فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

معجم الألفاظ والتعابير الشعبية

العدد 33 - جديد النشر
معجم الألفاظ والتعابير الشعبية

أ. عبد الرحمن سعود مسامح
باحث من البحرين

بذل الباحث محمد أحمد جمال في تأليف هذا المعجم جهدا كبيرا وواضحا، اعتمد فيه على الجمع الميداني والتمحيص والتحري والمطالعة والتنقيب والبحث في كتب ومعاجم اللغة العربية، وفي عدد من اللغات الأخرى، كالهندية والفارسية والتركية والإنجليزية، وفي الاستفادة من الكثير من الرواة الذين قال عنهم أنه يضيق المجال بذكر أسمائهم هنا.
وقد نفعه اهتمامه وتخصصه في الموسيقى كثيرا في ضبط كل ما يتعلق بالفنون وبالألعاب والرقصات الشعبية، بمفردات نلحظها في هذا المؤلّف الكبير. وكان لمراجعاته دليل واضح من خلال ما تتبعته شخصيا في برنامجه الإذاعي الناجح الذي حمل نفس هذا العنوان في تحري الدقة قدر ما أوتي من حرص وتأنّ في النقل والشرح وفي الإلقاء وما أدراك ما الإلقاء. فقد كان إلقاؤه - من خلال أثير إذاعة مملكة البحرين- وحده سمة مميزة لأستاذنا الباحث، فطريقته السلسة المتأنية في نطق الكلمات، والتعابير الشعبية المختلفة، وفي التمثيل لها بهدف زيادة الشرح والتوضيح للمتلقي قل مثيلها.
جمع الباحث «معجم الألفاظ والتعابير الشعبية» في كتاب ضخم، من الحجم الكبير في 482 صفحة. سطّر فيها إهداء، وتوطئة، وثلاثة فصول مطوّلة. بدأ الفصل الأول بمقدمة ثم بسط موضوع المعجم في عناوين عامة. بحث فيها بداية بعض ظواهر اللهجة البحرينية، وبعض الرموز والاصطلاحات اللغوية واستعمالاتها. ثم دوّن بحثا عن لغة الأطفال. واختار مجموعة من الألعاب الشعبية شارحا لها. ثم ذكر الحرف والمهن، وتناول أسماء الأمراض والظواهر الصحية. وشرح مجموعة من التعابير الجارية على الألسن، ومجموعة أخرى من التعابير القصصية التي وردت في الحكايات والأساطير الشعبية. كما أفرد بحثا في الصفات والنعوت والألقاب.
وخصص الفصل الثاني لمصطلحات الغوص والبحر لما يمثله هذان الموضوعان من أهمية في التراث الشعبي البحريني خاصة ومنطقة الخليج العربي عامة. فدرس التعابير والأمثال البحرية، وذكر أسماء الرياح ومواسم الفصول. واختار مجموعة من مفردات البيئة البحرية المنتقاة. ولم ينس - وكيف ينسى وهو البحار الهاوي المتمرس - ذكر أسماء الاسماك والكائنات البحرية. وفي نهاية هذا الفصل درس أسماء السفن الخشبية التقليدية المعروفة في مملكة البحرين قديما.
أما الفصل الثالث فهو موضوع الكتاب ولبّه، هنا انتهج الباحث طريقة المعجم في شرح مفردات اللهجة البحرينية متسلسلا تسلسلا تنظيميا ابتدأ فيه بالألفاظ التي تبدأ بحرف الألف منتهيا بالألفاظ التي تبدأ بحرف الياء أي باسلوب تسلسل الأبجدية العربية (أ ب ت ث ج ح خ  ...الخ).

