فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

تأصيل القيم التراثية في وجدان الجيل

العدد 20 - آفاق
تأصيل القيم التراثية في وجدان الجيل

تأصيل‭ ‬القيم‭ ‬التراثية،‭ ‬الجمالية‭ ‬منها‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬يعني‭ ‬العودة‭ ‬بأية‭ ‬ثقافة‭ ‬شعبية‭ ‬إلى‭ ‬جذورها‭ ‬ومنابعها‭ ‬ومكوناتها‭ ‬الأساس‭ ‬مع‭ ‬نتاج‭ ‬تفاعلها‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬الأزمان‭ ‬في‭ ‬تعاقبها‭ ‬وتواترها‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬ومن‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية‭ ‬الأصيلة‭ ‬في‭ ‬جذورها‭ ‬ومنابعها‭ ‬القومية‭ ‬كانت‭ ‬مرنة‭ ‬وحية‭ ‬ورحبة‭ ‬في‭ ‬تفاعلها‭ ‬مع‭ ‬التراث‭ ‬الإنساني‭ ‬بأشكاله‭ ‬المتعددة‭.‬

والتراث‭ ‬الشعبي‭ ‬مفهوم‭ ‬عام‭ ‬يشتمل‭ ‬محاور‭ ‬قولية‭ ‬شفاهية‭ ‬وغنائية‭ ‬موسيقية‭ ‬وتعابير‭ ‬حركية‭ ‬وإيمائية‭ ‬وعادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬ومعارف‭ ‬ومعتقدات‭ ‬وحرفا‭ ‬وصناعات،‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬نتاجا‭ ‬إنسانيا‭ ‬متعدد‭ ‬الأصول‭ ‬والروافد،‭ ‬فمنه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أصيل‭ ‬مقيم‭  ‬نتاج‭ ‬بيئته،‭ ‬ومنه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬وافد‭ ‬مع‭ ‬هجرات‭ ‬شعوب‭ ‬الجوار‭ ‬ومنه‭ ‬ما‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬تفاعلنا‭ ‬مع‭ ‬ثقافات‭ ‬الأمصار‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬سفن‭ ‬الأقدمين،‭ ‬فاختلط‭ ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬وتفاعل‭ ‬مع‭ ‬المزاج‭ ‬الخاص‭ ‬لوجداننا‭ ‬الجمعي‭ ‬واستقر‭ ‬مؤثرا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حولنا،‭ ‬يمكننا‭ ‬فرزه‭ ‬وتحديد‭ ‬منابعه‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬إنكاره‭ ‬أو‭ ‬سلخه‭ ‬عن‭ ‬لحمة‭ ‬تراثنا‭ ‬الشعبي‭ ‬فقد‭ ‬تمت‭ ‬إعادة‭ ‬صياغته‭ ‬وربما‭ ‬تم‭ ‬تغيير‭ ‬وظيفته‭. ‬وليس‭ ‬بجديد‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬ثقافة‭ ‬أفريقيا‭ ‬وفارس‭ ‬وكل‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬دخلها‭ ‬العرب‭ ‬تركت‭ ‬بصمة‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬رافدا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬روافد‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الأم‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬من‭ ‬روافد‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬والعربية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يجمع‭ ‬ويدون‭ ‬ويوثق‭ ‬في‭ ‬جله‭ ‬حسب‭ ‬مناهج‭ ‬البحث‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬مستقر‭ ‬وجدان‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬أنتجته‭ ‬وظلت‭ ‬تعايشه‭ ‬وتتمثله‭ ‬وينتقل‭ ‬مشافهة‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬ومن‭ ‬حالة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭. ‬وليس‭ ‬بخاف‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬شفاهي‭ ‬في‭ ‬كينونته‭ ‬ومكوناته‭ ‬الأولى،‭ ‬ولا‭ ‬داعي‭ ‬للتدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬الديني‭ ‬وعيون‭ ‬التراث‭ ‬الشعري‭ ‬العربي‭ ‬كانا‭ ‬شفاهيين‭ ‬في‭ ‬منابتهما‭ ‬الأولى‭.‬

