فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
59

الشَبكة بجهة بنزرت: حــرفة فـنيّة نســائـيّة

العدد 59 - ثقافة مادية
الشَبكة بجهة بنزرت: حــرفة فـنيّة نســائـيّة

 

لئن تعدّدت المهارات الحرفيّة النسائيّة الحضريّة منها والرّيفيّة بجلّ مناطق البلاد التونسيّة فإنّها غالبا ما تخضع إلى خصائص كلّ جهة ومميّزاتها، ممّا يجعلها تنتشر في جهة وتقلّ في أخرى أو قد تغيب كليّا. ولعلّ من أبرز هذه الأنشطة تلك الّتي ترتبط باستخدام الإبرة، فلطالما مثّلت «أعمال الإبرة أو (بالأحرى الخياطة والتطريز والشّبكة والحياكة والكروشيا) من منظور تاريخي جزءا من حياة النّساء»1. فهذه المهارات كثيرا ما ارتبطت بالمرأة، حيث تلقّن الفتاة منذ الصّغر إحداها أو بعضها، إذ دأبت العادة على أن «يتمّ تحضير الفتيات للعب هذا الّدّور، فضمن تربيتهنّ تعلّم أعمال الإبرة والتطريز والشّبكة وهو ما سمّي بأعمال النساء الّتي تحتلّ دائما مكانة هامّة»2.

ويعتبر صنع الشٌّبْكَة من أبرز المهارات التقليديّة النسائيّة بجهة بنزرت بأقصى شمال البلاد وخاصّة بمناطقها السّاحليّة ذات التّأثيرات الأندلسيّة الّتي تتسم بنمط عيش حضري، أساسا مدينة بنزرت وضواحيها إضافة إلى بلدات منزل عبد الرحمان ومنزل جميل والعالية وراس الجبل والعوسجة ورفراف وغار الملح. فلئن انتشر نشاط التطريز مثلا في جلّ المناطق التونسيّة مع اختلافات على هذا المستوى أو ذاك، فقد اقتصرت الشّبْكَة على جهات معيّنة من البلاد لعلّ من أهمّها المناطق الشماليّة الشرقيّة بالدّرجة الأولى مثل مدينة تونس وجهة نابل وكذلك جهة بنزرت التي نختصّها بالذّكر. وقد لقيت رواجا خاصّة خلال الفترة الاستعمارية كان دافعا لبعث عدد من المراكز اهتمّت بتعلّيم الشّبكة وروّجت لصنعها لما تتّسم به من بعد جمالي حيث صُنّفت الشّبكة كحرفة فنّية، خاصّة بعد أن «عرفت التونسيّات كيفيّة إضفاء بعد جمالي على الأعمال المنجزة بأيديهنّ»3. 

تهدف هذه الدّراسة إلى البحث في موضوع حرفي فنّي يندرج ضمن الأعمال الميدانيّة حول الحرف التقليديّة النسائيّة بتونس، وذلك في إطار الدّراسات الأنتروبولوجيّة والأعمال الإتنوغرافيّة الّتي ما فتئت تشهد تنوّعا وتطوّرا كمّا وكيفا بهذا الخصوص، وجلب الانتباه حول صناعة عائليّة مميّزة وثقافة حرفيّة سجّلت تطوّرا وأمكن المحافظة عليها بالرّغم من التغيّرات السّوسيوثقافيّة والاقتصاديّة التي شهدتها البلاد وهو ما يطرح مدى نجاح العديد من الموروثات الحرفيّة المحلّيّة بالاستمرار.