1. ابن الخشاب البغدادي:
يشعر القارىء وهو يقرأ كلمات الإهداء بحسرة الباحث على تقلص عدد الرواة من أبناء حيه القديم، والذين كانوا ومازال البعض منهم المصدر الوحيد بل يكاد يكون الحصري لضبط تراثنا الشعبي بمختلف أنماطه وألوانه وميادينه، حين أهدى معجمه «إلى البقية الباقية من سكان الحي القديم». وأوافق الباحث فيما ذهب إليه وأزيد، بأن هؤلاء الناس هم من يحسن أن نأخذ عنهم، ونرجع إليهم لنتأكد أو ندقق أو نفحص ما تبقى من مفردات وأنماط تراث الآباء والأجداد، والذي ما يزال حيا باقيا بهم بين ظهرانينا.
وليلتمس العذر لنفسه، ويسوق الحجة على أهمية ما يقوم به من عمل توثيقي هام، أورد الباحث محمد أحمد جمال في التوطئة رواية طريفة ذكرها ضياء الدين إبن الأثير (558-637هـ) في كتابه «المثل السائر» عن إبن الخشاب البغدادي (492 – 567هـ)، والذي كان عالما من علماء اللغة العربية - وكيف كان يختلط بالعامة من الناس وخاصة القصابين والمشعبذين - وكان يتعلل بأنه طالما استفاد من هؤلاء العوام وهو ينقل هنا عن إبن الخشاب قوله انه طالما استفاد «فوائد كثيرة، تجري في ضمن هذيانهم، معان غريبة لطيفة، ولو أردت أنا (والحديث ما يزال لابن الخشاب) أو غيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك». ومن المؤكد أن هذا هو حال الباحث حين باشر في إعداد هذا المعجم في تراث البحرين اللفظي فكان موفّقا لصدقه ومثابرته.

2. البداية:
ويحدثنا الباحث عن قصته في تأليف هذا المعجم فيقول انه عندما كان مشرفا للموسيقى باذاعة البحرين العتيدة ويقوم بمهمة تسجيل وتوثيق الفنون الشعبية، اكتشف قصور فهمه لمعاني بعض الألفاظ والمفردات والتعبيرات التي كان يستخدمها الرواة المؤدون من كبار السن. فكتب معبرا عن ذلك «لم أكن أدرك بتساؤلاتي هذه أنني في الواقع كنت أتساءل عن فكر الجماعة وميولها ورغباتها الدفينة ما ظهر منها وما بطن، وأن في الاجابة على هذه التساؤلات يكمن الكشف عن أحوالهم وطرق معاشهم وعاداتهم وأدواتهم وما يؤمنون به من خرافة، وما يتبعونه من تقليد وأعراف وطقوس تمس شتى نواحي الحياة في فترة زمنية غابرة، تحدد في مجملها شكل الثقافة المعبرة عن ذاتهم وتبرز من خلالها الشخصية والهوية الوطنية».
كما اكتشف أيضا أن بعض تلك المفردات والتعابير الاصطلاحية التي كانوا يستخدمونها، لها صلة مباشرة ووثيقة باللغة العربية الفصحى. ومن هنا أدرك بأن الواجب الذي يحتم عليه تسجيل الفنون الشعبية المواكبة لحقبة زمنية خلت، يحتّم عليه كذلك وبنفس الزخم، إعطاء هذه المفردات والتعابير حقها من التدوين والشرح، لذا رأى ان كلا المحورين يشكلان رافدين مهمين من روافد الثقافة البحرينية الثرّة، وأن العمل على توثيقها وشرحها، سيؤدي إلى الكشف عن جوانب من شخصية شعب البحرين ومقوماته الفكرية والوجدانية، بل ومواقفه من الحياة عامة وفلسفته الخاصة حيالها.

