فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

الحرفيون .. الهوية المقاومة

العدد 14 - التصدير
الحرفيون .. الهوية المقاومة
عبد الحميد حواس
كاتب من مصر

تذكر المصادر التاريخية أن السلطان العثماني سليم الأول لما تهيأ للعودة إلى دياره - بعد تمام غزوه للقاهرة - صحب معه قافلة جمع فيها شيوخ المهنيين والحرفيين وأضرابهم من الصناع المهرة في حركة ترحيل (ترانسفير) مبكرة. وفسر معظم المؤرخين الدافع لهذا الترحيل برغبة السلطان في الإفادة من هذه المهارة الجاهزة لتأسيس عاصمته.

غير أن التدقيق في هذه الواقعة، وقرنها بوقائع أخرى مشابهة، ينبهنا إلى دوافع أخرى تكمن وراء هذا الترحيل. أبرزها - في تقديري - هو إنضاب البلد المستعمر (بفتح الميم) من قواه المنتجة، وإفقاره من خبراته المخزونة، ومن مهاراته المتميزة، ومن قدراته المبدعة، كاستراتيجية تسهل السيطرة على البلد وتؤبد احتلاله. ولا يقتصر أثر هذا الترحيل على تعميق تبعية البلد، بل إنه - في الآن ذاته - يجفف مصدرا هاما من مصادر القوى الاجتماعية القادرة على التجمع ومقاومة المستعمر (بكسر الميم).

ذلك أن النقلة التي قامت بها الدراسات التاريخية المعاصرة، بإيلاء الفئات الشعبية بالعناية، وبيان دورها في الفعل الاجتماعي، نبهت إلى دور تجمعات الحرفيين والمهنيين والصناع في الحراك السياسي والاجتماعي.

خاصة أن الحرفيين والمهنيين كان لديهم ميزة التكثف في المدن والحواضر المختلفة، فأنشأوا اتحادات وهيئات متنوعة ذات تقاليد يعود بعضها إلى قرون خلت. وهذا ما مكنها من الإسهام الجماعي في صون الهوية الوطنية والقدرة على مقاومة صور البطش أو الاختراق والغزو.

وقد تراكم حول مزاولة هذه الحرف والصناعات الكثير من التصورات والممارسات والعادات، كما أنتجت ذخيرة وافرة من الإبداعات الفنية والجمالية، سواء القولية أو التشكيلية أو الموسيقية أو الحركية. وقد حافظت تجمعات الحرفيين على هذا السوار الشعائري والإبداعي لكل حرفة، وعززته بتنظيم ممارسته في المناسبات الاجتماعية المختلفة.

وتشف هذه التنظيمات وتلك الإبداعات عن إدراك هؤلاء الحرفيين لأنفسهم كقوى عاملة منتجة تحفظ الجوهر الصلب للأمة وطاقاتها الخلاقة، لا باعتبارهم أعضاء فاعلين في المجتمع المحلي فحسب، وإنما باعتبارهم -أيضا-فاعلين في المجتمع الوطني الكلي.

أقول قولي هذا عساه يسهم في تعديل النظر إلى الحرف والحرفيين التقليديين. إنهم أجدر بتقدير جاد ومسؤول يتجاوز النظرات التي ران عليها الدهر، والتي لا تخرج عن واحدة من ثلاث: إما انتقاصهم وتهميشهم باعتبارهم بقايا متخلفة، أو أنهم ينتجون أشياء غريبة وطريفة لا تثير إلا الحنين إلى الماضي أو الفرجة السياحية عليها، أو إجراء إسقاطات سياسية عليها ومن ثم يتم استغلالها الزائف في ترديد دعاوي الأصالة والخصوصية.

إنما يكون التعامل الرشيد مع هذه المنتجات ومنتجيها بجمع المادة التي تتعلق بهم جمعا منهجيا منظما، ثم حسن صونها والحفاظ عليها، ثم إتاحة المعرفة بها ودرسها بما يؤدي إلى إحسان فهمها، الأمر الذي يجعلها حاضرة في الثقافة الوطنية الجارية، ويمكنها من الإسهام في عمليات التنمية المستدامة.

والحق أن اقتصار قولي السابق على الحرف والحرفيين التقليديين إن هو إلا إشارة إلى شاهد واحد مقصود به الامتداد إلى سائر مكونات الثقافة الشعبية. 

أعداد المجلة