فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

رمزية المرأة في الثقافة الشعبية الجزائرية قراءة وتحليل أنثروبولوجي

العدد 33 - أدب شعبي
رمزية المرأة في الثقافة الشعبية الجزائرية قراءة وتحليل أنثروبولوجي

د. مختار رحاب

جامعة المسيلة، الجزائر

تعتبر دراسة الثقافة الشعبية من الأمور البالغة الأهمية في الكشف عن اللا شعور الجمعي، وكذلك هي بمثابة النافذة التي من خلالها يمكن الكشف عن الحالة النفسية و الاجتماعية للفرد أو الجماعة، كما أن انشغال الدارسين بعناصر التراث الشعبي قد مكنهم من الكشف عن مستويات التفكير والتخمين، بالإضافة إلى إبراز الخصائص المختلفة للجماعات البشرية.

كما يتم توظيف عناصر الثقافة الشعبية  لفهم سلوك الفرد انطلاقا من شعوره بقيمته وشخصيته إلى علاقته بأفراد جماعته ذكورا وإناثا. وهذه المواقف التي يتخذها الفرد هي حصيلة تصورات وتمثلات ماضية استقاها وتشربها من المحيط الذي يعيش فيه. ولعل من أبرز عناصر التراث الشعبي يسرا وسرعة في الانتقال بين طبقات المجتمع، وأشد بقاء وصفاء نجد الأمثال الشعبية، هذه الأخيرة يمكن أن نصنفها بأنها مرآة تعكس بصدق وأمانة قيم المجتمع وتقاليده الخلقية وأعرافه المعيشية.

ويأتي المثل في تعبيره عن الحياة الاجتماعية، الأول في أشكال التعبير الأخرى كالحكايات والأشعار والقصص. لأنه يصور بصيغة مباشرة حالات واقعة، تشكل بذاتها عينات وشرائح، يتكون من مجموعها النسيج المجتمعي الذي يقوم أساسا على العلاقات القائمة بين الناس في تعاملهم أيام المعسرة والميسرة، والتفاهم حول المثل ومقدسات وقضايا مشتركة تجعل منهم وحدة متميزة لها خصوصيتها، وامتداداتها الانتمائية لحضارة معينة(1).

ومن أبرز مكونات كل ثقافة نجد الرموز، هذه الأخيرة احتلــــت حيــــــزا كبيـــــرا مــــن إهتمــــام الفــــلاســــفة والعلـــــــماء والمفكـــريـــــن، والمشتـــغلـــين بـــالأنثـــروبـــولوجـــيا والفـــولكــــلور لإدراكهم لدورها الحيوي، ليس فقط في حياة الإنسان الاجتماعية والثقافية بل أيضا في اهتماماته الشخصية، وإبداعاته الفكرية والفنية والأدبية،  فالرموز أبدعها المجتمع والأفراد،  وهي في الوقت نفسه عنصر مهم في تشكيل وإعادة تشكيل هويتهم الثقافية.

وإذا كانت بعض عناصر الثقافة الشعبية تشكل مجموعة من أشكال التعبير، تساعدنا في معرفة تاريخ المجتمع، واكتشاف سماته الثقافية المتميزة،  وأنساقه المختلفة،  فإننا نجد أن نصوصا عديدة من الأمثال الشعبية  قد جاءت برموز مختلفة متعلقة بالمرأة،  فجعلت منها في بعض المواضع إمرأة رمزاً  تعالت عن المرأة العادية، لتعانق الأرض والقضايا الاجتماعية الكبرى،  واختلفت أصول هذه الرموز فمنها ما يعود إلى أصول حيوانية أسطورية، ومنها ما يعود إلى أصول طبيعية وبيئية،  ومحاولة تحليل هذه الرموز هو هدفنا الرئيسي في هذا المقال وذلك من أجل اكتشاف ذات الفرد،  والهوية الثقافية للمجتمع،  وأنماط التفكير السائدة فيه،  المتعلقة بالمرأة خصوصا.

 

1.  أهمية دراسة الثقافة الشعبية:

لمّا كان الفرد عضوا في المجتمع، فإنه يتأثر بالأنماط المختلفة والأنظمة السائدة فيه، ولعل من بين الأنماط الأكثر تأثيرا في صناعة ذهنية الفرد، والتحكم في صيرورة المجتمع ككل، هو الموروث الثقافي بمختلف أشكاله وأنواعه: كالأساطير، والقصص، والحكايات، والأمثال، والأغاني الشعبية وغيرها، في هذا الصدد يقول فاروق خورشيد: «إن الموروث الشعبي يعتبر رافدا من روافد فكرنا وثقافتنا، وعنصرا أساسيا، يندرج تحت مكونات تراثنا الأصيل، ولذلك من الواجب واللازم دراسة هذا التراث، سواء المتداول منه شفاهة أو المدون على الصفحات والتي تعاني اليوم تراكمات الغبار والحزن الدائم جراء الوحشة فحري بنا أن نكون لها خير أنيس ومنقب عن كنوزها ومنظف وناثر لغبارها لنستخلص منها الجوانب المهمة في تكون ثقافة شعبنا، ذلك أن هذا الموروث هو الدعامة الأولى في تشكل العقل الإنساني في كل زمان ومكان، من هذا الموروث الشعبي مفتاح الوصول إلى الأصول الغابرة للحياة المعاصرة. وبهذا فرضت المتبقيات الشعبية نفسها في حياة الناس»(2).

ونظرا للمجهودات البناءة التي قام بها الأخوان «غريم Grimm» في مجال جمع المأثورات الشعبية وتحليلها ودراستها، خطا هذا المنحى خطوات كبيرة، وانتشرت مثل هذه الدراسات في أرجاء كثيرة من البلدان خاصة الأوربية منها، إلى أن أصبح الفولكلور اصطلاحا علميا، فكان العلامة: «وليم تومس W.thoms» قد أدخله إلى المصطلحات العلمية في سنة 1846(3). وأصبح مصطلح فولكلور يعني حكمة الشعب.

وقد كان لتزايد النمو القومي في البلدان الأوربية أثر كبير في إثراء وتنشيط حركة جمع المأثورات الشعبية، فاستخدمت هذه الأخيرة من اجل إبراز الخصائص المحلية للشعب والقطر، أو الدولة القومية، وذلك من خلال البحث والتنقيب عن الأصول الماضية للمجتمع، فكــان «جـــاكوب جــــريم وأخـــــوه فيلـــــهم» مـــدفـــوعـــين في دراستهما لخلفية إثبات أصالة الثقافة القومية الألمانية وعراقتها(4)، وكل ذلك من أجل خدمة مشروع الدولة القومية الأوربية آنذاك.

ولما كان التراث الشفهي يتميز بخصائص تخصه وهي العراقة و الواقعية والجماعية والتداخل مع فروع المعارف والفنون الشعبية الأخرى، فإن عناصره كما يقول «أحمد أبو زيد»: عناصر التراث الشفهي تعتبر حقائق اجتماعية، من حيث هي مادة تخضع للدراسة أو التحليل الأنثروبولوجي، وذلك للتعرف على أصلها الاجتماعي، ووظيفتها الاجتماعية في المجتمع، وفي الأنماط السلوكية لثقافة المجتمع ومدى تعبيرها عن العلاقات والقيم السائدة(5).

ولما كان الغرض الظاهر أو البادي - كما يقول علماء الأنثروبولوجيا - للتراث الشفهي بما يتضمنه من حكايات وقصص وأساطير، على أنها وسيلة للترفيه، أو أسلوب من أساليب التربية على المستويات المختلفة، أو أداة من الأدوات التي تستخدمها القبائل في إبراز المكانة والتغني بالأمجاد، فإن الغرض الحقيقي كما يقول الأنثروبولوجي العربي أحمد أبو زيد: «...وهذا الغرض الظاهر أو البادي يختلف تماما عن الغرض الحقيقي الذي يؤلف العلة الأخيرة أو الوظيفة التي لا تكون في الأغلب حاضرة على الإطلاق في أذهان الناس، لأنها كثيرة ما تكون هي النتيجة غير المقصودة لشيء ما يعتقد الناس أنهم يمارسونه لسبب آخر مختلف تماما، بل كثيرا ما لا تكون لديهم أية فكرة واضحة عن السبب الحقيقي الذي من أجله يمارسون ذلك الفعل»(6).

كما تساهم دراسة التراث الشعبي في الكشف عن نفسية الفرد تجاه نفسه، وعشيرته، ومجتمعه، ووطنه، بما اشتملته واكتسبته من تصورات وأفكار مسبقة، كما تساعدنا هذه الدراسات في سياق مقالنا هذا، في الكشف عن نفسية الفرد الجزائري، أو بصورة أخرى لفهم العديد من الثنائيات المتضادة، وتفسيرها (الذكور x الأنوثة)، (القوة x الضعف)، (السيطرة x الخضوع)، (القسوة x اللين)، (مالك x مملوك)...الخ، إضافة إلى الهدف الآخر وهو محاولة معرفة أصول بعض الممارسات والسلوكات لمعرفة الغرض الحقيقي منها، والذي يكون خفيا في الغالب.

 

2. التعريفات والمفاهيم:

2. 1. المثل الشعبي:

رغم الوضوح الظاهر لمفهوم المثل في الأذهان إلا أن إيجاد تعريف جامع مانع له ظل من الصعوبة بمكان، فوردت تعريفات عدة لعلماء عرب وأجانب نذكر منها:

- أورد «الميداني» في كتابه «مجمع الأمثال»  «أن المثل من المثول وقال: سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمثالا، لانتصاب صورها في العقول، مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب»(7).

- ويقول أحمد أبو زيد في تعريفه للمثل مستنبطا التعريف من تعريفات العرب القدامى الذين يرون أن المثل: «هو خلاصة تجارب كل قوم، ومحصول خبرتهم وهو ضرب من ضروب التعبير عما تزخر به النفس من علم وخبرة وحقائق واقعية، وهو بذلك يختلف عن الشعر الذي يعد الخيال عنصرا أساسيا فيه، كما أنه يتميز عن غيره من أنماط التعبير بالإيجاز ولطف الكناية وجمال البلاغة»(8).

- كذلك من بين التعريفات التي جاء بها الباحثون المعاصرون في هذا المجال نذكر تعريف نعمات أحمد فؤاد: «إن المثل الشعبي هو مرآة لتجارب الشعب وبلائه في الحياة والأيام والأحداث. والمثل الشعبي ركيزة ضخمة ينقب فيها الباحث عن آراء الشعب وفلسفته في الحياة وحكمته وأمانيه أيضا وآلامه ورغائبه وأحلامه فهو أوضح صورة لتفاعل الشعب مع البيئة التي يعيش فيها درى أم لم يدر مسرح خواطره ومعين أفكاره ووحي أقواله»(9).