3. ملاحظات عامة:
وباستعراض شامل للـ«المعجم» فإنني أستسمح الباحث في تسجيل عدد من الملاحظات المهمة التي يمكن أن تؤخذ على الكاتب والتي ألخصها فيما يلي:
1. مسألة (التقعيد) المبسطة فيما يتعلق برسم ونطق الأسماء، المفرد منها والمثنى والجمع، وكذلك رسم ونطق الافعال وصيغ تصغير الأسماء والغاية منها.
وأرى أن بعض ما اعتبره الباحث رموزا، هي في الحقيقة (أفعال ناقصة) على سبيل المثال (أح) فهو إسم فعل ناقص بمعنى أتوجع، قياسا لاسم الفعل  (صه) في اللغة العربية والتي تعني اسكت أو اصمت.
ونلاحظ أن بعض المصطلحات التي هي ألفاظ أو كلمات أو تعابير قد يكون بعضها لا معنى له، نجد أن بعضها عربي فصيح، والبعض الآخر أجنبي أو هو مركّب أو (تبحرن) وأقصد أن شعب البحرين استحسنه وتبناه ثم استعمله.
وكان من الأنسب أن يخصص الباحث في البداية بابا خاصا يتحدث فيه عن خصائص اللهجة البحرينية يندرج فيه كل ما أفرده عن بعض ظواهر اللهجة البحرينية في (الصفحات من 8 - 11) وضمن المفردات المنتقاة من اللهجة البحرينية في (الصفحتين 272 و273) وما جاء في صفحة (304) عن استبدال الجيم ياء. وما يتعلق بحرف الضاد في صفحة (387) وما يتعلق بحرف القاف أو الكـ (الجيم المصرية) في صفحة (418)  وهكذا.  
2.  جاء فصل الأمراض الماتع تلخيصا مخلا لموضوع كبير مهم في مجال الطب الشعبي التقليدي والتداوي بالأعشاب والنباتات العطرية، وقد كان قديما ميدانا في حد ذاته، يحرص المهتمون بالتراث الشعبي على تدوينه وتوثيقه. ولا أظن أنه غاب عن بال الباحث أهمية ذلك. وأعتقد أنه كان قادرا على أن التفصيل فيه أكثر. وأن يتطرق إلى ذكر عدد من الأطباء والمعالجين الشعبيين المشهورين في البحرين قديما وحاضرا، ومجالات ممارساتهم الطبية.
3.  ينقص الكتاب (الهوامش) التي كان ينبغي أن تدون بأسفل صفحات المتن، لتأكيد استخدام المصادر والمراجع. وأرى أنه في الواقع أمر ضروري جدا في مثل هذا العمل الموسوعي الشامل، وذلك لكثرة الأمثلة على النقل والاقتباس دون ذكر مراجعها أو مصادرها،  مما يشعر القارئ دائما بوجود نقص واضح عند التصفح للقراءة والدرس. وإن ذكر بعضها في المتن بين السطور إلا أن ذلك قد لا يعفيه من واجب البحث العلمي.
4. لم يأخذ موضوع الألعاب الشعبية حظه من اهتمام المؤلف وهو الباحث المدقق فكان الأولى به أن يخصص بابا من كتابه أو أن يفرد له فصلا كاملا، لا أن يكون في طي الألفاظ والتعابير الشعبية فحسب. وكذلك الحال بالنسبة لموضوع المهن والحرف والصناعات التقليدية.
ولا يشفع له في رأينا المتواضع اعتذاره بهذه الكلمات اللطيفة:
«... لسنا بصدد حصر الألعاب القديمة فهي كثيرة ومتنوعة وحاولنا تبيان ما كان معروفا منها عند أطفال العرب ثم توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل حتى وصلتنا بالشكل التي هي عليه الآن قبل أن تزيلها تماما ثقافة العصر الحالي وذلك تماشيا مع خطة البحث في تأصيل اللهجة المحلية على كافة المستويات والأصعدة. ومن الصعوبات التي واجهتنا قلة المصادر العربية ولم نجد فيما تيسر لنا منها من أعطى اللعبة حقها من الشرح بل أن معظم أصحاب المعاجم والقواميس يشرحون المفردة بقولهم: لعبة لصبيان العرب ويكتفون، وهذا راجع إلى ما نعتقد أنها النظرة الدونية التي ينظرون بها إلى الألعاب بصفة عامة، وأنها لا تستحق الدرس والتمحيص أو العناية فهي ليست من صنعة أهل الدين والمروءة على حد قول الإمام الشافعي رضي الله عنه.»
