فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
31

قراءة في دراسات عالم الأدب الشعبي الدكتور ابراهيم عبد الحافظ

العدد 31 - جديد النشر
قراءة في دراسات عالم الأدب الشعبي الدكتور ابراهيم عبد الحافظ
كاتبة من مصر
 

فقد الوسط العلمي والثقافي العربي في يوليو الماضي 2015 أستاذ وعالم جليل هو الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الحافظ أستاذ ورئيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون.

 وابراهيم عبد الحافظ يمثل الجيل الثالث من رواد علم الفولكلور في الوطن العربي بعد عبد الحميد يونس ورشدي صالح ثم محمد الجوهري وفاروق خورشيد وأحمد مرسي وعبد الرحمن أيوب وعبد الحميد حواس وسعد الصويان وهاني العمد، ثم اسماعيل الفحيل وعبد الحميد بورايو وعلي عبد الله خليفة وصلاح الراوي إلى آخر هذه القائمة التي تحفل بروادنا العظام في مجال بحث الدراسات الشعبية العربية، والتي لا يتسع المقام هنا لرصدها. وهو ما يجعلنا نعيد التفكير مرة أخرى في الدعوة التي أطلقها علي عبد الله خليفة من أجل توثيق جهود علماء الفولكلور في الوطن العربي حيث لا زلنا في حاجة للم الشمل من أجل الوقوف على حركة البحث العلمي العربي في هذا المجال. ونحن نعلم أن هناك العشرات- إن لم يكن المئات- من المتخصصين منذ بداية الاهتمام الأكاديمي بالفولكلور العربي قد بذلوا جهودًا جبارة في الجمع والبحث والتحليل ولا نعرف عنهم شيئًا.. ربما تنبهنا حالات فقد أستاذ أو عالم في بلد عربي أو آخر بدور هذا العالم في المجال، فنتسابق للتعريف بجهوده العلمية على نحو ما سنعرضه في هذا المقال. وكل الرجاء أن ننهض بالتعريف بروادنا أحياء قبل أن يرحلوا عن عالمنا الصغير.

أما الأستاذ والرائد الدكتور ابراهيم عبد الحافظ فقد شرفت بالاشتراك معه في عدة مشاريع وأعمال منشوره، كمشروع التوثيق الببليوجرافي لعلم الفولكلور وعلم الاجتماع، ومشروع سيوة- طنجة لتوثيق التراث الشعبي السيوي، ومشروع الميدلهر لتوثيق التراث الشعبي المرتبط  بالنيل.

سيرة ذاتية:

 إبراهيم عبد الحافظ من مواليد محافظة الدقهلية بمصر عام 1951، حصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة عام 1973، ودبلوم المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون عام 1990.. ثم حصل على ماجستير الفنون الشعبية تخصص الأدب الشعبي عام 1995، ودكتوراه الفلسفة في الأدب الشعبي عام 1998 بتقدير مرتبة الشرف الأولى. وتدرج في عمله الأكاديمي بالمعهد العالي للفنون الشعبية بداية من درجة معيد ومرورًا بدرجات مدرس مساعد ثم مدرس ثم أستاذ مساعد حتى درجة أستاذ ورئيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد.. وخلال هذا المشوار تولى مهمة وكيل المعهد، ونشر العديد من الدراسات الأكاديمية المهمة في تاريخ بحث الأدب الشعبي، كما شارك في عشرات الملتقيات الوطنية والدولية.

الانتاج العلمي المنشور:

 أسست الدراسات العلمية المنشورة لابراهيم عبد الحافظ لنقاط فارقة في حركة البحث الفولكلوري العربي فتجاوزت مجرد كونها دراسات منشورة إلى مشروعات علمية استفاد بها الباحثون في المجال بعد ذلك، فصدر له أربعة كتب رائدة في مجال الأدب الشعبي العربي بدأها بكتابه “ملامح التغير في القصص الشعبي الغنائي”، ثم كتابه المميز “الفنون الأدبية الشعبية: دراسة في ديناميات التغير”، ثم كتابه حول “الشعر الصوفي الشعبي”، وأخيرًا كتابه العمدة “دراسات في الأدب الشعبي”. كما شارك في إعداد الببليوجرافيات العربية في مجالي الفولكلور وعلم الاجتماع. كما شارك في إعداد موسوعة التراث الشعبي العربي، وموسوعة لغة الحياة اليومية. وخلال هذه الدراسات المهمة، نشر ابراهيم عبد الحافظ مجموعة مميزة من الأبحاث التي شارك بها في الملتقيات الدولية، والدوريات العربية، فضلاً عن الترجمات العلمية لبعض الدراسات المتخصصة في التراث الشعبي، سنعرض لها في الجزء التالي:

-1 الدراسات المتخصصة في الأدب الشعبي:

أصدر إبراهيم عبد الحافظ أربعة كتب رئيسية أسس من خلالها لعدة اتجاهات منهجية في بحث الأدب الشعبي المصري والعربي، أولها في مجال القصص الغنائي في كتابه «ملامح التغير في القصص الشعبي الغنائي» الصادر عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بكلية الآداب، جامعة القاهرة عام 2001. أما الكتاب الثاني فقد صدر عام 2004 عن المركز نفسه، من خلال مشروع التراث والتغير الاجتماعي بجامعة القاهرة تحت عنوان «الفنون الأدبية الشعبية: دراسة في ديناميات التغير. أما الكتاب الثالث فقد خصصه لبحث الشعر الشعبي الصوفي، وصدر عن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بوزارة الثقافة المصرية عام 2008. والكتاب الأخير رصد فيه دراساته وأبحاثه المنشورة في الدوريات والملتقيات العربية تحت عنوان «دراسات في الأدب الشعبي» وقد صدر عام 2013 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة الدراسات الشعبية. وسنعرض لهذه الدراسات بالتفصيل في الجزء التالي:

أ- ملامح التغير في القصص الشعبي الغنائى

هذا الكتاب دراسة ميدانية ترصد مظاهر التغير في القصص الشعبي الذي يغنيه المنشدون الصييتة خلال النصف الثاني من القرن العشرين في دلتا مصر، تعـرض المقدمة لأهداف الدراسة ومنهجها الـذي يقوم على مزج بين الجهود النظرية مثل البنائية والوظيفية ووصف أساليب الأداء. وتحدد الدراسة القصص الغنائي الشعبي المصري الحديث في ثلاثة فروع هي:

 1  - قصص الكرامات والمعجزات (قصص المداحين).

 2  - المواويل القصصيـة (قصص المغنـي البلدى).

 3 - القصص الديني الاجتماعي (قصص المنشدين  الصييتة) وهو ماتهتم به الدراسة.

وتعرف القصة الشعبية الغنائية بأنها «حكاية منظومة في شكل شعري شعبي موال أو زجل، وقد تجمع بين الزجل والموال. وتتضمن حوادثًا وشخوصًا قد تتركز على أساس تاريخي أو تراثي ديني أو أساس اجتماعي وتقدم عن طريق الغناء. وفي عرضه للجانب الميداني بالباب الأول يتناول عبد الحافظ منطقة البحث (محافظة الغربية) وأهم ملامحها التاريخية والثقافية، والعوامل التي ساعدت على انتشار القص الديني في الدلتا عمومًا وفي الغربية بصفة خاصة، وذلك لوجود ضريح السيد البدوي وإقامة موالد ثلاثة له كل عام، وانتشار المنشدين الصييتة رواة القصص في قرى المحافظة، ثم انتشار شركات الصوتيات التجارية. ويرصد أنماط القصص الشعبي في منطقة الدراسة مثل قصص المعتقدات المحلية حول الأولياء، والحكايات الشعبية، والسيرة المروية، والمواويل القصصية بما يمثل رصدًا للمهاد الثقافي للقصص موضوع الدراسة. ثم يشرع المؤلف في تصنيف المادة الميدانية تصنيفًا مـوضوعيًا إلى قسمين رئيسيين يـرد تحت كل منهمـا عدة أقسـام فرعيـة وهما :

1 - القصص الديني.    2  - القصص الاجتماعي والأخلاقي.

 ثم يعرض لمظاهر التغير التي لحقت بطرق التعلم وأساليب انتقال المادة القصصية الشعبية بين المؤدين من حيث أن كبار السن منهم تلقوا تعليمهم في الكتّاب وبدأوا حياتهم كمنشدين للذكر وتتلمذوا عن طريق متابعة منشدين كبار، أما صغار السن فقد تلقوا تعليمهم في المدارس الحكومية ولم يبدأو كمنشدين للذكـر ويتلقى أغلبهم مادته عن طريق المدونات أو أشرطة التسحيل الصوتى. ثم يرصد الفرق بين مظاهر الاحتفال بمولد النبي في مدينة القاهرة، والاحتفال الشعبي في قرية من قرى المحافظة. ويناقش عبد الحافظ اتجاهين منهجيين في دراسة الأداء أحدهما يدرسه بوصفه نشاطًا اجتماعيًا Social Activity وتفاعلًا عبر الوسائل الفنية، وثانيهما يدرسه بوصفه نشاطًا اتصاليًا أو حالة من السلوك الاتصالي Mode of communication تهدف إلى توصيل رسالة معرفية. كما يعرض لجماليات الأداء للقصة الشعبية من خلال وصف ليلة إنشاد في إحدى القرى، والمقارنة بين أداء اثنين من المنشدين لقصة واحدة. ويطرح تساؤلاً مفاده: لماذا استحدث الرواة قسم السرد في القصة الغنائية. وينتهي إلى أن ذلك يرجع إلى رغبة المنشد في إدخال تعليقاته الخاصة وتفسيراته وشروحه للنص من خلال استخدام تقنيات خاصة أهمها خلق محاورة مع الجمهور، وتأطير النص بالجانب الديني، والشحن الدائم باختبار المتابعة …إلخ.

أما الباب الثاني من الكتاب، فيرصد شواهد التحول في القصص ذاته، ويعالج التشكيل الشعري للقصة الغنائية التي تتكون من مقطوعات زجلية تحتوي كل منها على مربعات زجلية يتبعها مواويل خماسية غالبًا أو سباعية أحياناً. ثم يتناول تأثير الأنماط القصصية الأخرى على هذا القصص ومنها تأثره بقصص المداحين في الكرامات والمعجزات، وتأثره بالسيرة الهلالية التي تجمع هي الأخرى في أدائها بين السرد والغناء، وبالحكاية الشعبية وحكايات المعتقدات المحلية، وبالمواويل القصصية. ويناقش أيضًا التحول من الشفاهية النقية إلى الشفاهية الثانوية، ويرصد تأثير نص مكتوب (مدون) على الرواية الشفاهية من خلال المقارنة بين روايات ثلاث سجلت اثنتان منها عام 1978، وثالثتها عام 1996. وتبين من خلال المقارنة أن قسم الزجل لا يعتريه أثناء الأداء تغير يذكر بينما يتغير قسم الموال، وقد يحذف ويستبدل مواويل أخرى. أما القسم النثري فهو القسم الذي استحدثه المؤدون حديثًا وهو يختلف كثيرًا بين راوٍ وآخر. كما يرصد التحول من القص الديني الذي كان سائدًا إلى القص الاجتماعى. وتنقسم مراحل التحول إلى ثلاث هي :

1 - ما قبل عام 1967 وشهدت غلبة القصص الدينى.

2 - من أوائل السبعينيات وحتى حرب عام 1973 وشهدت ظهور القصص الاجتماعي إلى جانب القصص الدينى.

3 - ما بعد الانفتاح الاقتصادي وحتى الآن.