من‭ ‬الإنصاف‭ ‬للتراث‭ ‬الشعبي‭ ‬ولأجيالنا‭ ‬ألا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬كينونته‭ ‬الأولى‭ ‬ونتعامل‭ ‬معه‭ ‬كمادة‭ ‬ماضوية‭ ‬جامدة،‭ ‬وألا‭ ‬نصر‭ ‬على‭ ‬تلقين‭ ‬أجيال‭ ‬زماننا‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكينونة‭ ‬الأولى‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬طرفة‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬فقرة‭ ‬شكلية‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬المدرسية،‭ ‬فطفل‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬نختار‭ ‬له‭ ‬طعامه‭ ‬وشرابه‭ ‬ونفرض‭ ‬عليه‭ ‬أذواقنا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يلبس،‭ ‬ولا‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يذعن‭ ‬ويقبل‭ ‬بما‭ ‬نريد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬كي‭ ‬يتعلم‭. ‬إن‭ ‬طفل‭ ‬اليوم‭ ‬طفل‭ ‬آخر‭ ‬بعقلية‭ ‬أخرى‭ ‬وبمصادر‭ ‬معرفة‭ ‬ميسرة‭ ‬متاحة‭ ‬ومفتوحة‭ ‬على‭ ‬الكون‭ ‬باتساعه‭ ‬وبما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬وشر‭.‬

‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬تغير‭ ‬مفهوم‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬ليتسع‭ ‬فيشمل‭ ‬مجمل‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬التقدير‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والجمالي‭ ‬والتحول‭ ‬الذي‭ ‬تفرضه‭ ‬سنة‭ ‬التطور‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬لآخر‭ ‬العاصف‭ ‬من‭ ‬المتغيرات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬قرون‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬خضعت‭ ‬لمنطق‭ ‬الوجدان‭ ‬الجمعي‭ ‬في‭ ‬القبول‭ ‬والتحوير‭ ‬والإلغاء‭ ‬لتكون‭ ‬ثقافة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬زمانه‭ ‬الحاضر‭ ‬يورثها‭ ‬لأجيال‭ ‬تفعل‭ ‬فعلها‭ ‬فيها‭ ‬وتورثها‭ ‬مضافة‭ ‬متحولة‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭. ‬وهذه‭ ‬الحيوية‭ ‬سمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬الفولكلورية‭.‬

بمقتضى‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬للثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬هناك‭ ‬بعدان‭ ‬في‭ ‬التناول‭ ‬والطرح،‭ ‬البعد‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬مادة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬القابلة‭ ‬للتحول‭ ‬والتحور‭ ‬والتغير،‭ ‬والبعد‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬منتج‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬وحاملها‭ ‬وعنصرها‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬والتغير‭. ‬ومنذ‭ ‬ثورة‭ ‬الترانزستور‭ ‬وحتى‭ ‬الكمبيوترات‭ ‬اللوحية‭ ‬مرورا‭ ‬بالانترنت‭ ‬وأدوات‭ ‬التواصل‭ ‬الإلكترونية‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬العولمة‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬تغيرات‭ ‬وما‭ ‬دخل‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬مصطلحات‭ ‬وتعابير‭ ‬وعادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬في‭ ‬أصول‭ ‬التعامل‭ ‬والتواصل‭ ‬وما‭ ‬اخترقها‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬وتحولات‭ ‬معتبرين‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬ليست‭ ‬ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬ثقافة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬الذي‭ ‬نحن‭ ‬فيه،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬كينونتها‭ ‬الجديدة‭ ‬وأن‭ ‬نجترح‭ ‬السبل‭ ‬لتمكين‭ ‬أصول‭ ‬قيمها‭ ‬الروحية‭ ‬والجمالية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬باستخدام‭ ‬مختلف‭ ‬أدوات‭ ‬عصرها،‭ ‬ليتحقق‭ ‬الهدف‭ ‬دون‭ ‬اعتساف‭.‬

إن‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬الإنساني‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬مجمله،‭ ‬وثقافتنا‭ ‬الشعبية‭ ‬ثقافة‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬إنسانية‭ ‬في‭ ‬تفاعلاتها،‭ ‬وهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬العربية‭ ‬مما‭ ‬يتماثل‭ ‬مع‭ ‬طرز‭ ‬وأنماط‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬العالمية‭ ‬وكذلك‭ ‬نصوص‭ ‬أغاني‭ ‬وألعاب‭ ‬الأطفال‭ ‬مع‭ ‬فروق‭ ‬بسيطة‭ ‬باختلاف‭ ‬البيئات‭ ‬والأجناس،‭ ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬من‭ ‬استعارة‭ ‬حكاية‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬لتكون‭ ‬أشهر‭ ‬فيلم‭ ‬كرتوني‭ ‬عالمي‭ ‬يشاهده‭ ‬كل‭ ‬أطفال‭ ‬العالم،‭ ‬وكذلك‭ ‬حكاية‭ ‬سندريلا‭ ‬المشابهة‭ ‬لحكاية‭ (‬سميجه‭) ‬الخليجية‭.‬

