فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

شهادات في ذكرى العلان

العدد 14 - أصداء
شهادات في ذكرى العلان

في ذكرى اللؤلؤة النادرة في بحر التراث
بقلم: وحيد أحمد الخان

يكبر الوطن بمبدعيه ومفكرية ولا شك أن الفن يحتل مرتبة الصدارة في الإبداع فالحضارات تُقّيم بفنانيها ومفكريها أكثر من تجارها وساستها ، ويضل التاريخ يحفر أسماء المبدعين تخليداً لذكراهم وإبداعاتهم ليخلدوا بهم أمجاد أوطانهم.

هذه الفنون يمكنها أن تعكس حضارة وقيمة البحرين وبمثل نجم النهامين " سالم العلان"  نستطيع أن نقول " كبيرة يالبحرين " فلا تكبر الدول بالمباني ولا المصارف ولا الرياضات لسبب، فتلك المباني والمنشئات والنجاحات هي أمور تشترى بالمال  والكل يمكنه إنجازها ، في حين أن هذه الفنون هي تراكمات وإرث حضاري لأجيال متعاقبة كل واحد  يضيف لمسة تنبع من أعماقه على ماورثة من آبائه وأجداده .

 

ولعل لفجري ليس له وجود بدون النهام فلايمكن أن يكون لأي نمط من أنماط الغناء البحري وجود بدون النهام، فالنهام هو العنصر الرئيس والأساسي لهذا الفن، وهو المحور الذي يرتكز عليه غناء وأداء باقي البحارة، لذا فإنه من البديهي أن يتسابق النواخذه ( جمع نوخذه ) إلى إجذاب النهامين الجيدين إلى سفنهم وتقديم أكبر الأجور لهم، وذلك يرجع الى أثرهم الكبير في نفوس البحارة وحسن سير العمل، فالنهام في السفينة يكون بمثابة الحافز لاستمرار البحار في العمل دون الإحساس بالتعب، فمشاركته مع النهام في الغناء تنسي البحار المشقة وتساعده على الصبر، وكلما كان غناء النهام أفضل كلما زاد الحماس في العمل. إذا فالنهام هو العنصر المحرك الموجه للعمل ذاته، ولذلك لم تكن السفن تذهب إلى الغوص العود بدون نهام.

وأشهرهم وأفضلهم دون منازع هو " سالم العلان "، ذلك النهام الذي عاش شهرته حين كان النواخذه يتهافتون على ضمه إلى سفنهم أثناء رحلة الغوص العود ( الكبير ) فيجزل له العطاء كنهام ( مغني ) محترف نظراً إلى تأثيره الكبير في نفوس طاقم السفينة وبالتالي أداء أفضل للغاصة ومن ثم محصول أكبر من اللؤلؤ.

والنهام هو المغني المحترف الذي يصاحب البحارة بغنائه الشجي أثناء عملهم وفي أوقات راحتهم وغالبا ما يكون النهام من السيوب جمع سيب أو يكون متفرغا للغناء والنهام هو المغني الذي يقوم بالنهمة والنهمة مصطلح يعرفه البحارة ويطلق على الغناء المنفرد الخاص بأغاني البحر والنهمة تخضع لطرق وقوانين معينة من ناحية لفظ الكلمات والترانيم والاستهلالات والنحب والهمهمة

أما المعني اللغوي لكلمة النهمة التي يقوم بها الناهم تعني في العربية الراهب أو الصارخ والمصوت مثل قولهم النهامي الراهب لأنه بينهم أي يدعو وينطبق الدعاء على ما يدعو إليه النهام في أغاني البحر وجاء أيضا أن النهم هو الصوت ونهم تعني صوت أو توعد أو زجر ويطلق النهيم على صوت الاسد والفيل وقد اتفقت المصادر العربية على أن النهمة تعني بلوغ الهمة في الشيء.

( لِّفجِري ) وتلفظ إفجري وتعرف ب "لفجري" ويطلق اسم لفجري على الأغاني الترفيهية التي تؤدى على اليابسة ففي الشتاء وبعد انتهاء موسم الغوص يلتقي البحارة في الديار بعد صلاة العشاء من كل ليلة فيتبادلون الحديث ويتسامرون ثم يبدأون في الغناء الافجري حتي وقت متأخر من الليل وكان لندرة حصول البحارة على أعمال في فصل الشتاء دور كبير في ازدهار هذا الفن فقد كانت الدور هي أماكن الترفيه الرئيسية للبحارة في ذلك الوقت أما الآن فإنهم يؤدون الإفجري مرة واحدة في الأسبوع وذلك بسبب تغير ظروف المعيشة وانشغال معظم البحارة المتقاعدين في أعمال أخرى غير الصيد وقد كانو سابقا يؤدون الإفجري في فترات الراحة في الغوص الكبير حين يذهبون الى البندر وذلك بالإضافة الى الدار في الشتاء.

أما عن أصل لفجري فهناك بعض الروايات ذكرت بالتفصيل في كتاب أغاني الغوص في البحرين للمؤلف وحيد أحمد الخان .

وكما جاء في كتاب أغاني الغوص في البحرين لنفس الكاتب فإن أغاني الترفيه لفجري تكون ذات طابع لحني وتؤدى في طبقات غليظة, لذا فقد أصبح على النهام أن يجيد الغناء في الطبقة الغليظة والحادة معا, وذلك حسب مقتضيات الغناء, هذا بجانب إمكانية إصدار الصوت القوي. وكما ذكرت في الجزء الخاص بالنهام أن هناك نهاما متخصصا في أغاني العمل ويطلق عليه اسم نهام بحر وآخر متخصص في غناء لفجري ويطلق عليه نهام بر وذلك يدل على وجود عدة احتمالات ومنها :

إما أن يكون نهام البحر ذا صوت قوي حاد الطبقة ولا يستطيع الغناء في طبقات غليظة، كما تتطلب أغاني لفجري أغاني البر، وإما أن لا تكون لديه القدرة على أداء ألحان لفجري .