كما يعقد مقارنة بين القصص الديني والقصص الاجتماعي من حيث ميل أولهما إلى الثبات والارتكاز على التراث وتضييق دائرته في البطولات المعجزة والشخصيات التاريخية (الشخصيات الثقيلة) ويدور في أماكن ثابتة، بينما يميل الثاني إلى التنوع وتتوسع دائرته بما يدور في المجتمع من قيم اجتماعية وشخصيات من الحياة العادية. وتتعدد موضوعاته الاجتماعية والأخلاقية وتتغير أماكن أحداثه فهو ابن القيم السائدة مثل القناعة والصبر ورعاية اليتيم والعدل وطاعة الوالدين والأمانة...إلخ. ويختم هذا الباب بمناقشة البنية السردية لكل من القصص الديني والقصص الاجتماعي فيعرف بالبنية السردية ثم يجرد القصة إلى وحدات أساسية بما يسفر عن التوصل إلى تكوين القصة الدينية من أربع وحدات، بينما تصل الوحدات القصصية في القصة الاجتماعية إلى أكثر من خمس أو ست وحدات، حيث تكثف القيمة الأخلاقية في البداية ويتسلسل الخط السردي في القصة بعد ذلك. ويعرض هذا الجزء لأهم سمات القصة الغنائية التي تتمثل في قلة المشاهد القصصية وتتابع الخط السردي حتى الوصول إلى الحبكة في النهاية ثم توفر ثلاثة من قوانين القص الشعبي التي اكتشفها Axel orlik في هذا القصص وهي قانون الاثنين في مشهد، وقانون التضاد أو التناقض، وقانون البداية والنهاية. ومن أهم نتائج هذه الدراسة:

 1 - أن هناك فروقًا بين كبار السن وصغار السن من رواة القصص الغنائي (المنشدين الصييتة) في عدة وجوه منها : الاختلاف في طرق التعلم وتناقل المادة، والمحفوظ القصصى.

 2 - أن القديم لا يذهب أدراج الرياح، بل إن إبداعات الأفراد الموهوبين من الرواة تضيف إليه ومن ثم تسهم في التحول من التواتر الشفـاهي إلى الشفاهية الثانوية والاعتماد على النصوص المكتوبة.

 3 - أن استحداث الرواة لقسم السرد في أداء القصص جاء وفق ضرورة فنية، وبسبب تأثر القصص ببعض الأنمـاط القصصية الأخـرى كرواية السيرة والمواويل القصصية والحكايات.

 4 - أن مراحل التحول في حصيـلة المنشدين من الديني الخالص إلى الاجتماعي تنقسم إلى عدة مراحل.

5 - أن التحول إلى القصص الاجتماعي قد أعطى فرصة كبيرة للرواة بأن ينوعوا في موضوعاتهم لمعالجة العلاقات الأسرية والقيم الاجتماعية والأخلاقية كالصبر والقناعة والعدل والأمانة والوفاء وبر الوالدين …إلخ.

6 - أن هناك اختلافًا في البنية السردية للقصص الذي يرتكز على التراث الديني وهذا الذي يرتكز على الواقع الاجتماعي من حيث عدد الوحدات القصصية والمضامين.

ب - الفنون الأدبية الشعبية:

هذا الكتاب صدر عام 2004 عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية كما أشرنا. وفي تصورنا فإنه يعد من أهم دراسات الأدب الشعبي وفنون الأداء خلال ربع القرن الماضي، ويحمل عنوان “الفنون الأدبية الشعبية: دراسة في ديناميات التغير”، فالمتأمل لطبيعة المأثورات الشعبية بعامة والفنون الأدبية الشعبية بخاصة، يجد أن عوامل عديدة تعمل دورها في تغييرها، فالمأثورات الشعبية تتعرض ضمن جوانب الحياة التقليدية لوطأة التعديلات والتغييرات الناتجة من تبني أساليب الحياة الحديثة، ومن التوسع في استخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة، ومن تغير البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع وفقًا لضرورات التحضر والتحديث.ولقد أولت ثورة 23 يوليو عام 1952 فنون الشعب اهتمامها فأنشأت لجنة لرعاية هذه الفنون في الخمسينيات، وأنشأت مركزًا لجمع مواد التراث الشعبي المختلفة حينذاك، واهتمت من خلال أجهزة وزارة الثقافة (الثقافة الجماهيرية – قطاع الفنون الشعبية بالوزارة) برعاية المؤدين الشعبيين، كما سعت ثورة يوليو كذلك إلى تقديم فنون الأداء الشعبي من خلال الإذاعة والتليفزيون، مما كان له بالغ الأثر- بجانب عوامل عديدة أخرى – في تغير هذه الفنون.وبالإضافة إلى تأثير المؤسسات الحكومية ووسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة في تغير الفنون الأدبية الشعبية، فإن هناك عوامل مجتمعية أخرى تتمثل في التعليم والهجرة وانتشار الكهرباء في الريف والسفر إلى الخارج، وغيرها من العوامل والتي تترك أثرها في المؤدين الشعبيين وفي الجمهور المتلقى لهذه المأثورات. وقد أفاد الناس كذلك من انتشار أجهزة الكاسيت ومن ثم اتسعت دائرة الاستماع إلى ألوان مختلفة من الغناء توازت مع التنوع الذي نشأ عن توجهات الناس وميولهم.

ويهدف هذا الكتاب إلى رصد تأثير العوامل المشار إليها فيما سبق والكشف عن التفاعلات المختلفة التي تؤدي إلى التغير في بعض الفنون الأدبية الشعبية – وبخاصة السيرة التي يقدمها شعراء السيرة، والشعر الصوفي الذي يؤديه منشدو الذكر الصوفى، والموال بأنواعه المختلفة الذي يؤديه المغنون البلديون – وذلك عندما تتبناها المؤسسات الثقافية.ولتغطية المحاور الرئيسية لموضوع الكتاب أو تجلية فهمنا للدوائر المتداخلة في عملية التغير في الفنون الأدبية الشعبية، قسمت الدراسة إلى عدة فصول تغطي هذه الدوائر. فخصصت فصلاً للظروف المجتمعية والمتغيرات التي طالت الريف المصري منذ قيام الثورة وحتى الآن. وحاولت أن ترصد أثر هذه المتغيرات في المناسبات التقليدية التي تؤدي فيها الفنون الأدبية الشعبية محل الدراسة، مشيرة إلى بعض المناسبات الجديدة التي ظهرت في رحاب المؤسسات الثقافية مثل احتفالات شهر رمضان والاحتفال بالأعياد القومية وأعياد المحافظات. ثم خصصت الدراسة فصلاً آخر للتأريخ لمسار الاهتمام بفنون الشعب وعلاقة مؤسسات وزارة الثقافة بالمؤدين الشعبيين حاملي هذه الفنون، مركزة الحديث على جهاز الثقافة الجماهيرية ودوره في هذا المجال. وكان من الضروري في هذا الإطار أن تشير إلى فرق الغناء الشعبي في الأقاليم وطبيعة تكوينها والبرامج التي تقدمها وكيفية إعدادها فنيًا وإداريًا. بما يشكل في النهاية إضاءة لموضوع العلاقة بين المؤدين الشعبيين والمؤسسات الثقافية.ثم انتقلت الدراسة إلى الدائرة الثانية من شواهد التغير وهي دائرة المؤدين الشعبيين بوصفهم حملة الفنون الأدبية الشعبية، فخصصت فصلاً للتعرف على التغير الذي لحق بأساليب التعلم والوسائل الجديدة في هذا المجال، ومنها ظهور شرائط التسجيل الصوتي، والتدريبات والبروفات داخل الفرق الشعبية، وما نتج عن ذلك من تراجع لنظام التلمذة أو التبني الفني الذي كان سائدًا بين الأجيال السابقة، وتراجع الارتجال بين الأجيال الجديدة من المؤدين الشعبيين. وأما الشاهد الثاني من شواهد التغير في هذه الدائرة فهو شهرة المؤدين الشعبين والعوامل المؤثرة فيها مثل انضمام المؤدين إلى الفرق الحكومية، واتصالهم بالميديا، أو اتصالهم بالشخصيات المثقفة المهتمة بالمأثورات الشعبية، ثم إنتاجهم لشرائط التسجيل الصوتي التي ساعدت على توسيع دائرة شهرتهم، وبينت الدراسة كذلك أثر سفر هؤلاء المؤدين للخارج وأساليب الدعاية الجديدة التي يلجأون إليها للحصول على الشهرة.

وبعد أن فرغت الدراسة من رصد شواهد التغير بين المؤدين انتقلت إلى دائرة أخرى وهي أساليب الأداء، فخصصت لها فصلين كذلك، حاولت فيهما أن ترصد أساليب الأداء التقليدية في الفنون الأدبية الثلاثة (السيرة، الموال، الشعر الصوفى) ثم بينت أثر التقنيات الحديثة في الأداء والأساليب الجديدة التي ظهرت بين المؤدين. ولكي تشرح الفرق بين طبيعة العرض في سياقه الشعبي وسياقه الجماهيري عرضت لعدد من العروض في السياقين، وتوصلت إلى عدد من الشواهد على كيفية قيام المؤدين بتعديل طبيعة العرض بما يتوافق مع سياق الأداء الجماهيرى، سواء كان العرض يتم في دار الأوبرا أو في الندوات والمؤتمرات أو المسابقات الثقافية أو في الفنادق والملاهي الليلية، مشيرة إلى الضغوط التي  تتركها هذه العروض على المؤدي الشعبي من حيث حضور بعض الشخصيات المهمة أو تقديم الرسالة التي  ينقلها المؤدي عبر وسيط (راعى) آخر، أو تعديل التقاليد وتصميم الأداء مسبقاً. وما كان لدراسة التغير في هذه الدائرة وهي دائرة الأداء من أن تكتمل إلا بتخصيص فصل للجمهور، بوصفه أحد أضلاع عملية الأداء الثلاثة وهي : المؤدي – النص – الجمهور، فحاولت الدراسة أن تشير إلى أثر تغير الجمهور على أساليب الأداء وأثر جمهور السياق الجماهيري في تغير هذه الأساليب، ثم دور الجمهور الافتراضي لشرائط التسجيل الصوتي في هذا المجال. وحظي النص بدوره بنصيب كبير من دراسة شواهد التغير فهو أهم الدوائر؛ ولذا خصصت الدراسة لهذه الدائرة هي الأخرى فصلين هما الفصل العاشر والحادي عشر تناول أولهما عملية إعادة إنتاج النصوص الشعبية، وأهم العمليات التي تدخل فيها من حيث التنويعات النصية عن طريق التكرار أو تعدد النصوص للفكرة الواحدة أو التنويعات الشكلية للنص الواحد، ثم أوردت نماذج لتأثير النص المدون كمصدر لإعادة الإنتاج، والوسائط الجديدة لإعادة الإنتاج، ومن بينها شرائط التسجيل الصوتى، واللجوء إلى مؤلفين محترفين، والتأثر بنظام الميديا في المسلسلات، وأثر التدوين في النص، وطرق الإزاحة والإحلال التي  تحدث للنصوص بسبب الاتصال بالجماهير المثقفة أو بسبب السياقات الجديدة. أما مضمون النصوص فقد عالجته الدراسة في الفصل الأخير الذي تناولت فيه التحول في بعض الرموز الصوفية في الأشعار الشعبية، وتصوير البطولة الدينية، والتحول عن قصص الفروسية إلى قصص الحب، وسيطرة أبطال الميديا على النماذج البطولية. ثم عالجت القيم الأخلاقية والاجتماعية في الموال القصصي وتحولها من قصص تدور حول الثأر والشرف إلى القصص الاجتماعي الذي يعالج العلاقات الأسرية ورثاء القيم. وقد لوحظ سيطرة الموضوعات الوطنية على الموال العادي وبخاصة لدى المؤدين الذين يتصلون بالمؤسسات الثقافية، وكان من بين الأمور المثيرة للحيرة قلة المواويل القصصية التي ترصد المناسبات الوطنية المهمة مثل انتصارات أكتوبر عام 1973 على غير ما كان متوقعاً. وأخيرًا أوردت الدراسة الموضوعات الجديدة التي ظهرت في الموال العادي لتواكب جميع المناسبات الوطنية.وقد ذيلت الدراسة بخاتمة بأهم النتائج التي توصلت إليها وبالمصادر والمراجع التي استعانت بهـا، فضلاً عن عدد من الملاحق تحتوي على نماذج لبعض النصوص الميدانية ودليل العمل الميداني والرواة والميديا الصغيرة.

