فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

آلة المرواس وضاربها، الفتى الأسمر ضاحي بن وليد

العدد 14 - موسيقى وأداء حركي
آلة المرواس وضاربها، الفتى الأسمر ضاحي بن وليد
حسين مرهون
كاتب من البحرين


ما أصعبَ أن تشتقّ لنفسكَ

درباً

بين شعاب الصوتْ!

كهفٌ عربيْ

من يُرغمه أن يطأ الأرضْ؟

اشربْ يا ضاحي

من يُرغمهُ؟

اشربْ

قد تمتصّ من الأشواك رحيق الصخرْ

وتهدّ على رأس الحفّار جدار القبرْ.

من قصيدة "تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة"علي الشرقاوي

 

مثل كل الحقائق الكبيرة في الحياة، صغيرةً تبدأ ثم تشب. وهكذا كان:

بدأ حياته ضارباً على آلة الإيقاع الموسومة بـ«المرواس»، ومنها اكتسب في أوليات تجربته الهوية المشتقة  التالية: «مروس». لكنه لم يطل المكْث كثيراً. ففي ظرف بضع سنوات راح يطور هوية مغايرة سرعان ما توجته مطرباً وواحداً من أقطاب الطرب البحريني في النصف الأول من القرن العشرين. حتى مع المدى الزمني القصير الذي عاشه، ثلاثاً وأربعين سنة. ثم على الوقع الأثير لجريان هذه الهوية المستجدة بنى مأثرته. اليوم يقال المطرب أو الفنان ضاحي بن وليد، أو هكذا نعرفه، ولا يقال «المروس». رغم كل ذلك، فالرجل الأسمر أجدر الوجه، الذي يتحدر من جذر أب أفريقي ابتيع في مكة وجيء به إلى البحرين أواخر القرن التاسع عشر، وصاحب  دار الطرب الشعبية الواقعة في «جراندول» شمال المحرق المسماة «لبنان»، تبدو حياته أقرب شبها إلى «تكتيكات» عمل هذه الآلة الإيقاعية التي رافق بها أستاذه الفنان محمد بن فارس منذ وهلة المراهقة  لغاية منتصف العشرينات، منها إلى «تكتيكات» حياة المطربين!

لماذا نجازف بالقول ذلك؟ حسناً، لنتعرف بدءاً على بعض المعطيات المتعلقة بتقاليد العمل على هذه الآلة أسطوانية الشكل وذات الجلد السميك الثنائي. فمما يذكره بول أولسون الذي وضع مؤلفاً مهماً عن الموسيقى في البحرين ضمنه وصفاً دقيقاً للآلات المستخدمة في الفنون الشعبية أن المروس، أي الشخص الذي يقوم بالضرب على المرواس «لم يكن [عهدئذ1] مسموحاً له الارتجال إلا نادراً»2. بل إن مهمة المروس في الواقع، حسبما يشدد على ذلك باحث آخر في فن الصوت وهو مبارك العماري، هي «التقيد بالإيقاعات المتعارف عليها في الغناء». وإلا فإن الخروج على هذه القاعدة «قد يتسبب في نفي صفة الصوت عن الأغنية». ويقرر في هذا السياق أن «إيقاع المرواس هو الحكم الفصل في تسمية الصوت» 3.

يمكن الاستنتاج من المعطيات السالفة الخلاصتين التاليتين: أن المروس، ركن أساسي في الفن الطربي القديم المعروف بالصوت، لكن أساسيته تنبع بالذات من الالتزام الحرفي بالنص، أي نص الإيقاع الرئيس الذي ينتقيه  المطرب. حيث يُمنع الاجتهاد أو إدخال الزخارف الإيقاعية فلا اجتهاد مقابل النص. وهو على أهميته البالغة التي يستدعي الإخلال بها اضطراباً في هوية الغناء، فهو قد يكون أي شيء إلا أن يكون فنا من فنون الصوت، إلا أن المروس، وتلك هي الخلاصة الثانية، يظل أسيراً دائماً لمحورية دور المطرب. ذلك أن هذا الأخير هو من يفرض في النهاية شكل الإيقاع بناءاً على اللحن والكلمات، التي يكون قد انتقاها مسبقاً. في حين تنبني وظيفة المروس على الالتزام الحرفي بهذا الإيقاع المنتقى، أي على لاحقيته للمطرب.