إن كان النهام يعتبر من المتخصصين في غناء لفجري فقط نهام بر فيحتمل ألا تكون لديه القدرة على الغناء في طبقات حادة، أو يكون صوته قويا يصل إلى آذان البحار على ظهر السفينة.

أن تكون وفرة النهامين المتمكنين سببا في ظاهرة التخصص.

وبطبيعة الحال، فإن غناء لفجري يتطلب وجود نهام لديه مساحة صوتية واسعة أي أنه يستطيع غناء النغمات الحادة والغليظة سواء بسواء، وكذلك يتمتع بذاكرة جيدة لحفظ نصوص المواويل, بجانب الحسن.

يتم تحديد جودة النهام بناء على أربعة عوامل رئيسية، وحسب أولوية الترتيب الآتي:

- التمكن من أداء الجمل اللحنية.

- قوة الصوت، فالغناء يتطلب صوتا قويا يصل إلى آذان جميع البحارة في رحلة الغوص في الهواء الطلق.

- القدرة على حفظ أكبر كم  من النصوص الشعرية والمواويل.

- اتساع المجال الصوتي ( النطاق ) أي القدرة على غناء النغمات الغليظة والحادة جدا.

- حسن الصوت وجماله.

وحسب ذكر كبار السن، ومن خلال التسجيلات القديمة الموجودة، فإن العامل الأخير

( جمال الصوت ) لم يكن متوفرا في معظم النهامين إلا القليل منهم، ولا سيما النهام/ سالم العلان الذي يعتبر صوته من أجمل الأصوات التي عرفها الجيل الأخير من الغاصة، وبذلك يكون سالم العلان هو الذي تجتمع لديه معظم مواصفات النهام البارع .

ويبقي سالم العلان هو الأفضل من بين كل النهامين الأواخر الذين تم توثيق وتسجيل أصواتهم وما زال هو النجم الكبير في فضاء الغناء واللؤلؤة النادرة في بحر التراث.

المصدر : كتاب اغاني الغوص في البحرين للمؤلف : وحيد احمد الخان

-----------------------------------

سالم العلان.. النهام الذي فضل النهمة على نعمة البصر!
بقلم: يوسف محمد:

ماذا يعني عندما يبشرك طبيب العيون بأنك ممكن أن تبصر وتشاهد الدنيا وترجع لك نعمة البصر بشرط أن تتوقف عن الغناء، فيكون جوابك شكراً لا أريد البصر فأنا أشاهد الدنيا بإحساس صوتي ومشاعري وأفضل أن أكون ضريرا على أن أتوقف عن الغناء! فهل نعمة البصر أهم من الغناء؟ وكيف استطاع هذا الرجل الأمي الكفيف أن يتصدر الصحف الفرنسية وتفرد له صحيفة (لموند) وصحيفة (الفيغارو) مانشيتات على صدر صفحاتها الأولى مع صور معبرة له، وتكتب في إبداعه مقالات تحمل الكثير من الإعجاب والحيرة في الوقت نفسه لما يحمله هذا الإنسان من مساحات وقوة في الصوت ومقدرة على أداء أصعب الألوان الغنائية، وكيف لهذا المبدع الذي عاش يتيماً ومات فقيراً أن يكون علماً بارزاً في مجاله من دون أن يوثق ما يحمله من فن يحمل تاريخ هذا البلد إلا القليل منه، فكلما تتبعت سيرته ومراحل حياته أدركت بأنني أدون سيرة تاريخ وليس نهاما، ولعل سؤالي الذي أردده دائماً لو كان سالم العلان وجد في مكان آخر ماذا سيكون حاله؟ وكيف سيعامل وماذا سيقدم له وكيف ستخلد سيرته ويحفظ فنه، حتى تيقنت بأن المبدع لدينا لا يجد وفي أحسن أحواله غير يوم تأبين وتحقيق صحافي يتيم، وإذا تكرمت عليه الجهات المختصة قدمت له برنامجا يحكي مناقبه لينفض المولد ويتراكم عليه التراب كما هو في قبره تماماً!.
27 سنة مرت على وفاة سالم العلان، وقد استوقفتني حادثة ذكرها لي الباحث والفنان راشد المعاودة بأنه كان يسير معه ذات يوم فسأل العلان المعاودة أين نحن الآن، فقال له بالقرب من مقبرة المحرق، فوقف العلان برهة وهو يقول (سوف تأتون إلى قبري وأنتم تعضون على أصابعكم ندما بأنكم لم تدونوا وتوثقوا الفن الذي أحمله.. فالذي يوجد لديكم لا يشكل حتى ربع ما أحمله).. وقد صدق في كل ما قاله، لقد رحل العلان ودفنت معه فنون كثيرة تحمل تاريخ وتراث هذا البلد، وكم تمنيت أن ألتقي به أو أحظى بمقابلته ولكنه اختاره الله وأنا لم أتجاوز الست سنوات من عمري! ولكن صوته وسيرته كبرت معي، ووجدت نفسي اليوم وأنا في العتبة الأولى من ثلاثين العمر أدون سيرته وكلي ألم وحسرة بأن العلان رحل مثل ما رحل من قبله وبعده فنانون ولم يجدوا من يرعاهم ويوثق فنهم بالشكل الذي يحفظ للأجيال القادمة تراثنا المبعثر، فتابعوا معي سيرته من أين بدأت وكيف انتهت.