 التعريف بالشّبكة ولمحة عن تاريخها :

يمكن تعريف الشّبكة la dentelle à l’aiguille كونها عمليّة شبك للخيوط ببعضها البعض بواسطة الإبرة بطريقة منتظمة ومحسوبة فتأخذ شكل الشّبكة وربّما لذلك سمّيت بهذا الاسم، علما وأنّ التسمية الأكثر انتشارا لهذه الحرفة في مدينة بنزرت، مركز الجهة، هو «الجَمْعَة». ولا تختلف هذه التسمية عن سابقتها على مستوى المدلول حيث تفيد الجمع بين الخيوط لتشكيل قطعة معيّنة. ولئن كانت تُعْرَفُ بالجَمْعَةْ أو الشَبْكَةْ بأغلب مناطق الجهة، فإنّها تسمّى «الشّبَيْكة» ببلدتي رفراف وغار الملح، وهي تقريبا نفس التسمية الّتي تُعرف بها في الجزائر أين يقال لها شبكة أو شْبِيكة بما أنّها كثيرة الانتشار في كامل الحوض المتوسّطي4. لذلك فإنّ هذه المهارة تندرج ضمن أعمال التّشبيك ويقال أيضا التّخريم والّذي من أبرز أنواعه الكرشيان والشبيكة5. فالشّبكة هي نوعا ما قماش غير منسوج مترابط بواسطة غرز متشابهة وأخرى مختلفة وفقا للشكل المراد صنعه، يمكن الحصول عليها بواسطة عمل يدوي دقيق ومتقن. 

تتعلّم الفتاة هذه المهارة داخل المنزل تحت إشراف الأمّ وأحيانا الجدّة أو إحدى القريبات أو كذلك عن طريق المْعَلْمَة، وهي امرأة مهمّتها تعليم البنات حذق بعض الأنشطة كالتطريز والشّبكة والنسيج والخياطة وحتّى بعض الأعمال المنزليّة وأحيانا قراءة القرآن6 في بعض المناطق، وذلك بهدف إعدادهنّ للحياة الزوجيّة انطلاقا من خبرتها الواسعة ومهاراتها المتعدّدة. ويُعدّ اكتساب هذا النّوع من المعرفة العمليّة من أهمّ أسس نجاح المرأة في المجتمع التقليدي الحضري والريفي على حدّ السواء. وكانت شخصيّة المْعَلْمَة تحظى بمكانة اجتماعيّة مرموقة وتلعب دورا تربويّا هامّا7 سيّما أنّها غالبا ما تنحدر من عائلة عريقة بالمنطقة وتشتهر بحسن الأخلاق ممّا يضمن لها احترام وتقدير الجميع. وقد تناقلت الذاكرة الجماعيّة مأثورات شفويّة تنتشر خاصّة في الوسط الحضري تتغنّى بدور المْعَلْمة في تعليم الفتيات الشبكة وغيرها من الفنون، وتصبّ أيضا في خانة إبراز سعادة الأمّهات ببناتهنّ باعتبار أنّ الفتاة تمثّل سندا للأمّ وأفضل معينة لها. نذكر من بين هذه الأغاني الأبيات التالية8:

يـــا مـعلّمـة عـلّمـها                    أبْــدالـهـــا ووَرِّيــــهـا

مـن حفّـظ بْــنَيْتـــي                   فـي الـصنعــة ووَرِّيهــا

يــــا معلّمـة علّـمهــا                  وأبــدالها فـي الشّبكة

بــاها مصلّي مزكّـي             وفـلاحتــه بالبــركة 

السّنة يكبرو وليداتو             العام الجاي يجاور مكّة

تتضمّن هذه الأبيات من الشعر الشعبي النسائي التي وردت هنا على لسان الأمّ إشارات إلى ضرورة تعليم البنت إحدى الصنائع اليدويّة على الأقلّ وهي هنا الشّبكة. كما تشير إلى الانتماء العائلي للفتاة من خلال مدح والدها كرجل ملتزم بتعاليم الدين الإسلامي بتأدية الفروض الدينيّة من صلاة وزكاة، ينتظر أن يكبر أولاده حتى يزور مكّة للحجّ أو العمرة، فضلا عن نجاحه المهني عبر ازدهار عمله الفلاحي الذي لا يخلو من البَرَكة. وتنعكس هذه الصورة «الناصعة»9 للأب على كلّ العائلة بما في ذلك الأمّ والبنت ممّا يزيد من قيمة الفتاة على المستوى الأخلاقي والاجتماعي وبالتالي حرص الأمهات على الإسراع لخطبتها لأولادهنّ. 