5. كنا نتمنى على الباحث استخدام الصور واللوحات التي توضع عيانا المعاني لمعظم ما طرحه من أسماء وألفاظ وتعابير شعبية لتزداد تبيانا ووضوحا، ولتقربها أكثر الى أذهان الأجيال الجديدة من الأبناء والبنات، الذين قد بعد العهد بهم عن تلكم الأيام الجميلة. وهنا لابد أن أشيد بلوحة الفنان الكبير عبدالله يوسف الذي أتحف المعجم بصورة الغلاف التي عبّرت كثيرا عن مجمل موضوع الكتاب.
6. تضمن المعجم الأمثال الجارية على الألسن والأمثال الشعبية والأقوال السائرة وأقوال الحكمة وأقوال العربية الفصيحة التي دخلت الى اللهجة الشعبية البحرينية ودرج على استعمالها العامة والخاصة.
فالمثل الشعبي كما هو معروف نمط أصيل من أنماط الأدب الشعبي. وكان الأولى به أن يخصص له بابا لوحده كما فعل صاحب القاموس (المنجد) على سبيل المثال. على أن يأتي ترتيبها على النحو التالي: أقوال الحكمة فالأمثال العربية الفصيحة التي تداولتها العامة ثم الأمثال الشعبية فالأقوال السائرة على الألسن ثم التشبيهات الشعبية المشهورة والتي أخذت منحى المثل وأصبحت شائعة بين عامة الناس.
على سبيل المثال:
- لي طاح اليمل كثرت (سكاكينه) سجاجينه
 «من أقوال الحكمة».
- العرق دساس (العرج دساس) «مثل شعبي فصيح».
- لا تدخّل عصّك في شي ما يخصّك «مثل شعبي».
- ولد الحلال على طاريه «أقوال سائرة».
- حلول يمعه  «تشبيهات  شعبية».
7. بذل الباحث جهودا جبّارة في تتبع أصل الألفاظ والكلمات الشعبية، فلقد اضطر إلى استخدام العديد من القواميس والمعاجم العربية وغيرها من الكتب القريبة منها، كما ساق الكثير من القصص والحكايات التي توضح معاني التعابير الشعبية، واستشهد بالكثير من نماذج الشعر والأهازيج، الشعبي منها والعربي الفصيح لذات الغرض.
ونسوق على ما سلف مثالين:
 مادة: «منجور»
البكرة الخشبية المستعملة في السقاية قديما بالوسيلة المعروفة بـ (الزاجرة) والتسمية فصيحة كانت تصدر أصواتا عند دورانها. ومما قيل فيها:
-  منجورنا يصيح ومنجور الغرام يصيح.
-  من يوم قصوا رشاي قمت عليه آصيح.
-  منجورنا من خشب ما فيه قلب ويصيح.
-  شلون  قلب  المعذب بالعشق  ما يصيح.
 مادة: «بوكرون - مكرنن»
هو الشخص الذي يتعامى عن سلوك أهله الشائن وكأنه راض بما يحدث أو على درجة من البلاهة بحيث لا يعلم ما يجري تشبيها له بالثور ذي القرون. وهو تعبير عربي قديم يقال قرنت فلانة بعلها بمعنى اتخذت له قرينا أي صاحبا وشريكا يخالفه إليها. ومن طريف الشعر في هذا الموضوع:
قالت لجارتها يومـــــــــــــــا تعاتبه    
قرنت زوجك إن القرن يفضحه
  فقالت أيبقى بلا قرن فواحربا    
يلقاه زوجك ذو القرنين ينطحه
8.  ومما يحسب للباحث أمانته في نقل الموروث الشعبي كما هو فرغم امتعاض البعض من الباحثين في التراث الشعبي من نقل مرويات العامة لبعض الألفاظ والتعابير والقصص والحكايات الشعبية المستهجنة إلا أن باحثنا تغلب على ذلك بشجاعة نادرة يستطيع القارئ الوصول الى ما نقص بسهولة حينما يقوم بتصفح هذا المعجم الزاخر.
9.  وأكاد أجزم بأن القارئ هنا سيفتقد الرواي الذي يؤصّل نطق الألفاظ والتعابير الشعبية، وأن مجرّد قراءة هذا المعجم دون مساعدة وعون من أحد أبناء اللهجة البحرينية ستكون عليه شاقة وعسيرة إن لم أقل لمعظم ألفاظه وتعابيره، فالبعض منها والبعض الكثير حتما.

