتم حتى بالدقائق من حيث طيات الملابس، ووضع الخنجر من شده على البطن إلى كونه رخوًا. وقد أفادهم من تتبعهم للأزياء ووصفها في تمييز السكان من حيث جنسياتهم وقبائلهم ومناطقهم لمعرفة أصدقائهم من غيرهم. إن الملابس بين أهل الإمارات وعُمان متشابهة إلى حد بعيد وذلك للقرب الجغرافي، لذلك فإن الرحالة والكُتاب أيضًا لم يفصلوا بين هاتين المنطقتين في كتاباتهم، فما ينطبق على الإمارات كان ينطبق على عُمان، والعكس صحيح في الماضي والحاضر.

ثم يستعرض الأزياء الرسمية للحكام، والأزياء الـــرجـــالــيـــة، والأزيـــاء كــما يــعـــكــســهـا الــشـــعـــر الــشــعـبــي الإماراتي. ثـم يـنــــتـقل المـــؤلف لرصد الـرحـالـة وقـصـة الصور الشهيرة الملتقطة للشيخ زايد الأول مشيرًا إلى الرحالة وايلوك في الخليج وهو ملازم أول نشر قصة رحلة مهمة حول «عرب ساحل عمان» زودنا من خلالها بصور وصفية. كما عرض لتجربة العقيد مايز والسير برسي كوكس في المنطقة، مشيرًا لملاحظاتهم وانطباعاتهم، حيث سجل الصور الشهيرة للرحالة للشيخ زايد بن خليفة وأبنائه.. وينتهي الكتاب بفصل حول الرحالة كوادري آخر الشهود على مرحلة ما قبل اكتشاف النفط. ويختم كتابه بمجموعة مميزة من الصور التي سجلها هؤلاء الرحالة الذي يرى السنجري أن كتاباتهم بصورة عامة حافلة بالطبع بوجهة النظر الغربية وبمقياس غربي بحت، لما كان يدور في مجتمعات الخليج في النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن يظهر النفط وتتغير هذه المجتمعات في بعض مظاهرها من النقيض إلى النقيض، إضافة للتعصب وضآلة ثقافة بعضهم، وفقر اطلاعهم على ثقافات جديدة عليهم، وهي كتابات كثيرة منشورة بالإنجليزية ولم ير معظمها النور بالعربية.

8. عادات وتقاليد تونسية:

