فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

إشكالية الثقافة العالمة والثقافة العضوية للشعب: نحو مشروع لتدريس الثقافة الشعبية بالمغرب

العدد 33 - آفاق
إشكالية الثقافة العالمة والثقافة العضوية للشعب: نحو مشروع لتدريس الثقافة الشعبية بالمغرب

د. محمد معروف

 أستاذ بجامعة شعيب الدكالي - الجديدة، المغرب

قبل التطرق إلى مسألة الثقافة الشعبية في علاقتها بالثقافة العالمة في المغرب، لابد من الحديث عن تجربة الغرب في معالجة هذه القضية لأن الباحثين الأجانب كانوا سباقين إلى إثارة أهمية الثقافة الشعبية. و قد جرت العادة أن يستفيد الباحثون العرب من نظائرهم الغربيين في مجال النظرية والمنهج، ولهذا ارتأينا أن نخصص هذا المقال للحديث عن الجهود التي  بذلها الغربيون في التعريف بالثقافة الشعبية و التنظير لها، و على ضوء تجربتهم في هذا المجال، سنقدم في نهاية المقال مجموعة من الأسئلة التي قد تفيد في تطوير النقاش حول إشكالية تدريس الثقافة العضوية للشعب بالجامعة المغربية.

 

إن المحاور التي سنتطرق إليها سترد على الشكل التالي:

1. مفهوم الثقافة: كيف تم تعريف الثقافة منذ بدايات القرن 19 في أوربا.

2. مفهوم الثقافة الشعبية: ما هو التعريف الذي أعطي لمصطلح «شعبي»؟

3. نظريات التقسيم الثنائي للثقافة: كيف تم تصنيف الثقافة نظريا إلى ثقافة عالمة وأخرى شعبية ؟

4. طرح أسئلة حول مصير السياسة الثقافية واللغوية بالمغرب على ضوء التجربة الأوروبية في هذا المجال، مع أخذنا بعين الاعتبار ما حصل في الماضي  القريب من تجاوزات أدت في رأينا إلى تطور خجول، إن لم نقل منعدما، لمشروع إقلاع الثقافة العضوية للشعب في المغرب.

 

1. مفهوم الثقافة :

تم اشتقاق كلمة ثقافة «Culture» في الغرب من الكلمة اللاتينية «Cultura» ولقد حافظت مجموعة من اللغات الأوربية حسب تومسون في كتابه  الإيديولوجيا والثقافة الحديثة ( 1990، ص 124) على جزء من المعنى الأصلي للكلمة في اللغة اللاتينية، ثقافة  بمعنى حراثة أو زراعــــــة «Cultivation» أو تطــويــر الإنتــاج وتــرقـيته وتحسينه. ومنذ القرن 16، تطور مفهوم الكلمة من «حراثة الأرض» إلى «حراثة الذهن»، أي  تطوير المهارات الذهنية. وفي القرن 19 استعملت كلمة ثقافة مرادفة لكلمة حضارة «Civilisation»،  وإبان عصر الأنوار في فرنسا وبريطانيا، وظفت كلمة حضارة للدلالة على مرحلة راقية من تطور الثقافة، و هكذا ظهر تصور  مفاده أن هناك شعوبا مثقفة ومتحضرة وشعوبا  بدون ثقافة أو حضارة، وهي عبارة عن تجمعات بشرية بدائية وهمجية، وظل هذا المفهوم سائدا بالرغم من ظهور تصور كلاسيكي يتحدث عن الثقافة بصيغة الجمع، بمعنى أن هناك ثقافات، ومن رواد هذا التصور نذكر على سبيل المثال هيردر وكوستاف  وكليمن وتايلور الذي يعتبر أحد مؤسسي الأنثروبولوجيا الدينية. وقد كتب هؤلاء من وجهة نظر اثنوغرافية؛ بمعنى أنهم سافروا إلى مجتمعات الآخر وعايشوها، فلاحظوا أن الثقافة لا يمكن أن تنحصر فقط في أوربا، لكن ظل  التصور الكلاسيكي يحمل في طياته نفحة الحضـــــارة. وحســـب هــــذا المنظــــور، يتــم تعـــريف الثــقافــة على الشكل التالي: «الثقافة هي عملية تطوير مهارات ذهنية وفكرية بواسطة الاطلاع على أبحاث أكاديمية وفنون، وهي مرتبطة بالمظاهر المتقدمة للعصر الحديث» (تومسون، 1990، ص: 120). فالثقافة من هذا المنظور إذن هي المعرفة المتعلقة بالفنون و الآداب، وكل ما يرتبط بالمهارات الفنية، وهذا التصور في نظرنا قريب من مفهوم الثقافة العالمة أو الراقية.