4. الغوص والبحر:
ولا يفوتني أن أثمن جهد الباحث في توثيق مصطلحات الغوص والبحر، فالمؤلف كما عهدناه بحار متمرس أحب البحر وعشق متعلقاته أكثر من الموسيقى التي تخصص فيها. فقد ابتدأ موضوع الغوص والبحر بمقدمة لا ينبغي أن نتجاوزها دون الإلماع إلى بعض ما جاء فيها، لنتعرف على نظرته للموضوع عامة حيث يقول:
«لا يشكــــــل البــــــحر مصـــــدرا للــــرزق فقــــــط بـــــالنســـــبة للبحرينيين بل شكّل منهجا حياتيا متكاملا وأسهم بشكل كبير في صياغة حياة الإنسان المادية فوق هذه الجزر. وكوّن مجتمعا عرف لدى المؤرخين بمجتمع الغوص الذي أفرز بدوره عددا من الصناعات والحرف التابعة له والتي انتهت أو كادت تنتهي بانتهائه».
ويستطرد «إن أهم ما أفرزته تلك الحقبة الزمنية الغابرة يتمثل في الكم الهائل من مواد المأثور الشعبي الذي وثق الحياة الاجتماعية السائدة وساهم في تشكيل الثقافة المادية المعبرة عن الذات، فإضافة إلى عشرات الأنماط الغنائية التي يرددها البحارة أثناء عملهم على سطح السفينة أو على اليابسة، هناك عشرات القصص عن الكائنات الخرافية وعن العواصف والأهوال ووسائل التغلب عليها، وحكايات المخلوقات البحرية الغريبة مرورا باحتفالات المغادرة والوصول وما يواكبها من عادات وممارسات».
ويتذكر الباحث في السياق نفسه آلاف الأقوال السائرة والأمثال الشعبية المتعلقة بالبحر والغوص على المحار لاستخراج اللؤلؤ الطبيعي منه، كما لم ينس ذكر دور أولئك الرجال من أهل البحر والغوص في توثيق حالات الطقس وتقلباته وبدايات المواسم وانتهائها، بمفردات أصبحت تراثا يتناقله الأجيال، وصولا إلى دورهم في تدوين ما توارثوه من علم الفلك وسطّروه في كتب ورسموه في خرائط تبيّن الدروب والمسارات البحرية في الخليج العربي وبحر العرب وسواحل الهند وأفريقيا وموانئ البحر الأحمر.