- ومن بين تعريفات العلماء غير العرب نذكر تعريف «أرشرتايلور archer taylor» الذي عرّف المثل على أنه: «جملة مصقولة محكمة البناء تشيع في مأثورات الناس باعتبارها قولا حكيما، وأنه عادة يشير إلى وجهة الحدث، أو يلقي حكما على موقف ما، وهو أسلوب تعليمي ذائع بالطريقة التقليدية» (10).

والمتأمل في متن التعريفات السابقة يتبين له أن للمثل وظيفة في حياة الأفراد والمجتمعات حيث أن الأمثال تلعب دور الموجه لسلوكات الأفراد ومواقفهم والناهي عما يضُر بهم وبجماعتهم وبذلك فهي تلعب دورا هاما في الحياة اليومية للجماعات والمجتمعات. وتقول «نبيلة إبراهيم» في هذا الصدد: «إننا نعيش جزءا من مصائرنا في عالم الأمثال. ولعل هذا ما يفسر لنا استعمالنا الدائم للأمثال على عكس الأنواع الشعبية الأخرى، فالأمثال بالنسبة لنا علم هادئ نركن إليه حينما نود أن نتجنب التفكير الطويل في نتائج تجاربنا، ونحن نذكرها بحرفيتها إذا كانت تتفق مع حالتنا النفسية، بل إننا نشعر بارتياح لسماعها وإن لم نعش التجربة التي يلخصها المثل».(11).ولهذا جاء تركيزنا في هذا المقال على استجلاء ما تضمنته نصوص الأمثال الشعبية من رموز متعلقة بالمرأة، محاولين تصنيفها وتحليلها من منظور أنثروبولوجي.

 

2. 2. تعريف الرمز:  

من معاني الرمز في الاصطلاح كما يذكر «غنيمي هلال»: «الإيحاء أي هو التعبير غير مباشر عن النواحي النفسية المستترة التي لا تقوى على أدائها اللغة في دلالاتها الوضعية،  والرمز هو الصلة بين الذات والأشياء  بحيث تتولد المشاعر عن طريق الإثارة النفسية لا عن طريق التسمية والتصريح»(12).

ويعود أصل كلمة «الرمز» ومعناه إلى عصور قديمة جدا،  فهي عند اليونان تدل على قطعة من فخار، أو خزف تقدم إلى الزائر الغريب، علامة حسن الضيافة،  وكلمة الرمز «symbole» مشتقة من فعل يوناني يحمل معنى الرمي المشترك «jeter ensemble» أي اشتراك شيئين في مجرى واحد، وتوحيدهما(13).

كذلك من بين تعريفات الرمز نجد «شارلز بيرس (peirce (1839 - 1914» و«فردناند دوسوسير(fernand de saussure (1857 - 1915»، يقدم «بيرس» تعريفا للرمز فيدرجه ضمن تعريفه العام للإشارة: التي تشمل الصورة أوالأيقونة والدليل index ثم الرمز symbole،  فالرمز كما يذكر «بيرس» يشير إلى الموضوع أو الشيء المشار إليه،  على أساس من قانون أو قاعدة، أو عادة أو اتفاق أو ارتباط في التصورات والأفكار،  على أنه يعني ذلك الشيء، فالعلاقة بين الرمز والمعنى الذي يشير إليه ليست علاقة طبيعية، بل علاقة تستند إلى اتفاق بين الذين يستخدمون الرمز على أنه يشير إلى معنى محدد، ويتسع مفهوم الرمز ليشمل الكلمات والعبارات والجمل والكتب وسائر الإشارات المعروفة أو المتفق عليها من قبل المستخدمين لها، ولقد أكد «بيرس» الدور الذي يلعبه الشخص الذي يقوم بعملية تفسير أو تأويل الرمز،  فالمؤول أو المفسر يعد العنصر الثالث والمهم في العلاقة بين الشيء أو الرمز والمعنى الذي ينسبه إليه ذلك المؤول أو المفسر(14) وهذا الأمر الذي يشير إليه «بيرس» في عملية تحليل وتأويل الرمز لا يتحقق إلا من خلال المقابلة التي يجريها الباحث مع فئات المجتمع،  ومع الإخباريين وحفظة التراث الشعبي بوجه خاص،  وهذا ما إلتزمناه طيلة مراحل البحث.

وكان رواد المذهب الرمزي قد وظفوا رموزا مختلفة ومتباينة منها رموز ذات أصول تاريخية،  ورموز أخرى لها أصول دينية وفلسفية، وأخرى تعود إلى أصول بيئية وتراثية... والتراث الشعبي الجزائري عموما، والأمثال الشعبية بالخصوص اشتملت على الكثير من الرموز المتباينة في أصولها ومعانيها. وإذا ما تساءلنا عن الغرض من توظيف هذه الرموز، نجد أن الرمز وظف لمعالجة المشاكل الإنسانية والأخلاقية العامة،  بواسطة الخيال وتصوراته، وهذه التصورات تكون غالبا بعيدة عن مشاكلة واقــع الحيــاة، وغالـبا مــا يـــرتبـط الــرمـز – كـما أشـرنــا – ببعض المظاهر الطبيعية أو الحيوانية،  وكل ذلك قصد إنجاح عملية التوجيه للسلوك البشري، من خلال إدراك الفرد للحقائق النفسية والأخلاقية، يذهب «عبد الحميد يونس» في هذا الصدد إلى القول بأن: «الرموز هي معيار التفاهم، ووسيلة لتقييد الحقائق وتيسير إظهارها،  فلا يستغني عنها مجتمع، وكثيرا ما تصنعه الشعوب من قوانين عامة، وقواعد السلوك، وأصول للفن إنما هو محاولات لوضع نظام يمكن أن يثبت الدعائم لأسلوب رمزي يحمد استخدامه»(15).

كما يمكننا كذلك من خلال الرمز معرفة القيم الروحية والحضارية للمجتمع كما يمكن أن يكون الرمز مرآة عاكسة لأوضاع المجتمع الاجتماعية، وحالته النفسية والوجدانية.

 

2. 3. توليد الرمز والغرض من توظيفه:

لقد نشأت الرموز المتعلقة بالمرأة - من خلال مكونات الثقافة الشعبية - انطلاقا من تمثُّلات الرجل والمجتمع لصورة المرأة، والإحساسات العميقة التي تثيرها الأنثى في نفسية الذكر خصوصا، فإذا كانت المرأة قد صدر عنها سلوك سيء كالمكر أو الخداع، فإنه رمز لها ببعض الحيات الماكرة كالأفعى والعقرب مثلا، ولما كانت المرأة تمثل تهديدا صامتا، فقد قورنت بعنصر من عناصر الطبيعة ألا وهو الماء، كما جاء في نصوص الأمثال الشعبية التي هي قيد الدراسة في مقالنا هذا، وإذا كانت المرأة هي عنصر استمرار الحياة وحافظة النسل من الانقراض،  فقد قورنت بالأرض التي تمنح الغذاء والعطاء للإنسان، وكانت المشابهة بينهما في بعض نصوص الأمثال تكاد تصل أحيانا إلى المطابقة بين الأرض والمرأة في الكثير من الخصائص والأدوار، هذه إشارة بسيطة إلى أهم الرموز الرئيسية التي لا تزال متداولة إلى اليوم،  وتبرز الرموز بدرجة كبيرة في عصرنا هذا الذي يسمى بعصر العلم،  فلا يزال يوظفها المخرجون السينيمائيون والفنانون والمبدعون وغيرهم.

وإذا كان البعض ينظر إلى أن الرموز المتعلقة بالمرأة في التراث الشعبي عموما قد ضمرت وأصبحت لا تتمتع بفعالية في حياة الناس وذلك من جراء الحياة العلمية والتكنولوجية الحديثة الزاحفة، فيمكن أن نقول أن الرموز المتعلقة بالمرأة لا تزال حية ومختزنة في اللاشعور الفردي، فلا تزال توظف في الإنتاج الأدبي والسينيمائي كما أشرت، وبدرجة كبيرة في الأغاني،  وإن كان الناس يسمعونها بصورة لا شعورية غير أن هذا السماع يغذي الإحساسات الموجودة لدى الأفراد اتجاه المرأة.

وهكذا يظل الرمز المتعلق بالمرأة مختزنا في اللاشعور يؤدي أدواره سواء كانت إيجابية أو سلبية، فالفرد العادي ضمن الطبقات الشعبية، يزوده الرمز في نظرته للأشياء وتقويمها،  فإن أصابه غدر أو غلبة من طرف الأنثى، أو أصابته مشكلات تسببت فيها المرأة، كتشتت الأسرة مثلا، نظر إلى المرأة على أنها رمز الهدم والإفلاس، وإذا أرهقته متاعب الحياة فلا يتذوق الراحة إلا في بيت الزوجية، نظر إلى المرأة على أنها رمز السعادة والحنان والراحة، والأمر نفسه بالنسبة لرجال الإنتاج الإعلامي والإشهاري، والفنانين فكل منهم يحمل في ذاته رمز المرأة الميثالية العظيمة، وبالمقابل نجدهم يحملون رمز المرأة المدمرة التي تؤدي إلى الفناء، وبصورة موجزة يمكن أن نقول أنه كل ما كان دور المرأة إيجابيا رمز لها برموز حسنة، وعكس ذلك إن بدت منها سلوكات سلبية فتلصق بها رموز سيئة، ويستعان في عملية إطلاق هذه الرموز بما هو مختزن في اللاشعور الفردي.

 

2. 4. الرمزية في الثقافة الشعبية:  

يمكننا القول أن مواد الثقافة الشعبية أداة معرفية ومفتاحية تبرز لنا تاريخ المجتمع، إن على المستوى الثقافـي أو الإجتماعـي بكل بناءاتـه وعلاقاته المتداخلة،  وسلوكات أفراده والعلاقة بينهم، ومن خلالها يمكننا كذلك معرفة تاريخ المجتمع.

يـــذهـــب خلـــيل أحـــمد خلــيل إلـــى القـــول أن الأبـــحاث السوسيــولوجية لا تــقـف عـنــد النصــوص المـوروثة إلا بقدر ما هي مفاتيح لوقائع اجتماعية، بقدر ما هي صور رمزية لظواهر تستحق الدرس(16) ذلك أن دراسة الإنسان في جـــوهـــرها هـــي دراســــة للنـــظم المخــتلفة والمــؤســـسات البشرية كالعادات، التقاليد والقوانين المشتركة والمتداولة بين أفراد القبيلة أو المجتمع، الذين درسوا هذه النظم والعادات حيث ينظرون إليها من زوايا مختلفة،  فبعضها ينـظر إليها مـن زاوية المقدس،  والأخـرى كـأمـور مـدنـسة فهي محرمة ممنوعة، بل أحيانا لا يجوز الاقتراب منها،  والبعض الآخر ينظر إليها من زاوية أنه صارت بمثابة العقد الاجتماعي العرفي.

