فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

الطب الشعبى في تونس وعلاقته بجسد المرأة

العدد 34 - عادات وتقاليد
الطب الشعبى في تونس  وعلاقته بجسد المرأة
باحث من تونس

نطلق في تونس مصطلح  «الطب الرّعواني» على كل ممارسة طبية لا تخضع لمنطق العلوم الطبية، ولا تتناغم مع أبجديات العمل في الطبّابة والتطبيب. وتضم صفة  «الرّعواني» في مجالها الدلالي قدرا من الجهل، مع قسط لا بأس به من السحر و الشعوذة والدجل، على أن يقع تغليف كل ذلك بلبوس ديني أو روحاني، سواء بالبسملة والحمدلة أو بتلاوة بعض آيات الذكر الحكيم، أو بأداء بعض الصلوات تقام بالمناسبة.

 

إنّ علاقة الطب الشعبي «الرعواني» بالسحر ليست حكرا - بكل تأكيد - على ادعاء الطب في تونس، إذ يبدو لنا هذا المكون السحري قد نبع من تأثير بعض الأطياف والأعراق في تونس وفي المغرب العربي على بعض الأعراق الأخرى، ما سمح بدخول عقائد هي في الأصل عقائد وثنية وافدة من الروحانيات الإفريقية، أو من الأديان القديمة ووجدت مستقرا لها في الطب الشعبي الذي يمارس خاصة في المناطق الشعبية، أو في المناطق الجبلية، أو تلك التي تكون متاخمة للصحراء، بل ووجدناه - في بعض الأحيان - في المدن الراقية حيث يمارس في الغالب مع فئة من المرضى استنفذت كل الحلول العلاجية العلمية الممكنة ولم تجد في أيّ منها شفاء من الكرب الذي تعاني منه.

ويبدو لنا أنّ للطبّ الشعبي سرديات ومآثر بل ومعجزات إذ يذكر البعض ممّن تقطّعت بهم سبل الشفــاء بـالطـــبّ الــعصــري، أنّ هــذا المـعـالــج الطــبي الشعبي أو ذاك المعالج الروحاني قد تحققت على يديه معجزات، خاصة تلك التي تتصل بالأمراض النفسية والعصبية التي في الغالب يطول أمد علاجها لدى الأطباء النفسيين. فنسمع أنّ أحدهم قد شفي تماما من نوبة الصرع التي كانت تعتوره بين الفينة والأخرى، فيما المريض الآخر قد تخلص نهائيا من الاكتئاب ومن أعراضه، وأصبح مقبلا على الحياة مستبشرا بها. وإذا ما كانت أدوات الطبيب النفسي معلومة ومعروفة ومرئية، فان أدوات الطبيب الشعبي يكتنفها الغموض، ما بين «حروز» و«أعشاب» و«خيوط» و«تمائم» الله وحده يعلم سرها وجدواها، ولكن الناس، وخاصة أولئك الذين دب اليأس في نفوسهم من جهة الشفاء، يمنحونها قدرات فائقة في الشفاء الذي يكون أيضا بأقلّ التكاليف .

وكان لهذا الطب الشعبي في المجتمع التونسي، وكـــأي مــجتــمــع عــربـــي، حــضـــور خــاصــة في المــناطـق الريفية، وفيما يسمى بالدولة العميقة، أي حيث تقل الحواضر وتكثر النجوع والبوادي والأرياف، كما أنّ له حضورا في المناطق الشعبية المتاخمة للمدن الكبرى. ومن بين فصول هذا الطب الأكثر غرابة ودهشة والزاخر بالأسرار، فصل متعلق بطريقة حفظ بكارة الفتاة من أيّ أذى خارجي، وهذا الطّبّ طبّ سرّي، مسكوت عنه وتسمى هذه التقنية أو هذه الظاهرة بـ«الّتّصفيح» وتكون الفتاة «مصفّحة» أي أنه لا يمكن أن تفتضّ بكارتها إلاّ في ليلة الدخلة، ومن جانب زوجها وضمن توفر لشروط معينة لإزالة هذا التصفيح بطريقة محددة، كما سنرى ذلك فيما بعد.

التصفيح تقنية موجودة في تونس وخاصة في المناطق الجنوبية الغربية المحاذية للجزائر، حيث تمارس منذ أمد طويل، ويطلق عليها في الجزائر بـ«التصفاح» وكذلك تمارس في المغرب الأقصى وتسمى «الرباط». والرباط «مصطلح من فعل «ربط» مثلما أنّ التصفيح من فعل «صفح» وكلاهما يلتقيان في المعنى ذاته أي حماية غشاء البكارة للبنت إلى غاية ليلة زواجها.