5. عمل يحتاج إلى جهد جماعي:
وأثمن عاليا للباحث اعترافه الذي سطّره بيمينه وبأنه «لا يمكننا بطبيعة الحال حصر ما نتج عن تلك الحقبة الزمنية من مواد تراثية، فمثل هذا العمل من الوفرة والتنوع بحيث ليس بإمكان الأفراد القيام به، بل يتطلب جهدا جماعيا في البحث الميداني والتدقيق ثم التوثيق والتحليل المبني على أساس علمي حسب المناهج العلمية المتبعة في مثل هذه الامور».

6. ومما يؤخذ على الباحث أمور من بينها:
كان من الضروري أن يحرص على تشكيل الألفاظ والكلمات فليس كل قارئ ضليعا في نطق الكلمات العربية فكيف به وهو يحاول نطق الألفاظ العامية البحرينية.
أكثر الباحث من الإطناب والتطويل في شرح وتوضيح بعض الالفاظ والتعابير والانتقال من لفظ الى ألفاظ ومعان أخرى في المادة أو الحقل الواحد. كانت تلك الألفاظ والمعاني هي الأخرى في حاجة منه أيضا إلى الشرح والتفصيل لمعرفة المقصود منها.
يحتاج هذا المعجم إلى قدر من الترتيب والتنظيم فعلى سبيل المثال كان يمكن أن يخصص الباحث فصلا يشرح فيه قواعد اللهجة البحرينية العامية، يجدول فيه اختلاف الألفاظ من منطقة إلى أخرى، ثم يبدأ بمعجم الألفاظ والكلمات ثم معجم البحر والغوص ثم معجم الفنون والألعاب الشعبية ثم معجم الحرف والمهن والصناعات الشعبية ثم معجم الأمراض والأدواء والأدوية الشعبية ثم معجم الأمثال والأقوال السائرة والأقوال الحكيمة ثم التعابير الشعبية وهلم جرا.
ومن الترتيب والتنظيم أيضا أن يبدأ كل فصل بمادة لفظ مبتدأ بحرف الألف ثم الألف والباء ثم الألف والباء والتاء وفي مادة الباء يبدأ بالباء والألف ثم الباء والباء إن وجد ثم الباء والتاء والثاء وهكذا
فنرى على سبيل المثال :
أن (ابا العريس) سبقت كلمات وألفاظا كانت معجميا هي الأسبق مثل: آردي - ابا الحصين - ابريج - احتد  وهكذا.
حين يذكر الباحث أن هذا اللفظ أو ذاك من اللهجة البحرينية وأنه من لغة قبيلة من القبائل كبني الحارث أو بني تميم أو بني فلان أو علان، كان ينبغي أن يشير إلى مصدر تلك المعلومة المهمة للدارس والباحث المبتدئ للرجوع إليها عند الضرورة زيادة في الفائدة.
وجدت في المعجم أن أمثال البحرين الشعبية قد انتثرت في جنبات المعجم انتثارا واسعا من أوله الى آخره، وكان الأولى بالباحث أن يجمعها في باب واحد وتحت عنوان واحد هو معجم الأمثال الشعبية والأقوال السائرة الخ، لأهميتها كنمط من أنماط الأدب الشعبي الذي ما زال جزء كبير منه متداولا بيننا حتى اليوم رغم تعاقب الأجيال.
أحصيت واحدا وستين مرجعا للكتاب، بينها واحد وعشرون معجما بين قاموس ومعجم، هي من أشهر المعاجم والقواميس المعنية بصلب موضوع هذا المعجم الذي بين أيدينا، ويدل ذلك على الجهد المبذول في البحث والتقصي والمثابرة لتأصيل كلام أهل البحرين العامي أو ألفاظ اللهجة البحرينية - بمختلف بيئاتها البحرية والزراعية والصحراوية - من معاجم وقواميس اللغة العربية الفصحى. كما استشهد الباحث بالكثير من آي القرآن الكريم وبنصوص من الأحاديث النبوية الشريفة، فكان من المتوقع أن يشير إليهما في فهرست المصادر والمراجع في آخر المعجم باعتبارهما من مراجعه الأساسية والمهمة.
ومما يحسب للباحث أمانته في نقل الموروث الشعبي كما هو فرغم امتعاض البعض من الباحثين في التراث الشعـــبي مــــن نقــــل مـــرويــــات العــــامة لبعــــض الألفــــاظ والتعابير والقصص والحكايات الشعبية المستهجنة إلا أن باحثنا تغلب على ذلك بشجاعة نادرة يستطيع القارئ الوصــــول الــــى مــــا نقـــص بســهولة حينما يقوم بتصفح هذا المعجم الزاخر.