بعد نشاط الحركة الإمبريالية في أوربا إبان القرن 19، ظهر تصــور جديــد يمكــن تسمـيته حسـب تــومــسون دائما بالتصور الوصفي للثقافة، وترعرع هذا التصور في أكناف المد الأنثروبولوجي، حيث سافر عدد من الباحثين الأنثروبولوجيين إلى المستعمرات البريطانية والفرنسية، وبدأت حركة مهمة من الكتابة الاثنوغرافية حول هذه الثقافات؛ و نسوق إليكم تعريفا للثقافة من هذا المنظور لتايلور السالف الذكر في كتابه الثقافة البدائية، يقول تايلور: «تعتبر الثقافة أو الحضارة بمعناها الاثنوغرافي، مجموعة من المعارف والمعتقدات والفنون و السلوكيات الأخلاقية والقوانين والتقاليد وكل المهارات والعوائد التي اكتسبها الإنسان كفرد داخل المجتمع» (1903، ص:1). هكذا، أصبحت الثقافة ذات تعريف شمولي يتضمن رموز  الحياة اليومية لكافة أفراد المجتمع وممارساتها، ولم يعد يقتصر على الفنون والآداب والسمات الراقية لمجموعة بشرية معينة. وقد انخرطت كل المجتمعات البشرية، والطبـــقات الاجتـــماعــية، والفــئات الإثنــية، والأقلـــيات على اختلاف أجناسها وأعراقها وميولاتها الجنسية في هذا التعريف، باعتبارها بنيات مثقفة، أي تعيش في أحضان ما يسمى بالثقافة الرئيسية أو الثقافة العضوية للشعب. وظل البحث الأنثروبولوجي مستمرا على هذا المنوال حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ حيث ظهر تصور جديد للثقافة.

وأحد مؤسسي هذا التصور هو كليفورد  كيرتز في كتابه تأويل الثقافات (1973)، حيث عرف الثقافة على الشكل التالي: «إذا اعتقدنا مع ماكس فيبر أن الإنسان كائن حيواني يعيش سجين  نسيج من المعاني التي عمل  على خلقها، فسنعرف الثقافة  بأنها  ذلك النسيج، وأن دراستها ليست علما تجريبيا يبحث عن قوانين وقواعد علمية موضوعية، ولكنها عملية تأويلية تبحث في المعاني والرموز» ( 1973، ص: 5). لقد أدخل هذا التصور إبدالا جديدا إلى ميدان الدراسة الثقافية، فما هو هذا الإبدال؟ على خلاف ما كان يفعله الأنثروبولوجيون في السابق، والذين كانوا ينتمون في معظمهم إلى العلوم الحقة / التجريبية، حيث كانوا يدرسون القوانين والقواعد المنظمة للعلاقات الاجتماعية، عرف كيرتز الثقافة بأنها نسيج من الرموز التي  خلقها الإنسان لكي يتواصل مع ذاته والآخر، ويمكن تسمية هذا التصور بالتصور الرمزي للثقافة. ولقد أدرج الآن هذا التصور كتصور أساسي في علم الاجتماع والدراسات الثقافية؛ حيث أصبح دارس  الثقافة عبارة عن ناقد أدبي يقوم بتأويل النص الثقافي تأويلا من الدرجة الثانية، لأن التأويل من الدرجة الأولى هو للفاعل الاجتماعي، والنص هنا يشمل أي فعل ثقافي. وينبغي وضع هذا التصور في سياقه التاريخي، حيث يتبين من خلال التعريف أن اللغة مكون أساسي في بناء ثقافة الشعوب. هذا التعريف يرتكز بالذات على أدبيات البنيوية التي اعتبرت اللغة محورا أساسيا في تشكيل الواقع وتحديد نظرة الإنسان إليه.

على ضوء نظرية كيرتز، يعرف البدوي أحمد زكي في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية الثقافة كما يلي: «الثقافة هي البيئة التي خلقها الإنسان، بما فيها المنتجات المادية وغير المادية التي تنتقل من جيل إلى آخر، فهي بذلك تتضمن الأنماط الظاهرة والباطنة للسلوك المكتسب عن طريق الرموز والذي يتكون في مجتمع معين، من علوم ومعتقدات وفنون وقيم وقوانين وعادات وغير ذلك» (1993، ص: 92). إذن هذا هو التصور الذي لا زال سائدا حتى الآن، وهو أن الثقافة ليست ثقافة عالمة، بل هي ثقافة شاملة بما فيها من المنتجات الباطنة والظاهرة للسلوك البشري المكتسب، لكن من أين جاء هذا التقسيم الثنائي للثقافة في أوربا إلى ثقافة عالمة و ثقافة شعبية؟ هذا السؤال ينتقل بنا إلى المحور الثاني.

 

2. مفهوم الثقافة الشعبية :