وهذا النظر من الزوايا المتعددة يتخذ أشكالا مختلفة من التعبير كالأساطير والحكايات والأمثال والألغاز... والتي من خلالها وفي ضوئها يمكننا تفسير جميع الدلالات أو الرموز وتفكيكها بغرض الوصول إلى المغزى مــــن استعــمـــالهــــا، ويــذكــر«ســوســير»: «أن الأسطــورة تتألف من سلسلة من الرموز بمعنى ما يظل في حاجة إلى تحديد»(17). والغرض من دراسة عناصر الثقافة الشعبية عمـــوما وتحـــديد معـانــي الرمـوز المستـخــدمـة في أشــكــال التعــبير هــو محـاولــة معـرفـة حـياة الأمـم والكشف عن طرائقها في التفكير، ورصد سلوكاتها ومعرفة معتقداتها، وعلاقة الناس ببعضهم ضمن البناءات الاجتماعية لحياة الأفراد(18).

وإذا عدنا إلى كلام «خليل أحمد خليل» السابق نجده يتفق مع عالم الاجتماع الفرنسي «كلود ليفي ستتروس «claud levis trauss» حول موضوع الصور الرمزية، إذ يذهب «ليفي ستروس» إلى فكرة أن الثقافة مهما كان شكلها يجب أن تستعمل صورا رمزية لتأدية المعنى أو الخطاب وتحمل هذه الصور الرمزية دلالات اجتماعية وتاريخية ويرى أن لكل رمز من الرموز قابلية إلى احتمال عدد كبير من التفسيرات المختلفة(19).      

وإذا كان الفرد في وقتنا المعاصر خاصة في المجتمعات الصناعية قد امتلك أجهزة وتقنيات عالية للتصوير،  كالتصوير الفوتوغرافي وغيره من أنواع التصوير الأخرى، فالفرد الآخر قبله في الزمن الماضي،  كان في أشكاله التعبيرية يتخذ من الرمز «symbole» أداة للتصوير.

غير أن المشكلة التي تفرض نفسها إذا ما أردنا تفكيك الرموز التي تضمنتها الأمثال الشعبية في مقالنا هذا، والوصول إلى رصد دلالاتها المختلفة تطرح أمامنا إشكالية إيجاد منهج موحد ونظرية واضحة ومتكاملة في هذا الشأن، ومن جهة أخرى نجد أن غياب الإطار التاريخي للمثل وعدم انحصار إطاره الجغرافي يزيد من صعوبة إيجاد العلاقات والارتباطات الفكرية بين الرموز، ولإيجاد حل ولو نسبي لهذه المشكلة،  اعتمدنا على الدلالة «La Sémantique» هذا الأخير، يعتبر قطاعا من قطاعات الدرس اللساني الحديث، شأنه في ذلك شأن الأصوات والتراكيب، ومجال هذا العلم دراسة المعنى اللغوي على صعيدي المفردات والتراكيب، وإن كان المفهوم السائد هو اقتصار علم الدلالة على دراسة المفردات وما يتعلق بها من مسائل(20).

ويذكر «أحمد محمد قدور» أن  «أولمان» «Ulman» قد اختار مصطلح اللفظ بدلا من رمز «Symbole» أو دال «Signifiant» ومدلول بدلا من فكرة أو ارتباط ذهني «Signifie»، واللفظ عنده هو الصيغة الخارجية للكلمة على حين أن المدلول هو الفكرة التي يستدعيها اللفظ(21).

إن علماء اللغة الألسنية قد تشعبوا كثيرا في هذا المجال، وتقيدا بطبيعة بحثنا هذا، فإننا لن نتعرض للمسائل الجدلية الواردة في حقوله وسياقاته بل سنركز على الجانب المباشر والفكرة الواضحة، التي فحواها ربط اللفظ أو الدال بالمدلول.

وأهم المحاور التي طرقتها الدراسات الدلالية الحديثة  كما يذكر «أحمد محمد قدور» نجد ما يلي:(22)

محور الدلالة:  

ويتضمن دراسة المعنى، والحقول الدلالية، والسياق،  وأنواع المعنى وتحليله.

محور العلاقات الدلالية:  

ويتضمن الترادف والاشتراك والأضداد والفروق وتدرج الدلالة ومساحتها، كما يتضمن بنى الألفاظ وحركية الثروة اللفظية والاقتراض ونحو ذلك من المسائل.

محور التغير الدلالي:  

ويتضمن أسباب التغير الداخلية والخارجية، وسبل التغير وأشكاله ومجالاته، وإضافة إلى بحث المجاز والاستعارة مما له اتصال وثيق بالمعنى وتبدلاته، ويؤكد عالم الاجتماع الفرنسي «durkheim» في هذا الصدد حــول محـور التغـير الدلالــي، علــى العلاقــة بـين اللــغة والحياة الاجتماعية،  وبين أثر المجتمع وحضارته ونظمه وتاريخه في مختلف الظواهر الطبيعية(23).

 

 3. المرأة والرموز الحيوانية من خلال الثقافة الشعبية:

3. 1.  المرأة رمز الشؤم والخديعة

( تشبيه المرأة بالأفعى) :

لقد اشتهرت بعض المخلوقات في هذا الكون بصفات وأسرار خفية،  وكانت لها صلات وارتباطات بالإنسان،  وكان هناك اختلاف وتباين واضح في توظيف هذه الحيوانات كرموز بين مختلف الشعوب،  فوظف «النسر» كرمز للقوة، كما وظفت «الحمامة» كرمز للسلام،  ووظفت «الحية» رمزا للخصب،  ومن الجهة المعاكسة كانـت رمزا للشر والمكر والخديعة.

وإذا تأملنا التراث البشري عموما نجد أن هناك علاقة عضوية دفينة تربط الحية بالحياة وطـول العمر، وتربـطها كذلك بحـواء زوج آدم، وتبرز هذه العلاقة العضوية في الأساطير والروايات الدينية خاصة، فالعلاقة التاريخية بينهما وطيدة جدا، فكلاهما يحمل صفات وخصائص مشتركة، وكلتاهما شغل حيزا معتبرا من تفكير المجتمع ومن خلال الرجل خصوصا.

ففي التراث العربي الإسلامي كما يذكر «الجاحظ»، كثير من الخيال الافعواني، ويظهر ذلك جليا على الصعيد الأسطوري والرمزي والفلكلوري خاصة ما تناولته الدراسات الحديثة. «... فقد أحب الإنسان العربي الحية واشتهاها وخاف منها ونفاها، وفاخر بها وصاغ منها الحكم والمأثورات، ولكنه احتقرها ولعنها في آن، وكذلك هجا آكلها ومن عاشرها من الحوائيين والرَّقائيين وجعلها صِنوَ إبليس، ونسج حولها الأساطير، ونسب إليها كل شر مستطير، ومثال ذلك تسعيرها النار دون سائر الدواب لنبي الله إبراهيم عندما ألقي فيها»(24).

ورغم التناقض في موقف العـرب من الثعبان بين رهبة ودهشة، وذعر، وتارة إعجابا فهم لا ينفكون يشبهون الجـارية المجـدولة، الخميصة البطن بمشيتها بالأيِّم أي الحية الذكر، لأنها ليس لها غبب، فخصرها مجدول غير متراخ، ونراهم يصفون صاحب الوجه الضخم المليء بالحسن والبياض بأنه أثعبي الوجه.

ونجد التراث الشعبي كجزء من التراث العربي والإنساني عموما قد حفل بالكثير من الأساطير،  والحكايات والأمثال التي ارتبطت من خلالها المرأة بالحية، فبرزت من خلال هذه المأثورات علاقة عضوية دفينة كما أشرت سابقا. فالمرأة في بعض الأمثال والأقوال تُشبهُ بالأفعى وينظر على أنها رمز الشؤم والخديعة، وتارة تُقرن بالعقرب، إضافة إلى تشبيهات أخرى كثيرة جدا، ونظرا لطبيعة مقالنا هذا فقد اقتصرنا على أهم الأمثال وأكثرها شيوعا وتداولا.

من خلال الأمثال الشعبية التي تم جمعها ميدانيا، والتي هي قيد الدراسة الحالية في مقالي هذا، وجدت أن الأمثال الأكثر شيوعا وتداولا هي الأمثال التي تبرز العلاقة بين المرأة والأفعى، والمرأة والعقرب.

والأفعى:

 اسم لنوع من الحيات دقيق العنق، عريض الرأس تزحف متوحية أي مستديرة على نفسها، ومتثنية ثنتين أو ثلاثة، الأفعـى أنثـى والذكر أفعوان والجمع أفاعي(25).

أما العقرب:

فهي دُويبة من الزواحف سامة تلدغ، تعيش في الأماكن الخربة، يطلق اللفظ على الذكر والأنثى، وقد يقال للأنثى عقربة وللذكر عقرباء والجمع عقارب(26).

ومن الأمثال الشعبية الشائعة والمتداولة بالمجتمع الجزائري، التي تبرز المرأة كرمز للشؤم والخديعة،  مشبهة إياها بالحيوان أوالحية التي تمتاز بهذه الخصائص نجد:  

«السم من الغار ولا مولات الدار».

«صوت حية ولا صوت بنية».

«اللي حكماتو لفعة  داتولدارها».

«المرأة لفعة ساردة ولكان سخنت راهي ماردة».

«المرأة أخت الأفعى لعظم القاسي ترشيه».

«أمن الحية وماتامنش المرأة».

«أظلم من حية».

فلو أخذنا من بين هذه الأمثال الشعبية المتداولة المثل القائل:

«المرأة أخت الأفعى لعظم القاسي ترشيه» نجد أن المرأة في هذا المثـل شبهت بالأفعـى في الإصـرار والعناد،  فالمرأة بمداومتـها وتكرارها الذي لا تمل منه تنال من الرجل مهما كان قاسيا، صلبا، فيأتي الوقت الذي يلين فيه أمام المرأة التي هي كالأفعى تتمكن من العظم  «القاسي» أي الصلب وذلك باستخدامها للسم الناقع.

وعمليات الانقضاض والعض ودفع السم،  ثم عودة الرأس إلى وضعه المتحفز استعدادا لانطلاقه ثانية - عند الأفعى - لا يستغـرق نصف ثانيـــة وفعالية السموم تتوقف على أنواع الحيات، ومنها ما يحتوي على مركبات ذات تأثيرات سمية دموية شديدة تحطم الكريات الدموية وتتلف الأوعية،  وتؤثر على عمليات التخثر الدموية، وما ينتج عنها من نزيف متكرر،  مع هبوط في الضغط الشرياني، الذي يؤدي إلى الصدمة الكبرى مصحوبا بالألم، والوزم، والتورم، والنخر، والوفاة، ومنها ما يشمل مركبات ذات تأثيرات سمية عصبية (قلبية، عضلية) فيتلف مراكز الدماغ الحساسة التي تتحكم في الجهاز التنفسي،  ويفضي إلى الوفاة بالاختناق بعد حدوث الشلل التشنجي للعضلات التنفسية أو توقف القلب(27).