ولا يخفف من هذه اللاحقية الرأي المنقول على لسان فنان كبير مثل محمد بن فارس

 (1895 - 1947) من أن «المطرب الحقيقي هو المروس وليس المغني»4. ذلك أنه يورده هنا في معرض محض الإشادة بأهمية الدور الذي يلعبه هذا العنصر الإيقاعي في بنية فن كالصوت المصنف بأنه نوع من الغناء الفردي. ومعروف أن عدم التزام المروس بالإيقاع أو تفننه في الزخرفة، ربما أودى إلى ضياع المطرب، خصوصاً لدى خروجه عن الإيقاع كما حين التنقل بين مستوىً صوتي وآخر. وحسبما يرى العماري فالمروس «هو من يعيد المغني إلى اللازمة الصحيحة إذا ما خرج عن الإيقاع، أما إذا أخطأ ضابط الإيقاع فلا يستطيع المغني أن يعيده إلى الإيقاع الصحيح». 

خارجاً على النص

الحال، فإن كل الدور المزجى إلى المروس، حتى على رغم من أهميته، إنما يقع في الحقيقة «بين قوسين» ملاكهما هو المغني نفسه. في المقابل، تصب الحكايات القليلة المتوافرة التي تُروى عن حياة ضاحي بن وليد في تظهير صورة فنان، هو الآخر يقع «بين قوسين»، أو هكذا أريد لها أن تكون. لقد كان مفاجئاً جداً لأستاذه محمد بن فارس أن يجده خارجاً عن النص المرسوم. لكن ليس عن الإيقاع هذه المرة، إنما عن النص المقدر له أن يكونه. يتناقل أغلب الدارسين لحياة الأخير عن خصومة طويلة اشتهرت بينه وبين ضاحي على خلفية اكتشافه في «دار لِخْضاري» التي شهدت أوليات تكوين ضاحي الفني، أن الأخير قد صار يتوافر على ملكة أخرى غير «الترويس»، وهي الغناء. الشيء الذي لم يكن قد خبره عنه من ذي قبل. وكان كافياً لأن يؤدي هذا الاكتشاف إلى هز يقينه فيه حد طرده من الدار، مرة واحدة وإلى الأبد5. حيث لن يلتقيا ببعض إلا بعد سنوات ولكن بعد أن أعيد رسم خارطة الأدوار بينهما.

وهكذا كان!

الأمر أشبه بمطرب انتقل من مستوى صوتي إلى آخر، ثم لدى عودته، فوجىء بغتة أن «المروس» لم يكن ماكثاً بانتظاره على نفس الإيقاع، فضاع. أما في حالة بن فارس فقد ترتب على مسألة «ضبطه»، ضابط إيقاعه النجيب في وضعية الخارج على النص، أي ليس كما اعتاد منه منذ وهلة إشراكه في «الكار»، ترتب على ذلك قيامه بقلب كل قاعدة اللعب. لم يكن ليقبل أن يجد ضاحي مزاحماً له على نفس رأس المال الرمزي. لذا فقد صار التلميذ وحيداً الآن. وفي وحدته القصيرة نسبياً خارج القوس سينشىء مأثرته العظيمة، مطرباً هذه المرة وصاحب دار، تدور أسطوانات الفونوغراف خاصته في مدار آلة الغرامافون، آلة السماع البدائية الصنع والمؤلفة من صندوق صغير، في المقاهي الشعبية في المحرق والمنامة، تماماً كما تدور أسطوانات أستاذه، وليس مروساً. بل سيحرز سمعة محببة في أوساط العامة والتفافا من الناس أكثر تلائم كونه الأقرب إليهم اجتماعيا من الأستاذ. وكما نقل بعد ذلك الشاعر الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة (1929 - 2004) الذي يعود له الفضل في حفظ كثير من أرشيف فن الصوت، فلن يجري جَسر القطيعة بينهما قبل قيام شخصية كبيرة من وزن الشيخ علي بن عبدالله آل خليفة  الذي تتحفظ الكتابات المؤرخة لفن الصوت عادة في ذكر اسمه تصريحاً، بالتوسط شخصياً له عند بن فارس. ولكن بعد أن تكون قد مرت سنوات جرت فيها، ما من شك، مياه كثيرة بينهما.