جـ - الشعر الصوفي الشعبي:

هذا الكتاب خصصه إبراهيم عبد الحافظ لدراسة نوع محدد من أنواع الأدب الشعبي وهو «الشعر الشعبي»، وبخاصة الصوفي منه، وصدر عن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بوزارة الثقافة عام 2008.

والكتاب دراسة للشعر الصوفي في سياقه الثقافي والاجتماعي جُمعت مادته الميدانية من موالد الأولياء، وحلقات الذكر الصوفية، وحضرات الساحة في محافظة القليوبية.

اشتمل على مقدمة وثلاثة أبواب، ويسجل إبراهيم عبد الحافظ الهدف من الدراسة في محاولة جمع كم مناسب من مادة الشعر الصوفي الشعبي ورصد الظروف الثقافية التي يؤدي فيها، ومحاولة التعرف على رواة الشعر (منشدي الذكر)، والكشف عن أثر المعتقدات والتصورات الصوفية في تشكيل النصوص،بالإضافة إلى بعض الجوانب الفنية في الشعر.

وتُعرِّف الدراسة الشعر الصوفي الشعبي بأنه “الشعر المؤدي في موالد الأولياء وحلقات الذكر وحلقات ساحات الأولياء ويلتزم القوالب الشعرية الشعبية مثل الموال والزجل ويتوسل بالعامية على الرغم من أدائه مع الشعر الفصيح، وهو يعبر عن معتقدات جماعات أتباع الطرق الصوفية من الدراويش في المناسبات الدينية”.

يعالج الباب الأول في فصلين الإطار النظري والمنهجي للدراسة، يتناول أولهما الإشارة بإيجاز شديد إلى بعض الإسهامات النظرية في مجال الفولكلور مثل البنائية الوظيفية، ويعرض للدراسات السابقة مثل دراسة رشدي صالح في كتابه “الأدب الشعبى”، ودراسة محمد قنديل البقلي في كتابه “أدب الدراويش”، والدراسة الحديثة للباحث الكندي إيرلي والتي أجريت خلال الثمانينات على «منشدي الذكر في مصر». أما الفصل الثانى فيتناول الإجراءات المنهجية التي اتبعت في جمع المادة والصعوبات التي واجهت الدارس ومن أهمها التسجيل في الميدان الطبيعي وتدوين المادة الشعبية (النصوص).

وفي الباب الثاني الذي ينقسم إلى أربعة فصول يأتي الجانب الميداني، ويعني الفصل الأول بمنطقة الدراسة (محافظة القليوبية) من حيث ملامحها التاريخية والاجتماعية والثقافية، وبصفة خاصة الظواهر الثقافية قريبة الصلة بموضوع الدراسة وهي الموالد، والأولياء، والطرق الصوفية. ثم يعرض لبعض المعتقدات مثل الزار (أبو الغيط في قرية أبي الغيط) والاعتقاد في الجن. ويعنى الفصل الثاني بإيراد النماذج المختارة للنصوص الميدانية موثقة (الراوي - تاريخ التسجيل - مكان التسجيل - المناسبة …إلخ) ومصنفة تصنيفًا موضوعيًا، ومشروحة شرحًا لغويًا مما استخلصه الباحث من أقوال الرواة ومن بعض المصادر.

وقد صنفت المادة إلى أربعة أقسام هي:التوحيد، والمديح، والتوسل والاستغاثة والمدد، وتعاليم الدراويش والمواعظ. ويأتي تحت كل قسم عدة موضوعات فرعية.

وأما الفصل الثالث فيتناول الأداء والمؤيدين والجمهور من حيث طرق التعلم السائدة بين المنشدين وأهمها التعلم عن طريق التلمذة على الشيوخ الأكبر سنًا داخل الطرق الصوفية (في الحضرات المرتبة أو الأسبوعية للطريقة)، ثم التحول إلى الإنشاد بصحبة فرقة موسيقية بعد ذلك وفق مراحل يمر بها المنشد وهي الهواية،ثم التطبيق (الممارسة الفعلية)، ثم الأداء الاحترافي. كما يعرض لتقاليد الأداء ويقسمها إلى نوعين :

 1 -تقاليد الأداء داخل الطرق الصوفية.

 2 -تقاليد الأداء في الموالد والليالي التي يحكمها ارتباط منشد الذكر بالطرق وشيوخها، بالإضافة إلى طبيعة الاحتراف، وما يفرضه على التقاليد وما يميز أداء النص الصوفي الشعبى في الموالد، التداخل بين العناصر المختلفة (النص - الموسيقى الآلية - حركة الذاكرين). وينقسم الجمهور إلى فئات ثلاث هي  :

 1 - شيوخ الطرق وأتباعها من الدراويش.

 2 - مجموعة ممن يعجبون بالمنشد ويحرصون على متابعته.

 3 - أبناء القرية والمنطقة المحيطة بمكان المولد.

 ويصف الفصل الرابع أساليب أداء النص الصوفي من خلال التمييز بين النص في مصدره المطبوع (في حالة اعتماد المنشد على مصدر معروف) والنص المؤدى الذى يخضع من قبل المنشد إلى تعديلات وتبديلات. ويقدم وصف الأداء على رصد المدة الزمنية التي يقطعها كل مؤد في أداء مقطع شعري معين، وطريقة تكراره للمقاطع، ويعقد مقارنة بين اثنين من المنشدين في أداء نص واحد بهدف إبراز ما يميز أسلوب أداء كل منها عن الآخر.

ويعنى الباب الثالث بتحليل النصوص في ثلاثة فصول يتناول أولها تحديد الرموز الصوفية عمومًا في نوعين:

 1 - رموز نصية (قولية) مثل : رمز المرأة الذى يرجع إلى أبعاد أسطورية، ودينية سماوية، وعربية تراثية. فأما الأسطورية فمنها إيزيس الإلهة بوصفها رمزًا للحكمة، والدينية السماوية مريم العذراء بوصفها وعاء التقوى، والعربية التراثية تتمثل في الغزل العذري عند المحبين. ثم رمز الخمر الذى يرجع إلى أصول مسيحية وعربية تراثية من وصف الخمر في الأديرة وأوصافها عند الشعراء. والرموز المسيحية التي دخلت مع الرهبان السريان.

 2 - طقوس شعائرية ذات دلالات رمزية مثل الذكر، والعهد، والخلوة، ولبس الخرقة، والشرب … ومن أمثلة النصوص التي تتناول العهد :

يــــا واخــد العهـد عــن شيخـك وعن عمك

دا العهـد غــــالــــي، وفيـه نــــــور هــــــا يلمـــك

إن صنت عهـدك هتبقى من رجـال عمك

وان خنت عهـدك هتحرم مــن رضا عمك

دا أمــــر عمـــك كــــأنـــه أمـــر أبـــوك وأمــــــك

ويرصد الفصل الثانى الرمز في سياقه الشعري الشعبي من خلال أربعة نماذج ميدانية تبرز رمز المرأة وتصف الجلالة بصفات أنثوية وتظهرها بعيوب خلقية، وبما يعرف بالثنائية الملتزمة، وتستخدم النصوص بعض الألفاظ والصور عن الخمر، منها خمار جمع الصفا، (دراويش الصوفية في الحضرة)، والدير، والشماس، والدن.. ومنها النص التالي :

خمــــــار جمـــــــــع الصفــــــــا، شـافــــــــــوا الخمـــــــــر في دنـــــه

تمـايلـــــــــــــــوا للطـــــــــــــــرب لمــــــــــــــا شافــــــــــــــــــــــوه غنــــــــــــــــــوا

وهنـــــــد تـرقص وسعــــــــاد ماليـــــــه الكــــــاس علــى رنـــــه

وصاحب الكيف مجبور يمد فمه عـلى الكاس ويكنه

وكلهـــــــــــم مستنظـــــرين حضـــرة النبـي يستأذنوا منه

لمـــــــــــا حضـــــر حضـــــــــرة النـبــي،  دنـــوا الجميــــــع منـــــه

قــــــــــــال يــــــــا سعــــــــــاد هــــــــــاتـــــــــى الخمـــــــــــور والنـــــــــــــور

واللــــــــــــى يعجبــــــــــــه صـنــــــــــف، أعطـــى لــــــه كتيـر منـه

بـــــــــس قبـــــــــل مــــــــــــا تعطيــــــــــه في دفتــــــــــــره ومضيــــــــه

وعنـــدمـــــــــا تمضيـــــــه يبــــــان لــــــك مـــــــا جــــــرى منــــــه

وفي الفصل الثالث رصد لخصوصيات التعبير في الشعر الصوفي الشعبي وهي  تنقسم إلى :

1 - خصوصيات شكلية تتمثل في تسمية الموال الصوفي «شرح وتوحيد حروف الروي في الموال الواحد» ليتحول إلى نص مفتوح ليلائم السياق الذي يؤدى فيه وهو مجلس الذكر.

2 - خصوصيـات موضوعية وتتمثل في تصوير البطولة الدينية من خلال المدائح التي توجه للنبي ولآل البيت والأولياء. فالنبي نور وهو يتمثل جزءًا من طبيعة الله في العفو والقدرة، وهكذا تمتد بطولاته ونوره إلى سلالته مـن آل بيته وإلى الأولياء وخاصة الأقطاب.

ومن مظاهر الخصوصية الموضوعية تأثير المعتقدات الصوفية في تشكيل النص ومن ذلك الاعتقاد في حضور روح النبي والأولياء إلى مجالس الذكر، ووجود حكومة باطنية للأولياء، والاعتقاد في أن كرامات الأولياء تعدل معجزات الأنبياء...إلخ.

3 - وأما الخصوصية اللغوية، فإنها تنقسم إلى مستويين أحدهما عام يرتبط بالشعبية عمومًا مثل الميل إلى التكرار، وتحوير شكل الكلمات، وثانيهما يختص بالمضامين الصوفية مثل المفارقة في سرد الصفات الإلهية، والتكثيف وكثرة استخدام الألفاظ ذات الدلالات المعنوية.

ومن أهم النتائج:

 1 - ميل النصوص الشعبية الصوفية إلى مزج الأفكار والمعتقدات الصوفية بالمعتقدات الشعبية الأخرى، مثل كرامات الأولياء، وحكومة الباطن وغيرها.

2 - تحتل نصوص المدائح الموجهة للنبي وآل البيت والأولياء قسمًا كبيرًا من هذا الشعر.

 3 - التحام النص الشعبي الصوفي بالنصوص الفصيحة في محفوظ المنشدين.