هو كتاب بعنوان «عادات وتقاليد»، إعداد مسعود فرتاني، من الحجم المتوسط يقع في 63 صفحة، بدون بيانات نشر يمكن الرجوع إليها. ولا تستطيع استنتاج أن العادات والتقاليد المشار إليها هي عادات وتقاليد تونسية إلا بعد تصفح الكتاب والاطلاع على محتواه. وقد سُجل على يسار صفحة الغلاف إسم (جربة ميدون)، بنفس حجم وشكل إسم المؤلف.. فاحترنا في معرفة هل هذا اسم مؤلف ثان، أم منطقة بتونس إذ يشير متن الكتاب لبعض العادات والتقاليد الشائعة أو السائدة في حومة أى قرية (جربة، ميدون) بتونس مع بعض الصور التوضيحية. ومن ثم فنحن أمام كتاب بدون فهرس أو بيانات مكتبية مثل: جهة الإصدار، مكان النشر، سنة النشر، اسم الناشر، المترجم، تحديد منطقة جمع المادة أو مصدرها الببليوجرافي. ومع ذلك فقد وجدنا في الكتاب تجربة مهمة في توثيق التراث الشعبي. إذ يتخذ شكل الموسوعة (دون ترتيب هجائي)، حيث اختار المؤلفان بعض العناصر الشعبية وقاما بشرح مختصر ومفيد وسلس لها مع صور ميدانية لكل عنصر. كما ترجع أهمية الكتاب لتناوله باللغة العربية، ومايقابلها باللغة الفرنسية أو العكس من الفرنسية للعربية؛ وبدأ الكتاب بمقدمة باللغة الفرنسية، ثم عرض لأولى العناصر الشعبية به وهي مادة «الدّراس» Le dres: وهي عملية فصل حبات الشعير عن السنابل وتتم هذه العملية في «الرايح» (وهي بطحاء مسطحة في شكل دائري) بواسطة «الجاروشة»، وهي عبارة عن صندوق كبير متحرك فوق عجلات حديدية تجره دابة (حمار أو بغل)، ترى الأطفال يتسابقون للجلوس في «الجاروشة» وهي تتمايل في دورانها فوق السنابل المكدسة في «الرايح». وعادة في جربة وبالتحديد في ميدون، يكلف صاحب الأرض شخصًا معروفًا بالعمل الفلاحي ويكون في غالب الأحيان من الجنوب بحراثة الأرض وزراعتها ثم حصاد المحصول و»درسه» على أن يكون أجره « الخُمْس» من كل شئ حتى التبن، لذا يسمى هذا الشخص «الخماس». والمادة الثانية حول «نهج الحدادين» La rue El Haddadine ويقع هذا النهج في أطراف «حومة ميدون»، وبالتحديد في الجهة الجنوبية الشرقية منها. وقد أطلق عليه هذا الاسم لما فيه من كبار الحدادين في الجزيرة وغالبهم ينتمون إلى عائلة عرفت بإتقانها لهذه المهنة وهي عائلة «التنازفتي». أما بقية محلاته، فأغلب أصحابها من اليهود. ثم ينتقل ليعرفنا بواحد من المشاهير هو العم موسى (المتواجد في نهج سيدي محمد بن عيسي): وهو رجل خضار قريتنا القار، رجل مرح وبشوش وهو الوحيد المتواجد كامل الأسبوع، وللعم موسى نظام خاص في جلب سلعه وفي التعامل مع الغير، ففي ميدون سوق أسبوعية يأتيها الفلاحون لبيع منتوجاتهم من خضر وغلال، وفي آخر اليوم يتفق معهم العم موسى على أن يقبل منهم كل ما تبقى لهم من سلع ويقوم ببيعها هو طيلة الأسبوع ثم يأخذ كل نصيبه من المرابيح حسب الاتفاق. في نفس النهج، نجد كذلك بائع الحلوى وهو من عائلة «المرابط»، وهو الذي يقوم بصنع حلواه بنفسه بجميع أنواعها: من حلوى «الفعوص» (وهي ما نسميها النوقة)، والجكار والجلجلانية وحلوى الزقوقو...إلخ.

ويتعــــرض الكــــتــاب لــنـــوع مـــن الاحـــتــفـــالات مـنــهــــا العرفة Arfa: حيث تختص ميدون بأجواء مميزة في اليومين اللذين يسبقان العيد، فيسمى الأول «العرفة الصغير» ويطلق على الثاني اسم «العرفة الكبير»، ويقع الاستعداد لـ العرفة الصغيرة قبلها بيوم وذلك في البطحاء المتواجدة قبالة «مقهى البور» و«مخبزة بن نصرة»، ويهيء لذلك ملهى صغير للأطفال... ويوم العرفة تغص البطحاء بالرجال والأطفال دون النساء لأن العادات والتقاليد لا تسمح لهن بدخول السوق، وهكذا يلتقي الكثير من العائدين من السفر بمناسبة العيد، وغالبًا ما تكون مناسبة لربط علاقات تصاهر وخطبة للشبان غير المتزوجين، حتى يقع شدهم أكثر إلى مسقط رأسهم وجعلهم دائمي التفكير في العودة إلى الجزيرة. وعلى هذا النحو يقدم الكتاب العديد من عناصر التراث الشعبي والعادات والتقاليد السائدة في المنطقة ومنها: الدورة La Doura - تربخانة (أو مرسى تفاح) - الولادة (النفاس): La naissance - الختان: عملية الختان La circoncision - الصيام - الرغاطة La raghata - الزميطة La zommita - العزابي Le azzabi - الفندق Le Foundouk - الماء الصالح للشرب eau potable’ L - الحضارات - يوم الحناء Le jour du henne - المحفل Le mahfel - الزيتونة La zitouna - خروج الجحفة La sortie de la jahfa: يقــــع نقــــل العـــــروس مـــن بـيـــت أهـلــــها إلـــى بـيـــت الـــزوجـــية عــلــى الـجـحــفــة أمـــا مــوعــــد خـــروج الجحفة فيختلف في الجزيرة من حومة إلى أخرى - وصــول الجحفة - تلحيس العسل assal’ Talhis l - الخمار: جلوة العروس - جلوة العريس - تيمذوال - مخزن الخزين.