منذ القرن 16 كما ذكرنا سابقا، والثقافة ينظر إليها على أنها مرحلة راقية أو متطورة من حياة الشعوب، أي بمعنى حضارة. إذا أخذنا المجتمع البريطاني كمثال، نجد أن الفوارق الاجتماعية بين الأرستقراطية والعامة قد أنتجت ثقافتين متباينتين (ثقافة النبلاء كنقيض لثقافة العامة). وإذا عدنا إلى مسرح شكسبير، سنلاحظ  كيف قام هذا الأخير بتمثل ثقافة النبلاء على أنها ثقافة القيم والمثل الرفيعة من هامليت وعطيل إلى ماكبيث، بينما صور ثقافة باقي الشعب على أساس أنها غوغائية، فظة وهمجية، إلى درجة انه أدرج في مسرحياته حبكتين دراميتين مختلفتين: حبكة خاصة بالنبلاء، وحبكة خاصة بالعوام، كذلك تم تقسيم مبنى المسرح إلى جزء خاص بالنبلاء وجزء خاص بالعامة. ولما اكتشف كريستوف كولومبس أمريكا، ووجد مجموعة بشرية تدعى الهنود  الحمر، كتب شكسبير مسرحية العاصفة، وهي تصور شخصية كالبان على انه همجي بجسد مشوه، متمرد يعيش بالكهوف، ويتكلم لغة رافضة. هكذا تصور المثقف البريطاني الثقافة الشعبية أو ثقافة الآخر الذي يعيش في عوالم خارج المركز الأوربي.

وحسب أنتوني ايسثروب في كتابه الأدبي في الدراسات الثقافية (1991)، أدى ظهور البورجوازية والنظام الرأسمالي إلى إعادة إنتاج هذا التقسيم إلى ثقافة الطبقات الراقية في المجتمع والطبقات الدنيا العاملة، ومع انتشار وسائل الإعلام وتقدم التكنولوجيا من جرائد وأفلام وإذاعة وتلفزة، تعمقت الهوة بين الثقافتين. ولم يكن الأمر مختلفا تماما في الولايات المتحدة، حيث اصطلح على الثقافة الشعبية بثقافة الجماهير (mass culture) عــلــــى وزن إعـــــلام الجـــــــماهــــير (mass media)، أي تــــم ربط الثقافة الشعبية بالإعلام. وبالفعل ساد تصور على أن الثقافة العالمة هي ثقافة لا تخضع لضغوط السوق التجارية، ولكن الثقافة الشعبية هي ثقافة تجارية استهلاكية بالأساس (سنرجع إلى هذه النقطة فيما بعد). وخلاصة القول، مع تطور الإعلام أصبح الفرق بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية حتميا. كيف تم تعريف الثقافة الشعبية من طرف الدارسين في هذا المجال في بريطانيا؟ يقول أحد مؤسسي الدراسات الثقافية في بريطانيا وهو رايموند ويليامز في كتابه الكلمات المفاتيح (1976 ص: 9 – 198) إن لمصطلح «شعبي»  أربعة استعمالات:

1. «شعبي» بمعنى محبوب من طرف الناس.

2. «شعبي» بمعنى نقيض ّللراقي» أي بسيط و دوني،  وهكذا نصطلح على الثقافة بأنها تنقسم إلى ثقافة راقية و ثقافة دونية أو شعبية.

3. «شعبي» بمعنى عضوي، حيث يمكن أن نصف الثقافة الشعبية بأنها كل ما ينتجه الناس بأنفسهم ولفائدتهم، ويحتاج هذا التعريف إلى تعريف نقيض، فما هو نوع المنتج الثقافي الذي لا ينطبق عليه هذا التوصيف؟

4. «شعبي» بمعنى كل ما تنتجه وسائل الإعلام للجماهير قصـــد الاستـــهلاك، وتحـــقق مـن خلال ترويجه أرباحا تجــــاريــــة مــهـــمــة، وتنــــشر ثــقــافـة تســويقـــية هــدفــــها تشجيع الاستهـــلاك، وليـــس الجـــودة ونشــــر الــــوعـــــي السيـــاسي والثقافي.

إن مؤدى المعنى الرابع هو أن وسائل الإعلام تعمل على نشر قيم و معتقدات تنتمي  إلى طبقات اجتماعية  سائـــدة تتحــكـــم في وســـائــل الإنتــاج، وتــفـــرض تصـوراتها ومعتقــداتـها علــــى بـــاقــي الـمـجتــمــع، لتجعل منه سوقا لترويج بضاعتها، حيث لا تقوم بتسويق منتجات فقط، بل تبيع أفكارا وهمية وأحلاما طوباوية ينخرط فيها الإنسان البسيط وينساق وراءها، فيصبح مستهلكا ومروجا لبضاعة تخيلية، غير مدرك للربح الذي تحصده هذه المؤسسات التجارية من عرق جبينه. ورغم أنه يصطلح على الثقافة الشعبية باسم «ثقافة الجماهير» (mass culture) شمال الولايات المتحدة، فلقد ظلت هذه الثقافة مرتبطة بحقل السوسيولوجيا الكلاسيكية ونظريات الثقافة الشعبية المتعلقة بالتعريف الرابع السالف الذكر، لكن ظلت هناك إمكانية دائمة لاصطلاح الثقافة الشعبية على كل ما أنتجته الطبقات العاملة أو الدنيا في المجتمع. إن تعريف الثقافة الشعبية كمنتج تجاري عملت وسائل الإعلام على ترويجه وتمريره بشكل أو بآخر للجماهير لاستهلاكه، عن طريق الفرجة أو التخييل أو الدراما أو الإشهار وما إلى ذلك من ألوان إعلامية، ينتقل بنا إلى المحور الثالث.