في قلالي بمدينة المحرق ولد سالم سعيد العلان في العام 1914م، حيث كان ترتيبه الثاني بعد أخيه عاشور الذي يكبره بأربع سنوات، فوالده كان نهاماً ووالدته امرأة فاضلة يجتمع أهل الحي عندها بشكل يومي، وكعادة الأطفال في ذلك الوقت فإن تعليمهم يبدأ وينتهي من المطوع، ولكن حياة سالم التصقت بالحزن مبكراً حيث توفي والده قبل دخوله البحر بعشرة أيام وكان عمر سالم آنذاك لم يتجاوز الخمس سنوات، ويقال بأن والده استلم (يزوة) البحارة (ومير) بيت العائلة ليستعد للسفر والرحيل ولكن الموت كان أقرب له، وطالب النوخذة بأن يحل عاشور وسالم بدلاً من والدهم، ولصغر سنهم أخذتهم عمتهم خوفاً عليهم من تسلط النوخذة إلى دولة قطر سراً، ولكن لم يمكثوا هناك فترة طويلة ورجعوا بعد أشهر بسيطة ليواجهوا الواقع المؤلم، ليركب سالم البحر مرغماً وليس مغرماً، ليبدأ معاناة الشقاء واليتم مبكراً، حيث بدأ تبابا ثم سيبا حتى أصبح نهاماً.
في بداية حياته تزوج ولكنه انفصل بعدما أنجب ابنته شيخة، وبعدها تزوج بهية بنت حمد العسيلي وهي من منطقة الحد وأصلها من الإحساء وأنجب منها كلا من عاشور وسمي تيمناً بأخيه الأكبر ثم حمد، راشد، سعيد، عبدالرزاق، محمد، ونورة. فزوجته هيا كانت روح سالم التي عاشت معه كل فصول حياته وتقاسمت معه الحلوة والمرة حتى أخذ الله أمانته وتوفيت في العام 1995م. 

لم يكن دخوله البحر بطاعته بل أجبرته الظروف وهو طفل صغير أن يتحمل مشاق العمل ليسد به جوع أهله الذين كانوا لا معيل لهم إلا هو، وكان ما يحصل عليه بالكاد يسد رمقهم اليومي، وكثيراً ما كان صوت جوع البطن هو الونيس لهم في الليالي التي لا يجدون حتى لقمة العشاء فيها، فبدأت علاقته بالبحر تتوثق وتكبر حتى تيقن بأن حياته وسعادته وشقاءه أصبح البحر، حيث تعود أن يخاطب المد ويبوح له بأسراره وهمومه وهو مؤمن بأن الجزر سوف يأتي ليأخذ ما باح به إلى مكان أبعد من النظر، وهكذا كان يفرج همه (بجرحانه)، وكلما زاد البعد والشوق كلما علا صوته وآهاته، وظل هذا الحال حتى توقف الغوص ولم تعد هناك رحلات بحر، فتوقف العمل وظل يبحث عن مكان آخر يؤمن له حياة كريمة فعمل في دائرة الأشغال كعامل في رصف شارع المطار المؤدي من المحرق قديماً إلى شارع الحد، ويقول السيد محمد علوي أحد زملاء العلان في الأشغال والذين عملوا في رصف الشارع بأنه كان ينهم لنا ونحن نرصف الشارع بالقار وكنا نؤدي عملنا بكل حماس وكان يتخلل رصف الشارع التصفيق وأحياناً نزفن ونحن نرصف الشارع ونقوم بأعمالنا، بل إن الكثير من المسؤولين كانوا يزوروننا في موقع العمل ليسمعوا صوت العلان.
حيـاته..

كان سالم العلان محبوباً من الجميع، وله مكانة في قلوب كل من عاشره وصاحبه، قانعا بما أعطاه رب العالمين من رزق، يحمل ذاكرة قوية وله مقدرة على الحفظ والارتجال وسرعة البديهة، بسيطا جداً في تعامله مع الآخرين، تحمل الكثير من أجل أبنائه وضحى بالكثير من أجلهم، كما أنه كان باراً في أهله وزوجته التي كانت خير عون له في رحلة حياته، ففي العام 1963م وبعد أن اشتد عليه العوز، قدم له محمد بن فرج المناعي من دولة قطر الدعوة للعيش هناك والاستقرار في قطر، خصوصاً وأن العلان كان يزور قطر من وقت لآخر وله الكثير من الأصدقاء والمحبين هناك، وبالفعل حمل أمتعته وحزم حقائبه وغادر إلى قطر لقرية باظلوف ولازم دار (مبارك بن سعيد السليطي) ولكنه في تلك الفترة لا يهنأ له النوم وكان يشعر بالحنين إلى أرضه و’’فريجه’’ وأصدقائه حتى قرر العودة إلى البحرين، رغم ظروفه الصعبة.
ورغم قسوة العيش فكان العلان دائماً يردد (ربي فوقي وعالم بحالي وعيال الحلال ما ينسوني) كان يرددها في كل موقف عصيب يمر فيه، حتى بعد أن توقف العمل في الغوص فتح له ‘’صندقة’’ صغيرة ساعده صالح بن أحمد العدني ليبيع فيها بعض المرطبات ليعين أهله ويساعدهم على الحياة، وقد سافر العلان إلى أغلب الدول الخليجية وكانت تربطه علاقة متميزة مع دولة الكويت وحكامها، كما هو الحال مع دولة قطر والمملكة العربية السعودية، إلا أن هذا الفنان الكبير كان يعيش في بيت صغير في قلالي يحتوي على حوش بداخله ‘’برستي’’ ودعن ومطبخ صغير، وأنه يتلقى المساعدات من جيرانه ومن أهل الخير، حتى عمل أبناؤه وخففوا عنه متاعب الحياة.