إن العلاقة بين المرأة والأفعى ليست بالأمر الجديد وإنما هي فكرة غائرة في الذهن البشري. فهي أداة للشر والأذى والخيانة، وتذكر بعض التفاسير كيفية تحايل إبليس، فدخل في جوف الحية حيث دخلت به إلى الجنة،  فلما دخلت خرج من جوفها،  فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها، فجاء بها إلى حواء، فقال: أنظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها، فلم يزل يغريها حتى أخذتها حواء فأكلتها، ثم أغوى آدم، قالت له حواء:  كُلْ فإني قد أكلت فلم يضرني، فأكل منها فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه أين أنت ؟؟ فقال: أنا هنا يا رب قال ألا تخرج؟ قال أستحي منك يا رب قال: اهبط إلى الأرض التي خلقت منها، ولعنت الحية، ورُدَّت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ولذلك أمرنا بقتلها، وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرهاً، تشرفين على الموت مراراً(28).

ويذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكَّنت عدو الله من نفسها وظهرت له العداوة هناك، فلما هبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب وقيل لها أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك(29).

وأي فرد من أفراد المجتمع اليوم خاصة في القرى والأرياف كلما صادفته حية إلاَّ وسعى جـاهداً لقتلها ولو كان بمفرده، وإذا تمكنت من الهرب والنجاة،  فإن ذلك يترك أثراً من الحسرة في نفسية الفرد.

جاء في تفسير الأحلام أنَّ الحية في المنام لها تعابير كثيرة فمن رأى حيَّة على فراشه فقتلها، فإنَّ ذلك إيذاناً بموت زوجته، والمرأة التي ترى أنها ولدت حيَّة فستلد ولدا عاقاً، ومن رأى حية في عنقه وقطعها ثلاث قطع فإنه يطلق زوجته ثلاث تطليقات(30).

ومن أقوال الأعراب في موضوع الحيََّة، يقول «الجاحظ»: «الحية أطول عمراً من النسر، وإن الناس لم يجدوا حية قط ماتت حتف أنفها، إنما تموت بالأمر الذي يعرض لها وذلك لأمور منها قولهم: إنَّ فيها شياطين، وإنَّ فيها مسخاً، وإنَّ إبليس إنما وسوس إلى آدم وإلى حواء من جوفها(31).

وفي المثل الشعبي: «أمن الحية وما تمنش المرأة» نجد أن هذا المثل يضرب تجسيداً لمبالغة شديدة، فمن خصائص الأفاعي الخبث والدهاء كما ذكرنا سالفاً، وجاء المثل يحث أفراد المجتمع، وعلى وجه خاص الرجل على أن يأمن هذا المخلوق ولا يأمن المرأة، فإذا كانت الأفعى رمزاً للخبث والمكر فالمرأة أشد، وكل هذا التشديد والمبالغة في التعبير، من أجل تجسيد الصورة وإيصال المعنى والفكرة.

ومن الأقوال المأثورة التي تشبه البشر في خبثهم ومكائدهم بالأفاعي، نجد قول السيد المسيح - عليه السلام - عندما قال لنبي إسرائيل: «يا أولاد الأفاعي» وذلك لشدة خبثهم ومكرهم(32).

فالحية بعدما كانت خادمة لسيدنا آدم جاء اليوم الذي خانته،  فلما هبطوا إلى الأرض تأكدت العداوة،  وصار الحث على قتلها والترغيب فيه مقروناً بالأجر والمثوبة، ومن بين القصص والروايات المنتشرة في مجتمع البحث التي تبرز خبث الأفعى ومكرها،  أنه في يوم من الأيام طلبت الأفعى من الشمس والقمر أن يبرزا بطنيهما لتراهما، مقابل أن تكشف الأفعى لهما عن بطنها، فلما رأت من الشمس والقمر، امتنعت وخانتهما فدعت الشمس وقالت للأفعى سيسلط الله عليك من له يدين ورجلين ويقتلك ثم يبرز لي بطنك،  فالكثير من أفراد المجتمع لما يقتلون الحية يقلبونها عن ظهرها، ليكون بطنها باتجاه السماء.

وفي بعض الروايات الإغريقية القديمة نجد ارتباطا واضحاً وجلياً بين الثعبان والمرأة، فيرتبط الثعبان بالرمزية القمرية فهو كالقمر يظهر ويختفي إذ يبلغ عدد حلقاته، عدد أيام الشهر القمري فعند «أر سطو» و«بلين» أن الثعبان زوج جميع النساء وسبب العادة الشهرية عندهن، وهو يتجدد فصلياً كالقمر،  فينسلخ من جلده مما يشير إلى خلوده(33).

وإذا تناولنا المثل الشعبي القائل: «السم من الغار ولا مولات الدار» فالمقصود من هذا المثل أن المرء يمكنه أن يتحمل لسعة الحية ويصبر على إيذائها ويتحمل سمَّها الناقع أفضل من الخصومات المتكررة التي يتلقاها من زوجته خلال الفترة الزوجية، ومن خلال كلام بعض أفراد المجتمع: أن قائل هذا المثل يتمنى الخلاص من مخاصمة زوجته له والخلاص منها ولو بلدغة عقرب أو أفعى ووجه الشبه في هذا المثل يتمثل في الثنائية التالية:  

«السم، المخاصمة»، «الحية، المرأة» فالمرأة أو العروس في الأيام الأولى من الزواج تترقب يوم الزفاف بفرحة وسرور، ولكن بعد ذلك وبمرور الزمن خاصة إذا لم يحصل التفاهم، تصبح المرأة يُنظر إليها وكأنها حية، وذلك برجوعها إلى طبيعتها الأولى أي طبيعة الخبث والعناد والكره.

وكذلك من أوجه التشابه بين المرأة والأفعى هو الموت، ومن الأقوال الواردة في هذا المجال: «إذا تضايقت الحية عضَّت ذنبها «فنجد أن الأمر نفسه فعلته بعض النساء في الماضي كأمثال «كليوبترا» عندما انهزمت حيث تعانقت أفعى القصر مع أفعى التلال، كما يذكر ذلك أحمد شوقي في أحد أبياته الشعرية:  

هلمي عانقي أفعى قصور

 بها شوق إلى أفعى التلال

وبعــض الدارسين ينظـرون إلى أن تقـلب مزاج المـرأة أمـر طبـيعي، فـأمـزجتـها مـا هـي إلاَّ بقـايـا مــن أعصـاب تلك الحية الفردوس المتسلسلة عبر التاريخ لتستقر في أعصاب كل امرأة مزاجية(34).

 

3. 2. تشبيه المرأة بالعقرب:  

من الأقوال الواردة في هذا الشأن نجد: «المرأة عقرب حلوة اللسان»، وهذا المثل يتطابق مع بعض الأشعار:  

وريقها الشروب في سمامها

سمامُ أفعى بان من سِِِِمامها

فإذا كان المرء يلجأ بفطرته إلى اختيار شريكة حياته حفاظاً على متابعة النسل وسعياً إلى الراحة النفسية لتكوين أسرة قائمة على التعاون، وحل مشكلات الحياة ليسود هذه الأسرة المودة والرحمة، ولكن المثل السابق يبرز المرأة بوجهين، وجه للمداعبة واللذة والتظاهر بالمحبة (...حلوة اللسان)، والوجه الآخر يعكس عقرباً بشرها وخبثها وغدرها، وكذلك من نصوص الأمثال التي تبرز ملل الذكر من الأنثى وإحساسه وكأنها عبئ ثقيل عليه «زوج النسا في الدار كي العقارب في الغار» ويقولون أيضا: «زوج عقارب في غار ولا أختين في الدار» ويبرز المثل الأول من جهة أخرى، رأي فئة الذين يعارضون فكرة تعدد الزوجات.

 

3. 3.  التأويل الأنثروبولوجي:  

من خلال ما سبق نجد أن تشبيه أو الرمز للمرأة بالأفعى ليس بالأمر الحديث وإنما هي أفكار مختزنة في اللاشعور الإنساني من جراء القصـــص والحكايات والأساطير والأمثال والأقوال الواردة حول هذا الموضوع،  ومن بين الخصائص المشتركة بين المرأة والأفعى التي كان له أثر كبير خلال عملية توليد الرمز وتكونه نجد:  

المرأة:  

1. لا تؤتمن فهي ماكرة مهما أبدت الوفاء والإخلاص.

2. تستخدم كل ما هو محضور من أجل تركيع الرجل وإقعاده، ومن بين وسائلها حسب الدراسة الميدانية:  أنها تستخدم من أجل ذلك السحر.

3. كلام المرأة جميل فلسانها: «المرأة عقرب حلوة اللسان» ولكن من الجهة المعاكسة يخرج من موضع الحلاوة ما يشبه السم.

4. المرأة ناعمة ولكن إذا مكرت بالرجل تذيقه الأمرين.

5. في المثل: «اللي حكماتو لفعة داتو لدارها» نجده يبرز صفة مشتركة بين المرأة والأفعى وهي الاقتلاع والابتلاع، فالزوجة غالبا ما تكون سببا في إبعاد الرجل عن عائلته، في الغالب الأعم لتستحوذ عليه.

الحية:  

1. خائنة، فبعدما كانت أمينة سيدنا آدم وخادمته خانته بأن أدخلت إبليس إلى الجنة وهو متخفي في جوفها.

2. ترشي لعظم «القاسي» كما جاء في نص المثل وذلك بواسطة استخدامها للسُم.

3. الحية تنفـــث الســــم مـــن فمـــها فــــالمــوضع واحــد بيــنها وبــــين المــــــرأة.

4. جسمها ناعم لكن سرعان ما تنقلب على الفريسة وتغرز فيها أنيابها ثم تسممها.

5. كذلك الأفعى فما إن تصادفها فريسة إلاَّ وابتلعتها.

وتقول العامة أيضا: «صوت الحية ولا صوت بنية» أي الحية في نظر الناس أفضل من البنت لما تجره على أهلها من العار،  وهذه عادة سيئة تعود أصولها بصورة أوضح إلى العصر الجاهلي أين كانت البنت تتعرض لعملية الوأد خوفاً من جلبها للعار.

ومن الأقوال الواردة في هذا الصدد نجد(35):

ألا لا تًغـُرَّنًّ إمرءاً نوفًليَّـةٌ

على الرأس منها والترائب وُضَّحُ

     ولا فاحمٌ يسقى الدَّهان كأنه

أساودُ يـزهاها لِعَينـكَ أبطـحُ

فالشاعر من خلال هذين البيتين يحذرنا من خداع المرأة ومكرها فقد تغرنا بمظهرها الجميل الفاتن، وهي تخفي أمراضا مستعصية العلاج، كالحية تماماً مظهرها ناعم أملس ولكن بداخلها سم قاتل لا ينفع معه علاج ودواء.