 

3. نظريات التقسيم  الثنائي للثقافة :

لقد تمت مقاربة ثنائية الثقافة الشعبية × الثقافة العالمة من ثلاث زوايا مختلفة، نذكر منها المقاربة الليبرالية والمقاربة الماركسية التي تنقسم بدورها إلى مقاربتين: مقاربة لوكاتشية نسبة إلى لوكاتش، ومقاربة التوسيرية نسبة إلى التوسير. يمثل المقاربة الليبرالية فرانك رايموند ليفس الذي يستمد مرجعيته من السيكولوجية الفردية وفلسفة ماتيو ارنولد الذي نادى إبان الثورة الصناعية إلى تشجيع الثقافة العالمة وتعميمها عَلى كافة شرائح المجتمع، حتى تتمكن البورجوازية الصاعدة من تمرير إيديولوجياتها والتحكم في الطبقات العاملة، عبر إيمان هذه الأخيرة بأخلاقيات العمل البورجوازي. وتعتبر هذه المقاربة للثقافة الشعبية تعبيرا عن أوهام الذات الحالمة بجميع أشكالها، فالروايات العمالية كقصص المجلات مثلا ما هي إلا تعبير عن نوازع ومكبوتات هذه الطبقات ورغبتها في تحقيق الأحلام. ومن خلال  هذا المنظور، تبرز الثقافة الشعبية كوسيلة لتفجير المكبوتات، أو كمتنفس يمكن للحالم أن يختبئ فيه من إحباطات الواقع. والمقاربة نفسها تعتبر الرواية العالمة أو الرفيعة شكلا من أشكال الدراسة المتأنية للواقع؛ حيث تستطيع أن تساعد قارئها على فهم واقعه والتعامل معه، لما تحمله في طياتها من أدوات علمية للدرس والتحليل. فهذه المقاربة تخلق جنسين من الأدب، جنس يبحث عن الهروب من الواقع،  وجنس يفضل مجابهته والخوض في معاركه. ويتضح لنا جليا من هذه المقاربة أنها تتمسك بالتعريف الثاني للثقافة، أي هناك ثقافة رفيعة وثقافة دونية لها علاقة وطيدة بالجانب الغرائزي في الإنسان.

والآن ننتقل بكم إلى المقاربة الثانية وهي ماركسية في الأساس، وتنطلق من قولة ماركس وانجلز في كتابهما الإيديولوجيا الألمانية، يقولان: «تشكل أفكار الطبقات السائدة الأفكار السائدة في كل الحقب التاريخية في المجتمع» (1970، ص 64). انطلاقا من هذا التصور، اتخذت مدرسة فرانكفورت تحليل لوكاتش للثقافة البورجوازية مرجعية للتركيز على دور طرق الإنتاج في بناء الحركة الثقـافـية. تفضــي هــذه المقاربة إلــى أن الفــرد في ظــل الرأسمالية أصبح  أكثر ميلا إلى الاستهلاك من الإنتاج،  وأصبح لديه وقت ثالث يعيش من خلاله على إيقاعات الإعلام ووسائله، كما أصبحت الثقافة الشعبية منتجا مفبركا للاستهلاك، بينما  بقيت الثقافة العالمة في عزلة عن هذا التسويق الكثيف، نظرا لنخبويتها ومستوى تجريدها «الرفيع». يؤمن رواد هذه المدرسة بأن هذا النوع من الثقافة جعل الحركات الاحتجاجية والرافضة في جل المجالات الثقافية مزيفة، حيث تتاجر في ترويجها مؤسسات رأسمالية، وذلك ابتداء من موسيقى «الريكي» إلى الحركات النسائية  والإثنية.

تنطلق المقاربة الثالثة، وهي ماركسية بالأساس،  من نظرية التوسير للإيديولوجيا، وتقر هذه المقاربة على لسان ايرنست مانديل بأن فرض الإيديولوجيا السائدة على باقي المجتمع يعتبر أمرا ضروريا، ولكنه ليس كافيا لإعادة إنتاج الحكم الطبقي، وذلك لأنه يجب أن يتم في إطار مفاوضات و تداول بين الطبقات، يقول مانديل: «لتحقيق الهيمنة المستبطنة لطبقة على أخرى لمدة من الزمن، فإنه حتما ومن الضروري أن يقبل أفراد الطبقات المستغلة باستغلال الأقليات للفائض الاجتماعي، وأن يعتبروا ذلك الاستغلال أمرا حتميا ودائما وعادلا» (1982، ص: 29). هناك من النقاد من يعارض فكرة الهيمنة المستبطنة،  مثل أبيركومبي وهيل وتيرنر، اذ يعتبر البعض أن قبول الإنسان المقهور بواقعه ليس نتيجة تخديره بإيديولوجيا الرضوخ والانصياع، ولكن نظرا لإعاقته الاجتماعية والاقتصادية، حيث  أنه يصارع الزمن من أجل البقاء. كما أن نظرية الإيديولوجيا تعطينا انطباعا عن أن الثقافة العالمة خالية من الإيديولوجيا، بينما تشكل الثقافة الشعبية  مرتعا لها، و نحن نعلم أن هذا غير صحيح، فالإيديولوجيات تخترق جميع الثقافات، وتتواجد داخل البنيات اللغوية، إذ تساهم في تشكيل نظرة الذات إلى الوجود.