الدور التي لازمها

بعد توقفه عن العمل لازم دار مرزوق بن أمان في قلالي وكان هو نهام الدار، وكان رواد الدار يضعون في نهاية كل شهر (صحن) ويقدمون فيه المقسوم كنوع من المساعدة له ولأبنائه الصغار، وفي إحدى المرات وهذه حادثة يذكرها ابنه محمد العلان الذي كان قريبا جداً من والده والملازم له في كل خطواته، حيث يقول’’ كنت أسير ذات يوم إلى (الخباز) القريب من بيتنا وكان عمري في ذلك الوقت لم يتجاوز 14 سنة، ومررت في طريقي إلى دار مرزوق وكانوا جالسين في ‘’البرستي’’ القريب من الدار وسمعت أحد ملازمي الدار يعترض على مساعدة العلان وسمعته يقول وبصوت عال بأن أعيال العلان كبار وكل واحد فيهم يمشي على (زنده التيس)، ونحن غير ملزومين بإعانته، ومنحه كل شهر مبلغا من المال، سمعت هذا الكلام -والحديث لايزال لمحمد العلان- دارت فيني الدنيا ولم أتمالك إهانة والدي وذهبت مسرعاً ودموعي تسبقني وارتميت في حضن أمي وأنا أبكي ولا أعرف ماذا أقول كل الذي أدركته بأن شهقاتي ودموعي كانت تدوي في أرجاء المكان حتى وصل والدي من المسجد واستخبر وعلم بالأمر، فذهبنا إلى دار مرزوق وبعد السلام وقف أبي ويقول لهم الذي بيني وبينكم انتهى وما يربطني بكم إلا السلام، وصحنكم عندكم أنا ما أنتظر منكم شفقة وإحسانا، وأمرني بأن آخذ الطبل ونرجع البيت، وباءت كل المحاولات بالفشل في إقناعه بالعودة إلى الدار، ليؤسس بعدها دارا (الجديدة) ثم دار (سالم العلان) في قلالي وكان من أبرز رواد الدار يوسف بوجفال، يوسف ناصر، محمد أحمد، علي المالكي، إبراهيم المناعي، عبدالله المناعي، موسى بن ناصر، أحمد بوجفال والكثير من أصدقائه ومحبي الطرب والفن، وقد لازم العلان في حياته كلا من دار مرزوق بلال ودار جناع الكواري ودار بن حربان، وكان يزور دار علي بن صقر والدار العودة كما تربطه علاقة متميزة مع دار حمد بن حسين في الكويت ودار مبارك بن سعيد في قطر’’.

الأسطوانة البلاتينية

في العام 1978م سافر سالم العلان مع جمعية البحرين للفنون الشعبية إلى (باريس) وذلك للمشاركة في تسجيل الأسطوانة 100 لليونسكو، وهي أسطوانة خاصة عن فنون الغوص في البحرين، حيث تصدر المنظمة وبصفة دورية أسطوانة دولية تتناول فنون شعب من الشعوب، فكانت الأسطوانة 100 تتعلق بفنون البحرين، وقد أبهر العلان جميع الحضور في تلك الأمسية التي قام بأداء فنون البحر مع زميله بوطبنية والتي جعلت الصحف الفرنسية تفرد لهم مساحات على صدر صفحاتها الأولى تشيد بالفن الكبير الذي يحملونه، ومن شدة انبهارهم بطبقات صوته تم وضع العلان بعد الانتهاء من وصلته في غرفة خاصة وتمت دعوة المختصين الفرنسيين بدراسة طبقات صوته التي اعترف الكثير منهم بأنه يملك قدرات هائلة قلما تجدها في فنان!! وفي تلك الفترة ساهمت جمعية البحرين للفنون الشعبية أثناء قيادة الفنان راشد المعاودة والفنان أحمد الفردان بدور كبير في تقديم الفنون الشعبية المختلفة وتعريف الفن البحريني في الكثير من الدول العربية والأجنبية، وقد كان العلان ضمن الوفد الذي مثل البحرين في الكثير من المحافل منها مهرجان قرطاج بالجمهورية التونسية، فرنسا، ألمانيا، وبون واستراليا، كذلك كان له الحضور المتميز في دولة الكويت والتي فيها تم تسجيل فنون البحرين بأمر من وزير الإعلام الكويتي آنذاك.

تسجيلاته..

في مشواره الفني سجل العلان الكثير من التنزيلات والفنون لصالح تلفزيون وإذاعة البحرين ساهم في ذلك الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة عندما كان وكيلاً لوزارة الإعلام، الذي حرص على توثيق الفنون الشعبية والمحافظة عليها من الضياع، كما هناك الكثير من التسجيلات النادرة له في دولة قطر والكويت، وله الكثير من اللقاءات التي قام بعملها في الإذاعة والتلفزيون، كما شارك في العام 1975م في مسرحية (توب توب.. يابحر) مع مسرح الجزيرة والتي قام بتأليفها الأستاذ راشد المعاودة وأخرجها الفنان سعد الجزاف والتي عرضت في 17 يونيو/ حزيران 1975م.

علاقته بأحمد بوطبنية..

كان النهام أحمد جاسم بوطبنية من أعز أصدقائه وكان لزيمه الدائم، وكانوا يشكلون ثنائيا جميلا. أبهرا العالم في كل محفل فني يشاركان فيه، وحين توفي العلان حزن عليه بوطبنية كثيراً حتى وقف أمام نافذة غرفته ينعى زوجة العلان وهو يقول لها ‘’أنتي فقدتي زوجك ولكنني أنا فقدت عضيدي وأخوي، وما أقدر على الحياة من عقبه حتى الفجري أحس إني ما عرفه!’’ 

إصابته بالعمى

في بداية الخمسينات بدأ نظره يقل يوماً عن الآخر وكان يشعر بألم في رأسه وضباب في الرؤية بعد أن تداخلت المياه البيضاء والزرقاء في عينه، حتى فقد البصر في العام 1955م وكان عمره 41 سنة، وقد سافر برفقة زميل دربه المرحوم موسى بن ناصر والذي كان ملاصقا لبيته إلى الهند لتلقي العلاج، وقد بشره الأطباء بأنه من الممكن أن يسترد بصره بشرط أن يتوقــف عن الغناء والصراخ لأنه سيؤثر بشكل رئيسي على عملية إعادة البصر، واعتذر لهم وهو يقول كيف تحرمونــي من شيء أحبه وأجد إحساسي وروحي فيه ومن الصعب علي أن أظل من دون غناء فأنا أرى سعادتي ودنياي فيه، وخيره الطبيب أن يرجع إلى البحرين ويفكر وإذا عدل عن رأيه فله أن يرجع لهم، ونصحه زميله موسى بن ناصر بالموافقة ولكنه أصر على رأيه واختار الفن والغناء على نعمة بصره! 