فالمرأة كالحية التي تهدد كل ما تراه بنفث سمومها، وما سموم المرأة إلا تلك المدالسات والملاطفات البراقة، وما إغراء ملمسها وطيب كلامها وحديثها إلاَّ كنعومة الحية ذات الوجهين بوقت واحد،  فإذا ما أردت الاستمتاع بوجه ضربك الوجه الآخر.

إن الربط بين المرأة والأفعى يعود إلى قصص وأساطير غائرة في العقل الإنساني،  والتي من أبرزها قصة الحية مع سيدنا آدم لما أدخلت إبليس إلى الجنة متسترا داخل جـوفها، كذلك نظـرا للخصائص التي تتمتع بها الحـية كالخبث والدهاء والحيلة وسرعة الانقضاض على الفريسة، وما ورد في هذا الشأن من نصوص دينية، وأقوال فلاسفة، وآراء مجربين حول الحية، وما نُسج كـذلك وألِّف في شأنها من حكايات وأساطير وحكم وأمثال كل ذلك جعل الخيال الشعبي يستعير خصائص الحية، ويولد منها رموزاً ألصقت بالمرأة، وذلك من أجل تجسيد الصورة في أروع مناظرها وإيصال الفكرة والمغزى بأقصر طريقة.

ومن جهة أخرى يعود توليد الرمز كذلك إلى الأثر الأيكولوجي والذي يتمثل في البيئة التي يعيش فيها الفرد، فالأفعى أو الحية عموماً تعد من ألد أعداء البشر في الحياة اليومية.

إضافة إلى أسباب اجتماعية تتعلق بعنصر العلاقات بين أفراد المجتمع،  فنجد أن الرجل الذي تلقى من زوجته خيانة أو خديعة،  فهذا السلوك يحدث أثراً وانفعالاً في نفسية الفرد فيلجأ إلى البحث عن العناصر القاسية والشديدة العداء له في حياته اليومية ليجعل منها رمزاً للمرأة الخائنة، ويتدخل في حالة توليد الرمز كما يذكر علماء النفس؛ اللاشعور، فنجد أن الأساطير والروايات الدينية التي ترسبت في اللاشعور تبرز العلاقة العضوية الدفينة بين الحية والمرأة، فتكون بمثابة العنصر الفاعل والمساعد أثناء عملية توليد الرمز.

وإذا مـا قــارنــا الثقــافـة الجـزائـريـة والعـربـية عمــومـــاً،  ببعض الثقافات العالمية نجد أن رمز المرأة الأفعى،  حاضر في الثقافة اليابانية، فهناك حكاية تبرز الماء كعنصر مانح للعضوية في المجتمعات التي تزرع الأرز،  وقد يصبح الماء مصدراً لكارثة ما، كالفيضان والعواصف إن أسيئت معاملته،  وكذلك مع المرأة والأفعى،  فنجد أنها ذات علاقة بالماء والبحر والبحيرات أوالينابيع، ولهذه الحكاية نماذج متماثلة لا بأس بها في جميع أنحاء العالم وللصينيين نماذج متعددة، أشهرها تلك التي ترجمها «أرثروبلي» بعنوان «السيدة البيضاء»، وفي أوروبا نموذج آخر رواه «جيرقيس» عن «تيلبوري ريمون «سيد قلعة في مقاطعة بروقنس وكيف تزوج بالسيدة النادرة الجمال، التي اشترطت عليه قبل وقوع الزواج، أن لا ينظر إليها وهي عارية، وأن فعل ذلك فقد الثروة وحل بالبيت الخراب، إلا أنه ذات يوم عاد «ريمون» من الصيد وقرر أن ينظر إلى زوجته عندما تستحم، ورفع قليلا ستار الحمام فوجد أنها أفعى وسرعان ما اختفت وحل الخراب في العائلة(36).

 

4. المرأة والرموز الطبيعية:

4. 1.  المرأة ورمز الماء:  

من خلال عملية الجمع والتدوين للأمثال الشعبية الشائعة والمتداولة بين أفراد مجتمع الدراسة، وبعد عملية الترتيب والتصنيف لهذه الأمثال تبين أن المرأة قد اتخذت رموزاً عديدة ومختلفة، منها بعض الرموز وجدتها مقتبسة من الطبيعة، ومن أهمها وأكثرها انتشارا عنصر الماء، حيث ضُرب في هذا الشأن العديد من الأقوال والأمثال نذكر منها:  

«أعقب على واد هدَّار وما تعقبش على واد ساكت».

«ثلاثة ما فيهم أمان المرأة والبحر والسلطان».

«النسا كي الماء كل شيء يذوبوه».

«الماء في الواد ومولات الدار بالأولاد».

وهناك قول آخر:  

واش يغلــب النــار، النار يغلــبها الماء.

واش يغلـــب الماء، المـــاء تغلبه العقبة.

واش يغلب العقـــبة، العقبة تغــلبها الخيل.

واش يغلب الخيل، الخيل يغلبـوهم الفــرسان.

واش يغلب الفرسان، آه الفرسان يغلبوهم نساهم.

واش يغلب النسا، يغلــــبوهم أولادهــم.

إن العنصر الفعال أثناء عملية الإخصاب هو الماء سواء عند المرأة، أو الأرض، هذا العنصر الفعَّال الذي تتوقف عليه حياة كل الكائنات الكونية،  اتخذته بعض المجتمعات البشرية رمزاً للمرأة،  فكيف تمت العملية التوليدية لهذا الرمز؟ وإلى ماذا يرمون من توظيفه؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه.

إن إثارة المرأة لاحساسات عميقة لدى المجتمعات عامة والعنصر الذكوري خاصة، ولَّّدت رموزاً عديدة ومختلفة، من أبرزها عناصر طبيعية، يأتي في مقدمتها عنصر الماء، هذا الأخير كان رمزاً للمرأة وارتبط بها ارتباطا لصوقياً وواقعيا، فهناك أفعال وسلوكات تصدر عن المرأة سواء كانت إيجابية أو سلبية تجعل الفرد يفكر مباشرة بالماء ويربط المرأة به.

فنص المثل القائل: «أعقب على أواد هدار وما تعقبش على واد ساكت»، إذا تطرقنا إلى المناسبة التي يُضرب فيها هذا المثل نجد أنه يقدم نصيحة للسائر الذي يريد أن يعبر وادياً،  بأن يمر عن المكان الذي يثير فيه مسيل الوادي ضوضاء، وأن يتجنب الأماكن التي يكون بها الماء هادئاً ساكناً، ذلك أن هذه الأماكن غالباً ما يكون قعرها عميقاً، كل من أراد عبورها التهمته غريقا، فكذلك المرأة الهادئة الصامتة،  فلا يجب أن ينخدع الرجل بها،  فإذا كان صمتها يجذب الرجل إليها، ويبعث في نفسه إعجاباً بسلوكها هذا، فإنه فيما بعد يجر عليه الويلات، بأن تبتلعه فيصبح عديم التصرف من جراء القيود التي تطوقه بها.

كذلك من بين الخصائص التي تجمع الماء والمرأة من خلال نصوص الأمثال الشعبية، وحسب رأي بعض الأفراد الذين قمنا معهم ببعض المقابلات نجد:  

- المرأة مرنة كمرونة الماء غير أن هذه المرونة تجعل الماء قادراً على حفر الأرض، ويجعل فيها وادياً،  كذلك المرأة تبدو مرنة غير أنها مرهوبة الجانب، فبمرونتها يمكن أن تفعل أكثر مما يفعله الماء هذا من جهة، ومن جهة أخرى تشترك مع الماء في أنه يبعث الحياة في التجمعات البشرية المستقرة من حوله، كذلك المرأة تبعث الحياة وتسقي الرجل والمجتمع ككل بالإنجاب.

- المرأة انطلاقا من نفسيتها الأنثوية، ومن خلال التجارب اليومية، تظهر أنها تتمتع بنفسية تحولية ومتغيرة تتكيف بها مع جميع الظروف مهما كانت،  وبالمقابل نجد أن الماء يبدو أن لا شكل له ولكنه يتمتع بالقدرة على أخذ كل الأشكال.

- كذلك يبرز نص المثل القائل:  

واش يغلــب النـار         النار يغلـــبها الماء،

واش يغلـب الخيل       الخيل يغلبـوهم الفرسـان،

واش يغلب الفرسان     آه الفرسان يغلبوهم نساهم.

من خلال هذه الأقوال يتضح أن قطرات الماء تطفئ لهيب النار، كذلك الفرسان الشجعان،  وما يتمتعون به من قوة، ونفسية صلبة وقلوب قاسية، لكنهم يلينون، وينزعون رداء الرفعة والشأن العظيم أمام المرأة،  خاصة أثناء عملية الحب والإنجاب، فكما أن الماء يطفئ النار فكذلك الأنثى يمكنها إخضاع الذكر، هذا إن لم تدمره.

وأهـم ملاحظة يمكـن ملاحظتها في التركيب اللغـوي للقول الشعبي: والفرسان واش يغلبـهم آه الفرسان يغلبوهم نساهم فلفـظ «آه» له دور بـارز، فالقول الشعبي جمع مجموعة من العناصر المتضادة، والتي هي عناصر طبيعية لها انطباع خاص في الذاكرة الشعبية، فالنار الحارقة التي كانت معبودة في بعض البيئات البشرية، يتغلب عليـها الماء، وهذا الأخير الذي يذيب الأشياء ضعيفـا ويجرفها قويا، يبدو مغلوبا أمام العقبة وهي الأرض العالية، هذه الأرض تظل منيعة غير أن الخيل تصلها وتدوسها بالأقدام، والخيل هي الأخرى لا يمكن أن تركب إلاَّ بعد الترويض، والذي يقوم بهذه العملية هم الفرسان، ولقد كان لطبقة الفرسان في الماضي مكانة مرموقة ومهابة كبيرة داخل المجتمع فيتمتعون بقوة الحديد، غير أن هذه القوة تلين ويركع الفرسان أمام المرأة، ولذلك نجد المبدع الشعبي قد أضاف لفظة  «آه» وفيها دلالة وإيحاء إلى قوة المرأة وعظمتها.

كذلك يبرز نص المثل الشعبي القائل: «ثلاثة ما فيهم أمان المرأة والبحر والسلطان»، فنلاحظ أن هذا المثل يُقرن كذلك المرأة بالماء (البحر)، والقاسم المشترك هنا أن البحر يبدو نبعاً من منابع الحياة يتميز بالهدوء، ويحمل السفن التي تقل البشر في تنقلاتهم وتعاملاتهم التجارية، لكن هجوم هذا البحر وهيجانه غالباً ما يتم دون سابق إنذار بعد مظهره الهادئ ومنظره الجميل ولذلك فلا يمكن أن نثق بهدوء البحر وانخفاض أمواجه وانبساطها.