لقد حاول مجموعة من المفكرين والكتاب الخروج عن المألوف في كتاباتهم، ليعبروا الحدود الفاصلة بين الثقافة الشعبية والعالمة، فأصبحت مواضيعهم تهتم بالرجل البسيط والرتابة اليومية للحياة، ووضعوا بذلك اللبنات الأولى لإعادة النظر في المقنن الذي كان بشكل عام أدبا رفيعا،  يهتم بقضايا النخب الحاكمة،  ونسوق مثال جون لوكاري وكتاباته في أدب الرعب،  بالإضافة إلى كرهام كرين و قصصه البوليسية. هكذا ظهرت أجناس أدبية جديدة وآليات ومناهج مرتبطة بالثقافة الشعبية، وليس لدينا الوقت الكافي لسرد هذه المعطيات، ولهذا نكتفي برؤوس الأقلام  لنبين التجربة الأوربية في هذا المجال:

تطور النظريات اللسانية و الأنثروبولوجية أدى إلى تفكيك الخطاب المقنن وانفتاحه على الثقافة الشعبية التي تحمـــل مفهوم الثقـــافــة بمعــناهــا الأنثروبولوجي. لقد تحولت الثقافة من المفهوم الكلاسيكي بوصفها أداة  لتنمية الفكر من آداب وفنون، إلى مفهوم وصفي يشمل كل طرق الحياة الاجتماعية والثقافية من معتقدات وتقاليد … الخ. ومنذ تطور السيميائيات وانتشار فكرة اللغة كبنية مؤسسة لشخصية الإنسان وذهنيته، ظهر كيرتز بتعريفه الرمزي للثقافة، باعتبارها نسيجا من المعاني والرموز القابلة للتأويل؛ فالذي يعبد الحجر ليس ساذجا وجاهلا، بل إنه يمارس فعلا ثقافيا له دلالته ورمزيته القابلة للتأويل من طرف الممارس  والباحث.

تطور النظريات الماركسية في حقل الإيديولوجيا؛ حيث أصبح المرء ينظر إلى الأدب كخطاب إيديولوجي لا يمكن فصله عن ما هو ثقافي وسياسي،  كما أدت هذه النظريات إلى ظهور الفكر النسائي الذي لعب هو الأخر دورا هاما في تخليص الثقافة العالمة من تجريدها المثالي، ووضعها  في سياق ثقافي مادي ملموس.

تطور علم النفس نحو اللسانيات والسميائيات، وخير مثال في هذا المجال القراءة الرائدة لفرويد من طرف جون جان لكان الذي وضح من خلالها كيف يعمل الخطاب على إنتاج ذهنية ثقافية معينة، حيث بين أن الإنسان ليس سوى مجموعة من الضمائر  اللغوية التي تختلف باختلاف الخطاب من سياق ثقافي لآخر .

ألــــف رايمــــــــونــــد ويــلـــيامــــز ســــنة 1958 كتابه الثقافة والمجتمع، حيث بين كيف أن تاريخ الثقافة هو تاريخ مؤسسات ثقافية. ولقد شهد مركز بورمينكهام للدراسات الثقافية في هذه الفترة حركة فريدة من نوعها لتدريس الثقافة الشعبية، كما أدخلت دروس جديدة للمدارس والثانويات كالدراسات الإعلامية، والدراسات السينمائية، والدراسات الثقافية والتواصل. وهكذا حصلت قناعة لدى الجميع بأنه لا يمكن فهم الثقافة الشعبية بمعزل عن المؤسسات الاجتماعية التي أنتجتها أو أعيد إنتاجها من خلالها، فحتى ذلك النص الأدبي المقنن الذي كان فيما مضى يعتبر نصا خاليا من الإيديولوجيا، أصبح ينظر إليه كنص مؤسساتي له علاقة بالإيديولوجيا السائدة التي تشكل بدورها  فكرا للنخب السائدة، إذ لا يمكن دراسة الثقافة دون دراسة القنوات و الطرق التي تمر عبرها من شخص لآخر، ومن فئة اجتماعية لأخرى.

بدأ الاهتمام بثقافة الآخر في إطار منظور فوكوي لا يؤمن بالأحداث والظروف التاريخية، ولكن بنصية التاريخ وحبكته القصصية. أكد فوكو أن التاريخ أو بالأحرى الجينيالوجيا - لأنه لم يكن مرتاحا لاستعمال كلمة تاريخ نظرا لحمولاتها الإنسناوية - يجب كتابتها من وجهة نظر أولئك  الذين يقفون على هامش التاريخ، وبالتالي فضحايا التاريخ هم ضحايا واقع وخطاب. لقد هزموا مرتين، هزموا من جراء القهر الذي مورس عليهم من طرف الحاكم، وهزموا من جراء التهميش الذي طالهم من طرف الثقافة العالمة. انتشر فكر جديد يقول إن التاريخ روايات صمت الأذان بجلجلة  الغزاة وصهيل الفاتحين، فقد حان الوقت للإنصات إلى المهمشين والمقهورين والمحكومين والتابعين: يجب أن نبحث عن التاريخ في الروايات غير المدونة لضحايا التاريخ، وهكذا بدأت ثقافة الذات المقهورة تطفو على ساحة المدارس والجامعات.