ومما يحسب لهذا العمل هو الاهتمام بتسجيل بعض مصطلحات اللغة المستعملة والأماكن، مثل: الجادة (الطريق الرملية، تحدها الطابية من الجانبين) - الطابية (مرتفع من الرمال يحدد الممتلكات الخاصة) - الفلة (فتحة في الطابية تكون مدخلاً لمنزل من المنازل) - المنزل - الحوش - الدار - مخزن الضيفان - الشراك - الرايح - الرحبة - الساروط - المثغيلة (هي حفرة صغيرة في جدار الدار بجانب الباب لها شكل خاص تعد دائماً لتسهيل دخول وخروج القط من الدار، لأن وجود هذا الحيوان ضروري لما له من فوائد وخاصة منها القضاء على الفئران والعقارب)..إلخ. ومن المفروشات: المطرد (هو حصير من السمار الجاف يفوق الحصير العادي بطوله ودقة صنعه) - القياس (تدل على مفهوم القياس ألا وهو نوع من الحصير محدود العرض يكون طوله عادة ما بين الخمسة والستة أمتار) - الحيطية - الكلة - الكمخة -... إلخ. كما سجل بعض أنواع الملابس الرجالية: البلوزة (لباس تقليدي رجالي تخاط عادة من «القمرايا» وتكون إما مدورة أو مفتوحة من الأمام) - المريول (لباس تقليدي رجالي مصنوع من الصوف الطبيعي، يعوض البلوزة في فصل الشتاء) - الوزرة (لحاف صوفي داكن اللون يلف به العريس طيلة أيام الزفاف) - الكباية - الظلالة -...إلخ. وكذا الملابس النسائية، مثل: البسكري (لباس تقليدي نسائي ذو لون أحمر داكن وهو من أثمن ملابس المرأة لأن حاشيته مطرزة بخيوط من الذهب الخالص) - التونسي (لباس تقليدي نسائي ذو لون رمادي يميل إلي السواد وهو كذلك باهظ الثمن حاشيته مطرزة بخيوط من الفضة الخالصة) - الضمياطي - الطابعي - فوطة ريالين - الفوطة الزرقاء - السورية والكمام - الشملول -...إلخ. ومن الأواني: السفري (خابية من الطين الطبيعي كبيرة الحجم وذات عنق ضيق تستعمل لخزن الزيت) - الطاس (نوع من الأواني الطينية، شبيه بالخابية، كبير الحجم وذو فم متسع يستغل لخزن الحبوب والمسلي والتمر وغيرها) - الداقرة - الحماس - السودي - الجديوة - العبارة - القروش -...إلخ. ومن المصوغ: الخرص (حلق كبير الحجم ذو شكل دائري من الذهب الخالص يعلق في الشعر قرب الأذن) - الوشوش (قلادة ذات شكل خاص، تربط في العنق أو فوق الجبين تتدلى فيها دوائر المحبوب الكبير والصغير) - القلادة - المناقش (حلقات دائرية من الذهب أو الفضة تلبس في المعصم «الخيوط» وعادة الفضية منها تلبسها الأرملة أو المرأة عندما يتغيب زوجها في سفر) - العصملي- خاتم الليرة - المدلون- المحبوب - الخلخال-...إلخ. ومن المأكولات: الشرمولة (أكلة تطبخ بمناسبة عيد الفطر وتقدم للضيوف، وتتكون من مرق كثير البصل مصحوب بالسمك المقلي «ليس له شبه بالشرمولة الصفاقسية») - الوزف (السمك الصغير الحجم والمجفف في السبخة تحت أشعة الشمس يستعمل في بعض الأكلات مثل الشكشوكة والمسفوف الجربي - العيش - الزميطة - البسيسة - الأكلات المفورة - ...إلخ. والكتاب تجربة مهمة تحتاج للتوسع، كما تحتاج للتوثيق الببليوجرافي حتى يستطيع الباحثون الاستفادة منها على الوجه الأكمل

أعداد المجلة