وقد جرت العادة أن تتولّى الفتاة بنفسها إعداد جهاز عرسها من قطع الشّبكة، بمساعدة الأمّ التي تُلقى على عاتقها مهمّة إعداد جهاز العرس منذ طفولة البنت. ولطالما حظي هذا النشاط باهتمام العائلات العريقة10 التي كانت تحرص على تعليم بناتها فنّ التطريز أو الشّبكة، في حين تتّجه العائلات الفقيرة نحو تلقين بناتهنّ نسيج الزربيّة11. ولئن اقتصرت الشّبكة في البداية على نساء العائلات الثريّة فإنّها سرعان ما انتشرت لتبلغ العائلات المتوسّطة والفقيرة12، «فدائما تلعب النّساء دورا أساسيّا في المحافظة على التقاليد ونقل الطّقوس الّتي تنظّم الحياة وحفظ المهارات، هذه العناصر الضّروريّة للترابط الأسري والاجتماعي»13.

و بالرّجوع إلى جذور هذا النّشاط فإنّه لا يمكن الجزم بمكان معيّن أو بتاريخ محدّد يتعلّق بأصول الشّبكة، لعدم توفّر معلومات دقيقة حول تاريخ نشأة الشّبكة أو مكان ظهورها. فلئن أرجعت بعض المراجع أصل الشّبكة في شكلها الأوّلي إلى الشّرق أو إلى تأثيرات التّطريز الشّرقي، فإنّ العديد من الأعمال تشير إلى أنّها ظهرت في إيطاليا وتحديدا في البندقيّة14، مكان نشأة الشّبكة15، وذلك في أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السّادس عشر. فقبل القرن الخامس عشر لم تتوصّل الدّراسات الغربيّة إلى أيّ وثائق تثبت وجود الشّبكة16. وسرعان ما انتشرت بين عدد من البلدان الأوروبيّة مثل فرنسا وانقلترا وبلجيكا وخاصّة إيطاليا التي تمثل مصدر الشّبكة التقليديّة الكلاسيكيّة17. ويبدو أنّ الشّبكة شهدت على امتداد تاريخها مراوحة بين فترات ركود أو تراجع أدّت في كثير من الأحيان إلى غيابها عن السّاحة الحرفيّة، وفترات تطوّر وازدهار ساهمت في انتشارها بين بلدان كثيرة وهو ما يجعل من الصّعب تتبّع نسق تطوّرها التاريخي. وتجدر الإشارة إلى وجود نوعين من الشّبكة: شبكة تصنع باستعمال المغزل وأخرى باستخدام الإبرة، وهي الّتي تهمّنا. وأفضى تنافس الدّول الأوروبيّة على إنتاج الشّبكة إلى تطوّرها وتنوّعها، فأُنشأت مصانع وورشات لصنع شبكة صناعيّة باتت تشكّل تهديدا للشّبكة اليدويّة التقليديّة خاصّة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومع تضاعف عدد ورشات إنتاج الشّبكة ظهرت بعض المساعي الأوروبيّة لحمايتها من الاندثار وإعادة إحيائها من خلال بعث مراكز لتعليمها ونشرها في بلدانهم وفي بعض مستعمراتهم في تلك الفترة على غرار تونس.