كما لا يمكن الوثوق بالمرأة،  فيبقى الإحساس بالمكر من جانبها حاضراً دائماً في نفسية الرجل، وهذا ما يظهر لنا الاحساسات الذكورية السلبية تجاه الأنثى.

وهناك العنصر الخطير الثالث في نص المثل وهو السلطان، فالسلطان كذلك له خصائص مشتركة مع المرأة والبحر فهو يبدئ الحنان والعطف تجاه الرعية، ويظهر هادئاً مرحاً ولكن سرعان ما ينقلب إذا ما أحس خطراً أو تهديداً لملكه ضارباً بيد من حديد.

وإذا كان البحر عنصراً فعالاً في ديمومة الحياة واستمرار الارتباطات بين الشعوب من خلال حمله للقوارب فكذلك المرأة لها خاصية مماثلة مع الرجال.

فكما أن الماء محسوس به على وجهين وجه الفعالية وانبعاث الحياة من جهة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى عنصر هدام، إذا زاد عن حده كما مر معنا حول البحر، كذلك العنصر الأنثوي يتميـز بالخصوبـة واستمرار النسـل والحياة فكذلك له خطر، ومنبع هذا الإحساس هو اتجاه لا شعوري سلبي عند الرجال.

كذلك من بين الخصائص المشتركة بين المرأة والماء هو التغلب على الخصم خصوصا إذا عدنا إلى النص القائل:  

واش يغلب النار         النار يغلبها المــــــاء.

واش يغلب الفرسان   آه الفرسان يغلبوهم نساهم.

يتبين لنا ما يلي:  

العنصر الذكوري دوماً يتشوق إلى خوض المغامرات،  وركوب الصعاب من أجل إثبات الرجولة، فمن خلال نشاط الفروسية وما يشتمله من صعوبات جمة يبرز الرجل نفسيته القوية، ويبقى دوماً في تطلع إلى الصعود والمزيد، فهو يتمتع بنفسية تنظر دوماً إلى ما هو أقوى وأعلى فهي إذاً في صعود مستمر، عكس المرأة التي لا تساعدها خصائصها الفيزيولوجيــــة وخلقتـها البيولوجيـة، وكذا استعداداتها النفسية عن ركوب الصعاب والمخاطر، شأنها شأن الماء الذي لا يمكنه الصعود إلى أعلى فحركته الطبيعية أفقية منبسطة، حيث يتسرب في شقوق الأرض ليصل إلى الأعماق، فكذلك المرأة فبدهائها وأنوثتها التي تمتاز بالتكيف والمرونة، يمكنها إخضاع الفرسان الذين تميـــزوا بالشدة والصلابة. إن المرأة التي اشتركت مع الماء في خاصية المرونة يمكنها الغوص في نفسية الرجل وزعزعته بفضل ما تتمتع به من تكيف وصبر شديد، مثل قطرات الماء التي تتمكن من نحت الصخر الصلد بالديمومة والتكرار.

الماء الهادئ يتشكل منه الفيضان والطوفان، وإذا صُب فــي سـدود وحواجز لابد من الصيانة والحراسة، و إلاَّ أنساب وأحدث الخطر، كذلك المرأة فلحسن الحظ أن الرجل دوماً ساهر، كذلك الأرض تخصب بالماء، وبالمقابل البويضة عند المرأة تخصب بماء الرجل، فنستنتج أن عنصري الأنوثة يخصبان بالماء

 

4. 2.  التأويل الأنثروبولوجي:  

إنَّ ارتباط المرأة بالماء ليس بالأمر الحديث، وإنما الرمز تولد منذ عصور قديمة، ذلك أننا إذا تصفحنا الروايات التاريخية وجدنا آثار هذا الارتباط، فالعلامة القديمة للماء متماثلة مع علامة العضو التناسلي النسوي علامة تبرز تمثيله الهندسي، وفي التوراة كما يذكر «لوك بِنْوا» تلعب الآبـــار والينابيع والمناهل دوراً رئيسيا في المكان المقدس الذي تتم فيه لقاءات سماوية وتتحقق فيه الاتصالات والعهود والمواثيق(37)، وإضافة إلى رمز، فالصدفة ككل القواقع البحرية هي رمز مائي وقمري آخر، إنها مقارنة بالجهاز التناسلي الأنثوي وهي مصدر أسطورة  «أفروديت» «APHRODIT» المرأة البحرية التي ولدت من قوقعة بحرية(38).

      كذلك نجد أن لتأثير الإنسان، وتأثره بالمحيط والبيئة التي يحيا فيها دور كبير في توليد الرمز،  فإذا كان في أوقات يستأنس بالماء، بوصفه عنصراً أساسياً وجوهرياً في الحياة، ففي أوقات أخرى يتحول الماء إلى نقمة على الإنسان من جراء الفيضانات والطوفان،  وهذان الأمران يمتاز بهما الماء، النعمة والنقمة يتناظران مع سلوكات وأفعال الطبيعة الأنوثية فهي تارة عنصر فعال في بعث الحياة والاستمرار، وملجأ وراحة للرجل الذي يخوض معركة الحياة، وتارة أخرى تنقلب هذه الطبيعة الأنوثية، فقد تكون أوقاتا عنصرا مدمرا للرجل، فالإنسان مع بدائيته الأولى لاحظ ما يفعله الماء في الحياة إيجابا وسلبا فربطه بفعل المرأة، وبذلك تولد الماء كرمز للمرأة، وقرنت المرأة به في غالبية أشكال التعبير، وظل هذا الرمز مختزناً في الذاكرة الشعبية، ومترسباً في الوعاء الفكري والثقافي للمجتمع، ويذهب علماء النفس إلى القول: أنه كلما كان اللاشعور مضطرباً وقاتماً كانت إطلاقات الرمز وتعبيراته تابعة له تلقائيا

 

5.  المرأة رمز الخصب والبناء والشرف:

5. 1.  المرأة رمز الخصب والنماء:  

من الأمثال الشعبية الواردة في هذا الشأن نجد:  

«المرأة بلا ولاد كالخــيمة بلا أوتاد».

«فاكهة الدار الأبنــاء الصــغار».

«لو كـان ما لمرَيَا ما يجيـــنا إبن ولا بنـية».

«الأرض بالحرث تعطيك والمرأة بالجرح تقويك».

من خلال الأمثال الشعبية المذكورة نستشف أن المرأة ترمــز للخصـب والنماء، ويتحقق الخصب لماّ تكون المرأة أماً، وأمومتها الكاملة تكتسبها بإنجاب الأبناء والبنات وقيامها بشؤونهم وتربيتهم، وتظل قيمة المرأة في المناطق القروية والريفية تكمن في مدى قدرتها على الإنجاب، الذي من خلاله تتضح خصوبتها ويتحقق نماء العشيرة أو القبيلة خاصة بإنجاب الأبناء الذكور فترتفع نسبة اليد العاملة، وكذا عدد الذائدين عن القبيلة والمقوين لعضدها بين القبائل الأخرى.

وفي نص المثل القائل: «المرأة بلا أولاد كالخيمة بلا أوتاد»، حيث تم تشبيه المرأة التي لا تنجب كالخيمة المندثرة المنبطحة والمنبسطة على الأرض،  فلا يمكن أن تسجل في عداد خيم القبيلة أو العرش، ذلك أنها ليست حجراً في البناء العام الذي تشكله خيم القبيلة، كذلك المرأة العقيم، فشأنها شأن الخيمة التي فقدت الأوتاد،  فهوت من البناء العام لمجموعة الخيم، فالمرأة إذا لم تنجب أولاداً فهي لم تساهم في تقوية البناء البشري للقبيلة.

ونظراً للآراء السابقة جاءت الكثير من الأمثال الشعبية تشجـع الرجــل وتنير له الطريق لاختيار المرأة التي تتمتع بالخصوبة، منها المثل القائل: فاكهة الدار الأولاد الصغار»، فحياة الرجل مع المرأة إذا لم تنجب تظل فاقدة لنكهتها الخاصة، والتي تتمثل في الأولاد الصغار، ووردت كذلك الكثير من الأحاديث النبوية التي تحث الرجل على الزواج من المرأة الولود: «تزوجوا الولود الودود فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة»، ومن الأمثال العربية الواردة في هذا الشأن: «سوداء ولود خير من حسناء عقيم».

وإذا عدنا إلى نص المثل القائل: «الأرض بالحرث تعطيك والمرأة بالجرح تقويك» والمثل القائل: «الحرث بالثرى والزواج بالرضى» فإذا أمعنا النظر في نصي المثل يمكننا استنباط الكثير من العلائق والارتباطات بين الأرض والمرأة في عنصر الخصوبة نذكر منها:

خصوبة الأرض تكون بالحرث، الذي يصاحبه البذر بالضرورة، كما في نص المثل الشعبي «الأرض بالحرث...» والمرأة تُخصب بـ «الجرح» ولعل لفظة «الجرح» قيلت كناية عن الرجل، والنتيجة المشتركة بين المرأة والأرض بعد عمليتي الجرح والحرث هي الحصاد ومنح النماء للحياة واستمرارها.

والنتيجة المشتركة التي تنبثق عن الحرث «للأرض» والجرح، «للمرأة والتي هي الحصاد بالنسبة للأولى، والإنجاب بالنسبة للثانية» ولا يمكن أن تتحقق هذه النتيجة المشتركة إلاَّ بوجود عنصر ضروري وجوهري في كلتا العمليتين وهو الماء.

وهناك بعض الروايات التي تتطابق مع مدلولات نصوص الأمثال الشعبية في جانب الخصوبة، فيروي في كتب التراث أن رجلاً يدعى أبو حمزة الضّبي وضعت له زوجته أنثى،  فهجرها وأخذ يبيت عند جيرانه فمر بخبائها يوماً فسمعها تقول لابنتها(39).

ما لأبي حمزة لا يأتينا

يظل في البيت الذي يلينا.

 غضبان ألا نلد البنينا

تا لله ما ذلك في أيدينـا.

وإنما نأخذ ما أعطينا

ونحـن كالأرض لزارعينا

ننبت ما قد زرعوه فينا.

كذلك من بين الخصائص والعناصر المشتركة بين الأرض والمرأة، نجد أن الأرض يعبر عنها بالوطن الأم، فهي بمثابة الأم يتمسك بها الأفراد ويظل يحملهم إليها حنين العودة إذا ما رحلوا عنها، وبالمقابل نجد أن المرأة هي الأم للأبناء وهي سكن الرجل وراحته وسنده على هموم الحياة، فنقول عدت إلى الوطن  «الأرض» الأم، والسمة المشتركة بينهما فيما يتعلق بعنصر الخصوبة هي توفير عامل الاستقرار والاستمرار للنوع الإنساني.