اهتماماته

كان محبا لصوت محمد بن فارس، ضاحي بن وليد، ومحمد زويد كما أنه كان يسعد عندما يستمع إلى صوته في الإذاعة، وكان يعشق العيش الشيلاني باللبن، كما أنه مغرم بأكل السمك المشوي وليس المقلي وعشاه المفضل (الباجلة)، وكان قبل أن ينهم ويحدو يقوم بشرب دهن عداني كان يقدمه له ماجد الشروقي وهو أحد التجار، لإيمانه بأن الدهن يسلك الصوت، كما أنه نادراً ما يذهب إلى الطبيب وكان دائماً يحمل في ‘’مخباه’’ (الفكس الأخضر) يدهن به نفسه يومياً خوفاً من إصابته بالبرد والرشح، وظل في أيامه الأخيرة يعزف على طبله كل يوم بعد صلاة العصر ويحدو داخل البيت، ويعود تاريخ الطبل الذي يعزف عليه إلى أكثر من مئة عام حيث كان يستخدمه والده قبله وقد جلبه من الهند في إحدى سفراته.

وفــــاتـــه..

ازداد عليه المرض وكان يشعر بألم مستمر في رأسه، حتى سقط مغشياً عليه في 15 يونيو/ حزيران 1981م، وذهبوا به مسرعين إلى المستشفى العسكري لعلاجه، حتى أخبرهم الدكتور (نيل) وهو جراح في مستشفى عوالي بأن حالته الصحية سيئة جداً وأنه يعاني من نزيف داخلي وانقطاع في الشريان الداخلي للمخ، وأن أية محاولة لنقله للخارج لن تكون مجدية حيث حالته غير مستقرة، وظل في المستشفى لمدة شهرين، حتى وافته المنية في 25/9/,1981 عن عمر 67 عاماً، لتغمض عينه إلى الأبد، منهياً بذلك آخر فصل من حياته ومن فن الفجري.

المصدر جريدة الوقت العدد1153 - 18 أبريل 2009

 -----------------------------------

سالم العلان .. رائد فن الغناء البحري
بقلم: مبارك نجــم

عرفت البحرين كغيرها من الشعوب والمجتمعات المنتجة الأخرى أهمية أغنية العمل وأهمية مؤديها ، وبما أن البحر كان مصدر الرزق الرئيس للغالبية العظمى من الرجال والشباب لشعب البحرين وشعوب دول الخليج العربي، وكانت مهنة صيد اللؤلؤ مصدراً اقتصادياً لديهم قبل اكتشاف النفط ( عام 1932 ) وأكثرها توفيراً لفرص العمل، فقد أفرزت الإبداعية الشعبية لدى صيادي اللؤلؤ نوعين من الأغاني تميزت بخصوصية فريدة أذهلت كل الراصدين والباحثين والمستمعين إليها من عرب وأجانب.  يطلق على النوع الأول أغاني البحر أو أغاني العمل على سفن صيد اللؤلؤ، وهي عبارة عن جمل لحنية بمصاحبة الإيقاع في أغلب الأحيان والأداء الحركي، وهي تواكب رحلة الغوص ابتداء من تنزيل سفينة الى البحر وانتهاء بسحبها الى اليابسة بعد الانتهاء من موسم الغوص، ولكل عمل يؤدى على ظهر السفينة جملة لحنية خاصة، فلإنزال السفينة البحر، ولسحب حبل المرساة، وجر المجاديف وسحب الأشرعة وغيرها من المهام ، وصاحب الدور الرئيس في تلك الأغاني هو ذلك المايسترو، ضابط الوحدة الحركية ، ومنظم سير العمل ويطلق علية محلياً " نهّام " وهو الشخص المتخصص في أداء الأغاني المصاحبة للعمل خلال رحلة الغوص ( البحث عن اللؤلؤ).

والنهّام ظاهرة من أهم الظواهر الفنية والاجتماعية في المجتمع الخليجي، حيث أدرك المجتمع البحريني والخليجي كما أسلفنا أهمية أغنية العمل ودورها في شحذ الهمة والعزيمة والجدية وخلق التوازن اللازم لاستمرار العمل  وإذكاء روح التعاون بين البحارة، لكنها ـ أي الأغنيةـ  أيضاً مصدر للأمان والطمأنينة ولتهوين الصعوبات ونسيان التعب والملل، حيث أن العمل في الغوص ( صيد اللؤلؤ) قاسٍ ومتعب بل من أشق الأعمال وأقساها، ناهيك عن تلك  المعاناة النفسية للبحارة التي تفرزها الظروف المحيطة بالعمل بعيداً عن أسرهم وأحبائهم .

كما يطلق على النوع الثاني محلياً فن " الفجري"، وهو غناء السمر لدى صيادي اللؤلؤ في البحرين وهو غناء ذو موازين إيقاعية معقدة ومركبة، عادة ما يغنى على اليابسة في الاحتفالات الاجتماعية للبحارة خلال أو بعد موسم الغوص،  ويطلق على من يقوم بغناء فصول هذا الفن "حدّاي ". والجدير بالذكر بأن هناك حقيقة معروفة بأن ليس كل نهام جيد ينهم على سطح السفينة مؤدياً أغاني العمل ومحركاً وضابطاً لإيقاع العمل يمكن أن يكون "حدّاي"، والعكس صحيح، بالرغم من العلاقة الوثيقة بين النوعين. فمن هنا تكمن قيمة الفنان المتمكن والمقتدر من فنون وأسرار هذين النوعين الغنائيين، ولو أردنا أن نقدم نموذجأ لفنان ممن يمتلكون تلك المقدرة والمستوى الرائع لهذين النوعين لن نجد خير مثال من الفنان البحريني القدير سالم العلان، رائد الفن الغنائي البحري . 