 4 - لكل من الاحتفالات والمناسبات الخاصة والعامة تقاليدها، فالإنشاد داخل الطرق يختلف إلى حد ما عن الإنشاد في الموالد من حيث التقاليد والخصائص.

 5 - هناك من الرواة المبدعين من لديه القدرة على التأليف والإبداع أثناء الأداء، ولكل منهم أساليبه الخاصة سواء من حيث الانتقاء، أو استخدام أساليب صوتية وحركية وإشارية. ومن الضرورات التي تفرضها طبيعة الذكر في الموالد.

 6 - تتنبأ الدراسة باستمرار هذا النمط من الشعر، ذلك لارتباطه بإحدى الشعائر الصوفيـة وهي الذكـر، ولارتباطه بمناسبـات دينية شعبية ذات جذور تاريخية هي المـوالد.

د - رؤى منهجية في بحث الأدب الشعبي:

استطاع ابراهيم عبد الحافظ أن يجمع الدراسات العلمية التي نشرها خلال الأعوام الماضية في كتاب مستقل حمل عنوان “دراسات في الأدب الشعبي” صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة الدراسات الشعبية العدد 156 عام 2013، والكتاب يحوي مجموعة من الدراسات- بلغت اثنتي عشر دراسة- تعد ثمرة عشرين عامًا من البحث في مجال الأدب الشعبي، وقد أُلقي بعضها أو نُشر في مؤتمرات إقليمية ودولية، ونُـشــر بـعــضــهـا الآخــر في مـجلات متخصصة في كل من مصر ولبنان والبحرين والجزائر، وفي المقدمة يذكر ابراهيم عبد الحافظ قوله: “قد شـغلـتـني بعض الـقضـايا المـهـمة التي طُرحت في مـجال الأدب الـشعبي، فـحـاولت أن أُسـهم في إلـقـاء الضـوء عـلـى هذه الــقـضـايــا،غـيـر مــنـكـر لجــهـود الـرواد الأفــذاذ في هـذا المجال، ومـنهـم سهـير الـقـلمـاوي، وعـبد الحـمـيد يـونس، ورشـدي صالح،ونـبـيــلـة إبـراهــيم،ومـحــمـود ذهـنى، وفــاروق خـورشـيــد، وأحـمـد مــرسي، وغــيـرهـم”.

ويضيف حافظ: هـؤلاء الــرواد مــهـدوا أمــام جــيــلـنــا الــطـريق الوعرة التي اكـتنفت هذا المجال العلـمي،الذي نظر إليه القدماءعلى أنه يُعنى بـأدب العامة الذي يخلو من الـقيم الفنية والأدبية.

كمـا نظـر إلـيه بعض المحـدثين نـظرة دونـيـة، أو حصـره بعـضهم الآخــر في إطـار الــفــنـون الــهـامــشــيـة التي لا تــسـتــحق الـدرس العلمي الأكاديمي.

وتــركـزت موضوعات الكتاب في ثـلاثـة اتجـاهـات: الاتجــاه الأول تـنـاول فـيه المؤلف الـقـضـايـا الـنـظريـة التي أثـيـرت حـول الأدب الـشـعـبي والتـعريف بأجـناسه وأنواعه، كـما تـناول فيه بـعض أنواع هذا الأدب بـالـدرس اعـتـمـادًا عـلى المـصـادر المـدونـة أو مـا سـطـره الـسـابقـون في كـتــبـهم. وذلك من خلال ست دراسات متخصصة هي:

مفهوم الأدب الشعبي وحدود ميدانه - الشعر الشفاهي (ترجمة)- دراسات السيرة الهلالية في مصر في القرن العشرين- مناهج دراسة الحكاية الشعبية- الأمثال الشعبية المرتبطة بالحرف التقليدية- التشبيه بالطير في الأمثال الشعبية المصرية.

وأمــا الاتجـاه الــثــاني فـقــد آثـر فــيه المؤلف الاعــتـمــاد عـلى الــعـمل المـيـداني في بـعض المــنـاطق المــصـريـة التي لم تحظ فــنـونـهــا الأدبـيـة الـشـعـبـيَّـة بــالـعـنـايـة الـكـافـيـة من قـبـل الـدارسـين عـلى الـرغم من أنـهـا المـناطق الأكـثر جـدارة بـالاهتـمام كسيناء وواحة سيوة وبعض مناطق الدلتا المصرية.

وفي هذا الإطار قدم ست دراسات أخرى حملت عناوين: الصياغة الشعبية للقصص الديني :

قراءة في قصتين نموذجًا - تأثير النص الثابت (ترجمة)- “قصص السيرة الهلالية بين الرواية التقليدية والمستحدثة في دلتا مصر”- “أغاني السامر السيناوي في عصر العولمة”- “الفضلة الشفاهية في عالم الكتابية: دراسة للحكاية الشعبية بواحة سيوه”- “إعادة انتاج المأثورات الأدبية الشعبية”.

ويضيف المؤلف قوله: في الاتجاه الـثالث تـنـاولت قضـية شغلت الباحثين حديثًا، وهي قـضـيـة إعــادة إنـتـاج الـتـراث الـشـعـبي، وبخـاصة رصد التـغيرات التي تطرأ عـلى النصوص الـشعبـية، كما لم أغفل ترجمـة دراسات شعبيَّـة لبعض العـلماء الأمريكـيين المعروفين في مـجـال الـفـولـكـلـور لـكي أضع مـنـاهج هـؤلاء الـعـلـمـاء أمام زمـلائنـا من الـدارسين الذين يـغضـون الطرف عن الـتطـورات المنهـجيـة التي تحدث من حولنا.والمتفحص لـهذه الدراسات يكتشف أنها تـنوعت تنوعًا يكاد يغطي أكثر أنـواع الأدب الشـعبي المـعروفة، فـمنـها مـا تناول الأنـواع النـثرية كالحـكاية والمثل، ومـنها مـا تناول الأنواع الـشعريـة كالشعـر الشفاهي والقصص الـدينية المنظومة والأغـاني الشعبـية، ومنها التي تجمع بين الشعر والنثر كالسيرة الهلالية.

 وفي تصورنا أن هذه الدراسات تحتاج لتحليل وتعمق لاستخلاص مضامينها العلمية واتجاهاتها المنهجية التي حرص المؤلف على تقديمها بأسلوب علمي رصين ويسير في الوقت ذاته من خلال جولاته الميدانية في المناطق الثقافية المصرية.

هــ - الأبحاث العلمية المنشورة:

أسهم ابراهيم عبد الحافظ بمجموعة مميزة من الدراسات الشعبية الميدانية، والتي عاج خلالها العديد من القضايا المنهجيةوالميدانية في التراث الشعبي عامة والأدب الشعبي خاصة، وقد جمع معظمها في كتابه “دراسات في الأدب الشعبي” الذي أشرنا له، غير أننا نود –في إطار توثيق جهوده- أن نسجل بيانات نشر كل دراسة في الدوريات والملتقيات العربية.

وقد كانت آخر دراسة نشرها في الملتقى الدولي لتوثيق احتفالية الحج، الذي عرضنا لأوراقه في العدد الماضي، حيث شارك بدراسة بعنوان “سردية الرحلة الحَجْيَّة في أغنية تَحْنِيْنْ الحجاج”. وسنعرض هنا لثبت بمجمل الدراسات التي استطعنا توثيقها لابراهيم عبد الحافظ:

1 - تحول الإنسان إلى طائر في الحكاية الشعبية. مجلة الفنون الشعبية.- ع 44 ( يوليو/ سبتمبر، 1994).

2 - الصياغة الشعبية للقصص الديني: قراءة في قصتين نموذجًا.- مجلة الحداثة.- س9، ع 65-66 (صيف 2002).

3 - دراسات السيرة الهلالية في مصر في القرن العشرين.- في: مؤتمر المأثورات الشعبية في مائة عام.– ج1.– القاهرة : المجلس الأعلى للثقافة.– الفترة من 14–18 يناير2001. (سلسلة ابحاث المؤتمرات، 10).

4 - قصص السيرة الهلالية بين الرواية التقليدية والمستحدثة في دلتا مصر.- مجلة الفنون الشعبية.- ع 66-67 (يولي– سبتمبر، 2004) .

5 - إعادة انتاج المأثورات الأدبية الشعبية.- مجلة الفنون الشعبية.-ع68-69 ( يناير – فبراير – مارس، 2006).

6 - التشبيه بالطير في الأمثال الشعبية المصرية.- الفنون الشعبية.- ع 74/75 (ابريل – سبتمبر، 2007).

7 - تنميط الأولياء في الدلتا. مركز بحوث دراسات الشرق الأوسط. في: تقرير بحث المعبد والمسجد المقام.- القاهرة: جامعة عين شمس، 2008 .

8 - أغاني السامر السيناوي في عصر العولمة.- في: المأثورات الشعبية والتنوع الثقافي.- مج2.- القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2009.- (سلسلة أبحاث المؤتمرات؛ 21).

9 - مناهج دراسة الحكاية الشعبية.- الفنون الشعبية.- ع83 (يوليو/ سبتمبر2009).

10 - الفضلة الشفاهية في عالم الكتابية: دراسة للحكاية الشعبية بواحة سيوة.- الثقافة الشعبية.- س3، ع 10 (صيف 2010).- ص18-33.

11 - أساليب أداء السيرة الهلالية في الدلتا.- في: مؤتمر السير الشعبية، قسم اللغة العربية – كلية الآداب – جامعة بني سويف، مارس 2010.

12 - الأمثال المرتبطة بالحرف التقليدية.- الثقافة الشعبية.- س5، ع 18(صيف 2012).- ص34 - 49.

13 - الأرشيف الرقمي جمع أنواع الأدب الشعبي: تجربة مشروع توثيق وتنمية المأثورات الشعبية.-المأثورات الشعبية. -  س21، ع8 (أكتوبر 2012).

14 - سردية الرحلة الحَجْيَّة في أغنية تَحْنِيْنْ الحجاج.- في: الملتقى الدولي لتوثيق احتفالية الحج.- الاسكندرية: 20 - 22 أبريل، 2015.- ص11- 23.

2 - الاتجاه الببليوجرافي في دراسات عبد الحافظ:

شهد مشوار ابراهيم عبد الحافظ العلمي اهتمامًا واضحًا بالدراسات الببليوجرافية، فشارك في إعداد ببليوجرافيا الفولكلور العربي في أكثر من طبعة، كما أسهم إسهامًا مميزًا في إعداد الببليوجرافيا العربية المشروحة في ثلاثة مجلدات كبرى. فضلاً عن إسهامه في إعداد مجموعة مميزة من ببليوجرافيات علم الاجتماع.

أ - ببليوجرافيا الفولكلور العربي:

 شارك ابراهيم عبد الحافظ في إعداد أول ببليوجرافية عربية متخصصة في الفولكلور، والتي حملت اسم “الفولكلور العربي: قائمة ببليوجرافية” بالاشتراك مع محمد الجوهري ومصطفي جاد، وصدرت طبعتها الأولى عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية عام 2000، وطبعتها الثانية عام 2005. واعتمدت خطة الجمع ومنهج الحصر والتصنيف لهذا العمل على خمسة محاور رئيسية شملت: مدى السعة الزمني، ومدى السعة الجغرافي،والتحديد اللغوي، والتحديد النوعي، والإطار الموضوعي، فبالنسبة لمدى السعة الزمني تغطي الببليوجرافية الإنتاج الفكري في مجال علم الفولكلور على مدى ستين عامًا تبدأ من عام 1940 (بداية الاهتمام الأكاديمي بعلم الفولكلور) وتنتهي بمطلع عام 2005، حيث يطرح هذا التحديد الزمني محاولة رصد وتتبع حركة الفولكلور العربي من خلال الإنتاج العلمي المنشور في القرن العشرين،والذي يمكن رصده من خلال هذا الإطار الزمني.كما تستوعب الببليوجرافية في سعتها الجغرافية الإنتاج الفكري العربي المنشور داخل الوطن العربي باللغة العربية، مع محاولة تتبع بعض المواد المنشورة خارج الوطن العربي، لكن المعدين لا يدعون أن الببليوجرافية قد تتبعتها بالدقة المطلوبة،لعدم توافر أدوات ومصادر جمع مثل هذا النوع من المواد، وكما أنها لا تشكل بحال كمًا يمكن أن يؤثر على حركة رصد المواد العربية في مجال الفولكلور بصفة عامة.