 وفي الجمهورية التونسية لم يكن أمرا هينا معرفة مدى تغلغل هذه الظاهرة بحكم سريتها المطلقة، ولكن بعض أجهزة الدولة، وخاصة ديوان الأسرة، استطاعت أن تقف نسبيا على استخدام تقنية التصفيح خاصة في المناطق الريفية ولدى فئة من الفتيات ممن - لحظة تصفيحهن - لم يكن يعلمن أنهن يتعرضن لتلك العملية وهن ما بين السادسة والعاشرة أي قبل سنوات البلوغ والطمث.  وإذا ما سألت إحداهن المرأة التي تنهض بتلك العملية فتكون الإجابة عادة أنّ ذلك أفضل لصحتهن ولجسدهن. ولن تعلم هؤلاء الفتيات المصفحات بالحقيقة إلاّ بعد البلوغ بسنوات حينما يتجه وعيها إلى الاهتمام بأنوثتهن وبطبيعة العلاقة مع الرجل.

والواقع أنّ الاهتمام بظاهرة التصفيح كان مقصورا، إلى حد بعيد، على فضول بعض المستشرقين زمن الاستعمار، وأول إشارة لها قد ظهرت على يد أحدهم في المغرب الأقصى(1)، وقد أشار إلى اختلاف هذه الظاهرة عن ظاهرة الختان في بعض المجتمعات الشرقية، وفي المجتمع المصري، فأهل المغرب العربي عرفوا التصفيح، ولكنهم لم يعرفوا الختان للمرأة الذي ظل عادة غريبة عنهم ولا صلة لهم بها إطلاقا، فيما التصفيح غير موجود في المجتمعات الشرقية.

وظهرت في تونس مؤلفات وأبحاث في الاتنوغرافيا، وفي علم النفس بدأت تزيل الغموض على هذه لظاهرة، سواء من حيث تعريفها، وتشخيصها، وحظ الطب والعلم فيها من حظ السحر والتدجيل والشعوذة. وكان السؤال الأكبر الذي من أجله كان التصفيح، ومن أجله  قامت هذه البحوث هو: «هل يضمن التصفيح  حقا  بكارة الفتاة  إلى غاية زواجها وليلة دخلتها؟».

ومن بين هذه المؤلفات التي نظرت في هذه الظاهرة يمكن أن نذكر كتابين أّلّفا بالفرنسية وهما:

- كتاب الباحثة التونسية «ابتسام بن دريدي» وعنوانه «في موضوع التصفيح. الشعيرة الحامية لعذرية الفتاة التونسية» وهذا البحث هو بحث ميداني، امبيريقي بكل الوجوه، إذ اقتضى الأمر من لدن الباحثة (التي هي بالمناسبة تدرس بإحدى كليات علم الاجتماع بفرنسا) أن تنتقل إلى نجوع وضواحي مدن الجنوب الغربي التونسي وتستجوب فتيات «مصفحات»، مع ما في هذا الاستجواب من صعوبات في اقتناص المعلومة الصحيحة، ولا سيما وأنّ الموضوع متصل بأكثر الأشياء حميمية بالنسبة إلى الفتاة، وهو موضوع الحياة الجنسية، ودور «التصفيح» باعتباره آلية من آليات التعفف والطهر كما هو منظور إليه في تلك البيئات الريفية والبدوية.

في بحث الاتنوغرافية ابتسام بن دريدي نجد كل عناصر البحث الاجتماعي الذي ينهض على توصيف الظاهرة، ودراستها عبر نماذجها وحالاتها الخاصة والعامة، وعبر الشواهد الشخصية لفتيات مورس عليهن التصفيح، ثم تعمد الباحثة إلى وضع هذه الظاهرة في موضعها من السياق الثقافي والحضاري الذي ينظر إلى جسد المرأة بحساسية مبالغ فيها، والذي أيضا - بدعوى الفضيلة والحماية - يمارس عليها تلك التقنية ليبعدها من كل احتمال بالتحرش بها أو لاغتصابها.

- أما البحث الثاني فهو للباحثة النفسية نادرة بن اسماعيل وعنوانه «أبكارا؟ الجنسانية الجديدة للتونسيات» وقد صدر سنة 2012 وفيه تدرس الثقافة الجنسية في العقود الأخيرة في المجتمع التونسي، وخاصة في طريقة تعاطي المرأة مع جسدها في ظل قائمة كبيرة من المحرمات والمحاذير، وتركز بوجه خاص على مفهوم العذرية (أو البكارة) لأهميتها القصوى في كونها مؤشرا على العفة والفضيلة ولتقديس مؤسسة الزواج، وضمن هذا المنظور درست مسألة التصفيح من منظور علم النفس التحليلي وترى في «التصفيح» نوعا من مقولات الطبابة الشعبية التي تمارس بنوع من العنف على جسد الفتاة ، يقابله في المدن الكبرى إعادة غشاء البكارة قبيل الزواج بالوسائل الطبية والعلمية الحديثة للفتيات اللواتي انزلقت بهن القدم نحو ممارسة الجنس قبل الزواج اتقاء للفضيحة وتفاديا من إمكانية انهيار الزواج .