إن‭ ‬الطفل‭ ‬القطري‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬لنصمم‭ ‬على‭ ‬مقاسه‭ ‬ما‭ ‬يؤصل‭ ‬التراث‭ ‬لديه،‭ ‬فالطفل‭ ‬القطري‭ ‬هو‭ ‬الطفل‭ ‬الخليجي‭ ‬وهو‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬يعايش‭ ‬نفس‭ ‬البيئة‭ ‬ويتعرض‭ ‬لذات‭ ‬المؤثرات‭ ‬السلبي‭ ‬منها‭ ‬والإيجابي‭. ‬ولا‭ ‬يجدي‭ ‬أسلوب‭ ‬التلقين‭ ‬لحشر‭ ‬مادة‭ ‬تراثية‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭ ‬المريع‭ ‬لمادة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬عن‭ ‬مناهج‭ ‬التربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭ ‬الذي‭ ‬أحدث‭ ‬هوة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الطفل‭ ‬باعدت‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬أسمى‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬روحية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬وجمالية،‭ ‬واستقرت‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬بطولات‭ ‬وصراعات‭ ‬أفلام‭ ‬الكرتون‭ ‬التي‭ ‬روجت‭ ‬للعنف‭ ‬وكرست‭ ‬حروب‭ ‬المجموعات‭ ‬ومصارعات‭ ‬الأفراد‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬مغامرات‭ ‬لمخلوقات‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬عجيبة‭ ‬وكريهة‭.‬

 

إن‭ ‬استعارة‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭ ‬الشعبية‭ ‬القديمة‭ ‬لطفل‭ ‬اليوم‭ ‬وتدريبه‭ ‬على‭ ‬محاكاتها‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬ما‭ ‬لن‭ ‬يجدي‭ ‬ولن‭ ‬يعمق‭ ‬شيئا‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬بالضبط‭ ‬كالذي‭ ‬يهوى‭ ‬جمع‭ ‬وتكديس‭ ‬الأدوات‭ ‬والمعدات‭ ‬التراثية‭ ‬القديمة‭ ‬ويخصص‭ ‬لها‭ ‬فضاء‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعنى‭ ‬بكتابة‭ ‬أثر‭ ‬يبقى‭ ‬يتناول‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬القطعة؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تعنيه‭ ‬في‭ ‬زمانها؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬وظيفتها؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يحتفظ‭ ‬بها؟‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬ينوي‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬هذه‭ ‬الخردوات‭ ‬؟‭ ‬أليس‭ ‬أجدى‭ ‬لهذه‭ ‬المواد‭ ‬التراثية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬موصفة‭ ‬وموثقة‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬إثنوغرافي‭ ‬يكون‭ ‬مزارا‭ ‬للعموم؟

لقد‭ ‬ظلت‭ ‬نظرتنا‭ ‬إلى‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬مظهرية‭ ‬عاطفية‭ ‬تزول‭ ‬بزوال‭ ‬لحظة‭ ‬الإنفعال‭ ‬به‭ ‬تأسيا‭ ‬أو‭ ‬تحسرا،‭ ‬وانظر‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬وتأمل‭ ‬كيف‭ ‬تأسست‭ ‬وعاشت‭ ‬فورتها‭ ‬ثم‭ ‬خبت‭ ‬واضمحلت‭ ‬وانتهت‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬من‭ ‬يكابر‭ ‬وهو‭ ‬يصارع‭ ‬حشرجات‭ ‬الموت‭. ‬ولن‭ ‬تقوم‭ ‬للثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬أية‭ ‬قائمة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬قيمها‭ ‬لدى‭ ‬أجيالنا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تغيير‭ ‬النظرة‭ ‬السائدة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬ردم‭ ‬الهوة‭ ‬التي‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭. ‬

ترى‭ ‬أية‭ ‬هوة‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية؟‭ ‬سؤال‭ ‬جدير‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬بالإجابة‭. ‬