الفنان الشعبي البحريني سالم العلان إسم يدل على شخصية فذًة في الغناء البحري وصاحب صوت عذب، يتميز بتلك الصرخات اللحنية والآهات الشجية التي تقتحم القلب اقتحاما، وتأسر سامعها ، سالم العلان صوت بحر الخليج ومداه البعيد، صوت ذو مساحة صوتية عريضة قلما تجدها عند الفنانين الآخرين، فنان متمكن من أدواته الفنية، وحافظ للمواويل .

ومن المعروف بأن ربابنة السفن ( النواخذه ) يتسابقون ويتنافسون للاتفاق مع  أقدر وأفضل النهامة للعمل معهم في رحلة الغوص لعدة أسباب منها :

- إيماناً منهم بدوره المهم باعتباره العامل المحفز للعمل .

- مخففاً للمشقة والتعب وألم الفراق لدى البحارة أثناء رحلة الغوص.

- عامل جذب للعديد من البحارة.

وكل تلك النقاط السالفة الذكر وغيرها متوفرة لدى سالم العلان الذي يحظى باحترام الجميع من النواخذة وجميع العاملين على سطح السفينة ومن عامة الناس في المجتمع.

يعتبر سالم العلان من أشهر النهّامة والحدّاية على السواء في الخليج العربي لما يتمتع به من قوة وحلاوة الصوت والإمكانيات الأدائية الغنائية الرائعة وحسه الفني الشجي ، بالإضافة إلى قوة الارتكاز النغمي لديه وقدرته الكبيرة على الانتقال من المقامات الموسيقية بطريقة متقنة وعفوية، سواء في غناء أغاني العمل أو في غناء فصول فن الفجري.

سالم العلان رائد غناء الفنون البحرية في البحرين وعالم بها وبأسرار تلك الفنون، وقد قام بتصوير وتسجيل العديد من جلسات الغناء لتلفزيون البحرين، كما أنه أدى بعض الأغاني البحرينية الشعبية وقام بتصوير البعض منها على سبيل المثال ( أغنية يا علي )، وفي رأيي الشخصي أن مثل هذا النوع من الغناء ليس من تخصصه، فغلب عليها طابع الغناء البحري.

سالم العلان مدرسة متخصصة في الغناء البحري، رحل وترك وراءه تراثاً غنائياَ ثرياً يستحق البحث والدراسة، وحبذا لو فكرت الدولة بشكل  جدي في إنشاء  مركز يحمل اسمه لحفظ الفنون البحرية البحرينية، وفصول للتدريب على غناء وأداء الفنون البحرية وإيقاعاتها للأجيال القادمة حفاظاً على هذا الموروث الرائع من الاندثار والنسيان.

 -----------------------------------

مرور 30 عاما على رحيل رائد غناء فنون لفجري في البحرين والخليج العربي
بقلم: خالد عبدالله خليفة

توجد أنواع من فنون الغناء في البحرين منها الصوت الشعبي ولفجري والأغنية  وارتجال الموال والأغاني الشعبية التي تؤديها فرق الفنون الشعبية النسائية والغناء الديني وأغاني المهد والأهازيج والشيلات. ولكن المتتبع لهذه الفنون الغنائية يستطيع أن يميز بين نوعين من فنون الغناء يمتازان بالتألق والنقاء والتعقيد والتفرد بشكل لافت، وليس عجباً أن يتزعم النوع الأول الفنان الكبير محمد بن فارس، في حين يتزعم النوع الثاني الفنان البحريني الكبير سالم سعيد العلان من مواليد قلالي بمحافظة المحرق (1914 – 1981).

ونحن هنا لسنا بصدد البحث عن أيهما أقدم من الأخر، ففن الصوت ترجع جذوره التاريخية إلى الغناء في العصر العباسي، أما غناء فن لفجري فإنه من الصعب تتبع تاريخه حيث أن جذوره الفنية موغلة في القدم والغموض. ولكن من المؤكد أن رحلات الغوص على اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي كانت تعتمد منذ زمن سحيق على وجود المغني (النهام) على ظهر السفينة، وذلك لعدة أسباب منها ما هو مهني، أي لتنظيم الحركة أثناء العمل على ظهر السفينة وتوحيد جهود مجموعة العمل من الغواصين ومساعديهم لإنجاز المطلوب في وحدة أدائية جماعية متناغمة، أما الدور الفني والوظيفي الذي يقوم به (النهام) والآلات الإيقاعية وفي الأساس (آلة الطبل) هو أن صوت النهام في حد ذاته هو ملهم البحارة، فهو يعبر عن آلامهم وآمالهم ويمثل حاضرهم ومستقبلهم من خلال التأثير المباشر للنصوص الشعرية والألحان الغنائية التي تستلهمها ذاكرته ، ومن جانب أخر فهناك التأثير اللغوي الذي تمثله اللهجة المستخدمة في تلك النصوص المحلية التي يفهمونها ويعايشون مفرداتها ويستقبلون من خلالها مكنونات الإبداع للذاكرة الشعبية الجماعية التي تراكم التجارب والخبرات الشعورية والعاطفية في شحنات دافقة تتملك مشاعر ووجدان المتلقي، إلى جانب أن النهام في غنائه يتطرق إلى عدد من المقامات الموسيقية التي تشكل في مجملها مخزون الثقافة السمعية لهذا المجتمع، بالإضافة إلى التراكيب الإيقاعية المعقدة  والمتداخلة مع أصوات الأكف المشهرة بالتصفيق. هذه المؤثرات التي يتصدر لها النهام على ظهر السفينة وضمن دورة العمل اليومي المتسم بالجهد الفائق والتعامل مع أدوات العمل الصلبة والقاسية، يستطيع النهام بأدواته الفنية تلك أن يؤثر في وجدان المجموعة بحيث ينقلهم إلى حالة مزاجية مختلفة عن الوضع العادي المعاش، حيث يندمجون في حالة طربية من خلال الأداء الموسيقي العام ، المتناسق والمتناغم مع الحركة الجماعية التي تؤدي الأعمال المطلوبة في التوقيت الموحد الذي تنظمه دقات الطبل الكبير على الوحدة الموسيقية الموقعة، فيصبح إنجاز الأعمال الكبيرة القاسية في محيط البحر حيث الأخطار والأهوال، يصبح ذلك نوعا من الطقوس العملية التي يؤديها البحارة في حالة من النشوة والشجن النفسي والروحي، ينسون من خلاله وطأة العمل والضغوط النفسية والجسدية. في حين أننا يجب أن نميز بين فنون الغناء على ظهر السفينة وتسمى (أغاني العمل) وفنون الغناء على اليابسة وتسمى (فنون السمر).