أما التحديد اللغوي فقد غطت الببليوجرافية الإنتاج الفكري في مجال علم الفولكلور المنشور باللغة العربية تأليفًا وترجمة وجمعًا، ويقصد بالأخير هنا المواد الفولكلورية التي عكف أصحابها على جمعها ميدانيًا، وقدمت كمادة إبداعية موثقة، مثل الحكايات الشعبية ونصوص الأغاني والمواويل والأمثال. كما اشتمل التحديد النوعي عدة أنواع من أوعية المعلومات التي تشترك جميعها في كونها مطبوعة ومنشورة، ومن ثم فهي متاحة للباحثين، حيث استبعدت أوعية المعلومات غير المطبوعة لصعوبة الحصول عليها.

وقد استوعب مجال التغطية النوعي للببليوجرافية ما يلي:

- الكتب:

تغطي الببليوجرافية الإنتاج الفكري المطبوع من الكتب تأليفًا أو ترجمة، وقد انحصرت في الكتب التي تحوي الدراسات العلمية والأكاديمية في مجال علم الفولكلور، سواء كان أصحابها من داخل الوطن العربي أومن خارجه. ولم يكن من الممكن -طبعاً- تغطية جميع الكتب التي تحوي أعمالاً إبداعية سواء فردية مستلهمة أوشعبية مجهولة المؤلف.

وعلى سبيل المثال، فإن دراسة عبد الحميد يونس عن السيرة الهلالية تدخل في الببليوجرافية، على حين استبعدت الببليوجرافية نص السيرة الهلالية نفسه. وكذلك الحال بالنسبة لدراسة سهير القلماوي عن ألف ليلة وليلة.

وعلى حين غطت الببليوجرافية نصوص الحكايات المطبوعة، التي وردت ببعض الدوريات“التراث الشعبي والفنون الشعبية المصرية على سبيل المثال”، فإنه كان من الصعب تنفيذ ذلك بالنسبة للإبداعات المسرحية أو القصصية المستلهمة من التراث الشعبي، حيث لا تدخل جميعها في الببليوجرافية، على حين تدخل الدراسات التي تعالج موضوعات الاستلهام في التراث الشعبي.

وكانت النصوص الميدانية التي عكف أصحابها على جمعها وتوثيقها الأولى بأن تدخل في مجال الببليوجرافية - كما سبقت الإشارة - حيث يشار في بطاقة الفهرسة إلى أنها مادة تم جمعها.

 - الدوريات المتخصصة:

غطت الببليوجرافية مجموعة من الدوريات العلمية المتخصصة في مجال الفولكلور، إلى جانب بعض الدوريات المتخصصة في الأدب والنقد وعلم الاجتماع، حيث تم رصد الدراسات الفولكلورية التي وردت بها.

وقد بينت تجربة جمع المادة من الدوريات مدى اهتمام هذا النوع من أوعية المعلومات برصد وتحليل مواد الفولكلور على المستوى العربي في الدوريات المتخصصة، كما كشفت أيضًا عن تعثر بعض الدوريات وظهور أخرى في بقعة جديدة من الوطن العربي، في مقابل اختفاء بعض الدوريات تماماً. وقد شملت الدوريات المتخصصة التي غطتها الببليوجرافية ما يلي: الفنون الشعبية- مصر، التراث الشعبي-العراق، المأثورات الشعبية- قطر، الفنون الشعبية-الأردن، وازا- السودان. وهناك العديد من الدوريات الأخرى على المستوى العربي التي استعانت بها الببليوجرافية وورد بها ثبت في نهاية الببليوجرافية.

 - الأطروحات الجامعية:

اهتمت الببليوجرافية برصد الإنتاج العلمي الفولكلوري المرتبط بالأطروحات العلمية: الماجستير والدكتوراه في مختلف الجامعات والمعاهد المصرية والعربية. والواقع أن الجانب الأكبر من هذا القطاع النوعي مرتبط- من ناحية الإشراف العلمي والمؤسسة العلمية المانحة- بمصر، وعلى الجانب الآخر نجد المعالجة العلمية للموضوعات فضلاً عن جنسية الباحثين ممثلة لمختلف البلاد العربية تقريباً: الكويت- قطر- السودان- الأردن- الإمارات…إلخ. وهناك بعض الدراسات التي نوقشت خارج مصر ولم تدرج في الببليوجرافية، بسبب صعوبة حصر مثل هذه الدراسات. وتجدر الإشارة إلى أن معالجة البيانات الخاصة بالأطروحات العلمية سار وفق منهج تم الاتفاق عليه منذ البداية،حيث ترصد الأطروحة بكامل بياناتها المتاحة،وفي حالة نشر هذه الأطروحة في كتاب، تُذكر بيانات الكتاب ويكتفي بالإشارة إلى أنه كان في الأصل أطروحة علمية سواء ماجستير أو دكتوراه.

 - المؤتمرات العلمية:

غطت الببليوجرافية عدة مؤتمرات علمية في مجال الفولكلور على المستوى العربي. وكان معيار اختيار هذه المؤتمرات مرتبطًا بإخراج الأبحاث مجلدة في كتاب منشور،حتى يسهل على من يستخدم الببليوجرافية الحصول على تلك الأبحاث والإفادة منها. وفي نهاية الببليوجرافية ثبت بأسماء المؤتمرات التي وردت بها حسب ترتيبها الزمني.

وقد اعتمدت الببليوجرافية في حصر وجمع مادتها على مصادر متنوعة، منها ما هو متخصص ومنها ما هو عام. ومن أهم المصادر التي كونت في النهاية البنية الأساسية لهذا العمل: المصادر المتخصصة، كالببليوجرافيات الفولكلورية، التي أصدرها محمد الجوهري وزملاؤه عام 1978، ومصطفي جاد عام 1998، وأحمد عبد الرحيم نصر عام 1993، والقائمة السودانية، وكشافات مجلة الفنون الشعبية…إلخ، وكذلك المصادر العامة كأدلة الرسائل الجامعية التي تصدرها الكليات والجامعات والنشرة المصرية للمطبوعات ونشرة الإيداع، والنشرة العربية للمطبوعات، وقوائم إصدارات دور النشر، وكذلك المصادر المباشرة التي تتمثل في زيارات أعضاء فريق العمل لأهم المكتبات التي يعتقد أنها تحتفظ بكتابات في موضوع الفولكلور،كمكتبة أكاديمية الفنون، وجامعة القاهرة، ومركز دراسات الفنون الشعبية…إلخ. أما بالنسبة للوصف الببليوجرافي فقد اعتمد هذا العمل بصفة عامة على قواعد الفهرسة الأنجلو أمريكية في أحدث طبعاتها، مع بعض التعديلات التي وجدها القائمون بالعمل ضرورية.

وأخيرًا اعتمد التنظيم الموضوعي لمواد الببليوجرافية على الترتيب الموضوعي المصنف لكل المواد بصرف النظر عن أشكالها،وذلك لملاءمة احتياجات الباحثين، ولتحقيق الأهداف التي قصد أصحاب العمل إلى تحقيقها. وقد صُنفت هذه الببليوجرافية إلى ستة أقسام رئيسية، ويضم القسم العام الرئيسي الأول من الببليوجرافية ثمانية أقسام فرعية هي: المراجع العامة، والمؤلفات العامة، النظريات والمناهج، مصادر المادة الفولكلورية، فولكلور مجتمعات خارج مصر، والشخصية القومية، واستلهام الفنون الشعبية وتطبيقات البحوث الفولكلورية. والقسم الثاني عن المعتقدات والمعارف الشعبية، والثالث عن العادات والتقاليد الشعبية، والرابع عن الأدب الشعبي، والخامس عن الفنون الشعبية، والسادس عن الثقافة المادية. وتضم الببليوجرافية على هذا النحو 6607 عنوانًا في بحوث علم الفولكلور على امتداد الوطن العربي.

ب - ببليوجرافيات الفولكلور المشروحة:

استمر الدكتور ابراهيم عبد الحافظ في تسجيل اسمه ضمن فريق عمل التوثيق الببليوجرافي للتراث الشعبي العربي، وعند الانتهاء من ببليوجرافيا الفولكلور العربي، التي عرفت بـ “الإنتاج الفكري العربي في الفولكلور”، أسهم إسهامًا رئيسيًا في تقديم هذا العمل في صورة مشروحة، وصدر بالفعل في ثلاثة مجلدات تحت عنوان “الفولكلور العربي: بحوث ودراسات” عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بالقاهرة، (صدر المجلد الأول عام 2000، والمجلد الثاني عام 2001، والمجلد الثالث عام 2006). وكتب محمد الجوهري مقدمة في المجلد الأول ذكر فيها منهج العمل في الببليوجرافية المشروحة، مشيرًا بقوله «كنا نفكر ونحن بصدد التخطيط للببليوجرافيا العربية في علم الفولكلور أن تأتي القائمة كلها مشروحة، ولو ببضعة أسطر لكل عمل. وسرعان ما تبينا أن شرح كل الأعمال أمر غير مفيد ولا وارد حسب مقتضيات الأصول الببليوجرافية العلمية، فوق أنه مستحيل عملياً، لأنه من غير المعقول أن تقع في أيدي فريق العمل كافة الأعمال المرصودة في القائمة. ثم حسمت الحقائق الواقعية الأمر برمته. فقد سجلت قائمة الإنتاج العربي في علم الفولكلور 6607 عملاً فولكلوريًا عربيًا. وأصبح معنى الإصرار على شرح كل عمل من هذه الآلاف أن تصدر القائمة المشار إليها في نحو ثلاثة آلاف صفحة. وهو وضع إن لم يكن مستحيلا، فهو مكلف -ماديًا ومعنوياً- بلا طائل. واتجهنا إلى بديل آخر، تصورناه البديل الصحيح، هو اختيار بعض الأعمال التي تحظى بسمة الأهمية أو سمة التأثير، والتي يقدر فريق العمل أنها تستحق الاستخلاص أو الشرح».

وقد انتهت آراء فريق العمل إلى إنجاز ببليوجرافية مشروحة تحوي ما يقرب من شرح لألف عمل عربي قامت اللجنة وفي مقدمتها ابراهيم عبد الحافظ باختياره على أسس ومعايير تم تحديدها سلفاً، على أن تنشر على ثلاثة مجلدات على النحو التالي:

- المجلد الأول: مجموعة كتب ودراسات الرواد في علم الفولكلور وكتب المداخل الخاصة بالعلم، فضلاً عن الأطروحات الجامعية.

- المجلد الثاني: تم التركيز فيه على المقالات العربية المنشورة في الدوريات العربية المتخصصة

- المجلد الثالث: تم التركيز فيه على الأعمال العربية المترجمة في مجال الفولكلور.