إن‭ ‬البعثرة‭ ‬التي‭ ‬تعانيها‭ ‬مادة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬بعثرة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬الإهمال‭ ‬وعن‭ ‬عدم‭ ‬الاكتراث،‭ ‬فالحديث‭  ‬يدور‭ ‬في‭ ‬ردهات‭ ‬وزارات‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬وفي‭ ‬دوائرها‭ ‬وأقسامها‭ ‬المعنية‭ ‬بالتراث‭ ‬الشعبي‭ ‬وتعقد‭ ‬المؤتمرات‭ ‬والندوات‭ ‬وورش‭ ‬العمل‭ ‬وتسافر‭ ‬الوفود‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يردم‭ ‬الهوة‭ ‬التي‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬عزيز‭ ‬المنال،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تتسع‭ ‬باتساع‭ ‬وامتداد‭ ‬الزمن‭ ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬المادة‭ ‬لم‭ ‬تجمع،‭ ‬ولم‭ ‬تدون‭ ‬أو‭ ‬تسجل،‭ ‬ولم‭ ‬تؤرشف،‭ ‬ولم‭ ‬توثق،‭ ‬وبالطبع‭ ‬لم‭ ‬تتهيأ‭ ‬المادة‭ ‬لتدرس‭. ‬ومن‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬تضيع‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬بفقدان‭ ‬مصادرها‭ ‬واندثار‭ ‬بقاياها‭ ‬فمن‭ ‬دون‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تمكين‭ ‬وجدان‭ ‬الجيل‭ ‬من‭ ‬قيمها‭ ‬؟‭ ‬

سؤال‭ ‬قديم‭ ‬قيل‭ ‬وكرر‭ ‬مئات‭ ‬المرات‭.‬

أليس‭ ‬الاستلهام‭ ‬الفني‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المادة‭ ‬التراثية؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لمبدع‭ ‬أن‭ ‬يستلهم‭ ‬حكاية‭ ‬أو‭ ‬يتمثل‭ ‬رمزا‭ ‬أو‭ ‬مثلا‭ ‬من‭ ‬الأمثال‭ ‬أو‭ ‬نصا‭ ‬شعريا‭ ‬أو‭ ‬ينسج‭ ‬على‭ ‬أغنية‭ ‬حدثا‭ ‬فنيا‭ ‬جديدا‭ ‬يربط‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬بزمن‭ ‬حاضر‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬بتنوعها‭ ‬مسجلة‭ ‬ومدونة‭ ‬ومحفوظة‭ ‬؟‭ ‬إذن‭ ‬قضيتنا‭ ‬الأساس‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬جمع‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬حسب‭ ‬الأصول‭ ‬العلمية‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬أكاديميا‭. ‬لاشك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جهودا‭ ‬رسمية‭ ‬وأهلية‭ ‬وفردية‭ ‬قامت‭ ‬بأدوار‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬والتسجيل‭ ‬والتدوين‭ ‬والنشر‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬جهود‭ ‬قاصرة‭ ‬ومحدودة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بظروفها‭ ‬الخاصة‭ ‬وبمحدودية‭ ‬وعدم‭ ‬شمولية‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬قياسا‭ ‬باتساع‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬وبتنوع‭ ‬ما‭ ‬يحتويه‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬متعددة‭. ‬

ما‭ ‬يزال‭ ‬كل‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬يراوح‭ ‬خطوه‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬جمع‭ ‬المادة‭ ‬التراثية،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬فعله‭ ‬والحالة‭ ‬هذه‭ ‬لردم‭ ‬الهوة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬وأجيالنا‭ ‬الجديدة‭ ‬؟

لقد‭ ‬كنت‭ ‬قريبا‭ ‬بصفة‭ ‬شخصية‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬لم‭ ‬تتضح‭ ‬نتائجها‭ ‬بعد‭.‬