من هذا المنطلق لا يشير عمل كومت COMTE حول الشّبكة التونسيّة إلى أصولها18 كما لا نعلم الشّيء الكثير عن الشّبكة قبل الفترة الاستعماريّة، وبالرّجوع إلى ما تمّ الإطلاع عليه من وثائق فإنّ الكثير من المراجع الفرنسيّة تردّد عبارة «فنّ الشبكة العربيّة l’art de la dentelle arabe»، ممّا يؤكّد انتشارها بالبلاد قبل الحضور الفرنسي واختلافها عن الشبكة الأوروبيّة. ويرجّح أنّها ظهرت بجهة بنزرت مع استقرار الأندلسيّين بها، حيث أنّها تنتشر في البلدات الأندلسيّة بالجهة مثل غار الملح ورفراف ومنزل عبد الرّحمان فضلا عن مدينة بنزرت، أولى المدن الّتي بدأت بصنع الشّبكة وتعليمها خارج الإطار التّقليدي المعتاد وهو المنزل واستغلال هذا المنتج لأغراض تجاريّة. حيث انطلقت هذه الفكرة حسب بعض المراجع منذ سنة 1908 19 بعد زيارة امرأة فرنسيّة لعائلة في المدينة وإعجابها بنماذج من الشّبكة قُدّمت لها. ومن هنا جاء اهتمام الفرنسيّات بدعم وتطوير فنّ الشّبكة بجهة بنزرت وجهات أخرى من البلاد مثل تونس ونابل وزغوان، خاصّة من طرف المؤسّسات الدينيّة الفرنسيّة حينذاك إذ سعت هذه المراكز إلى تعليم الشّبكة التقليديّة ثمّ تطويرها على مستوى التقنيات والأشكال.

عملت النّساء في مرحلة أولى في بيوتهنّ لحساب الفرنسيّات وبلغ عدد العاملات حوالي 20 امرأة ليصل في مدّة زمنيّة وجيزة إلى أكثر من 300 امرأة20. وفي مرحلة ثانية وقع إنشاء مشغل يجتمعن فيه لصنع الشّبكة تحت إشراف الفرنسيّات، إلى جانب بعث مراكز مختصّة في تعليم هذه الصّنعة منذ بداية القرن العشرين. ولم تغفل مدارس الفتيات المسلمات عن تقديم تكوين خاصّ في الشّبكة الّتي مُزجت بطابع أوروبّي، حيث «تدرّس الفنون النّسائيّة من خياطة وتطريز وشبكة وزربيّة إلى الفتيات المسلمات في 15 مدرسة ابتدائيّة»21. في حين التحق عدد آخر من الفتيات بمراكز التكوين المهني لتلقّي دروس في هذه المهارات خاصّة في مركز الفنون التونسيّة22 أين ظهرت بعض الجهود الجديّة للنهوض بالصناعات الحرفيّة الفنيّة من بينها الدّنتيلا23، فكانت بداية مغادرة أعمال الإبرة للفضاء العائلي24 لتتّجه خارجا. وتبرز هنا مسألة التوزيع التقليدي للأدوار بين المرأة والرّجل الّذي كان سائدا في المجتمعات المحليّة، فلا مجال لعمل المرأة خارج منزلها وما تتعلّمه من مهارات يجب أن يتمّ داخل البيت وفقط ما تنتجه يُسمح له بتخطّى جدران المنزل ليباع خارجا. هذا التقسيم قد لا نجده في العائلات الفقيرة وفي الأوساط الريفيّة حيث تساهم المرأة إلى جانب الرّجل في ممارسة بعض الأنشطة الفلاحيّة والمهارات الحرفيّة فضلا عن امتهان بعض المهن.