وعكس الأرض الخصبة نجد ما يسمى بالأرض البور، وبالنسبة للنساء تسمى العانس بـ«البايرة» التي تكون موضع سخرية، وسميت بائرة، ذلك أنها لم تتعرض للحرث من قبل الرجل، ومن بين الأمثال الشعبية الواردة في هذا الشأن نجد: «خذ طريق العافية ولو كان دارت وأدي بنت عمك ولو كان بارت»  كذلك من بين الآيات القرآنية الكريمة الواردة في هذا الصدد قوله تعالى « نِسَاؤُكُمْ حرثٌ لكُمْ»(40).

خصوبة الأرض تحدث بانفعالها مع الماء، وخصوبة المرأة تحدث بانفعالها مع ماء الذكر (المني).

 

5. 2.  التأويل الأنثروبولوجي:  

 إذا حاولنا البحث في أصول رمز الخصب والنماء المتعلق بالمرأة، نجد من خلال الروايات التاريخية أن تصورات المرأة قد تنوعت ورموزها قد تعددت، ففي الثقافة المصرية القديمة نجد أن المصريين قد عبدوا  «إيزيس» بوصفها الأم، والعنصر الأنثوي الذي يتصف بالحيوية والنماء، كانت بمثابة الرمز القدسي الذي يثير انطباعات وإيحاءات ارتبطت بتعاقب الفصول والحركة الدورية للأفلاك، وبالخصب والنماء، كما كانت رمزاً لتعليم المصريين الزراعة والصيدلة التي تستخرج بها عصارة النباتات التي تعالج الأدواء وتشفي الأسقام،  أما الدموع التي تذرفها فإنها تزيد ماء النيل  الذي ما أن يفيض حتى يخصب الأرض بالغرين الوفير، وقد اعتقد المصريون أن روحها تسكن الشعرى اليمانية،  التي كان بعد ظهورها في الانقلاب الصيفي للشمس علامة  على عودة الفيضان(41).

لقد أحبت إيزيس الحياة وأشاعت فيها روح الخصوبة والنماء، ويشير «kurt seligmann» إلى أنَّ عبادة إيزيس انتشرت في أوروبا وآسيا الغربية واندمجت، بقايا من عبادتها في نهاية الأمر بالمسيحية الناشئة، حيث أخذت العذراء المقدسة منها كثيرا من الخصائص، والسمات التي برزت من خلال رمز «الوعاء» الذي يناظر الأرض البكر التي لم تحرث بوصفها وعاء للبذور(42).

ويذكر «عاطف جودة نصر» أنه في أساطير ما بين النهرين أشربت الأرض دلالة أنثوية وأخذت مكانها في مجمع الآلهة الآشوري بوصفها ملكة الآلهة الرفيعة القدر، والمبدأ الأنثوي الفعَّال في الميلاد والنمو وحفظ النوع الإنساني، والمبدأ المنفعل في الوقت ذاته لذكورة السماء، كما يلاحظ كذلك كيفية انتقال الجوهر الأسطوري للألوهية من الذكورة إلى الأنوثة(43).

إن ربط المرأة بالأرض، يعود في بادئ الأمر إلى قرب الإنسان منذ القدم إلى الأرض، والتصاقه من جهة أخرى بالمرأة، فرأى أن كلاهما عنصر خصوبة واستمرار الحياة، فالأرض توفر الغذاء والمرأة تنجب الأبناء.

ومن خلال الملاحظة المباشرة لسلوكيات أفراد مجتمـع الدراسة وانفعالاتهم والسماع لآرائهم،  وجدنا رأياً واحداً وانطباعاً نفسياً مشتركاً حول الأرض المعطاءة والمرأة الولود «الأم» فكلاهما ينظر إليه أفراد المجتمع بعين الرضى، عكس المرأة العقيم، كما يسمونها «العاقر» والأرض غير الخصبة، فكلاهما ينظر إليه بعين السخط والإهمال، فالمرأة العاقر لا تساهم في البناء الاجتماعي للمجتمع وكذلك الأرض البور أو غير الخصبة.

كذلك من الأمور التي أدت إلى الاقتران بين الأرض والمرأة في اللاشعور الإنساني هو تقديس الأرض في مرحلة من المراحل التي مر بها الإنسان، فالأرض شخصت واعتبرت أنثى آلهة أم ذلك أنها تمنح الزرع والإنتاج فهي عنصر فعال في الميلاد والخصوبة والتكاثر والنسل المستمر للحيوان وحفظ النوع الإنساني، كما تفعله المرأة تماماً في الميلاد والخصوبة وتكاثر واستمرار بني البشر، فتبدو هذه الرموز العتيقة النابعة من البيئة،  غابرة في الزمن فالربط بين المرأة والأرض يعود إلى أساطير قديمة جداً كالتي يذكرها «جيمس فريزر» «james frazer» في كتابه «الغصن الذهبي»، فبعض السكان في وسط إفريقيا يسرحون الزوجة العاقر ظنا منهم أن عدواها تنتقل إلى الحقول فتصاب هي الأخرى بالعقم، على عكس إذا أنجبت المرأة التوأم فتقام بعض الطقوس بهدف نقل هذه القدرة التناسلية من الأبوين إلى الأشجار(44).

ويذكر «لوك بنوا»: «لكي تخصب الأرض، يتوجب حرثها وبذرها، في الماضي رسم إمبراطور الصين، وحديثاً ملك كمبوديا، بعد أن توسلا إلى السماء لتمنحهما المطر، الخط الأول الذي يقود إلى المحراث الذي تدخل سكته في الأرض كعضو الذكورة، وهذا تمثل نجده في السنسكريتية حيث الجذر الواحد يشير إلى المعرفة والقضيب، حتى الزراعة كانت اكتشافا أنثوياً باعتبار أنها المنبع الجوهري لكل مزارع وفي حين كان الرجل يقنع بالصيد كانت المرأة تزرع وتحصد»(45).

وفي الأخير يمكننا القول أنَّ هناك استجابة متماثلة ومتشابهة بين الأرض والمرأة فكلاهما ينفعل ويتفاعل مع عنصر الماء، فالأرض به تخضر وتزهر ثم تلد إنتاجا، كذلك المرأة تتفاعل ببويضتها مع الحيوان المنوي للرجل، ليكون بعد فترة ميلاد جديد.

 

5. 3.  المرأة رمز البناء:  

من نصوص الأمثال التي تبين أن المرأة هي رمز البناء في الحياة نجد:  

«بيت بـلا مولاتولخـلا ولا مبــاتو».

«لولاد لازمهم صحة حافر، ومال كاثر».

«الحيــاة شوكـــة والمرأة وردتها».

بلا شك أن المرأة لما تتحد ببويضة رحمها مع مني الذكر يؤدي فيما بعد إلى الإنجاب، فتتشكل بعد ذلك أسرة، وتعتبر الأسرة من أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع، ومن التعريفات الواردة في هذا الشأن نذكر:  

«الأسرة هي تلك الوحدة الاجتماعية المكونة من أفراد تربطهم عوامل حيوية واحدة أي علاقات الزواج والبنوة والأخوة»(46).

والمرأة بعد عملية الإنجاب تصبح أماً، وإذا كانت الأمثال الشعبية قد أبدت صوراً سلبية عن بعض النماذج النسوية،  وأحيانا عن المرأة عموماً،  وخاصة في الجانب النفسي والأخلاقي، فإنها على العكس تماماً مع «الأم» فمن خلال تفحص مدونة الأمثال التي تم جمعها، وكذلك أثناء السماع لمواقف أفراد المجتمع من الأم، فهم يدللونها، ويرون أن كسب رضاها ورضى الأب يعد من المكاسب التي لا تقدر بثمن، كذلك من خلال الملاحظة المباشرة لمجتمع الدراسة فمجمل أفراده يقدرون المرأة،  عندما تكون تحمل طفلاً أو يتبعها الأبناء الصغار.

ومن النصوص الواردة من خلال مدونة الأمثال التي تبرز دور المرأة في البناء الأسري نجد: «بيت بلا مولاتولخلا ولا مباتو»، كذلك من الأقوال الواردة على لسان الصبية الصغار والتي ترمز إلى حنان الأم ودورها في حماية الطفل ورعايته نجد المثل القائل:  «كي كانت يما كنت ناكل اللحم، ولما راحت يما أقعدت لليتم» فالطفل هنا يتحسر عن وفاة أمه، فلما كان يلقى الرعايــة والعطف والحنان والغذاء الحسن، صار يلقى المتاعب والوهن، كذلك من الأمثال الشعبية التي تبرز الأم كرمز للحنان والعطف: «بعد يما وبابا كل الناس كذابة»، «اللي خطاتو أمه حجرة باردة تسد فمه «ومعنى «اللي» أي الذي و«خطاتو» أي رحلت وتركته، وإذا عدنا إلى نصوص الأمثال السابقة كنص المثل القائل: «بيت بلا مولاتولخلا ولا مباتو» يمكننا أن نستشف من خلاله دور المرأة وأهميتها في البيت، فهي رمز البناء والتعمير وإذا غابت حلََّ بالبيت التمزق والشتات،  وهذا ما عبر عنه نص المثل «لخلا ولا مباتو»، كذلك من بين أهم الرموز التي تشير إليها صورة الأم أنها رمز الوحدة والجمع بين الأبناء، فهي دوماً تسعى جاهدة للمصالحة بين الأبناء قبل أن تحدد الظالم والمظلـوم ولاشك أن الأم بتطور الزمن تصبح جدة أو عجوزاً، فهذه الأخيرة - إذا كانت خيرة - تتمتع حسب رأي أفراد المجتمع بتقدير واحترام كبيرين فهي رمـز الماضــي والأصالة، فعلى حد تعبير أفراد المجتمع أن العجائز والشيوخ بأفعالهم وأقوالهم ماض يشارك حاضر الشباب، إنهم رمز الخير والتسامح ورمز التفاني في العهد، والكلمة والرجولة.

 

5. 4.  المرأة رمز الشرف:  

إضافة إلى رمز البناء، نجد من خلال نصوص بعض الأمثال الشعبية المرأة رمزا للشرف، وهذا ما يؤكده نص المثل الشعبي القائل: «ما تقوم لقيامه إلاَّ على مطيرة و إلاَّ ظفيرة»، والمطيرة من المطر أي الماء، وظفيرة هي المرأة، التي تكاد تكون محور الصراع خاصة بين الأبطال من خلال بعض الحكايات الشعبية المنتشرة داخل المجتمع.

ويمكننا من خلال مقابلة كلمتي: المطيرة والظفيرة أي الماء والمرأة نجد أن هذه سمة تعكس نوع أو نمط المجتمع الذي قيل فيه المثل الشعبي، فهو مجتمع مستقر يعتمد على الزراعة وذلك من خلال الطلب المتزايد على الماء للسقي، بسبب طبيعة المنطقة الجافة والاعتماد الكبير على الماء وضرورة وجود اليد العاملة لخدمة الأرض ودفع خطر الخصوم ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلاَّ بخصوبة المرأة.