وفي هذا البحث تأكيد على أنّ العذرية والحفاظ عليها هاجس كل المجتمعات المدنية والبدوية على حد سواء ولكن ما يميز هذه عن تلك هي الوسائل والتقنيات، وليس المبدأ في حد ذاته الذي يظل فاعلا بقوة في المتخيل الفردي والجماعي، في الواقع و في الوعي منذ الطفولة. وتقول الباحثة في هذا المعنى «تفهم البنت، وهي لا تزال طفلة بأن ذاتها كأنثى وكإنسان يعتمد على سلامة غشاء بكارتها الذي هو غشاء هش وبالغ القوة في الآن ذاته»(2). وتمنح هذه الباحثة للتصفيح مفهوما أوسع من مجرد الحفاظ على البكارة فهو في تقديرها «ضمان لعذرية البنت وتلجأ إليه النساء التونسيات بوجه خاص باعتباره طريقة سحرية - دينية، وتكمن وظيفته في تقييد الحراك الجنسي للفتاة والتحكم في اندفاعاتها الجنسية خاصة في الفترات التي تعقب الطمث، وهو أيضا يمنع أية عملية مباشرة جنسية قبل الزواج. فالتصفيح هو نوع من التسييج وهو سور يقي البنت»(3).

الحقل المعجمي/ الدلالي للتصفيح حقل متشعب، فهو في الأصل يشير إلى الخيل الذي يقع تصفيحها، ثم أخذ المعنى ينحو الى مفهوم الحماية للفتاة من أي اتصال جنسي، و يبدو أنه ظل محصورا في هذا الحيز المعجمي دون سواه، ويقابل «التصفيح» مصطلح آخر شعبي، يستخدم للتعبير عن الفتاة التي فقدت عذريتها قبل الزواج. فمثلما توجد فتاة «مصفحة» توجد أيضا فتاة «مكسّرة». والمكسّرة هي التي شهدت أنّ شيئا ما فيها قد انكسر وبدون أمل في إصلاحه. فثنائية الفتاة المصفحة / الفتاة المكسرة تحكم رؤية قطاعات عريضة من الطبقات الشعبية في المجتمع التونسي للجسد الأنثوي قبل الزواج، على الرغم من أنها ثنائية سرية وخفية تبعا لسرية الحياة الجنسية للمرأة التي تظل موضوعا مسكوتا عنه في كل المجتمعات الشرقية تقريبا.

نشير الآن إلى أن التصفيح عملية تقنية يتداخل فيها السحر مع المعتقدات الشعبية، مع شعائر قديمة يصعب تحديد أصولها و منابتها، وهو - في العرف الشعبي دوما - يضمن عذرية المرأة و يجعل من الإيلاج قبل الزواج (و قبل فكه) أمرا مستحيلا.

نتوقف الآن في ماهية التصفيح ونورده بكل عناصره التقنية والسحرية والخطابية من دون أيّ تعليق بجانبنا.

يـــؤتـــى بـــالفـــتاة في حـــدود عــــمر مـــا بـــــين الثـــامـــــنة والعاشرة، أي قبل فترة البلوغ ويقع توجيه جسدها إلى الشرق، إلى مكة المكرمة وتشرف على هذه العملية كلها امرأة بلغت سن اليأس، على اعتبار أنّ ذلك دليلا على توبتها وطهارتها، و تمارس التصفيح على البنت في ركن من أركان الدار أو في ضريح من أضرحة أحد الأولياء الصالحين، أو في إحدى الزوايا التي يعلق عليها الرواد و المؤمنون الكثير من الخوارق وما يشبه المعجزات. تمسك هذه المرأة البنت وهي تمسك بيدها سيفا أو مفتاحا أو نولا من أنوال النسيج (ولهذا النول أهمية قصوى في عملية ربط العقد فيما بعد) ويقع تشليط ركبة البنت بسبعة جروح صغيرة وتقول البنت في الأثناء عبارتين هما «انا حيط وولد الناس خيط» سبع مرات متتالية أو تقول عبارة أخرى لا تخلو من البعد الجنسي «دم ركبتي اغلقي نقبتي».

ثم يؤتى بخيط وتقوم المرأة المشرفة على التصفيح بقياس طول جسد البنت وتعقد فيه سبع عقدات وتأمر الأم بأن تحافظ على هذا الخيط «المربوط» إلى غاية ليلة الدخلة.

حينما تكتمل هذه الشعائر، تصبح الصبية - نظريا - مستحيلة على أية تواصل جنسي، كما أن أي رجل تحدثه نفسه من النيل منها يصبح هو الآخر مصابا بالعجز الجنسي معها.

الفعل الجنسي يصبح مستحيلا برضاها أو بدونه ويعتقد أن التصفيح إذا كان مكتمل الأركان فهو يحفظ عفة البنت إلى أقصى حد ممكن .