علاقة ملتبسة

تتفق المراجع التاريخية على الإشارة إلى تشاركهما السفر إلى بغداد للتسجيل في استوديوهات شركة «هيز ماستر فويس» (1932). إلا أن أياً من هذه المراجع لم ينقل لنا أية إشارة ودية صريحة صدرت عن محمد حيال التلميذ. ويبدو أنه كان أقرب إلى تلميذه الآخر محمد زويد (1900 - 1982) منه إلى ضاحي. على ما يمكن أن يستشف من ترشيحه الأخير للذهاب بمعية بعثة شركة «بيضافون» للتسجيل في بغداد (1929). رغم أن مسحاً ميدانياً كانت قد أجرته الشركة بغية اكتشاف أصوات صالحة للتسجيل خلصت فيه، حسبما يفيد عبد الحسين الساعاتي، إلى صوتين فقط تنطبق عليهما المواصفات المنشودة، وهما محمد بن فارس وضاحي بن وليد6. لولا أن الأخير كان غائباً على متن إحدى سفن الغوص. ما جعل زويد يفوز بقصب السبق كأول شخص يطرح أغانيه من خلال أسطوانات سهلة التداول.

وعدا تلك الواقعة التي رشحت وهلة مصالحتهما ببعض، والتي جرت في الدار الموسومة بـ«السيفية» في قرية الجسرة، حيث يروي الشيخ أحمد أيضاً أن بن فارس اشترط قيام ضاحي بغناء «مال غصن الذهب»، كعربون للصلح، وهو ما حصل فعلاً، في الوقت الذي همّ هو بالترويس له إلى حد إدماء أنفه بعد أن استبد به الطرب وراح يقذف «المرواس» في الهواء ومن ثم يعيد تلقفه مرة بعد مرة7. أقول، عدا هذه الواقعة، فإن ما يتوافر بين أيدينا بهذا الصدد، فيما يتعلق يكيفية تمثيل ضاحي في حكايا و«حواديت» محمد بن فارس، أقرب إلى أن يكون قاموس ضغينة معبأ بالنعوت التحقيرية والإشارات التي أريد منها القدح أكثر من أي شيء. إضافة إلى قصص كثيرة تعكس تلقياً مستريباً. وبدءاً من الحادثة آنفة الذكر حين وجدانه مغنياً خلسة في «دار لخضاري» فصاعداً، لن يرد اسم ضاحي إلا على صيغة التصغير الغريبة «فعّول»، أي «ضحوي». التسمية الأثيرة التي سيعتاد بن فارس مناداته بها في معرض إنكاره الدائم: «ضحّوي صار مطرب» أو «أرى ضحوي صوته طلع» حسبما يروي معاصر له وهو باحسين المسلم. إلى ما سيخلع عليه من نعوت أخرى، مثل: «ملك الموت»8 و«مطربي البحارة»9، الصفة التي سيحصل أن  يشركه فيها وتلميذه الآخر زويد. كناية عن ركوبهما معاً على متن السفن، إلى جوار العامة من بحارة وشغيلة عاملين، وهو الشيء الذي لا تذكر المصادر أن بن فارس احتاج إلى أن يفعله.