وتزايد طّلب الزّبائن الأوروبيّين25 على منتجات الشّبكة في بعض المستعمرات مثل الجزائر والمغرب وخاصّة تونس أين تضاعف الإقبال بصفة ملحوظة سيّما خلال الحرب أمام تطوّر المنتوج ليشمل أعمالا أكثر تنوّعا26. وبجهة بنزرت كانت «الشّبكة نشاط البنزرتيّات بامتياز حيث تحوّلت، من خلال التّواصل مع الأوروبيّات، من وسيلة لتمضية الوقت في المنزل إلى مصدر دخل متواضع»27. وقد تمكّنت حرفيّات الجهة خلال مدّة زمنيّة وجيزة من تطوير مهاراتهنّ وتحسينها حتّى أصبح بالإمكان مقارنتها بالشّبكة الأوروبيّة الشهيرة28. وتشير بعض المراجع إلى ارتفاع أجور العاملات في قطاع الشّبكة خاصّة اللواتي عملن لفائدة ما كان يُعرف بديوان الفنون أو مركز الفنون والتقاليد الشعبيّة، حيث كنّ يتلقّين مقابل مجموعة من النماذج بين 35 و45 فرنك فرنسي سنة 1950 ليتجاوز المبلغ الضعف في السّنة الموالية ويبلغ بين 90 و110 فرنك فرنسي سنة 1951 29. وقد تمّ بعث أوّل مركز بعد الاستقلال لتحضير الفتيات لتلّقّي تكوينا في الحرف النّسائيّة سنة 1967 30. 

صنـع الشّبكة:

المـواد والأدوات المستخدمة وتقنيات الإنجاز:

لا تختلف الشّبكة كثيرا عن التّطريز أو ما يعرف محليّا بـ«الطّريزة» فإلى جانب أنّهما « يحتلاّن مكانة جدّ هامّة ضمن الفنّ العائلي التقليدي الحضري والرّيفي»31، يمثّل كلّ من الخيط والإبرة العنصرين الأساسيّين لكلا النّشاطين، كما تشكّل زخرفة اللّباس والمفروشات والأغطية الغاية الأساسيّة من وراء الشبكة والتطّريز. ويستند صنع الشّبكة إلى مواد وأدوات بسيطة أنتجـت قطعا فنيّة بديعة أصبحت جزءا من حاجيات البيت والعائلة.  

يشكّل الخيط المادّة الأولية الرّئيسيّة الّتي يرتكز عليها إعداد الشّبكة، وهو ما يُعرف محليّا «بالكُـبّة»، وهي عبارة عن كرات من الخيوط المختلفة من حيث الحجم والمادّة المكوّنة للخيط وكذلك اللّون. إذ يمكن استخدام خيوط متوسّطة السُّمك أو رقيقة أو أحيانا خشنة بعض الشيء فلكلّ نوع من الخيوط رقم معيّن، وتكون إّمّا من القطن أو الحرير لعلّ من أبرزها خيوط قطنيّة رفيعة الجودة تعرف بخيوط د.م.س DMC. كما تمّ اعتماد خيوط القْيام وهي تلك الخيوط الصّوفيّة التقليديّة المستعملة في النّسيج، إلاّ أنّ استخدامها تراجع كثيرا ليقتصر على قلّة قليلة من الشبّاكات يلجأن إليها في بعض الأحيان. ويعدّ اختيار الخيط مرحلة هامّة في عمليّة التشبيك لأنّ جودته تنعكس على جودة القطعة المصنوعة32. كما أصبحت الخيوط الرّقيقة والخيوط الحريريّة أكثر استعمالا عن ذي قبل لأنّها تعطي نتائج أفضل من خلال لمعانها ونعومتها رغم أنّها تتطلّب حرصا أكثر وسعة بال أكبر عند شبكها نظرا لسرعة تكوّن العقد بها.