وجاء مفهوم المجلدات المشروحة هنا أن شرح العمل لا يقتصر على فقرة قصيرة أو بضع كلمات كما هو المعتاد، وإنما يتسع الشرح من صفحة إلى ثلاث صفحات فأكثر، بحيث يتعرف الباحث على محتويات العمل تفصيلاً. وخلال المجلدات الثلاث كان الاهتمام بعرض كافة موضوعات الفولكلور الخمسة: الفولكلور-عام، والمعتقدات والمعارف الشعبية، العادات والتقاليد، الأدب الشعبي، الفنون الشعبية، الفنون الشعبية والثقافة المادية.

وقد اهتم عبد الحافظ بشكل أساسي برصد وشرح الدراسات العربية المتخصصة في الأدب الشعبي بكافة أقسامه. فضلاً عن إسهامه بتعريف العديد من الدراسات في مجالات الفولكلور الأخرى. وعلى هذا النحو أسهم ابراهيم عبد الحافظ في تأسيس أداة منهجية ودليل ببليوجرافي يشرح أهم ألف عمل خلال الفترة من عام 1940 حتى عام 2005. وهو إنجاز –على أهميته- فهو في تقديرنا لم ينل حظه من الانتشار بين الباحثين العرب.

جـ - إسهامه في ببليوجرافيات علم الاجتماع:

اشترك ابراهيم عبد الحافظ في مشروع توثيق الإنتاج الفكري العربي لعلم الاجتماع، وأسهم ضمن فريق العمل الذي قام بإعداد ببليوجرافيات علم الاجتماع، إيمانًا منه بأهمية البعد الاجتماعي في دراسات التراث الشعبي، فشارك في إصدار المجلدين الأول والثاني من “الإنتـاج العربي في علـم الاجتماع: قائمة ببليـوجـرافيـة مشروحة 1924 – 1995” والتي أشرف عليها أحمد زايد، ومحمد الجوهري، وصدرت عن مـركـز البحـوث والدراسات الاجتماعية عام 2001 في 800 ص، أما المجلد الثاني فقد صدر بالعنوان نفسه واشتمل عل الإنتاج الفكري لعلم الاجتماع في الفترة من عام 1995 حتى عام 2000. ومن ثم تغطي الببليوجرافية الإنتاج الفكري في مجال علم الاجتماع منذ بداياته في المنطقة العربية (عام 1924) حتى مطلع القرن العشرين، وقد غطى المجال الموضوعي للببليوجرافية موضوعات علم الاجتماع الرئيسية، بما فيها علم الفولكلور على النحو التالي:

 1 - الأنثروبولوجيا الاجتماعية.

2 - الأنثروبولوجيا الثقافية.

3 - الأنثروبولوجيا العامة.

4 - التاريخ الاجتماعي.

5 - تاريخ الفكر الاجتماعي.

6 - التنمية والتخطيط والرعاية الاجتماعية.

7 - دراسات الإعلام والاتصال.

8 - دراسات البيئة(الإيكولوجيا).

9 -  دراسات الشباب.

10 - دراسات الطفولة.

11 - دراسات العنف.

12 - دراسات العولمة.

13 - دراسات المرأة.

 14 -دراسات المعلوماتية والإنترنت.

15 - علم الاجتماع الاقتصادي.

 16 - علم الاجتماع البدوي.

 17 - علم الاجتماع التربوي.

 18 - علم الاجتماع التطبيقي.

 19 - علم اجتماع التنظيم والإدارة.

 20 – علم الاجتماع الثقافي.

21 – علم الاجتماع الجنائي.

22 - علم الاجتماع الحضري.

23 -علم الاجتماع الديني.

24 - علم الاجتماع الريفي.

25 - علم الاجتماع السياسي.

 26 -علم الاجتماع الصناعي.

27 - علم الاجتماع الطبي.

 28 - علم الاجتماع العام.

 29 - علم الاجتماع العائلي.

 30 - علم الاجتماع العسكري.

31 - علم الاجتماع القانوني والضبط الاجتماعي.

 32 - علم السكان.

 33 - علم الفولكلور ودراسات التراث الشعبي.

34 - علم النفس الاجتماعي.

 35 - المجتمع المدني.

 36 - المجتمع المصري.

 37 -مناهج البحث.

38 - النظرية الاجتماعية.

وهذا العمل يمكن تصنيفه ضمن الببليوجرافيات المشروحة، حيث آثر فريق العمل على تقديم شرح مختصر (فقرة أو أقل) لبعض المواد المنشورة في متن الببليوجرافية.

3 -الاتجاه الموسوعي في دراسات ابراهيم عبد الحافظ:

شارك إبراهيم عبد الحافظ في إعداد أكبر موسوعتين علميتين في التراث الشفهي والشعبي، الأولى بعنوان “معجم لغة الحياة اليومية” والثانية في ستة أجزاء بعنوان “موسوعة التراث الشعبي العربي” والمعجم الأول “معجم لغة الحياة اليومية” صدر عام 2007 عن المكتبة الأكاديمية، ومركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، بالاشتراك مع محمد الجوهري، ومصطفي جاد.

وهو من بين المعاجم الثقافية التي وثقت المأثورات القولية ورصد لغة الحياة اليومية التي لها وجودها المستقل وقواعدها المحدودة التي تختلف عن الفصحى من حيث قدرتها على الاستعارة من اللغات الأخرى واتساع معجمها وتعديل قواعدها ونموها المستمر. ومن ثم فهو يفيد المتخصصين في علم الفولكلور على وجه الخصوص، والدراسات اللغوية والاجتماعية والأنثروبولوجية والثقافية والتاريخ الثقافي على وجه العموم. وقد انصب المعجم على تجميع الألفاظ والتعابير اليومية من جميع أنحاء المجتمع المصري من القاهرة والدلتا والصعيد وبعض المجتمعات البدوية في سيناء ومطروح.

وبلغت مواد المعجم في هذا المجلد ما يقرب من خمسة عشر ألفاً، وقد اهتم معدو المعجم بإيراد المعاني المختلفة لكل لفظ أو تعبير مع الإشارة إلى السياق الذي يُستخدم فيه، وإلى قدمه أو حداثته، وإلى الفئة التي يشيع بينها سواء كانت من الشباب أو الشيوخ أو النساء. وبهذا ضم المعجم عددًا لا بأس به من لغة الشباب الدارجة مثل: مشرط–مهيص- طنش. والمصطلحات الأجنبية مثل: سوبر ماركت– جنتل- سوري. ومصطلحات الحاسب الآلي مثل دلت (تعريب Delete) – فرمت (تعريب Format)، هذا فضلاً عن التعبيرات الدارجة مثل: مش عجبك شد في حواجبك– صبح تاتا اتنين في تلاتة. وجميعها شكلت لغة حياة يومية رصدها المعجم للبحث والدراسة. ولم يهتم المعجم بإيراد المعنى اللغوي للمفردات أو العبارات، بل اهتم بالمعنى الثقافي المتداول بين الناس. ومن ثم فقد كان علامة ريادية في تاريخ المأثورات الأدبية الشعبية، ومن ثم علامة فارقة في مشوار عبد الحافظ العلمي.

أما العمل الموسوعي الثاني الذي أسهم فيه ابراهيم عبد الحافظ إسهامًا مميزًا فكان “موسوعة التراث الشعبي العربي”، وهي أول موسوعة تهتم بالشأن الفولكلوري العربي، والوقوف على تنويعاته ومصادره. وصدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة الدراسات الشعبية عام 2012 في ستة مجلدات، والتي أشرف على تحريرها محمد الجوهري.

ونود أن نؤكد على أن الموسوعة قد اعتمدت على العديد من الأعمال الموسوعية السابقة عليها كأحد المصادر المرجعية، وهو ما يؤكد فكرة التواصل المعرفي والبناء على جهود من سبق العمل لهم في المجال بل والاعتراف بدورهم.

ويسجل محمد الجوهري فضل ابراهيم عبد الحافظ في تأسيس هذه الموسوعة، منذ أن كانت فكرة، فضلاً عن دوره المميز في إعداد قسم الأدب الشعبي بها، فيقول: “الاعتراف بالفضل لأهله، فلم يكن لهذا العمل أن يصل إلى هذا المستوى إلا بفضل المساعدة الكريمة والمخلصة من الأخ والزميل إبراهيم عبد الحافظ، الذي آزرني في كافة مراحل العمل، منذ أن كانت فكرة تراودني، إلى أن أخذت تتشكل وتتبلور، وبعد أن اتخذ العمل فيها شكلاً تنظيميًا موسعًا. ولكن جهد ابراهيم عبد الحافظ في كتابة مواد هذا المجلد- الأدب الشعبي- يفوق جهد أي زميل آخر ممن شاركوا في إعداده. وليس ذلك مجرد نتيجة لكونه متخصصًا في الأدب الشعبي، ولكنه ناتج عن إخلاص وتجرد في خدمة العلم الفولكلوري العربي بعامة وميدان الأدب الشعبي على وجه الخصوص. وليس هذا بالكلام المرسل ولا عبارة للمجاملة، ولكنه أمر حقيقي يجسده العدد الكبير من مواد هذا المجلد التي كتبها ابراهيم عبد الحافظ بكفاءة وتميز، سوف يتبينه القارئ الكريم بنفسه، فله مني كل الشكر والاعتراف بالجميل”.

وقد صُنفت الموسوعة إلى ستة أقسام رئيسية حمل كل قسم منها مجلد مستقل مرتب بذاته من الألف إلى الياء على النحو التالي:

 القسم الأول: علم الفولكلور: المفاهيم والنظريات.

القسم الثاني: العادات والتقاليد الشعبية.

القسم الثالث: الفنون الشعبية.

القسم الرابع: الأدب الشعبي.

القسم الخامس: المعتقدات والمعارف الشعبية.

القسم السادس: الثقافة المادية.

وتتفاوت مواد الموسوعة من حيث الحجم، ولكنها تجتهد جميعًا أن تحيل قارئ كل مادة إلي المزيد من المراجع. وكما تتفاوت المواد في الحجم، كذلك تتفاوت في مدى تغطيتها للبلاد العربية المختلفة. فهناك بلاد عربية حظيت بتغطية أكثر من سواها كمصر، والعراق، ولبنان، وسوريا، وفلسطين، وبعض بلاد الخليج..إلخ. ويرجع تفاوت التغطية إلي عامل رئيسي هو حجم المادة الفولكلورية المنشورة عن كل بلد، وليس إلى اعتبار آخر.

والمأمول أن يعمل نشر هذه الموسوعة علي حفز المشتغلين بدراسات الفولكلور في شتى أنحاء العالم العربي إلى تدارك هذا النقص في التغطية، واستكماله.

وفي المجلد الأول “علم الفولكور: المفاهيم والنظريات”، سنجد اهتمامًا بالتعريف بالنظريات والمناهج العربية والعالمية كأدلة الجمع الميداني ونظريات الصيغ الشفاهية والثقافة الشعبية والبنائية والأنثروبولوجية وغيرها، كما اهتم هذا القسم بتوثيق بعض مؤسسات الفولكلور كالمتاحف والمراكز والجامعات.

أما المجلد الثاني “العادات والتقاليد الشعبية” فقد تناول كل مايخص دورة الحياة من ميلاد وزواج ووفاة، والاحتفالات الشعبية وعادات الطعام والقضاء العرفي.

على حين تناول المجلد الثالث “الفنون الشعبية” موضوعات الموسيقى والغناء والرقص والمسرح وفنون التشكيل الشعبي.