إن الفترة الممتدة من بداية القرن العشرين وحتى منتصفه تقريباً، شهدت بداية انحسار تجارة اللؤلؤ وتدهور هذه الصناعة لأسباب اقتصادية واجتماعية وبالتالي انهيار مهنة الغوص وانتهاء عصرها الذهبي، ولحسن حظ  هذه الفنون وللتأكيد على دور البحرين الريادي على مستوى منطقة الخليج العربي، فإن ظهور سالم سعيد العلان على الساحة الغنائية الشعبية في هذه الفترة، استطاع أن يتوج ختام تاريخ طويل من فنون الغناء البحري، بل استطاع أن يمثل هذا الفن في أجمل صوره وأنقاها على الإطلاق. تكمن أهمية سالم العلان في أنه اختزن واختزل كماً هائلاً من النصوص والألحان الغنائية المتناقلة شفاهة واستطاع الحفاظ عليها من الضياع ونقلها إلى الأجيال التالية، حتى بعد انتهاء عصر الغوص، فقد استطاع حفظ وتوثيق توصيل هذه الفنون قبل زوالها، وبسبب إدراكه لتقنيات التسجيل والتوثيق في النصف الثاني من القرن العشرين من خلال الإذاعة والتلفزيون، إن  سالم العلان عبر عن موهبة غنائية فذة ومتميزة مع امتلاكه حنجرة وطبقة صوتية مفتوحة ومعبرة أتاحت له أن يعبر عن كل المخزون الشعبي في تلك الألحان الصعبة من الناحية الفنية والغنائية والتي يتم أداؤها ضمن مسار لحني غير عادي مصحوباً بتراكيب إيقاعية في غاية الدقة والصعوبة والتعقيد.

لقد عبر سالم العلان عن مشاعر وأحاسيس الشعب البحريني والخليجي أيضا، من خلال غنائه المشحون بالشغف والحزن الدفين والشجن، واستطاع أن يوصل للأجيال الجديدة (طعم ونكهة) المعاناة التي عاشها الآباء والأجداد وتمكن من الحفاظ على الموروث الشعبي الغنائي وتوصيله بكل صدق وشفافية وفي أبهى صوره.

للأسف لم يأخذ هذا الفنان حقه من التكريم والتقدير على بساطته وتواضعه، هو والفنان النهام (احمد جاسم بوطبنية) حيث شكلا ثنائيا ناجحا في أداء هذه الفنون، وقد يغفل عن الدور الكبير الذي قام به وهو ليس تقصيراً متعمداً بل إنه بسبب عدم إدراك قيمته الفنية ودوره الفعال في الحفاظ على الموروث الشعبي الأصيل في وقت ذروة التغيير الحضاري في المجتمع البحريني. لقد ظل سالم العلان يشدو بصوته الهادر القادم من أعماق البحار البعيدة القصية قيعانها إلا لرجال طويلة هاماتهم عالية مرفوعة مغسولة بملح البحر وشغف العيش ومكابدة الحياة الصعبة. دخل البحر صغيرا ليعين أسرته الفقيرة وليحاول تحريرها من ديون وسلفيات النوخذة، ورث موهبته عن والده كما ورث عنه طبله الذي احتضنه حتى مماته يدندن عليه أغاني (اليامال) وعلى الرغم من إصابته بالعمى في الفترة الأخيرة من حياته إلا انه كان له نشاط كبير من خلال الدور الشعبية في المحرق حتى مماته.       

 شارك في تسجيل الأسطوانة البلاتينية المئوية في عام (1978) لصالح منظمة اليونسكو، من خلال سفره إلى باريس برفقة وفد موسيقي مثل جمعية البحرين للموسيقى والفنون الشعبية.

ختاما إنني أدعو في هذه المناسبة العزيزة ومن هذا المنبر الصادق إلى مراجعة ودراسة وحفظ وتوثيق تراث هذا الفنان للأجيال القادمة وحفاظا على تراث الوطن، من جانب آخر يجب أن يتم تقدير دوره الرائد في هذا المجال من خلال عقد الندوات والدراسات حول فنه وإلى توثيق أعماله وتخليدها من خلال التقنيات الحديثة (في التسجيل والتوثيق) وتعريف الأجيال الجديدة بهذه الفنون، وأن يتم تكريم اسم هذا الفنان على عدة مستويات، كما أدعو الجهات الرسمية والأهلية والخاصة ذات العلاقة وأخص إدارة الثقافة والفنون ومتحف البحرين الوطني إلى إقامة نصب تذكاري لهذه الشخصية الفذة والهامة في تاريخ الفن الغنائي في مملكة البحرين.    

 -----------------------------------

سالم العلان عذوبة الصوت وامتياز الاختيار

بقلم: حسن سلمان كمال

حينما كان الغوص وسيلة حياة رئيسية، عندما كانت مئات من السفن تخرج إلى مغاصات اللؤلؤ حول جزر البحرين محملة بالرجال العاملين عليها كل في مجاله في العمل على السفينة بدءً بـ«النوخذة» أول وأهم رجل
فيها، وتدرجاً إلى أصغر واحد من طاقمها، كان «النهّام» من أبرز وأهم العناصر لكمال الرحلة. فهي رحلة طويلة متعبة في جو مشبع بالتهديد والمفاجآت وقوانين صارمة للحياة البحرية، وعمل جسماني شاق لأرواح تتلاعب فيها الآمال والآلام. وكان «النهّام» هو المعّبر عنها جميعاً، من أصغر بحار إلى «النوخذة». يعبّر عن أحاسيسهم جميعاً ويملأ نفوسهم بأصدق ما يجيش في روحه منها، بصوته وبما يختار من كلمات في عمله الفني «المهم». وقد كان النهّام البارز بين عدد من النهّامين الممتازين في البحرين، النهّام سالم العلان.