وقبيل ليلة الدخلة ، تمارس شعائر أخرى ليصبح فض البكارة أمرا ممكنا، بمعنى أنّ «هذه الشعائر تخلق زمنا للإغلاق وزمنا للإفتاح»(3) وفي أثناء ممارسة شعائر الإفتاح تتلى عبارات سحرية بالضرورة قراءة صحيحة لضمان نجاعتها. وتنهض بالعملية كلها المرأة ذاتها التي باشرت منذ سنوات عملية التصفيح. ولكن في صورة ما إذا توفيت هذه المرأة أو ارتحلت إلى مكان بعيد، فان امرأة فاضلة يمكن أن تحل محلها، و في هذه الخالة يستحسن أن تكون الأم أو الخالة أو العمة أو الجدة، وفي كل الأحوال امرأة فاضلة و ذات خلق حسن وموضع للثقة.

وفي صورة ما إذا لم تتوفر هذه الأركان لأي سبب كان، ولم يكن هناك متسع من الوقت إذ اقتربت ليلة الدخلة، توجد طريقة أخرى يصفها الممارسون لهذه العادة أو «الشعيرة» بأنها لا تخطئ أبدا، وهي أن يؤتى بجميع أدوات النسيج الممكنة والمتاحة وتوضع في مغطس مليئ بالماء وتدعى العروس المصفحة إلى أن تستحم فيه وبهذه الصورة يقع إزالة كل مفاعيل التصفيح بصفة نهائية ويستطيع العريس مباشرة زوجته.

يلاحظ في هذه الطرائق المتصلة بالتصفيح حضور محدد ووظيفي لأدوات النسج لأن مهنة النساجة تبدو «صندوقا لكل القوى السحرية في المتخيل الشعبي والسحري(4) فهذه الحرفة تقترن بالعقد، وهي لذلك تكتسي أهمية بالغة ورمزية سواء في تصفيح البنت أو في فك التصفيح سويعات قبل زواجها.

  في طريقة التصفيح هذه تعمد المرأة المشرفة على «تشليط» ركبة البنت بسبعة جروح كما أسلفنا. ولسنا ندري لماذا يقع الاختيار على الركبة، ولكن يبدو أنها بالنسبة للرجل - في المتخيل الديني - حد منطقة العفة لديه (ما بين الصرة والركبة) وعلى أية حال فان للتصفيح نجاعته - في المعتقدات الشعبية - إذا ما اعتمد على المعطيات الآتية التي نجدها أيضا في بعض المناطق دون الأخرى:

- استخدام عناصر من حرفة النسيج و توظيفها من أجل ضمان نجاعة عملية التصفيح، وفي أثناء ذلك يتسلل عنصر السحر إلى العملية ذاتها. وتجبر البنت على وضع بعض عناصر النسيج بين فخذيها متمتمة بعض الأدعية أو الأقوال التي تلقنها على يد المرأة المشرفة على التصفيح. ويمثل النسيج  عملا ثمينا في الاقتصاد التقليدي الذي تكون المرأة في الغالب محوره وأساسه. كما أن بعض أدوات النسيج تعد من جانب علماء الانتروبولوجيا تمثيلا كنائيا عن جنس الذكر. ونشير في هذا المقام إلى رمزية العقد التي تؤشر أيضا إلى السحر وإلى إغلاق غشاء البكارة، أما الخيوط المقطوعة فهي ترمز إلى الخطايا، خطايا كل من تسول نفسه المس من عذارة البنت.

- يقع استخدام مفتاح أو مرتاج وهو مفتاح من خاصية أن يعلق الصدأ فيه و يمثل الفعل الجنسي ذاته.

- استخدام لسيف موضوع على الأرض وتضعه البنت بين فخذيها و في كل مرة تلمس المرأة بالسيف مؤخرة البنت قبل أن تضعه مجددا على الأرض رامزة بذلك إلى العضو الذكوري المرتخي أي العاجز عن أداء فعل الإيلاج.

- الجروح السبعة التي تمارس على ركبة البنت تمثل موضع العفة لديها. والدم المسال يخلط بعنب جاف أو بحبة من حبات القمح ويطلب من البنت ابتلاعها.