أما المجلد الرابع “الأدب الشعبي” الذي أعده ابراهيم عبد الحافظ فقدخٌصص لتوثيق موضوعات السير الشعبية والحكايات والألغاز والأمثال وفنون الشعر الشعبي والفكاهة..إلخ.

وخُصص القسم الخامس “المعتقدات والمعارف الشعبية”لكل ما يتعلق بالمعارف والمعتقدات حول الإنسان والحيوان والنبات والطب الشعبي والكائنات الخرافية والسحر والأولياء والأماكن والألوان..إلخ.

أما القسم الأخير “الثقافة المادية” فتناول كل ما يتعلق بالحرف التقليدية والأدوات والمتاحف والتراث الشعبي الريفي.

الاتجاه المنهجي في إشرافه على الرسائل العلمية:

حاول عبد حافظ أن يمهد لحركة جديدة في بحث الأدب الشعبي من خلال إشرافه العلمي على مجموعة من الدراسات الأدبية الشعبية التي تحررت من الإطار التقليدي، فاهتم ببحث السير الشعبية من خلال إشرافه على رسالة محمد حسن عبد الحافظ حول السيرة الهلالية في محافظة سوهاج، ورسالة محمد شاكر حول “الإمكانات الدرامية في سيرة عنترة بن شداد”.

كما اهتم ببحث الحكايات الشعبية خاصة في إطار علاقتها بالميديا من خلال إشرافه على دراسة  طارق عبده دياب حول “حكايات ألف ليلة وليلة بين المدون والاذاعي”، و“تجليات النص المدون لسيرة سيف بن ذي يزن في النصين الروائي والاذاعي”للباحث نفسه، ودراسة نشوى شعلان حول “الحكاية الشعبية بوصفها مجالا للاتصال”، ثم إشرافه على دراسة أمنية فؤاد البنا حول “حكايات الأطفال الشعبية بأسيوط”. و“الحكاية الشعبية في الوادي الجديد”لأيمن عيسى.

 وأسس عبد حافظ لتوجيه تلامذته لطرق الموضوعات التي تحتاجها المكتبة العربية، ومنها إشرافه على رسالة محمد أبو العلا حول “اللغز الشعبي”.

كما اهتم بتوجيه تلامذته أيضًا لبحث موضوعات في الأدب الشعبي في علاقتها بموضوعات أخرى، على نحو ما نجده في إشرافه على رسالة رشا منير حول “العناصر التشكيلية الشعبية في رواية نجيب محفوظ زقاق المدق”، ودراسة هشام عبد العزيز حول “النيل في الروايات المدونة والشفاهية”.

 أما مشاركته للإشراف حول دراسات خارج إطار الأدب الشعبي، فنذكر منها دراسة عبد الحكيم خليل حول “المعتقدات الشعبية في الطريقة الجازولية” ودراسة أخرى حول “مظاهر الاعتقاد في الأولياء” للباحث نفسه.

 وقد رحل ابراهيم عبد الحافظ قبل أن يكمل مشروعه العلمي في الإشراف على عدة رسائل أخرى لم تكتمل بعد منها: “اللون ودلالاته الزمنية في السيرة الشعبية: دراسة في سيرتي ذات الهمة والهلالية” لأسماء منير، والمأثورات الشعبية في مركز ديرمواس محافظة المنيا، و“السيرة الهلالية بين الرواية المدونة والشفاهية”.

جهود ابراهيم عبد الحافظ في الترجمة:

كانت آخر الحوارات العلمية مع الراحل ابراهيم عبد الحافظ حول استعداده لإصدار بعض الدراسات المترجمة عن الإنجليزية، وقد قام بجهد كبير فيها، وكان يُعد لمشروع أكبر لترجمة بعض الاتجاهات الحديثة في بحث الأدب الشعبي. غير أننا سنعرض هنا لدراستين مهمتين قام بترجمتها، الأولى بعنوان الشعر الشفاهي والثانية حول تأثير النص الثابت. سنعرض لهما في هذا الإطار. فالدراسة الأولى للباحثة الأمريكية فينيجان روث بعنوان “الشعر الشفاهي” نُشرت عام 2002 بمجلة الفنون الشعبية العدد 62 – 63، و قد نُشر هذا المقال ضمن الكتاب الذي حرره عام 1992 عالم الفولكلور الأمريكي ريتشارد باومان بعنوان “الفولكلور والأداء الشفاهي والتسلية الشعبية”. ويبدأ بتعريف الشعر الشفاهي بأنه “قصائد غير مكتوبة سواء كان ذلك بسبب أن الثقافات التي تظهر فيها غير كتابية جزئياُ أو كليًا (مثل الثقافات التقليدية الأم في أفريقيا واستراليا الأوقيانوسية وأمريكا)، أو بسبب أن الأشكال الثقافية تحفظها الذاكرة على الرغم من الكتابية العامة للشعوب. والمجال الدقيق لهذا المصطلح ما يزال محـل خلاف، ولكنه يشمل في الغالب الشعر الذي يؤلف ويؤدي شفاهيًا في الأساس، وذلك الذي وصل إلينا عن طريق التناقل المكتوب مثل بعض الملاحم المبكرة، ويضـم بعض الباحثين إلى الشعر الشفاهي ذلك الشعر المتناقل أو المؤدى عن طريـق وسائل التثقيف غير المكتوبة مثل الأداءات الإذاعية أو المنظومات (الأغاني) الشعبية الحديثة” (ص145).ويأخذ الشعر الشفاهي أشكالاً عدة، فقد وجدت الملاحم الشفاهية على نطاق واسع، خاصة في أوراسيا بداية من بعض الحالات التاريخية لدى البابليين الأوائل والإغريق والملاحم الهندية القديمة إلى العصر الحديث في الكاليفالا الفنلندية وبعض الملاحم الآسيوية المعاصرة لدى القرغيز والمغول والملاحم البوذية الهندية.

وترتبط البالادات Ballads لقصص الشعر الغنائي – القصيرة منها والطويلة – بهذا الشعر، وكذلك المدائح الطويلة. ولاتدخل بعض أشكال الشعر الشفاهي بسهولة في الأجناس الأوربية الغربية المعروفة. وقد عُد الشعر الشفاهي لوقت طويل أقل مرتبة من الشعر المعروف، وذلك بسبب المفاهيم الغربية عن الكتابية، وبسبب المقولات العديدة التي ربطت الشفاهية بالمراحل البدائية للتطور.

ومع بداية السبعينيات ظهر الشعر الشفاهي كموضوع قائم بذاته معتمد على الدراسة الميدانية المعاصرة وبوصفه شكلاً من أشكال الاتصال الإنساني. وقد تعددت الآراء حول العمليات والأساليب التي يتم بها تأليف الشعر الشفاهي وتناقله، فقد عرفت إحداها باسم التأليف المسبق الذي يتبع بالتناقل من خلال الاستظهار، وعضدت وجهة النظر هذه بمجموعة من الأفكار التي سلمت بفكرة التأليف الشعبي أو الجماعي عن طريق التناقل عبر شفاهية غير إبداعية وغير محددة أو معلومة. ولكن اكتشاف عملية شفاهية جديدة عرفت باسم “التأليف الصيغي أو الصيغ الشفاهية” برهن على تهافت ذلك الافتراض الأول. وتعتمد عملية الصيغ الشفاهية على تصور مؤداه أن الإبداع في مجال الملاحم والقصص البطولية الطويلة يتم بواسطة المؤدي أثناء عملية الأداء نفسها، وقد طبقت هذه الفرضية على الشعر القصصي القديم في الملاحم اليونانية فيما عرف بالمسألة الهومرية، ثم طبقت نتائجها على الشعر القصصي اليوغوسلافي التقليدي خلال حقبة الثلاثينيات.

وأظهرت الدراسات أن الرواية الشفاهية للقصة ذاتها تختلف بصورة شاملة في كل مرة بسبب لجوء الشعراء إلى التنويع وفق مخزون من الصيغ على جميع المستويات (يبدأ من مقطع أو شطرة، وصولاً إلى الأفكار والطرز القصصية)، ولذلك فكل أداء يمثل وحدة فريدة وأصلية قائمة بنفسها. وظهرت العديد من الدراسات التي تنطلق من هذه الفرضية على المنظومات الشعرية الصينية، ومدائح قبائل الهوسا، والبالادات الإنجليزية، وتم اختبارها كذلك على النصوص الإغريقية والهندية القديمة، وبعض أشعار العصور الوسطى. ومع ذلك فقد أثار العلماء جدلاً مفاده أن عملية الصيغ الشفاهية مع أنها تعد عملية مألوفة وبخاصة في الشعر القصصي الطويل إلا أنها لا يمكن اعتبارها العملية التأليفية الوحيدة.

ومع أن القصائد الشفاهية لا يمكن تمييزها (عند تدوينها) عن النثر كما هو الحال في الأدب المكتوب، إلا أنها تتميز بالعديد من الملامح الشكلية والفنية، وأول هذه الملامح هو النظم العروضية، فهي لا تبنى دائمًا وفق وزن محدد، وذلك على الرغم من ظهور التنميطات الوزنية القائمة على النبر أو الكمية في بعض القصائد الشفاهية، فضلاً عن بعض الملامح الأخرى مثل الترصيع أو التجنيس الداخلي والتشاكل الصوتي وتشاكل القافية.

وتعد الموازاة أداة بنائية مهمة في تكوين الشعر الشفاهي، فهي نمط من أنماط التكرار مع التنويع في المعاني، وتحظى هذه الأداة (الموازاة) بالانتشار في القصائد الشفاهية حتى أن البعض يعدونها ملمحًا خصائصيًا للشعر الشفاهي.. وغالبًا ما تتميز لغة الشعر الشفاهي عن لغة الخطاب اليومي إلى الحد الذي يجعل بعض الشعراء يتلقون تدريبًا خاصًا ليكتسبوا مهارة إبداعها، كما أن اللغة الاستعارية أمر معتاد في قصائد هذا الشعر. وقد تغلف التعبيرات الاستعارية البناء الكلي للقصيدة مثلما هي الحال في المأثورات الشفاهية البولونيزية والصومالية. وتؤخذ هذه الملامح الشكلية جنبًا إلى جنب مع القواعد الشعرية والمصطلحات المحلية جميعًا كمؤشرات دالة على ما إذا كانت إحدى الحالات يجب تصنيفها كشعر وليس نثراً.

وهناك مسألة خلافية أخرى بين العلماء حول فكرة بقاء أى طراز شفاهي واستمراره مقارنة ببقية الأجناس الأخرى واضعين في الاعتبار الاختلافات بين الأنماط في الثقافات المختلفة، والتوقعات المحلية لردود فعل الجمهور، وكذلك تبادل التأثير والتداخل بين الأشكال الشفاهية والكتابية. وعندما تتحدث كاتبة المقال عن المناسبات تقول إن السياق الأساسي لتقديم الشعر الشفاهي هو الغناء والتنغيم أو الصوت المتكلم عن واحد أو أكثر من المؤدين مدعومًا أحيانًا بمصاحبة الآلات الموسيقية أمام جمهور من المتلقين.

ويمثل جمهور المتلقين عنصرًا ضروريًا وحيويًا في الأداء، فبعض القصائد الشفاهية تؤدى بالتناوب بين مجموعتين مشاركتين خاصة في أغاني العمل وأغاني الرقص، وفي بعض مناسبات الزواج، وفي حالات أخرى تنفصل تمامًا أدوار المؤدي والجمهور. ويوجد بين هذين المستويين العديد من التنويعات لدور المؤدي والجمهور مثل التبادل بين قائد وكورس، أو تبادل الأداء بين شخصين في المساجلات الشعرية لدى شعوب الإسكيمو.