الأمر يتعدى ذلك طبعا ليطاول حشد الأقاصيص المروية على لسان بن فارس والتي ستخلف في الأذهان صورة  لا تمّحي لضاحي، تتسم بالتطفل واللصوصية النفعية. حيث سيجري تناقلها مشافهة، ومن ثم ستنتقل بعد ذلك إلى مظانّ الكتب فتقام عليها الحجة والدليل. حتى أن بول أولسون يخلص من تمحيص الآراء التي جمعها بعد جولته على دور الطرب إلى القول في معرض التعريف به «يُعرف أنه كان مبتكراً وفي الوقت ذاته يشاع بأنه كان سرّاقاً للموسيقى»10. فالصورة الشهيرة المعتمدة في تمثيل كامل الثبت التعريف لضاحي، هي تلك التي تؤشر على قيامه بالتسلل وراء سعف النخل والعشيش - تعرف محلياً بالبرستج أو البرستي - التي كان محمد يقيم فيها سمراته للتلصص عليه وسرقة نصوصه وألحانه. ليصار بعد ذلك إلى إعادة غنائها، ولكن من واسطته.

وهناك كثير من القصص المرسلة أو «الحدوتات» التي تروى بهذا الشأن، منها ما يوردها أولسون نفسه الذي كان،   رغم ذلك، حذراً في نقلها حد وصفها بالأساطير. فيقول «وفقاً للأسطورة فإن محمد بن فارس فر مرة إلى كوخ معزول مصنوع من سعف النخيل من أجل تجريب أحدث مؤلفاته الموسيقية دونما إزعاج من أحد. أبقوا ضاحي بعيداً، هكذا طلب من جماعته، لكن ضاحي قدم متخفياً بلباس جندي، ووضع أذنه على البرستج آخذاً كل شيء إلى جوفه: الكلمات والألحان. وهناك القصة التي يذكرها العماري من أن أميراً من الإقليم زار البحرين فحضر أمسية غنائية لمحمد بن فارس في قرية سنابس. «بالطبع سأغني ولكن بعد أن تأمروا بمغادرة هذا الشخص»، كان هذا شرط محمد رداً على سؤال الأمير إياه بالغناء، مشيراً بإصبعه إلى بلال بن فرج، وهو مروس صديق إلى ضاحي بن وليد كان متواجداً في الغضون. ذلك على أساس أن ضاحي من بعد أن انكشف أمره، وتلك هي الأسطورة الأخرى، صار يبعث بتلامذته للقيام بالتلصص بدلاً منه. على أن يصب محصولهم لديه في النهاية.

4 - روايات متضاربة

على خلاف هذه «الحدوتات» التي تصب في اتجاه تكريس صورة ضاحي «سراقاً للموسيقى»، وهي كثيرة، نجد في المقابل جوانب الصورة الأخرى، خصوصاً الشخصية، تتسم بفقر شديد، بله التناقض. فللوقوف على السبب الذي يمكن أن يكون وراء توقفه عن الغناء في آخر سني عمره ثم وفاته بعد فترة قصيرة. وهي مرحلة نفترض أنها قريبة نسبياً، مقارنة مع لو كان المسعى هو بناء بروفايل عن طفولته مثلاً، فهي تدور في فلك أربعينات القرن الماضي. وجدنا نفسنا أمام 4 روايات تضرب الواحدة منها الأخرى. رواية تشير إلى إصابته بسرطان الحنجرة11، وأخرى بداء السل12، وواحدة ترجح موته بعد تجرع زجاجة من «السبيرتو» الحارق13. وثمة رواية رشحت مؤخراً تدفع باتجاه كونه قد توفي بداء السكري14. وبشأن أسباب امتناعه عن الغناء، يضاف على ما يروى عن مرضه، ما يروى عن منعه أيضاً.

ولكتابة هذا الملف عنه، أخفقنا في إقناع أكثرية من نعرف قربهم من مجال فن الصوت والطرب الشعبي، بله أولئك الذين ربما عدوا متأثرين به أو ممثلين لفنه حالياً، في التحدث! بل أننا اكتشفنا ونحن بصدد تدقيق العناصر المادية المتوافرة عن حياته، أن الصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي يجري تداولها له هي ليست صورته في الحقيقة إنما تعود لأحد أقربائه - ننشر ضمن هذا الملف صورته الصحيحة -. فكأنما كان كافياً سحب صورة أرشيف لواحد ممن ينتمون إلى فئات الزنوج الأفارقة أو السودان ليصار إلى ضاحي بالحقيقة أو الشبه.

