فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

النخلاوي.. متسلق النخلة بالكر

العدد 33 - لوحة الغلاف
النخلاوي.. متسلق النخلة بالكر

ثمة علاقة ضاربة في القدم تربط بين شعوب الجزيرة العربية وبين شجر النخيل، إذ لم تحظ شجرة بالأهمية التي حظيت بها النخلة في ثقافة هذه الشعوب، وبعض ثقافات الشعوب المجاورة، حيث مرت هذه الشجرة - كغيرها من النباتات والحيوانات - بمراحل من التدجين على يد الإنسان، تحدى من خلالها الانتقاء الطبيعي، ليكيف بعض جزئياتها لمتطلبات حياته المعيشية، إلى جانب رفاهيته، وليستمر إلى يومنا الحاضر منتجاً من خلالها أجود أنواع الرطب والتمور.

هذه الصورة الفوتوغرافية، التي حملها الغلاف الخلفي، تعكس «نخلاوياً» أو مزارعاً بحرينياً يتسلق نخلةً لِـ«خراف» رطبها، ويتبين لنا بأنهُ حافي القدمين وقد بلغ النصف، في مرحلة تسلق النخلة إلى أعلاها، وعلى رأسه يضعُ «السباگ»، كما يُطلق عليه في اللهجة المحكية البحرينية، وهو عبارة عن وعاء مصنوع من الأسل، يوضع فيه الرطب بعد «خرافه»، وتحت هذا الوعاء، يتعمم «النخلاوي» بعمامة من القماش، لتشكل قاعدة يحط عليها «السباگ»، وتسمى في اللهجة المحكية «وگا»، أي الواقي من تأرجح الوعاء وسقوطه.

إن عملية التسلق تلك التي يقوم بها «النخلاوي»، تتم عادةً بأداة بسيطة، ما تزال تستخدم في أغلب البلدان الخليجية، وعلى وجه الخصوص في مملكة البحرين، وتسمى هذه الأداة بـ«الكر»، وهي عبارة عن حبل من الليف، يلتفُ حول جذع النخلة وجسد «النخلاوي»، ويتكون من حبلٍ دقيق هو الذي يُلفُ حول الجذع، ومجموعة متراصة من الأحبال، على شكل مسند يسند «النخلاوي» بهِ ظهره. وقد استبدل الحبل الملتف حول جذع النخلة - في وقتنا الحاضر-، بكابلٍ نحاسي، وذلك لسهولة استخدامه وصلابته، بخلاف الحبل الليفي الذي يحتاج إلى مهارة أكبر واحترافٍ أدق.

يصعدُ «النخلاوي» الجذع، بشكلٍ متذبذب، إذ تتخذُ العملية عدة خطوات، حيثُ يرمي بـ«الكر» في بادئ الأمر إلى أقصى حد يلتفهُ حو الجذع، ثم يقوم بالاعتلاء مستخدماً قدميه، دافعاً جسدهُ للأعلى.. وهو بذلك يقوم بهندسة حركاته، إلى جانب العديد من الحسابات الفيزيائية بالغة الدقة، التي يغفلها العقل الواعي عادة، لكن الخطأ في هذه العملية عواقبه وخيمة، لهذا عليه أن يخلق نوعاً من التوازن في ذبذبة جسده، وطريقة رمي «الكر»، محافظاً على توازنه المتناسق مع الجاذبية.

ويرافق «النخلاوي» في عملية الصعود هذه، «المنجل»، وهو أداة مهمة يستخدمها للقيام بمختلف العمليات التي تحتاجها النخلة عادة، وتتكون هذه الأداة من صفيحة معدنية مقوسة وحادة، تنتهي بمقبضٍ خشبي، إذ يتم استخدام هذه الأداة لعمليات كـ«الترويس»، و«التنبيت»، و«الخفاف»، و«التغليق»، و«الصرام»، ولا يرافق المنجل «النخلاوي»، عندما تقتصر العملية على «الخراف»، وذلك لأن «الخراف» يتم بشكلٍ أحادي، عبر قطف الرطب الناضج واحدةً تلو أخرى، إلا أن «النخلاوي» يحتاجُ لاستخدام المنجل في حال أراد أن يقوم بعملية «الصرام»، أي قطع العذوق بشكلٍ كامل وهي محملة بالرطب.

كل تلك العمليات السالفة الذكر، ليست بالأمر الهين، لهذا نجدُ لها مشتغلين خاصين، يحترفون عملها، ويكونون خبراء ملمين بكافة التفاصيل، من «التنبيت» إلى تحضير اللقاح، ومن ثم القيام بعملية التلقيح.. فلكي تنتج النخلة أجود الرطب، يتوجب رعايتها من قبل «النخلاويين» على أتم وجه!

 

أ. سيد أحمد رضا

أعداد المجلة