‭ ‬فالبحرين‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬باقي‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تجمع‭ ‬ولم‭ ‬تدون‭ ‬ولم‭ ‬توثق‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬ثقافتها‭ ‬الشعبية‭ ‬لكنها‭ ‬خطت‭ ‬مؤخرا‭ ‬خطوة‭ ‬تركت‭ ‬علامة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭. ‬فقد‭ ‬أدخلت‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ (‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭) ‬كمادة‭ ‬اختيارية‭ ‬في‭ ‬المنهج‭ ‬الدراسي‭ ‬لطلبة‭ ‬وطالبات‭ ‬الصفوف‭ ‬الثانوية‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬خمس‭ ‬مدارس‭ ‬بنين‭ ‬وخمس‭ ‬مدارس‭ ‬بنات‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التجربة‭. ‬سبقها‭ ‬تأهيل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المدرسين‭ ‬والمدرسات‭ ‬لتولي‭ ‬إعطاء‭ ‬دروس‭ ‬مفتوحة‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬ومعنى‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬ومكوناتها‭ ‬ومصادرها‭ ‬وذلك‭ ‬بصورة‭ ‬أولية‭ ‬فكانت‭ ‬النتائج‭ ‬طيبة،‭ ‬إذ‭ ‬فاق‭ ‬إقبال‭ ‬الطلبة‭ ‬والطالبات‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬المادة‭ ‬كل‭ ‬التوقعات‭ ‬فتوسعت‭ ‬الوزارة‭ ‬في‭ ‬تعميم‭ ‬التجربة‭ ‬لتشمل‭ ‬عشر‭ ‬مدارس‭ ‬وفي‭ ‬السنة‭ ‬التالية‭ ‬ضوعف‭ ‬العدد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أدخلت‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬ضمن‭ ‬مناهج‭ ‬التربية‭ ‬بمدارس‭ ‬البحرين‭ ‬قاطبة‭.‬

هذه‭ ‬التجربة‭ ‬تعطينا‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬مادة‭ ‬جديدة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬وهي‭ ‬مشوقة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الكشف‭ ‬الذاتي‭ ‬عنها،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬الطالب‭ ‬بمساعدة‭ ‬الأم‭ ‬أو‭ ‬الجدة‭ ‬في‭ ‬التعرف‭ ‬على‭  ‬حكاية‭ ‬شعبية‭ ‬وتدوينها‭ ‬أو‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬قصة‭ ‬مثل‭ ‬شعبي‭ ‬أو‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬شعري‭ ‬أو‭ ‬أداء‭ ‬حركي‭ ‬ضمن‭ ‬أغنية‭ ‬جماعية،‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬الذي‭ ‬يبذله‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬ونجاحه‭ ‬في‭ ‬القرب‭ ‬منها‭ ‬يوازي‭ ‬في‭ ‬مخيلته‭ ‬عملية‭ ‬الاستلهام‭ ‬الإبداعي‭ ‬لدى‭ ‬كبار‭ ‬الفنانين‭ ‬لما‭ ‬للطفل‭ ‬من‭ ‬خيال‭ ‬مجنح‭ ‬قد‭ ‬يفوق‭ ‬كل‭ ‬تصوراتنا‭.‬

إن‭ ‬تمكين‭ ‬وجدان‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬التراثية‭ ‬عملية‭ ‬تربوية‭ ‬في‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬وتستمر‭ ‬في‭ ‬نموها‭ ‬عبر‭ ‬المدرسة‭ ‬وتلعب‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تستلهم‭ ‬جوانب‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬مظاهر‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬ومعطياتها‭ ‬فمسلسل‭ (‬درب‭ ‬الزلق‭) ‬للفنان‭ ‬عبد‭ ‬الحسين‭ ‬عبد‭ ‬الرضا‭ ‬وسعد‭ ‬الفرج‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬كعمل‭ ‬فني‭ ‬درامي‭ ‬أعطى‭ ‬صورة‭ ‬استلهامية‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬بالكويت‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬اكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬،‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬الدور‭ ‬الملقى‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المبدعين‭ ‬للإسهام‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬المتعددة‭ ‬الأطراف‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تمكين‭ ‬القيم‭ ‬التراثية‭ ‬من‭ ‬وجدان‭ ‬الجيل‭ ‬عملية‭ ‬تأسيسية‭ ‬صعبة‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬مستحيلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬وعزيمة‭ ‬تربوية‭ ‬مخلصة‭ ‬إن‭ ‬سارت‭ ‬حسب‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬وخطة‭ ‬مبرمجة‭. ‬وما‭ ‬تطرحه‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬بإيجاز‭ ‬هو‭ ‬فاتحة‭ ‬باب‭ ‬للحوار‭ ‬والمناقشة‭ ‬حتى‭ ‬يغنى‭ ‬ما‭ ‬تفتقر‭ ‬إليه‭.‬

ورقة‭ ‬عمل‭ ‬قدمت‭ ‬إلى‭ ‬ورشة‭ ‬االتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬إلى‭ ‬التوظيفب‭ - ‬الدوحة‭ ‬14‭ ‬مايو ‭ ‬2102

تنشر‭ ‬هنا‭ ‬بإذن‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬المنظمين 

علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة

البحرين

 

أعداد المجلة