فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

ألعاب ذلك الزمان ..

العدد 33 - لوحة الغلاف
ألعاب ذلك الزمان ..

لا يمكن لأحد من أبناء هذا الجيل أن يتصور كيف كانت ألعاب الجيل الماضي، وبالذات منها تلك الفترة التي سبقت اكتشاف النفط، وما تلاها من سنوات قبل أن تستوعب منطقة الخليج والجزيرة العربية معطيات المدنية الحديثة وتكالب صناعات الدول الكبرى على غزو أسواقنا بشتى أشكال الأطعمة والأدوات والمعدات ومختلف وسائل الإلهاء والترفيه ومنها ألعاب الأطفال، التي استبدت بها هي الأخرى آفة الاستهلاك.

كان على طفل الأمس أن يبتكر ألعابه بنفسه، وفي حدود احتياجات ما لديه من وقت للعب، وأن يوظف كل ما يمكن توظيفه من سقط المتاع في محيطه، ليجعل منه أداة طيّعة للعب. كانت الأسرة تلقن الطفل عندما يشب قليلا بأنه كـبُـر، فالذكر يقال له (صير ريّـال) بمعنى كن رجلا، والأنثى «بنيّه على بنيّه .. ولا قعود بطال .. بنيّه تطحن القفة .. وبنيّة تنافع الجار» بمعنى أن خلفة البنات ليست معيبة، فالبنت منذ صغرها تعمل وليس لديها وقت للعب فإما هي بالبيت تطحن ما بالقفة أو هي في مساعدة الجيران. لا وقت كاف للعب لا للولد ولا للبنت. أغلب الأطفال يؤخذون رفقة ذويهم صبية للعمل على سفن الغوص بمهنة (تبّاب) والبنت منذ الصغر يعتركها العمل في تعلم شئون البيت التحضيرية لإعدادها للزواج، فإذا توفر لها وقت للعب ففي فناء البيت.
استخدم الأطفال لوقتهم القصير المخصص للعب كل معطيات البيئة المحيطة من مخلفات، فاستخدم الذكور الجريد والحبال ومعادن العلب الفارغة والكرات الخشبية، معتمدين على الجهد العضلي الذاتي في الركض والتعارك والمبارزات، أما الأنثى فاستخدمت الخرز الملون وعظام الدجاج المجففة والقواقع البحرية وبقايا نسيج الملابس القديمة والقليل من القطن المستهلك لصناعة هياكل بشرية كدمى للعب يطلق عليها جميعا اسم «مدّود» ولا تلعب الـ«المدّود» إلا البنت.
ساعد النجار والحداد في عمل عربات خشبية لمساعدة الطفل على المشي، كما ساهما في صناعة الخضروف المسمى محليا «دوامه» وآخر شبيها به يسمى «بلبول» وكلتاهما قطعتان خشبيتان بأشكال دائرية أو اسطوانية بأسفلهما مسمار يديرهما الأطفال على الأرض بطرق وأساليب مختلفة، وكانت هناك لعبة شهيرة تسمى لعبة «القبّة» وهي عبارة عن كرة خشبية يعتني في صناعتها النجار من خشب الساج وتضرب بعصا بين فريقين متنافسين كل منهما يضرب «القبة» لتصل مرمى الآخر. ومن هنا جاء المثل الشعبي الشهير«لا تلعب بي كما القبة». وساعد الحداد في صناعة حراب صيد الحيوانات البحرية إذ كان صيد السمك والتقاط سرطانات البحر جزء من لهو الأطفال المحبب. وحين دخلت العجلات الهوائية الى حياة الموسرين استخدم أبناء الفقراء العجل المستهلك أداة للعب سميت «دحروج» تدفع بقطعة صغيرة من الجريد على الأرض، ومع دخول السيارات إلى المنطقة استخدم عجل السيارة الهوائي الداخلي المستبدل «سباحة» للعبة الطفو على الماء في البحر وفي عيون الينابيع الكبرى والبرك الشهيرة المنتشرة في بساتين النخيل. وكانت لعبة «التيله»: البليه، هي الوحيدة التي أداتها تستورد من الهند، وهي عبارة عن كرة صغيرة من الزجاج الملون تدحرج على الأرض لتضرب بعضها. كانت الصفائح المعدنية التي يجلب بها زيت الطبخ يجمعها الأطفال فارغة لتقص وتفرد وتشكل على هيئة قوارب صغيرة تجهز بأشرعة وتطلق على سواحل البحر للتسابق بها والمباهاة.
كانت منتجات النخيل مصدرا لعدد من الألعاب المحببة لدى الأطفال فمن الجريد استخدمت قطعة صغيرة مصنفرة بقياس ست بوصات تسمى «قلينه» وأخرى أطول منها (18 بوصة) تسمى «ماطوع» وذلك للعبة  قديمة شهيرة تسمى «القلينه والماطوع» يلعبها فريقان متنافسان. وعلى الغلاف الأول لعددنا هذا ثلاثة فرسان على خيولهم في لحظة انطلاق لسباق مرتقب، إذ كان جريد النخل بسعفاته مصدر إلهام لأطفال ذلك الزمان فتخيلوا كل جريدة فرسا مطهّمة تنتظر فارسا يجري بها في سباق أو في عراك أخوي.
هكذا كانت طفولة الأمس البعيد، وهكذا هي ألعابهم الأثيرة التي لا تمل ولا تستهلك لدقائق وترمى، ولم يكن بألعابهم لاعنف ولا رعب ولا سفك دماء.


أ. علي يعقوب

أعداد المجلة