لم يعد خفيا على أبناء الفقراء والطبقة العمالية في أوربا أن ثقافتهم، كثقافة الطبقات الراقية، جديرة بالدرس والتحصيل، فكرة أن الأدب ليس منتجا تجاريا، وأن الثقافة الشعبية فلكلور يخضع للبيع والشراء، فكرة تقـادمــت وحـل محلـها المفهـوم المـاركسـي «نمـط الإنتـاج» «mode of production»؛ أي أن كـــل منـتــج ثــقــــافــي يجــب أن يدرس في إطــار السياق الــتاريـخـي الـــذي تـم فــيه إنتاجه وتلقيه، وهكذا تطورت الدراسات السوسيولوجية والأدبية وتداخلت.

 في أواخر القرن العشرين شكك رايموند ويليامز في أطروحة ليفس بأن مفهوم الثقافة يقتصر فقط على الثقافة العالمة، فإذا كان الأدب هو ثقافة النبلاء، إذن فالثقافة الشعبية تعتبر إنتاجا للطبقات العمالية، ولقد انتقد ريتشارد هوكارت - أحد مؤسسي الدراسات الثقافية في بريطانيا - هذا الرأي وقال إن الفعل الثقافي ليس بهذه السهولة، فلا يمكن لفئة اجتماعية أن تنتج ثقافة حرة في معزل عن أخرى، لأن هناك بنيات اجتماعية متداخلة.

لقــــد عمل ويليامز وهوكــارت علـى نشر الفـكـر المــاركــسي البنيوي كمنهج  لمقاربة الثقافة الشعبية، ولقد لفتت الماركسية نظــر الـــدارســين إلـــى إبـــدال جــديـــد «New paradigm» و هو دراسة أنماط إنتاج الثقافة الشعبية واستهلاكها، كمـــا ساعدت الماركسية البنيوية على فهم النـــص في إطــــار علاقــــته بـــالإيــديـولوجـيا الســائـــدة، أي في عـــلاقتــه بــالبنــيات والمـــؤســسات الاجتــماعية والثــقافــية والسياسية والاقتصادية التي ساهمت في إنتاجه، وكذلك التي تساهم في استهلاكه، حيث كان الأمر مقتصرا في الماركسية التقليدية على دراسة أنماط الإنتاج فقط، مع إغفال الحتمية اللغوية. لقد خلصت أبحاث هوكارت إلى أن الثقافة الشعبية ليست إنتاجا ثقافيا مستقلا عن الطبقات العمالية، ولكن هي بمثابة مجموعة من المعاني والرموز التي تستبطنها هذه الطبقات حين يتم توزيعها من طرف مؤسسات إيديولوجية تتحكم فيها السلطة الاقتصادية. وهنا نعود إلى أطروحة الهيمنة المستبطنة السالفة الذكر، فنجد أنفسنا بين أطروحتين متناقضتين: فكر شعبي رافض من إنتاج الطبقات العمالية، وفكر شعبي مدجن، لأنه استبطن إيديولوجيات اقتصادية وسياسية معينة موجهة من طرف مؤسسات ثقافية / إيديولوجية كالإعلام.  

لقد وصل الوضع الراهن في إنجلترا إلى ظهور جامعات يسارية تدرس الثقافة الشعبية لتعلن عن إيديولوجيا جديدة، إيديولوجيا التضامن مع الإنسان المقهور، ولقد ولج هذه الجامعات كجامعة Essex مثلا طلبة من نيكراكوا، وكولومبيا، ونيجيريا، وماليزيا ودول أخرى من العالم الثالث كالمغرب، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن مشروع الدراسات الثقافية في بريطانيا هو مشروع مجتمعي موجه بالخصوص إلى الطلبة الأجانب الذين سافروا إلى أوربا، تاركين وراءهم زخم ثقافة شعبية ترزخ تحت وطأة أنظمة شمولية استبدادية، ذلك هو حال ثقافتنا الشعبية في الماضي البعيد والقريب. لقد طالها تهميش إن لم نقل اجتثاث قصد الحفاظ على مشروع الدولة، وكأن الثقافة الشعبية نقيض لهذا المشروع. عند هذه النقطة بالذات نقف لنتساءل حول ما وقع في مغرب ما بعد الاستقلال. (نحن لا ندعي أن المغرب الوسيط كان أفضل حالا مما هو عليه الآن).