الأبعاد التأويلية و الأنتروبولوجية

  تشير الباحثة الانتروبولوجية ابتسام بن دريدي في كتابها الذائع الصيت عن التصفيح إلى سؤال ما فتئ يتكرر على لسان كل العناصر الذين كانوا أطرافا متدخلين في بحثها الانتروبولوجي وهو: ما هي مدى نجاعة هذه الطريقة في الحفاظ على عذرية الفتاة؟ وهل هناك إحصائيات وأرقام تثبت / أو تدحض النجاعة المزعومة لهكذا طريقة؟

الواقع أن القراءات مختلفة لحدث التصفيح ففيما يعتبره الأطباء والأخصائيون النفسيون نوعا مـــن التـشــــنج المهبلي الـــذي يــصـــيــب الـبـنــت لأسـبـاب نفسية خالصة، يرى أنصاره أن التصفيح عملية لا تخلو من نجاعة وفعالية للحفاظ على بكارة الصبية ويستشهدون عن ذلك بتجارب وشواهد لفتيات مورس عليهن التصفيح، أو شواهد لرجال أصحاء وتتوفر فيهم كل شروط الرجولة والفحولة، واعترفوا بأنهم لم يستطيعوا افتضاض بكارة زوجاتهن إلا بعد فك التصفيح وإزالته بالطريقة التقليدية.

نحن إزاء مقاربتين متناقضتين بدون أدنى شك غير أننا نلاحظ أّنّ أنصار التصفيح يتمركزون غالبا في المناطق الريفية والمناطق الشعبية ممن كان التحصيل العلمي والمعرفي فيها تحصيلا محدودا. ويرى البعض أن التصفيح قد مورس في البدء على الصبايا الريفيات ممن كن ّ يخرجن إلى الحقل وإلى البيدر من أجل مساعدة أسرهن في جني المحاصيل الزراعية، فقد تولدت الحاجة  إلى التصفيح ليقيهن من مخاطر اللقاء بالشباب في مواقع العمل، ثم، ولما ثبتت نجاعته تمدد استعماله في أوساط أخرى قريبة، ولكنه ظل بعيدا عن الأوساط الراقية أو المتعلمة، وهذا ما يفسر أنه لم يقع إخضاع التصفيح إلى تشخيص طبي وعلمي على اعتبار أنه ضرب من السحر والشعوذة يمارس على جسد الصبايا.

لم يقع مراجعة التصفيح إلا في السنوات الأخيرة، فبالإضافة إلى كونه عادة أو شعيرة من شعائر مراقبة جسد الأنثى في المجتمعات البدوية والشعبية وباعتبار الأهمية القصوى للعذرية بالنسبة للمرأة وللرجل  على حد سواء، فإن التقييم العلمي الصحيح قد تأخر كثيرا لحساسية الموضوع ولأنه ظاهرة سرّية وتنتظم في نطاق المسكوت عنه واللاّمقول، اذ قلما تعترف الصبية بأنّها «مصفحة»، ففي ذلك نوع من الإحراج الشديد لذاتها واتهاما غير مباشر لها بأنها غير كفؤة في الحفاظ على عذريتها بالقيم وبالفضيلة وبمفاهيم الشرف.

والواقع أنّ الاعترافات والشواهد التي دونتها الباحثة ابتسام بن دريدي أثبتت أنّ للتصفيح مرويات وسرديات تتمازج فيها الحقيقة والأسطورة، العلم بالسحر، الدين بالشعوذة. ففي كتابها الذي يضج بالاعترافات تستوقفها حالة صبية تبلغ من العمر السابعة عشر وهي تقول أنها قد زلت بها القدم ولما أنها كانت مصفحة فهي لم تفقد بكارتها. وتطرح الباحثة الاستفهام الآتي «هل بفضل التصفيح ظلت هذه الفتاة على عذريتها؟» وتقول الباحثة أنها علمت من هذه الفتاة أنها أنجبت ابنا ولكن بطريقة قيصرية مؤكدة على أنها لا تزال عذراء.

في  الشواهد  ذاتها التي جمعتها الباحثة ابتسام بن دريدي في كتابها المذكور  يرتقي الإيمان بفعالية التصفيح إلى منزلة الشعيرة الدينية المقدسة أو التي لا مجال للشك فيها. وتشير في هذا المعنى إلى أنّ التصفيح غدا يشكّل تعلّة مقبولة للتحرر من كل المواضعات الأخلاقية والاجتماعية ذات الصلة بمفهوم الشرف وذات الصلة بجسد المرأة في المجتمعات المحافظة. فبعض الصبايا مقتنعات بأن أية قوة لا تستطيع الإساءة إلى بكارتهن، وبدعوى هذا الإيمان وهذا اليقين يقبلن على المتعة بالطول والعرض كما يقال وهن متأكدات بأنهن يظللن عذراوات إلى أن يفكّ التصفيح عنهن. وريثما يفك التصفيح فإنها تقبل على الملذات بدون رقيب ولا حسيب.