 

وستأتي حادثة منعه من الغناء، وهي الرواية التي ينقل محمد زويد بأن ضاحي قد باح بها له شخصيا، فيما كان يعوده في دارته في سنة حياته الأخيرة، وقد ذهل لمشاهدة الأخير ذاوي الجسد حسيراً من أي خرقة تغطي بدنه، تأتي لتعقف قوساً مأسوياً شديد الإيلام على حياته. في حين تظل ملحمته الفريدة في فن الصوت التي تُرجمت في الأسطوانات المسجلة في بغداد (1932) وحلب (1935)، وفي تلابيب صوت قوي، شجي، عالي النبر والمشبع بالأحاسيس المتدفقة، تظل خروجاً مؤقتاً على النص المقرر له، أي تماماً كما سلفت الإشارة «بين قوسين». من جهة، لدينا المروس ضابط الإيقاعات لكن المتواري خلف هيبة الأستاذ التي لا تقاوم. ومن جهة أخرى، لدينا قعيد الأسواق الملوي على حسرة كتيمة من جراء مشاهدته جميع المجايلين له يخفّون رواحاً وإياباً للغناء في إذاعة الحلفاء لدى افتتاحها (1940)، في حين هو لا. أو في أحسن الأحوال، المريض الحسير والمطّرح الفراش.

موسم الهجرة من مكة

إحدى أكثر الوصمات التي التصقت باسم ضاحي هو كونه مولّداً من أب ينتمي إلى فئة «العبيد»، ما أكسبه صفة «العبد» هو الآخر بالمصاحبة. لا تذكر أي من المصادر التي صادفناها، السنة التي يحتمل أن يكون قد جيء فيها بوالده من مكة. ويتم الاكتفاء بالقول إن ذلك قد تم في خلال موسم الحج. وأن من ابتاعته هي الشيخة عائشة بنت محمد آل خليفة (ت 1947) زوجة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1869 - 1932) حاكم البحرين وقتذاك. إلا أننا نرجح أن ذلك قد حصل قبل نحو عقد من ولادة ضاحي أي في حدود العام 1889. وذلك اعتماداً على تأوّلنا إلى إشارة يوردها لوريمر في كتابه «دليل الخليج» الذي أعده بطلب من حكومة الهند البريطانية وقد زار البحرين بغرض إنجاز هذه المهمة في الفترة ما بين سنة (1903ـ 1905)، وهي تفيد بعض المعطيات بشأن حركة جلب العبيد من مكة في تلك الفترة. فيقول «في أكتوبر عام 1889 ذكر وكيل المقيم البريطاني في البحرين أن رقيقاً أكثر من المعتاد قد أحضروا إلى البحرين مع الحجاج العائدين من مكة»15. 

 

على حين أن ذلك كذلك، تصب إجابات جميع المراجع التي استوضحناها في اتجاه أن ضاحي، حتى الساعة التي توفي فيها، قد ظل خادماً، فلم يُسمع عنه بعتقه. على رغم من أن المرحلة التي عاش فيها (1898ـ 1941) قد شهدت تحرير كثير من العبيد. يذكر لوريمر أن «حركة التحرير بين الرقيق في البحرين بلغت في ذلك الوقت نسبة كبيرة». في الواقع، تعود أولى المحاولات الجدية لتحرير العبيد إلى العام 1895، العام  السابق لولادة ضاحي بنحو ثلاث سنوات، حين حصل قائد سفينة صاحب الجلالة «بيجون» على تصديق من شيخ البحرين عبارة عن وعد غير رسمي قطعه بعض زعماء البحرين «بأنهم لن يبيعوا أو يشتروا أو يتعاملوا بالرقيق في المستقبل». ويقول لوريمر «إن هذه المحاولات لم يكن لها أثر يذكر». وذلك إلى أن فوّض الوكيل السياسي في العام 1905 بإعتاق «العبيد كلما وجد فرصة مناسبة لهذا الإجراء دون الرجوع إلى المقيم العام في بوشهر».