 

4. أسئلة حول مصير السياسة الثقافية واللغوية بالمغرب:

كيف إذن آل مصير نظير هذا المد الماركسي الأوربي في المغرب، مع العلم أن الماركسية الأوربية قامت بزعزعة خصومها الرأسماليين على مستوى أعلى هرم في السلطة الاقتصادية والسياسية؟ إذا عدنا بعقارب الساعة إلى الوراء، ووقفنا لنتأمل واقع حال الجامعة المغربية في الماضي القريب خلال السبعينيات والثمانينيات، سندرك ما وقع لها، وبما أننا لا نود الخوض في تفاصيل ما حصل، فإننا نكتفي بالقول إن الفكر الماركسي تمت محاربته بشتى الطرق كالقمع التعسفي والاعتقالات والمنع، بل تم تهميش الفلسفة بمنع انتشارها في الكليات، وتم إنشاء بديل يتجلى في شعبة الدراسات الإسلامية، كذلك تم إقبار معهد الدراسات السوسيولوجية في الرباط، وتشتيت هذا العلم إلى معارف جزئية وتقنية عبر مجموعة من المؤسسات، مما منع من تشكل هذا العلم باعتباره مؤسسة قائمة بذاتها. ويبدو أن هناك علاقة إقصاء بين الثقافة العالمة والشعبية في المغرب، ويتجلى هذا الإقصاء في المظاهر التالية:

انتشار إيديولوجيا مخزنيه اختزلت عملية التربية والتعليم في تلقين معارف وعلوم مجردة من البيئة المغربية المعيشة والسياق السوسيو - اقتصادي والتاريخي المحدد لوجودها، وتلك المعارف التي ارتبطت بهذا السياق كانت غالبا ما تعمل على تكريس المنظومة  السلطوية بأشكالها المختلفة، أما بخصوص الخطاب الرافض والذي  كان نادرا و مشتتا فكان مصيره القمع والتبخيس (الخبز الحافي لمحمد شكري، وكتابات المرنيسي على سبيل المثال). وحتى بالأمس القريب،  كان رجل التعليم يشكل بطل النكتة المغربية التي  تمثله في صور مضحكة ساخرة.

انتشار ثقافة دينية عالمة (و مما زاد الطين بلة، عدم تنوع المذاهب  الدينية في المغرب، انظر على سبيل المثال التجربة التونسية) حيث خطأت هذه الثقافة جميع أشكال التدين الشعبي، بينما وجب تفكيك الرموز الثقافية وقراءتها قراءة علمية. واعتبرت الثقافة الدينية السائدة هذا النوع من الممارسات إسلاما خاطئا و رفضته، ورفضها لهذا الإسلام لم يغير من واقع الأشياء.

تم اختزال الثقافة الشعبية في مفهوم الفلكلور،  أي منتجات ثقافية تسوق لتسلية البورجوازية والسياح، في حين أن الثقافة الشعبية ثقافة عضوية تعبر عن هموم الشعب وطموحاته، وهي بمثابة سلوك سوسيولوجي منبثق من البيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها حيواتنا وهوياتنا وذواتنا، كما أن هذه الثقافة بمعانيها وأفكارها ورموزها هي التي تحدد نوع اللغة التي تشكل ذهنية الفرد داخل المجتمع. فإذا كانت هذه الثقافة أسطورية وخرافية، فبالتالي ستنتج معاني وأفكارا وتعابير خرافية وأسطورية تشكل ذهنية ذلك الفرد. نسوق إليكم مثال الاعتقاد في استحواذ الجن على الإنسان والتحكم في أفكاره وسلوكه، فبعد دراسة مستفيضة لهذه الظاهرة في المغرب، رفقة عدد من الباحثين الأجانب، توصلنا إلى خلاصة مفادها أن الامتلاك الجني شكل من أشكال المقاومة والاحتجاج، لأنه يعبر عن إحباطات فئات اجتماعية تعاني أشكالا مختلفة من الهيمنة. كما تظل هذه الممارسات الغيبية شكلا مقبولا اجتماعيا، مادامت لا تؤذي النظام الاجتماعي، وهي تشكل قناة من قنوات التفريغ وتحرير الذات من القيود لفترة وجيزة، تتم بعدها العودة بحيوية ونشاط إلى رتابة الحياة اليومية بشتى أشكالها من خنوع وطاعة وتسليم بالقدر. ومن أهم خلاصات هذه البحوث أن الإنسان البسيط ليست له القدرة على استيعاب القوى الهيكلية التي تحدد هويته ومسار حياته من خلال تمثلاتها التجريدية، ولهذا يختزل هذه القوى في كائن جني لطيف - عنيف - ذي تمثل ملموس ومقبول - يتمكن من صرعه ومحاورته وإبرام عقد هدنة معه إلى حين (انظر محمد معروف وبول ويليس 2010 «الروح الإسلامية للرأسمالية»، 2015 «الربيع العربي في المغرب»، ومعروف 2010 «الأولياء والعدالة الاجتماعية في المغرب: نموذج اثنوغرافي للمحكمة الأسطورية لسيدي شمهاروش»، 2007  طرد الجن باعتباره خطابا للسلطة في المغرب).