برز في هذا الفن البحري العريق (لفجري) لتوفر إمكانياته فيه وتكريس حياته له، فهو يتمتع بصوت جميل، قوي، شجيّ، وحفظ الكثير من كلمات الموال وبقية كلمات الفنون البحرية المصاحبة للعمل.

ويمتاز صوته بعذوبة مرتعشة كأنها «غرغرة» بماء عذب وسط ذلك الأجاج والحر. كما أنه يمتلك موهبة القدرة على التعبير عن معنى الكلام بطريقته في الأداء، والذوق في اختيار (الموالات).

والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية له تحوي عدداً كبيراً منها، يتجلى فيها مع زميله في فن (لفجري) أحمد بوطبنية، الذي يشكل معه انسجاما يأسر القلوب. وقد التقيا أثناء العمل بالغوص وبقيا صديقين مدى العمر حتى مطلع الثمانينات حينما توفي سالم العلان، وظل صديقه يستمع إلى صوته مسجلاً حتى رحل هو إليه.

وقد شاركا في حفلات محلية كثيرة في البحرين والخليج، وفي مهرجانات عربية وعالمية، كمهرجان قرطاج بتونس وألمانيا وفرنسا. وفي مهرجان اليونسكو للفنون الشعبية في باريس في عام 1978 حصلا على جائزة الأسطوانة البلاتينية من المنظمة العالمية تقديرا للفنون البحرية التي أدياها، وأشادت بعراقة فنهما الصحف ونشرت صورهما في صفحاتها الأولى.

وتعرف العالم على هذا الفن الذي يزخر بروائع الأصوات والإيقاعات عن فترة ضاربة في السنوات، سنين الغوص.

لقد كان العلان، بموهبته وخبرته مدرسة لفن (لفجري) في البحرين والخليج أخذ عنه من تتلمذ بحضوره وبذلك حفظ هذا الفن للاستمرار ما أمكن ووثقه للخلود.

وكان من يزور البحرين من المتخصصين في الفنون الشعبية يثرون معلوماتهم بما يتناقلونه من تسجيلات للعلان سواء في (الدّور) أو الحفلات.

رحم الله النهّام الكبير سالم العلان الذي سيظل في ذاكرة الوطن والبحر والفنّ..

 -----------------------------------

 يابحر مافيك معروف ....ضيعت شوقى و انا اشوف

بقلم: محمد جمال

كان أول لقاء لي مع المرحوم سالم العلان فى دار جناع بالمحرق فى بداية السبعينات أثناء تسجيلي لبعض المواد الشعبية لإذاعة البحرين ....

كان العلان يغني :

يا فنجرى واصعد الدوم.....

جواعد البحـر ضاعـــت.....

يابحــر مافيـك معـروف.....

ضيعــت شـوقــى وانـا اشوف

فسألته عن كاتب هذه الأبيات المعبرة فأجاب : لا أدرى....سمعتها ممن كانوا قبلي

كانت إجابة العلان المختصرة باعثا على استنباط عشرات الأسئلة الحائرة في الذهن والتي لا تجد لها إجابة... من هم الذين كانوا قبله؟ ماذا كانوا يعملون؟ ... ماذا يغنون؟ ... ولماذا يغنون؟ ... وعشرات الأسئلة الاخرى التي تتطلب الإجابة عليها معرفة بأحوال الناس المعيشية والحياتية وما نتج عنها من عادات وتقاليد وابداعات قولية وفكرية، ففي السؤال يكمن هاجس البحث الذي يقود إلى الكشف عن جوانب من التفكير الجمعي المعبر عن الذات والثقافة الشعبية... وما هذه الإجابات الا رافداً يصب في النهر العظيم الممثل للتاريخ الحضاري لأي أمة.

يمثل سالم العلان وزملاؤه من حملة الثقافة القديمة - ولعله أشجاهم صوتا - متحفاً متنقلاً، و من الطبيعي أن ارتياد المتاحف يكون لأسباب، بعضها للترفيه وقضاء الوقت الممتع، والبعض الآخر للتعرف على الثقافات المختلفة او ربما البحث والتحصيل العلمي.

إن وظيفة سالم العلان كما اتضحت لي بعد أربعين سنة من أول لقاء، لم تكن تسلية البحارة وحثهم على البذل، او كما يصفه زملاؤه: بلسماً لهواجس الشوق والحنين التي ولدها البعد عن الأهل والأحباب فقط ... بل كانت له وظيفة اخرى لا نعطي للعلان حقه إلا بذكرها: لقد كان عاملا هاماً من عوامل الإنتاج في عجلة الاقتصاد البحريني في عصر الغوص والرجولة.

 -----------------------------------

النهام المرحوم سالم العلان
بقلم: أحمد الجميري

يعتبر سالم العلان من أجود من أدى المواويل المرتبطة بغناء فنون الفجري ( النهمة والجرحان ) وذلك بسبب :-

1  -  حلاوة الصوت .

2 - مساحة الصوت الكبيرة التي تساعده على الأداء براحة في المناطق الموسيقية العالية والواطية .

3 -  سلامة وسلاسة النغمات الموسيقية التي يؤديها وخلوها من النشاز.

4 - التركيبة النفسية الحزينة بسبب العمى والفقر جعلته يعبر بإحساس صادق عن معاني الكلمة في المواويل التي يؤديها بحيث تجده يضغط بشدة وعلو في الصوت عندما تكون الكلمات عن شكوى الزمان والناس والأحوال والهدوء واللين وانخفاض في الصوت عند المدح أو ذكر الله والأنبياء والصحابة.

أعداد المجلة