وبشأن ضاحي لحظنا أنه يجري تخفيف الأمر من قبل من أرخوا لفناني الصوت بالقول إنه لم يكن عبداً بمعنى المسترقّ. فقد كان يتمتع بحرية نسبية في الحركة لم تعرف عن الرقيق. في الحقيقة، إن تخيله مالكاً لدار شعبية تقدم فنوناً تعد عهدذاك ممنوعة أو محرمة، وسفره إلى بغداد وحاضرة الشام للتسجيل يدعو إلى تصديق ذلك. وربما السبب الكامن في ذلك ما يشدد عليه العماري من أن «عبيد الشيوخ» يتمتعون بصفة اجتماعية أرقى من عبيد الناس العاديين. ويبدو أن هذا الرأي أقوى من الرأي الذي يسوقه إبراهيم حبيب حين يرد الأمر إلى «تمكن قيم الإسلام». الشيء الذي يدعمه  كلام لوريمر نفسه حين ينقل على لسان أحد الملازمين البريطانيين ممن التقاهم في أثناء عمله في البحرين، قوله إن «الخدم والعبيد [كانوا] يشغلون وظائف لا تكون إلا للشيوخ فقط».

أنا وأنت مثل مثل

ويبدو فيما يتعلق بضاحي أن الأمر قد وصل إلى مرحلة متقدمة حد المجادلة بشأن وضعه الاجتماعي. فيما يمكن أن يدعى اليوم، بعبارة جيمس سكوت، من أشكال «المقاومة بالحيلة بين العبد والسيد»، وربما حتى من دون حيلة. وذلك حسبما يمكن أن تفيده حادثتان ذاتا دلالة هنا، وقد وقعتا في بغداد أثناء وجود ضاحي وأستاذه محمد بن فارس معاً للتسجيل. فمما يستذكره الفنان المرحوم محمد عيسى علاية

(1919 - 2002) الذي روى هاتين الحادثتين في حوار معه العام 1987 أنه «حين كنا في بغداد خرجنا للسوق فاشترى محمد بن فارس (رقية) - نوع من الثمر الصيفي -  وطلب من ضاحي أن يحملها، فرفض ضاحي بن وليد ذلك قائلاً: أنا وأنت مثل مثل»16 أي من نفس المقام. وقد تطور الأمر بينهما «إلى مشادة»، وفق ما تفيده عبارة علاية.

يواصل الأخير سرده لتطورات  المشادة فيقول «حين حل موعد التسجيل أصر محمد بن فارس أن يقوم بالترويس له ضاحي بن وليد، رغم وجود مروسين مثل سعود بو هويدي، و[ملا سعود] المخايطة، أو يعود دون تسجيل أغنية واحدة». الأمر الذي لم يكن ليحصل طبعاً لولا قيام شركة التسجيل بإكراه ضاحي. يقول علاية «خيّر المسئولون عن التسجيل ضاحي بن وليد بين الترويس لمحمد بن فارس أو العودة إلى البحرين دون تسجيل. فاضطر ضاحي لتلبية طلب محمد بن فارس». والحال، تكشف هاتان الحادثتان عن موقف متطور لوضعية ضاحي تتجاوز صفته كخادم أو عبد. فهو يظهر فيهما بصورة المتمرد على علاقات القوة المفترضة بين العبد وسيده، حتى أنه يتجرأ فيعلن أمامه «أنا وأنت مثل مثل». بل يتفاقم الأمر فيصل إلى مستوىً أبعد حد عصيان أمر السيد برفض الترويس له.

وفيما يظهر تأتي محطة توقفه عن الغناء والتي امتدت حتى ساعة وفاته (1941)، بعد نحو تسع سنوات من هذه المشادة، مريضاً بالحنجرة أو السل أو السكري، أو مكرهاً على ذلك، مثلما تؤيد ذلك الرواية التي ينقلها الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة من أن الشيخة عائشة قد أمرته بالتوقف عن الغناء «أو سأقوم بإعادتك إلى المكان الذي اشتريت منه والدك»17. تأتي لتتوج مسعىً متطوراً من الرغبة الكامنة في التحلل من أشكال علاقات القوة المقيمة. حتى مع تمتعه ببعض الامتيازات من جراء كونه «عبد شيوخ»، حسب العبارة التي يستخدمها العماري.