تستخدم الحرفيّات خيوطا بيضاء اللون وهو اللّون الأكثر انتشارا ويُستعمل اللّون الأسمر الفاتح المعروف «بالباج» beige بصفة ملحوظة أيضا، وأحيانا يقع توظيف الخيوط الذهبيّة والفضيّة أو زخرفة قطعة الشّبكة بشريط من القماش اللامع الناعم الملمس ورديّ اللّون أو أزرق أو أصفر يحيط بأطرافها33، وهو ما يعتبر من الإضافات الحديثة في هذا النشاط. وتجدر الإشارة فيما يتعلّق بالألوان محافظة عدد من النّساء على بعض الطّرق التقليديّة لصبغ الخيوط والحصول على اللّون المطلوب من خلال استخدام بعض النّباتات. فمثلا للحصول على اللّون الأسمر الفاتح توضع الخيوط البيضاء في كميّة من الشّاي الأحمر المطبوخ من غير سكّر تفاديا لحدوث نوع من اللّزوجة، مع إمكانيّة التحكّم في تدرّج اللّون وذلك بطبخ الشّاي جيّدا للحصول على درجة غامقة والعكس لتحقيق درجة فاتحة، ثمّ تجفّف الخيوط جيّدا. 

تتطلّب الشّبكة أدوات بسيطة تتمثّل تحديدا في إبرة عاديّة من الحجم المتوسّط ومقصّ وحلقة لحماية الإصبع من وخز الإبرة إضافة إلى الوسادة أو «المْخَدّة»، كما تُعرف محليّا، وتكون محشوّة إمّا بالصّوف أو بالقشّ أو أحيانا ببقايا مادّة الخشب الّتي تنتج عن معالجة الخشب بعد صقله بالمسحاج وتُسمّى «الكرينو». ويُستخدم أيضا ورق الشّبكة وهو نفسه ورق الكرافت kraft، ذلك الورق البنيّ الفاتح، لرسم الشّكل الّذي سيتمّ صنعه من الشّبكة، وفي بعض الأحيان يقع توظيف ورق أكياس الإسمنت البنيّة، حيث توصي صانعة الشبكة أقاربها ممّن يعملون في أشغال البناء بجمع بعض الأكياس لها، محاولة بذلك استغلال ما يمكن استغلاله والاستفادة من توفر هذا النوع من الورق مجانا.

تتمثّل المرحلة الأولى من العمل في رسم الشّكل الّذي ستتّخذه القطعة ويسمّى «التّنقيلة» الّتي يُقصَدُ بها هنا التّصميم على الورق المعدّ للغرض، ثمّ «يُسَمَّر» هذا الشّكل أي يُغطّى الرّسم بالخيط وذلك بتتبّعه يدويّا باستخدام الإبرة وهو ما يعرف «بالتسمير». وتسمّى هذه العمليّة في مناطق أخرى من الجهة «النّقـش» وتتمّ بواسطة آلة الخياطة لدى نساء تخصّصن في هذه المرحلة من صناعة الشّبكة كما هو الحال في بلدة غار الملح، وذلك إذا كانت المرأة لا تجيد النّقش أو لا تمتلك آلة خياطة. واستخدام آلة الخياطة أمر لا تحبّذه نساء مدينة بنزرت لأنّ من شأنه أن يؤثّر على جودة العمل، حيث تكون الخيوط متراخية وغير مشدودة جيّدا وهو ما ينعكس لاحقا على عمليّة شبك الخيوط ببعضها البعض. وتجدر الإشارة هنا إلى أهميّة مرحلة إعداد التصاميم وما تتطلّبه من دقّة وخبرة. فاستنادا إلى العمل الميداني المنجز حول جرد الحرف التقليديّة بجهة أخرى من البلاد وهي المنستير تبيّن أنّ قلّة قليلة من حرفيّات الجهة يصنعن الشّبكة وذلك بمناطق محدّدة مثل مدينة المنستير وطبلبة وسيدي عامر، وقد تعلّمنها في مركز تكوين مهني لكن أيضا على يد نساء أصيلات جهة بنزرت انتقلن للعيش بجهة المنستير بعد الزواج. اللافت للانتباه أنّ الكثير من صانعات الشبكة بالمنستير غير قادرات على إعداد التصاميم ومازلن يعتمدن إلى الآن على نساء من جهة بنزرت يأتينهنّ بتصاميم جاهزة من فترة إلى أخرى بصفة منتظمة34.