والفرد في المجتمع الجزائري يفضل أن يعرف بعفة الشرف أفضل أن يعرف بالشجاعة والإقدام، ذلك أن نظافة الشرف ونقاوته أنفع للرجل من أن يحتل مكانة مرموقة داخل المجتمع، وكان من أكبر المآثم عند العرب أن يلتقي الرجل بالفتاة فيبدأها بالكلام أو يلقي إليها السلام(47).

ولا تزال بعض العادات منتشرة في مجتمعنا حول المرأة،  فيرى بعض الرجال أن المرأة من العناصر التي من خلالها يداس شرف القوم، فعندما تستدعي الحاجة الكلام عن الزوجة من قبل الرجل مع الرجال الآخرين يقول: «إمرأتي حشاك» أو يقولون «الدار نتاعي» ذلك أن ذكر المرأة باسمها يعد عيبـاً ومساساً بالشرف، وهذه العادة كغيرها من العادات الأخرى، لا تزال مترسبة في الوعاء الفكري للمجتمع، والبناء الذهني للفرد، فمن خلال المثل العربي القائل:» كل شيء مهه ماخلا النسا وذكرهن»، يتبين لنا من خلال هذا المثل أن هذه العادة القديمة الجديدة لا تزال تتمتع بفاعلية واستمرار بين أفراد المجتمع.

ويذكر «الميداني» أن «مَهَاه»، ومعناها اليسير الحقير، أي أن الرجل يحتمل كل شيء حتى يأتي ذكر حَرمه،  فيمتعض حينئذ، فلا يحتمله، وقال أهل اللغة: المهاه المَهَه: الجمال والطراوة أي كل شيء جميل ذكْرُه إلاَّ ذكر النساء(48).

وإذا كان الرجال يموتون ذودا على الحريم، فكذلك نجد هذا السلوك عند المرأة، فهي تعمل دوماً للمحافظة على شرف زوجها وعفته ومن أقوالهن في هذا الصدد نجد: «المنية ولا الدنية». أي الموت وقت الحاجة أفضل من تدنيس العرض والشرف.

الخاتمة:

لقد ظلت المرأة ولا تزال محور تأمل إنساني وجمالي وفكري، فارتبطت بمظاهر طبيعية، وببعض المخلوقات الأسطورية، والأمثال الشعبية في غالبيتها وقفت عند التركيز على المرأة كنقطة أساسية وجوهرية في عملية الإثارة، والتخويف فقرنت ببعض الحيات السامة، كل ذلك يصور ويبرز حالة نفسية، وصورة معينة في أذهان من يتعاملون بنصوص الأمثال الشعبية، وبقية أشكال التعبير الأخرى في حياتهم اليومية، حتى أن توظيف العناصر الطبيعية كعناصر رمزية، وظفت توظيفا نفسيا بإيجابية كارتباط المرأة بالأرض الأم، ولعل من أسباب إبراز المرأة تارة كعنصر أو رمز إيجابي وأخرى عكس ذلك، يعود إلى أن أفراد المجتمع أو المبدع الشعبي كان يعاني من صراعات الكبت والقلق والخوف.

كذلك نجد أن ارتباط المرأة بالماء نابع من تصور أن حالة الماء يمكن أن تكون كحالة المرأة، فإذا كان الرجل في الواد أو البحر يسعى وراء الكســـب والصيد فإنه كذلك في وجدان المرأة، فيتعمق بحثاً عن الحب والراحة، وبلا شك فالمرأة أكثر عمقاً من البحر.

يمكننا من خلال بعض الرموز الطبيعية المتعلقة بالمرأة أن نستخرج أحد النظم الذهنية، التي تعتبر أن المرأة أقرب إلى الطبيعة منها إلى الحضارة، وبما أن الرجل هو الأقرب إلى الحضارة منه إلى الطبيعة، وطالما أن الحضارة تتحكم بالطبيعة كذلك الرجل يتحكم بالمرأة(49).

الهوامش:

1. عبد الحميد، بن هدوقة: أمثال جزائرية، الجزائر، 1992، ص13.

2. فاروق، خورشيد: الموروث الشعبي، دار الشروق، القاهرة-بيروت، 1992، ص7.

3. يوري، سوكولوف: الفولكلور قضاياه وتاريخه، ترجمة: حلمي شعراوي، القاهرة، 1971، ص17.

4. يوري، سوكولوف: الفولكلور قضاياه وتاريخه، نفس المرجع، ص68.

5. أحمد، أبو زيد: مقدمة عن الأنثربولوجيا والفولكلور، دار الثقافة للطباعة و النشر، القاهرة، ص17.

6. أحمد، أبو زيد: البناء الاجتماعي، المفهومات، ج1، ط2، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970، ص95 - 96.

7. أبو الفضل، أحمد الميداني: مجمع الأمثال، ج1، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1988 ، ص7.

8. أحمد، أبو زيد وآخرون: دراسات في الفولكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1972، ص310.

9. نعمات، أحمد فؤاد: النيل في الأدب الشعبي، سلسلة المكتبة الثقافية، الهيئة العامة للكتاب رقم 292، القاهرة، 1973، ص24.

10. أحمد، أبو زيد  و آخرون:  دراسات في الفولكلور، مرجع سابق، ص 310.

11. نبيلة، إبراهيم:  أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار النهضة، القاهرة، ( دون.تاريخ)، ص 147.

12. غنيمي، هلال: الأدب المقارن، ط3،  دار العودة ،  بيروت لبنان1983، ص398.

13. ياسين، الأيوبي:  مذاهب الأدب،  معالم وانعكاسات،  الرمزية، ج2، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 1982،  ص 8.

14. الأنثروبولوجيا والفلكلور ومناهج التحليل الرمزي: من موقع الإنترنت: http://www.aranthropos.com  

15. عبد الحميد، يونس: الأصول الفنية للأدب، ط، 2، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1964، ص 191.

16. خليل، أحمد خليل: نحوسوسيولوجية للثقافة الشعبية، دار الحداثة، بيروت 1979، ص252.

17. جوناثان، كلر: فرديناند دي سوسير، ترجمة: عز الدين إسماعيل، المكتبة الأكاديمية القاهرة 2000،  ص174.

18. عبد الملك، مرتاض: عناصر التراث الشعبي في اللاز، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر 1987، ص68.

19.  جون ستروك: البنيوية وما بعدها من ليفي ستروس إلى دريدا، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة،ع206، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت،1996، ص21.

20. أحمد محمد قدور: مبادىء اللسانيات، ط1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1996، ص279

21. المرجع نفسه: ص290.

22. المرجع نفسه: ص284.

23. المرجع نفسه: ص323.

24. أبوعثمان، عمرو الجاحظ:  كتاب الحيوان، مج4، ط3، منشورات دار ومكتبة الهلال،  بيروت، 1990.

25. أحمد، أبو يحيى: الحية في التراث العربي، المكتبة العصرية، صيدا بيروت، 1997، ص195.

26. كريم زكي، حسام الدين: التحليل الدلالي إجراءاته ومناهجه، ج1، دار غريب، القاهرة، ص453

27. المرجع نفسه: ص456.

28. عبد الرحمن، حريتاني:  نافثات السم،  العربي،  عدد 363 السنة 32، الكويت،  فبراير 1989،  ص 68-69.

29. أبو عبد الله محمد، القرطبي:   الجامع لأحكام القرآن ، ج1،  دار الكتاب العربي ، (د،ت)، ص312 -313.

30. المصدر نفسه، ص113.

31. ابن سيرين: تفسير الأحلام، بحاشية تعطير الأنام في تعبير المنام  للنابلسي، ج2، المكتبة التجارية، ص307

32. أبو عثمان، عمرو الجاحظ: كتاب الحيوان، مصدر سابق، ص 62.

33. إبن عبد، ربه: العقد الفريد، دار الكتاب العربي، بيروت -لبنان، 1938، ص183.

34. أحمد، أبو يحيى:  الحية في التراث العربي، المكتبة العصرية،  صيدا،  بيروت 1997،  ص186

35. أحمد، أبو يحيى: الحية في التراث الشعبي،  مرجع سابق،  ص 208

36. أبوعثمان، عمرو الجاحظ: كتاب الحيوان،  مصدر سابق، ص98.

37. كاملين بلاكر: المرأة الأفعى في الأساطير والخرافات اليابانية، ترجمة: لطفي الخوري، «التراث الشعبي»، ع6، ع7، السنة الثانية عشر، حزيران، تموز، دار الجاحظ للنشر، بغداد 1981، ص59.

38. لوك، بنوا: إشارات ورموز وأساطير، تعريب فايز كم نقش، عويدات للنشر والطباعة،  بيروت، لبنان،2001، ص 58.

39. نفس المرجع: ص60.

40.   أبو عمرو، عثمان الجاحظ:  البيان والتبيين،  مج 2، ج، 3، تحقيق وشرح عبد السلام نمحمد هارون، دار الفكر،بيروت، ص254.

41.  سورة البقرة: الآية: 223.

42. ول، ديورانت: قصة الحضارة، ج2، ط1، تر: زكي نجيب محمود، دار الجيل، 1992، ص158.

43. عاطف، جودة نصر: الرمز الشعري عند الصوفية. المكتب المصري لتوزيع المطبوعات،  القاهرة 1988، ص126.

44. نفس المرجع: ص127.

45. جيمس، فريزر: الغصن الذهبي، ج1، ترجمة: أحمد أبوزيد،  1971،  نقلاً عن عاطف جودة نصر: الرمز الشعري عند الصوفية، مرجع سابق، ص128.

46. لوك، بنوا: إشارات ورموز وأساطير، مرجع سابق، ص78.

47. أحمد، الخشاب: مبادئ علم الاجتماع، ط1، مكتبة مصر،  القاهرة، ص 102.

48. عبد الله، عفيفي: المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، ج1، ط2، دار الرائد العربي،  بيروت، 19، ص71.

49. فؤاد، إسحاق الخوري: مذاهب الأنثربولوجيا وعبقرية ابن خلدون، دار الساقي، بيروت لبنان، 1992، ص62.

 

الصور:

1. ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%84%D9%81:N%C2%B03_HA%C3%8FK.jpg

2. www.magic4walls.com/wp-content/uploads/2014/ 01/Face-girl-women-face-girl-red-art.jpg

3. wallpaperbeta.com/wallpaper_high_contrast/art_ hands_embryo_body_women_tattoo_cells_high_contrast_hd-wallpaper-403516.jpg

4. lemerg.com/data/wallpapers/16/717670.jpg

5. http://www.wallpaperup.com/686086/artistic_art_a rtwork_women_female_girls_girl_woman.html

7. www.motherchildpaintings.com/communities/ 2/004/010/206/182//images/4592182728.jpg

8. static.kupindoslike.com/James-George-Frazer-The-Golden-Bough_slika_O_40003525.jpg

أعداد المجلة