الأمر أشبه تماماً بالمروس الذي خرج عن الإيقاع، فأضاع المغني، ما أدى إلى أن يقوم الأخير بطرده من الفرقة. ألم نقل إن أقرب الأشياء إلى تمثيل حياة ضاحي هي تلك الآلة الأسطوانية ثنائية الجلد التي يتطلب العمل عليها «التقيد بالإيقاعات المتعارف عليها». وقديما عُرف أن عدم التقيد بها يمكن أن ينسف العملية الغنائية برمتها. أما في حالة ضاحي فهي قد نفته إلى خارج «الكار» الفني وكان يمكن أن تصل به إلى خارج الجغرافيا. الحاصل، أنه لم يتقيد!

 

الهوامش
1ـ على خلاف من المروسين المعاصرين، حيث يذكر مبارك العماري أنهم قد «أخذوا يتفننون في إدخال الزخارف الإيقاعية ويتبارون في ذلك مما غير الإسلوب التوقيعي في فن الصوت». انظر الدراسة المعنونة تحت: إشكالية تدوين تاريخ فن الصوت في الخليج والجزيرة العربية، مبارك العماري، مجلة البحرين الثقافية، المجلد ٨، العدد ٢٧، ٢٠٠١.

2 ـ بول روفسنغ أولسن، الموسيقى في البحرين: الموسيقى التقليدية في الخليج العربي، تر: فاطمة الحلواجي، كتاب البحرين الثقافية، وزارة الإعلام، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط ١، ٢٠٠٥.

3 ـ مبارك العماري: م، س.

4ـ م، س.

5 ـ يمكن الحصول على مزيد من معطيات هذه الحادثة بالرجوع إلى كتاب: رواد الغناء في الخليج والجزيرة العربية،  إبراهيم حبيب، الأيام للنشر ج١، ط١، ٢٠٠٣.

6ـ نقلاً عن: مبارك عمرو العماري، محمد بن فارس أشهر من غنى الصوت في الخليج، المطبعة الحكومية، ج ١، ١٩٩١.

7 ـ يرجع بخصوص هذه الحادثة إلى: إبراهيم حبيب: م، س.

 8ـ إبراهيم راشد الدوسري، أعلام الطرب الشعبي في البحرين، سلسلة ذاكرة الأغنية البحرينية، ط1، 1992.

9ـ حول ذلك، انظر رأي مبارك العماري في الحوار التالي لهذه المقالة.

10ـ بول أولسن: م، س.

11ـ رأي يتبناه مبارك العماري.

12ـ رأيي يتبناه إبراهيم حبيب.

13ـ يشير علوي الهاشمي إلى موته بعد تجرع زجاجة من «السبيرتو» الحارق. انظر حول ذلك كتابه: «قراءة نقدية في قصيدة حياة.. تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة للشاعر علي الشرقاوي»، دار الشئون الثقافية العامة، ط1، 1989.

14ـ رأي يقول مبارك العماري في حوار مع كاتب المقال إن إحدى الشخصيات المحرقية قد ذكرته له حديثاً. راجع أقواله في الصفحات التالية.

15ـ حول مختلف المعلومات التي أوردها جي. جي لوريمر بشأن ذلك في كتاب موسوعة دليل الخليج الفارسي وعمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf، Oman and Central Arabia)  المشتهر بـ«دليل الخليج»، انظر كتاباً يصدر قريباً عند دار فراديس وقد أعده الباحث عباس ميرزا المرشد تحت: البحرين في دليل الخليج.

16ـ انظر حول ذلك حواراً أجراه الصحافي عقيل سوار مع الفنان محمد عيسى علاية قبل وفاته: جريدة أخبار الخليج، 16 أغسطس/ آب 1987.

17ـ نقلاً عن إبراهيم حبيب: م، س.

أعداد المجلة