إذن فـــإشكـــالــية الثقـــافــــة العضــويــة للــشعــب ليســت بــالأمر السهــل، وتحــتاج إلــى وقــفة للــتأمل في مســــارها، لأن الســؤال العـــريض الـــذي يطـــرح نفـــسه علـــينا هو: ما نوع الهوية الثقافية، وما نوع مشروع المواطنة الذي نسعى إلى تكوينه عن طريق التربية و التعليم؟ هل نبحث عن ترسيخ الإحساس بالانتماء وتوطينه، أم  نبحث عن إظهار ولاءات للمؤسسات الحاكمة، أم عن الشعور بالامتنان والوفاء للسلطة الأبوية، أم عن الارتباط بالأرض (البلاد jus soli)، أم عن  العصبية (الانتماء إلى القبيلة - الدم jus sanguinis)؟ ما نوع السياسات اللغوية والثقافية التي يطرحها مغرب العولمة؟ كيف يستطيع المغرب، باعتباره مؤسسات، إعادة بناء ثقافة رئيسية تضم جميع الروافد العضوية لمكونات هذه الثقافة من امتدادات جهوية وأمازغية وحسانية؟ هل تتوفر الدولة على تراكم علمي يمكنها من مجابهة إشكالية تدريس هذه الثقافات، وتدريس اللغة العامية بما فيها الأمازيغية، ليس فقط في المستوى الجامعي، بل كذلك في المستوى الأولي والثانوي؟ يجب أن نطـمـئن أصـحـاب السـليـقة أنـــه لا خــوف عــلــى مصير الفصحى، باعتبارها لغة القرآن و الدستور و الإدارة الحكومية في ظل مشروع تدريس اللغات المحلية، لان البحث في هذه اللغات سيغني معاجمها، ويكيف بنياتها مع متطلبات المجتمع وحاجياته.

هذه أسئلة تظل مطروحة للدرس والبحث، لكن نرى أنه من الضروري في الفترة الراهنة الإلمام بآليات ومناهج جمع الثقافة الشعبية وتحليلها. إنه لا مناص للجامعات المغربية التي تتوفر على مسالك في العلوم الإنسانية من مأسسة مناهج البحث الاثنوغرافي والانثربولوجي في تخصصاتها، لكي تتمكن من جمع هذا التراث بمختلف تشعباته، ووضعه تحت مجهر تتلون عدساته ونظرته للواقع بتلون النظريات العلمية. هل سنبقى دائما في حاجة إلى «مستشرقين» من أمثال بول باسكون - السوسيولوجي المناضل - لإنشاء حركات ومراكز لدراسة المجتمع والثقافات المحلية؟

بدون اعتماد البحث الاثنوغرافي والأنثروبولوجي، لن يتمكن المغاربة من تدوين ثقافتهم وفهم ذواتهم ولغاتهم، ومن أجل إنجاز دراسات علمية جادة حول الثقافة الشعبية، لابد أن يطلع الباحثون المغاربة على ما قدمه الدارسون في الغرب من آليات ومناهج لدراسة الثقافة الشعبية، لأنهم كانوا سباقين إلى اقتحام هذا المجال، وحققوا نتائج هامة في دراساتهم مكنتهم من خلق إبدال جديد حول النظريات الثقافية. متى سيأتي ذلك اليوم الذي ستدخل فيه العيطة والحضرة وأحواش والراي والغيوان وأغاني خربوشة، والحلقة، والتبراع الحساني والزجل والحكاية الشعبية والأمثال والسبع بوالبطاين او بالمون عند الأمازيغ،  والتغنجة والعنصرة وعاشوراء ورمضان والأعياد وميمونة والكديدة وحليلو وتكشبيلة (من أغاني المورسكيين) وباقي العوائد والمعتقدات والطقوس والممارسات السحرية البرامج الأكاديمية في الجامعة المغربية؟ انه لمن المفارقات الصارخة أن ترى هرولة أكاديمية نحو برامج دخيلة مستنسخة من دراسات أدبية وإعلامية، لا لشيء إلا لأنها قذفت بها رياح عاتية من مناخ العولمة الغربية، وتخجل من وضع الثقافة العضوية للشعب تحت المجهرالأكاديمي. نحن لا ننكر على الغرب تقدمه العلمي، لكن نحن في حاجة إلى استعارة تأملية تراجع الأسس النظرية للمناهج، وتعمل على تطويرها لتكييفها مع الواقع المحلي القديم / الجديد. ولا يفتونا في الأخير أن نثني على كل مجهود أكاديمي، سابق الزمن وخاض معركة البحث والإشراف على بحوث من هذا النوع لإحداث تراكم علمي سيذكره التاريخ، إذ لا يعقل أن حفنة صغيرة من السوسيولوجيين المغاربة - رغم ما أنجزه الكثير منهم من بحوث جادة في هذا الصدد - هي المنوط بها البحث في مواضيع كهذه. هذا مشروع ضخم يجب أن تجند له طاقات كبيرة، ويتطلب موارد مادية وبشرية ومؤسسات وتكوينات توجه الأبحاث في هذا الاتجاه. إن مشروعا كهذا سيعمل على تطوير المنتج الثقافي والاقتصادي المرتبط به، ويمكننا من فهم ذواتنا وهوياتنا، وإعادة بناء ثقافاتنا على مبادئ تعطي للمواطنة أبعادا ثقافية جديدة، و بفضل هذا المشروع أيضا، قد نستطيع صياغة ولاءات وروابط اجتماعية جديدة نوطد بها نسيجنا الاجتماعي.

أعداد المجلة