أيّـــا كــان الاعــتــقــاد، فـــإن التــصــفيح لـيـس ظـاهــرة تونسية، بل إنه - فيما يبدو لنا - ظاهرة جسدية مغاربية بامتياز و هي تتنزل في فضاء ثقافي مغاربي يفهم هذه الظاهرة ويمارسها ضمن شعائره وطقوسه حتى وإن كانت تخلو من مسوغات علمية أو طبية أثبتتها التجارب والشواهد. فأن تقول صبية ما إلى صديقها إنها مصفحة يعد في ذاته - وضمن الثقافة السائدة - عاملا كافيا لتوليد حالة العجز الجنسي «العنانة» لديه. فالثقافة المغاربية تمثل أرضية مناسبة لــــدوام مثــل هذه الاعتقادات الشعبـية وشــيوعــها في الأريـــاف والبـــوادي وحيـــث تـــزدهـــر المعـــارف البـــاطــــــنية والممـــارســـات الســحـــريـــــة.

إن الباحثة ابتسام بن دريدي تطرح سؤالا آخر من أجل زعزعة مثل هذه الاعتقادات القديمة وتقول في هذا المعنى «إذا ما قالت إحدى الصبايا إنها مصفحة أمام رجل من ثقافة أخرى، كان يكون روسيا أو ألمانيا أو إفريقيا، فهل يكون لكلامها هذا التأثير النفسي والجنسي ذاته للرجل المغاربي؟».

إنها تدفع باتجاه خلخلة البنى النفسية، الواعية وغير الواعية لظاهرة التصفيح ولكنها في الآن ذاته تسعى إلى فهم طبيعة الوعي الجنسي للمرأة التونسية في علاقتها بذاتها وجسدها خاصة في الأوساط البدوية والشعبية.

وفي زمن صدور كتابها حول التصفيح سنة 2007 كانت جهود الدولة التونسية كبيرة في سبيل القضاء على هذه الظاهرة غير اللائقة بالمرأة التونسية، وهي جهود تماثل جهود السلطات المصرية في الحد من ظاهرة ختان الأنثى خاصة في الأوساط الريفية والمتدينة. وقد عمدت السلطات التونسية في البدء إلى إثارة الحوار و النقاش في موضوع التصفيح وتتجه دوما بهما إلى التأكيد على طابعه الأسطوري والسحري المسيء إلى المنزلة الحديثة للمرأة التونسية التي يتوجب عليها الحفاظ على بكارتها ضمن إطار أشمل هو إطار حرية التصرف الواعي بجسدها على اعتبار أنّ ذلك يعد صورة ناصعة لحداثتها وتأثير التعليم والتنوير على شخصيتها.

وقد وجدت السياسة الإنجابية التي اعتمدت في تونس صدى إيجابيا لدى طبقات من النساء خاصة في البوادي وهذا ما جعل التصفيح يتضاءل وينكفئ في أقصى المناطق الريفية حيث الكلمة العليا لا تزال للتقاليد وللشعائر المتوارثة جيلا بعد جيل.

يبدو لنا أن أقرب الفئات فهما لحقيقة التصفيح هم الأطباء، وأطباء التوليد بوجه خاص. وقد سألت الباحثة ابتسام بن دريدي ثلاثة منهم، وقد أجاب اثنان منهم أن التصفيح شعوذة وضحك على الذقون ولا معنى له، فيما أشار الطبيب الثالث أنّ التشليط الذي يصيب البنت على الركبة يصيب شريانا هو الذي يمول غشاء البكارة بالدم، وحينما يقطع هذا الشريان، ينقطع الدم ويتصلب الغشاء ويشتد.

ويظل هذا التفسير مبتورا ومنقوصا لأنه لا يفسر كيفية إعادة الدم إلى الغشاء بعد إزالة التصفيح ، والمؤكد أن هناك جانبا سحريا مندسا في العملية كلها لا يفسر بالعقل أو المنطق أو حتى بالطب وإنما يندرج فيما لا يسمى ولا يقال، اللّامقول عنه أو اللّامعبر عنه.

إن فعالية التصفيح تثبتها العادات والتقاليد وتـــقــرهــا المـــرويـــات والســرديـــات وتبــحــث عــنــها الــنــساء في بعض المناطق وضمن حدود معينة من الوعي بطبيعة الحال، ولكن ينكرها الطب ويدحضها العلم الذي يرجع انغلاق فرج المرأة  أو عدم القدرة على الإيلاج من جانب الرجل إلى أسباب نفسية وعوامل لاواعية، سواء من جهة الصبية التي قد تصاب بالتشنج المهبلي أو بالنسبة للرجل الذي يصاب بنوع من العنانة، تعالج بطرائق نفسية وكيميائية ليس أكثر، وفي نظر العلم والطب فإن الأمر لا يتطلب تأويلات أخرى.