7. استطراد وإطناب:
ونسوق هنا أمثلة على أسلوب الاستطراد والإطناب الذي كان محمودا في أحيان كثيرة والذي كان لا يخلو من الطرافة والفائدة الجمة.
1. مثال «عنبوه»:
صيحة استنكار وتعبير عن احتجاج او تعجب يقـــــــولهـــا المتحـــــــدث في بـــــدايـــــة كـــــلامــــه معــــبرا بـهــــا عــمـــا يخالجــــه مــــن شـــــعور.
دأبت العامة على استعمال مثل هذه التعابير حسب ما يتطلبه الموقف فاذا صادف ذكر حيوان كالحمار او الكلب اثناء الحديث يسبقونها بجملة اعتراضية مثل «الله يعزك» أو «أكرمك الله» من باب التوقير والإجلال مما يعتبر من آداب المخاطبة عندهم.
كذلك يستعملون يا غناتي ويا بعد جبدي وهلي وطوايفي ويالحبيب وغيرها من التعابير التي تدل على التقدير والاحترام.
وهذا ما ذهبت اليه العرب ايضا في استعمال جمل وتعابير مثل أبيت اللعن وتربت يداك لتعزيز خطابهم اللغوي وأخرى ظاهرها الذم بينما المراد شيء آخر كقولهم لا أم لك ولا أبالك.
وبالعودة الى مفردة عنبو نجد ان البعض يستعمل تعبير يا عين ابوي للمخاطب من باب التكريم وكأنه يود التعبير بأنه في معزة عين ابيه، وعين ابوه للمخاطب الغائب أو من يدور الحديث حوله، ولا يزال البدو في شبه الجزيرة العربية يقولون عند الشعور بالحسرة والألم  يا عين أبوي
ومع الزمن وان لم يتبخر التعبير من الذاكرة الجمعية للشعب الا أنه في اعتقادي تغير في لفظه وفي معناه الدلالي ليصبح بمثابة صيحة تستخدم للاستنكار والله أعلم.
2. مثال «هايت»:
المنفلت من سلطة الأهل والمجتمع والضال عن الطريق القويم يقولون فلا هيت عياله أي تركهم دون إشراف او رعاية فتاهوا.
الهيات في الأصل عندهم تعني المتاهه والأرض البور الغير معمورة بالزرع أو السكن والتي يتوه فيها الإنسان استعيرت دلالتها ووظفت لما ذكرناه وهي تحسب من بلاغتهم اللطيفة.
كثر الجدل حول هذه المفردة قيل عنها إنها من هابطه  التركية وتطلق على الحارس المسلح الذي يرافق قوافل المسافرين ثم أطلقت على اللصوص وقطاع الطرق، وقال آخرون إن اللفظة تطلق على قوة الشرطة غير النظامية او المرتزقة الذين يستأجرهم الحاكم لجمع الضرائب فكانوا يقسون على الناس ويظلمونهم أيام الحكم التركي في العراق فأصبح العراقيون يرددون صارت الدنيا هايطه وقال البعض أنها من هيط وميط وتعني في اللغة ضجاج وشر وجلبة.
أعتقد بأن العامة إنما نحت المنحى الذي نحاه العرب في استعارة دلالة الكلمة والتوسع في الاستعمال مثال ذلك مفردة دغل وتجمع على أدغال وتعني الشجر الكثيف الملتف (والذي يكمن أهل الفساد فيه) حسب تعبير ابن منظور لذا سمي الشخص المفسد مدغلا لارتياده الأدغال والاحتماء بها.
ومفردة هوره تعني الأرض اللينة كما في اللسان وسميت الهوره تهلكة من ذلك اما الهور فهو المستنقع والبحيرة التي يتجمع فيها الماء من هنا وهناك ويطلق على من يغامر بارتياد هذه المناطق الخطرة متهور كما في القاموس المحيط وتستعمل الى اليوم للأحمق والأرعن وللشخص الذي لا يدقق في الأمور ويزنها بالميزان الصحيح وفي المثل الشعبي طثور بهور» للمتحير
وعودة الى المفردة هايت نجدها بصيغة فاعل من الهيات وفصيح الهيات «هيت» وتعني الهوة القعرة من الأرض كما في اللسان والغامض من الأرض كما في القاموس المحيط فاذا كان مرتاد الأدغال مدغل (فــاسـد) ومرتاد الهور والهورة متهـــور (لا يدقـــق في الأمـــر فـإن مرتاد الهيات والهيت هايت (ضال).

8. جهد يمهد الطريق:
سيظل جهد الأستاذ الباحث محمد أحمد جمال هذا مدرسة رائدة في درس وبحث التراث الشعبي البحريني على طريقة المعجم لأجيال قادمة. ولقد خدمه اهتمامه وحبه لبرنامجه الإذاعي الماتع الذي حمل نفس عنوان المعجم، كثيرا في المثابرة والجد لاغتراف كل ما هو فريد وطريف من بحر تراثنا الشعبي الزاخر، وفتح بذلك الباب واسعا على مصراعيه لكل من سيأتي بعده، فقد مهّد الطريق وأبان السهل وذلل الصعب وبسط المعوج وجمع ودوّن وبحث في بطون الكتب تأصيلا وتوثيقا للهجة أهل البحرين والتي تعتبر رافدا مهما من روافد اللغة العربية في عالمنا العربي قاطبة، فالبحرين ومنذ فجر التاريخ بلاد ساميّة عربية أصيلة حفـــظت - عـــبر الأجـــيال مــــن أبنـــائـــها جيلا بعد جيل - هـذا الكم الهائل من المفردات والألفاظ والتعــابير والحكايات والموروثات الشعبية المختلفة والمتداخلـــة والمتكاملة، تمسكا بعروبتها وأصالتها رغم كل ما مرّ على المنطقة العربية من أحداث تاريخية جسام.

أعداد المجلة