وعلى العكس من بعض الادعاءات من أن الشعر الشفاهي يمثل دائمًا إمكانية متساوية لأن يبدع من كل أعضاء المجتمع أو أن يقدم بالضرورة في العلن، فالأمر الأكثر وضوحًا أن التقاليد الثقافية تحدد الأمرين كليهما. فالتقاليد الثقافية المحلية تحدد مناسبات أداء هذا الشعر وتلقيه وأهمها المناسبات الاجتماعية أو عندما يخلد الناس إلى راحتهم أو العمل أو تنصيب الملوك أو الزواج أو الموت... إلخ.

وبالنظر إلى التنوع في مناسبات أداء القصائد الشفاهية، فإن التعميم بالنسبة لوظائفها سوف يقودنا إلى الخطأ في الحكم. وقد جرت العادة على افتراض أن وظيفة الأدب الشفاهي هي تدعيم وتأكيد الوضع الراهن، وتنشئة الأطفال في نطاق قيم السلف (الأجداد) وحكمتهم، لكن هناك قصائد أخرى تعبر عن التمرد وتكرس للضغط على السلطة، أو تشجع التغيير. والواقع أن مجال الأغراض التي يستخدم فيها الشعر الشفاهي هي نفسها أغراض الاتصال ذاته كالتعبير عن العداوة أو الحب وإثارة النزاعات أو فضها، والابتهاج والتوبيخ، والتظاهر والتشافي... إلخ.

وتنهي الكاتبة مقالها بعرض رؤية مستقبلية للشعر الشفاهي مفادها أن هناك العديد من الموضوعات ما زالت محلا للجدل المستمر، بالإضافة إلى الكثير من الممارسات القابلة للتطوير في دراسة الشعر الشفاهي. فبعض المحللين يركزون على دراسة الصيغ الشفاهية أو على الأفكار العميقة للمنظور الثقافي المقارن في دراسة الشفرة (Ethnopoetics)، أو على كشف النقاب عن مثل تلك الأبحاث اللغوية أو التحليلات البنائية، مع ما لكل منها من اتجاهات حول تعريف الشعر الشفاهي من ناحية، وحول تفسيره من ناحية ثانية. هذا بينما لا يوافق فريق من الباحثين على الاهتمام الخاص الذي يتوجب أن يحظى به الأداء على حساب النص، أو إن كان من المطلوب تمييز الشكل التقليدي أو الشعبي عن بقية الأشكال، أو إمكانية الأخذ بتعريف أوسع للشفاهية لكي تشمل الحالات التي تتداخل مع الأشكال المكتوبة أو المستحدثة، وبعض الأشكال الشفاهية محل الجدل والتي تتوزع وتؤدى من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية. هذه وغيرها من ضروب الجدل سوف تستمر بلاشك، ولكن يمكن أن نستنتج على الأقل أن الادعاءات التقليدية القديمة عن طبيعة الشعر الشفاهي الجماعية أو البدائية يمكن الآن دحضها، وأنه يمكن للشعر الشفاهي أن يعامل بجدية كأحد أشكال التعبير الأدبي وأشكال الاتصال المستقرة والمستمرة حتى الآن (ص 150).

أما الدراسة الثانية التي عكف على ترجمتها ابراهيم عبد الحافظ فكانت لألبرتلورد بعنوان “تأثير النص الثابت” ونُشرت عام 2003 بالعدد 64، 65 بمجلة الفنون الشعبية. وتثير المقالة قضية تأثير النصوص المكتوبة على الروايات الشفاهية للملاحم. ويبدأ لورد مقالته بالقول: حاولت مبدئيًا في كتاب مغني الملاحم The Singer of Tales أن أصف أعمالًا ذات شفاهية تقليدية، وهو نوع لم يكن للنصوص المكتوبة تأثير عليه إطلاقاً، أو لم يكن لها وجود من الأساس. ولقد كانت معرفة عملية التأليف والتناقل الشفاهي في شكلها النقي ضرورية لفهم هذه النصوص، مثلما هي الحال بالنسبة للقصائد الهومرية، التي نستطيع القول - بكل ثقة - إنها دونت قبل أى نصوص أخرى،في عصر سابق على الجمع الميداني. وعندما تدون النصوص وتتاح لأولئك المغنين والرواة الذين يغنون القصص أو يروونها، فإنها في شكلها الثابت تترك تأثيرًا ما على التقاليد. ومع المسألة الهومرية، فإننا ندرس ظاهرة مختلفة إلى حد ما عن هومر نفسه وعن آلايوروس (مغني الملاحم أو المنشد). وإن إدراك هذا الفارق أمر مهم، خصوصًا بالنسبة للعصور الوسطى في أوروبا، حيث يعالج إلى حد بعيد نصوصًا تأثرت بنصوص ثابتة عاشت من قبل. حينئذ، يثور التساؤل: على أي نحو تؤثر النصوص المكتوبة على التقاليد الشفاهية ؟ إننى أود في هذه الورقة أن أتوجه نحو هذا السؤال باختصار، وأن أختبر بعض الأدلة التي  طرحت عن طريق استخدام المادة الميدانية في مجموعة“ميلمان بارى” للأدب الشفاهي.

وسوف أحصر مهمتى هنا في التأثير النصي أو القولي تقريباً (ص63).ويشير المؤلف إلى أن أكثر الأغاني شهرة في الحصيلة الأقدم التي جمعت بواسطة “كارازادتش” في الربع الأول من القرن التاسع عشر، هي تلك التي جمعت من منطقة بودروجوفتش وأهمها ثلاث عشرة أغنية تحتوى على الأغاني البطولية، ومن بينها نص واحد على الأقل ليس له نظير في مجموعة “ميلمان باري” التي جمعت في ثلاثينيات القرن العشرين.

وقد قسم المؤلف نصوص باري إلى ثلاث مجموعات (فصائل) غير متساوية في علاقتها بالنصوص الأقدم:

  أ - التي يبدو أنها مستقلة تمامًا عن تقاليد كارازادتش، أى أنها نصوص نقية تمامًا في شفاهيتها ولم تتأثر بأي مجموعة مدونة أخرى. وفي الفصيلة

ب -  وهي الأكبر نوعًا ما فقد جاءت النصوص التي تظهر تأثرًا مميزًا بمجموعة كارازادتش. أما الفصيلة

جـ - فإنها تحتوي على النصوص التي تعد حالة من النسخ التام، أو الحفظ الحرفي من الكتاب.

ولكي يؤكد المؤلف على رأيه من خلال إيراد نموذج لهذه المجموعة يذكر أن باري كان قد كتب بعض الملاحظات حول مجموعته المشهورة “تشور هوسو” مشيرًا إلى أن أحد مغني الملاحم وهو “ميلوفان” كان يراسله في جامعة هافارد ويكتب له نصوص بعض القصص بنفسه، وأنه أي “ميلوفان” كان يمتلك مجموعة كبيرة من كتب الأغاني، ولكنه باعها بعد أن ضاق به الحال مادياً. ومن بين النصوص التي نسخها ميلوفان وقام بإرسالها إلى باري نص لقصة “ناهود وشمعون” Nahod Simeun الذي سبق أن ظهر في مجموعة كارازادتش. وكان من المفيد أن يعرف بالضبط الحد الذي تظهر به التنويعات في النصين والتي تظهر أن الاختلافات كانت محدودة، وأنها تلتقي في المعنى العام.وأما المثال الذي ساقه المؤلف للمجموعة (ب) فقد اختار له حالة غير عادية وهي قصة سجلت عام 1934 للمغني الصربي إيلجا ماندراتش من فيرباك. وتقع روايته للأغنية “ماركو كرالجفيتش وموسى كسدزنجا” في 312 بيتًا شعريًا بالمقارنة مع نص كارازادتش الذي يقع في 281 بيتاً، من بينها حوالي 50 بيتًا متطابقة تمامًا، بينما اختفى 12 بيتًا في نص باري و 23بيتًا أخرى ليست موجودة  في نص كارازادتش، و25بيتًا يمكن أن يكون بينها تطابق، فيما عدا بعض التنويعات الطباعية في كلا النصين. ويورد المؤلف مقتطفًا للمقارنة بين النصين، مشيرًا إلى وجود بعض الأبيات في نص باري لم تكن موجودة في نص كارازادتش والعكس بالعكس.

ومن خلال المقارنة يلاحظ لورد أن الأبيات الجديدة في نص باري تتألف من:

- أبيات التعجب.

- أزواج تقليدية معتادة من العبارات.

- ثلاثة أبيات تتضمن سرقة الكنز الإمبراطوري.

- أبيات تتضمن مصير أولئك الجنود الذين ذهبوا لملاقاة موسى كسدزيجا.

وعلى الرغم من أن المغني الذي غنى نص باري كان على وعي تام بالنص الثابت، وأنه قام بحفظه، جزئياً، فإن النص كان قابلاً للانتهاك تمامًا، وأمكن الابتعاد عنه وبخاصة في لجوئه لحذف النهاية التي أتى بها بودروجوفتش حيث يحضر البطل ماركو رأس موسى المتمرد للسلطان فيجزع منها، وبدلاً من ذلك ينهي ماندراتش نصه بخطاب يوجهه إلى جمهوره من المستمعين قائلاً :

أنتــم يا إخـوتـي الأعــزاء هنـاك

هــذه أغنيـة غنيتهـا على شرفكــم

أي أطلب العفو من الله لنا، فليسامحنا الله

وليس هنــاك أكثر مـن ذلك... ولا

ربي يمنــح الصحة لكل من استمع لي

ويمنحهـا لكل مــن لـم يستمـع لي

ليس هنـاك أكثــر مــن هـــذا

ولـم يكتـب القلـم أكثـر مـن ذلـك

لأن الكـاتـب أصـابـه صـــداع

ولـم يكـن لديـه حبـــر أو ورق

خاتمة:

وفي نهاية هذه الرحلة السريعة في عقل وفكر واحد من علماء الفولكلور الذين احتلوا مكانة الريادة ضمن حركة الفولكلور العربي المعاصر، نؤكد على أننا في حاجة لتسجيل دور ابراهيم عبد الحافظ بصورة كاملة، فجهوده المنشورة تمثل جانبًا من عطائه في حقل التراث الشعبي، أما جهوده غير المنشورة فهي كثيرة ومتعددة يكفي الإشارة إلى مشاركته خلال رحلته العلمية في عشرات الملتقيات المصرية والعربية والدولية، كما عكف على جمع مواد متعددة من المأثورات الشعبية المصرية، واستطاع أن يسجل اسمه في النشاط العلمي ضمن الجمعيات والمؤسسات الدولية المتخصصة. كما شارك في مشاريع علمية كبرى تهدف إلى بحث التراث الشعبي الوطني والعربي، كمشروع جمع وتوثيق السيرة الهلالية التي سُجلت ضمن القائمة التمثيلية للتراث الإنساني باليونسكو. وأسهم في مشروع التراث الثقافي غير المادي لدول البحر المتوسط (ميدلهر) بإشراف الإتحاد الأوروبي ومنظمة اليونسكو. وكذا مشروع توثيق وتنمية المأثورات الشعبية. ومشروع سيوة-طنجة لتوثيق التراث الشعبي السيوي.ولا يتسع المقام هنا أن نسجل دوره الريادي في تأسيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون، من خلال محاضراته العلمية، وإشرافه على عشرات الأبحاث في العديد من موضوعات التراث الشعبي العربي.

أعداد المجلة