إن الــطــب الــنــفــســي والـتـحـلـيـل الـنـفـسي يـقـدمـان تفــســيـرا لا يـخـلو من إرباك، فـبالنسبة إلى الـبـاحـثـة النفسية نادرة بن اسماعيل  يبدو التصفيح وخاصة من خلال تشليط ركبة الصبية سبع شلطات، ترى في ذلك «غرسا في لاوعي البنت لاستيهام الاغتصاب والافتضاض وتملّكا لأشياء قضيبية»(5). كما أنها ترى في التصفيح تقنية أوسع من الحفاظ على عذرية البنت بطريقة تقليدية أو سحرية. إنها ترى فيه «رمزا الى الجنسانية الأنثوية التي هي في طور التشكل» كما ترى أيضا أن التصفيح ممارسة ثقافية آيلة إلى الاندثار بحكم تغير الظروف المعيشية للممارسة الجنسية في المجتمع التونسي الذي كان عمر الزواج فيه بالنسبة للبنت في حدود الثامنة عشر فيما هو الآن في حدود الثلاثين وهذا في تقديرها يعجل من انقراض هذه العادة التي تمارس على جسد البنت.

إن هذه الباحثة تقدم أيضا الوجه الآخر لهذا التأويل ولهذه القراءة. فهي ترى أن التصفيح - في ظل العنوسة وتأخر سنوات الزواج للرجال والنساء على حد سواء - يمكن أن يشكل حماية للمرأة فهي مجبرة على ألا تعرف الجنس إلى سنة متأخرة من عمرها، وهي تحاسب من المجتمع الذي لايزال يرى في العذرية مقياسا قويا من مقاييس العفة والفضيلة. ولأجل ذلك فإنها ترى أّنّ التصفيح يمكن أن يقوم بدور مزدوج على جسد المرأة: حمايتها لغشاء البكارة الذي هو الحجة المادية على عفتها وفي الآن نفسه خلق وعي جنساني بأنها تستطيع أن تحتفي بأنوثتها وبجسدها من دون أن تصاب بأي أذى و بدون المس بتلك الحجة المادية ما يسمح لها «بأن تحافظ على أسس النظام الأبوي الذي تنتمي إليه»(6).

إن  المؤكد أنّ الحديث عن التصفيح لايزال يعد من التابوهات في المجتمع التونسي، على الرغم من تنوير العقول والجهود المبذولة بسخاء من أجل الارتقاء بالوعي وبالثقافة إلى مدارات أعلى. فهو يتصل بأكثر الأشياء حميمية لدى البنت والأسرة أي بحياتها الجنسية الخاصة.

ولكن الباحثة نادرة بن اسماعيل لا تكتفي بمقاربة التحليل النفسي في تشخيص ظاهرة التصفيح ولا تكتفي أيضا بإرجاعها إلى الثقافة الأبوية والذكورية المتسلطة على جسد المرأة وإنما ترى في التصفيح معادلا تقنيا لظاهرة جديدة نراها في المجتمعات الحديثة، وفي الحواضر الكبرى، وهي ظاهرة إعادة غشاء البكارة بأساليب طبية وعلمية ويطلق على هذه العملية تجميلا ويتعامل الأطباء مع هذا المصطلح باعتباره مصطلحا منتميا الى حقل الجراحات التجميلية، وهو ما يلطف من حقيقته ويمنحه قدرا ضئيلا من المشروعية. ولكن هناك فارقا كبيرا بين «التصفيح» وبين «تقنية استعادة غشاء البكارة» أو «رتق غشاء البكارة» ففي التصفيح يكون الغشاء قويا، يصعب اختراقه (بالمنظور الاعتقادي الشعبي) أما في عملية الرتق فيكون رخوا و لا يدوم الرتق إلا ليومين أو ثلاثة لان الطبيب الذي يقوم باستصلاح الغشاء لا يتوفر لديه إلا بقايا أنسجة من الغشاء الأصلي ما يجعله غير قابل للتماسك لمدة طويلة.

إن التصفيح - في المنظور الشعبي والثقافي السائد - لم ينشأ إلا للحفاظ على العذرية، فهذا هو الهاجس الأول والأخير، وهو لا يفك إلا في ليلة الدخلة، أو فيما يسمى باللهجة التونسية «بالوطية» التي هي كلمة مشتقة من فعل «وطأ» والذي يعني معجميا «عبور الدرجة الأولى» أو «الدخول في مكان ما».

 تنتمي مفردات: التصفيح، العذرية، ليلة الدخلة (الوطية) إلى شبكة واحدة من الدوال، وإلى متخيل واحد ذي صلة بجسد الأنثى في أقوى مظاهر تجليه وانبثاقه، وفي علاقته بالجنسانية على وجه أخص. فهي تؤشر إلى نمط من الوعي الشعبي إزاء الجسد الأنثوي الذي يجب أن يظل تحت الرقابة بكل الآليات الممكنة وبحسب نمط الانتماء إلى البيئة، بدوية، شعبية أو حضرية.

يدعي أنصار التصفيح أنه يجعل دخول المرأة إلى الشأن العام دخولا آمنا فهي تستطيع مخالطة الرجال في البيدر وفي المصنع وفي الكلية من دون أن يستطيع كائن من كان أن يفتضّ بكارتها، سواء بإرادتها أو بدونها. وهذا الوعي يجعل البنت متهيئة لـ«ليلة الدخلة» أو «للوطية» بكل ما يتطلبه هذا التهيؤ من شعائر و تقاليد لا تزال فاعلة في المجتمعات البدوية والشعبية تماما كعادة الكساء الملطخ بالدم والذي يعدّ الشاهد على الشرف والمعبّر عن الرجولة  ولكنها اندثرت - أو تكاد - في المدن الكبرى.

إذا نظرنا إلى هذه العادة فإنها - من وجهة نظر ثقافية وانتروبولوجية - آخذة في الاندثار والانقراض ولكنها قد تعود تحت مسميات أخرى وفي بيئات أخرى لا تزال تنظر إلى جسد المرأة نظرة يتزاوج فيها الهوس بالاشتغال على الجسد الأنثوي بطلب أقصى أشكال العفة و الفضيلة منه.

نشير في هذا البحث أنّ التصفيح يبدو معروفا في دول المغرب العربي الكبير ولكن بنسب متفاوتة، ولكن ما يلاحظ أنه يقع مداواته في تونس وإزالته بالطريقة التي ذكرناها سابقا، وهي طريقة تزدوج فيها ممارسة السحر بإبطاله ونقضه مع ممارسات أخرى و شعائر مصاحبة، حركية وقولية، وفي كل الأحوال لا يقع إزالة التصفيح بالرقية الشرعية التي تبدو في تونس غير معروفة إلا بنسب محدودة جدا، إذ أنه كان ينظر إلى الرقية وإلى الراقي باعتبارهما وجوها للشعوذة وليس ممارسة للطب النبوي كما هو معروف في الشرق.

في بعض دول المغرب العربي، مثل ليبيا، يقع اللجوء إلى الرقية الشرعية لإزالة التصفيح، ليس لأنه أداة لحماية بكارة الصبية وإنما باعتباره سحرا يجب إبطاله بالطرق الشرعية المعروفة تماما كما يقع إزالة أو الوقاية من سحر العين، ومن أثر الطلاسم وغير ذلك.

ويبدو لنا، من خلال بعض القراءات، أن أهل الشرق لا يعرفون التصفيح ولا يمارسونه ويستخدم بعضهم للإشارة إلى هذه الظاهرة مصطلح «التشفير» أي «الكوداج» أي عمل «كود» للبنت حتى لا يستطيع أحد اغتصابها. إنّ التصفيح - من خلال هذا المنظور - يبدو بمثابة الرقم السري الذي يستعصي على أي كان فتحه، وهو نوع من السحر الذي لا يرجى منه أي خير أو نفع.

وفي إطار هذه الرقية الشرعية التي لا تمارس في تونس من أجل فك التصفيح، يطرح البعض من الفقهاء برنامجا لفك هذا السحر قائما على كتابة الآيات (117/122) من سورة الأعراف، والآيات (81/82) من سورة يونس، والآية 69 من سورة طه. وتقرأ هذه الآيات مع سور أخرى مثل سورة «الكافرون» و«الإخلاص» مع قراءة بعض الأدعية ومع تسمية اسم الله على كل شيء.

وخــاتمة الــكــلام إنــنـا إزاء ظـــاهــرة انـتروبولوجية، شعائرية، وثقافية في ذات الحين يمكن أن تزول وتتلاشى إذا ما تعمم العلم والمعرفة والتنوير، ولكنها يمكن أن تعود بــقوة إلى الفضاء العام وإلــى الاعـتقاد الشعبي إذا مــا ظــل المـرء متمسكا بالتقاليد القديمة.

الواضح لدينا إن معالجة التصفيح، سواء بطريقة سحرية، أو بطريقة الرقية الشرعية يكشف لنا أننا إزاء طريقتين غير متكاملتين وعلى طرفي نقيض وإن كانتا تنتميان إلى الثقافة الجماعية السائدة في البيئة الواحدة .    

 

 

الهوامش:

1.  كتاب ابتسام بن دريدي، التصفيح في تونس، تونس، دار سراس،1997 ص21.

2. نادرة بن اسماعيل، ابكارا؟ الجنسانية الجديدة للتونسيات، تونس، دار سراس،2012، ص96.

3. نادرة بن اسماعيل، مرجع سابق، ص97.

4. ابتسام بن دريدي، التصفيح في تونس، ص101.

5. نادرة بن اسماعيل، مرجع سابق، ص94.

6. نادرة بن اسماعيل، مرجع سابق، ص98.

الصور:

1. من الكاتب

2. http://img.youtube.com/vi/rHAR45UNk1 M/hqdefault.jpg

3. http://djamilapresse.com/wp-content/uploads/2015/06/hqdefault.jpg

4. http://www.magic4walls.com/wp-content/uploads/2 013/12/birds-cage-girl-anime-awesome.jpg

 

أعداد المجلة