بعد أن يصبح الشّكل جاهزا يُثبّت الورق على الوسادة بواسطة الإبرة والخيط أو الدّبابيس الّتي تعرف محليّا «بمساسك بوراس»، ثمّ تضع المرأة الوسادة على ركبتيها وتشرع في العمل متّخذة وضعيّة الانحناء ومستخدمة كلتا يديها. يثبّت طرف الخيط على التّصميم من خلال إعداد عقدة تجسيدا للمثل القائل «قبل ما تخيّط أعقد راس الخيط» وهو في الحقيقة نقطة انطلاق لمعظم أعمال الإبرة لتثبيت الخيط في مكانه، ويضرب هذا المثل أيضا في الحثّ على الاحتياط للأمر قبل الشروع فيه لضمان النتيجة المرجوّة35. ثمّ تمسك الحرفيّة بالإبرة التي تحمل الخيط باليد اليمنى وباقي الخيط باليد اليسرى مع سحبه إلى الأمام، وتمرّر الإبرة تحت خيط التصميم وتجذبها بالخيط الّذي تحتويه فتتكوّن عقدة تمرّر من خلالها الإبرة ويسحب الخيط جيّدا لغلق العقدة فتتكوّن بذلك «الغُرْزَةْ» وتتكرّر العمليّة الغُرْزَة تلو الأخرى مع المراوحة بين الذهاب والإيّاب من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين بين طرفي التصميم أو الخطّين المتوازيين باتباع نفس التقنية.

تكون الغرز أحيانا كبيرة وأحيانا أخرى صغيرة ويتميّز كلّ نوع منها بزينة ونظام معيّنين تستمدّ تسمياتها من حقل معجمي دلالي متنوّع، ولعلّ من أبرز هذه التسميات والتي ما تزال منتشرة بالجهة بصفة ملحوظة نذكر:

    -     معجم النباتات: التفاحة والتفاحة بروح والوردة والقرنفلة والتابِل والتابل سوري والسْلاطة والعْوينة. 

    -     معجم الحلويات التقليديّة: غرَيْبة وغرَيْبة حمص وغرَيْبة تابل ومقروض.

    -     معجم الحيوانات:عفسة قطوسة (قطّة) والعَلْقة وقشور الحوت والفَرْطَطّو (الفراشة). 

    -     معجم المعادن: سيوف وسلاسل وسكاكن وليرة.

    -     المعجم المعماري: الأقواس والأقواس ورد والصّوامع والمخروط والبَرْمَقْلي.

    -     معجم المعتقدات: خُمسة وعْيون.

    -     تسميات غرز مختلفة الأشكال: الفْرِشْكة والتيّال والقْرابط والمْراوح والدزيريّة والمِتْعيّنة.

    -     غرز خاصّة بالمرحلة الأخيرة من التشبيك: التّرينة والشُرّاف أو ما يسمّى أيضا «النُفّاط» وهي مجموعة من الغرز المتشابهة تحيط بالقطعة لتزيينها.

وتوحي الأسماء في كثير من الحالات بشكل الغرزة علما وأنّ نفس الغرز قد تختلف تسميتها من جهة إلى أخرى، وقد بيّنت بعض الدراسات أنّ الكثير منها مأخوذ عن الأندلسيّين36. كما يمكن أن نجد أنواعا من الغرز والتّصاميم في منطقة دون غيرها تمّ ابتكارها محليّا وهو ما يعكس مدى نجاح الشبّاكة في ابتكار أشكال وغرز جديدة، «فتعمد حرفيّة الشّبكة لتطوير مخيّلتها إلى الاهتمام بكلّ الأشياء من أهمّها إلى أبسطها»37، فتعدّدت تبعا لذلك الزّخارف داخل القطع ممّا أفرز منتجات متنوّعة ثريّة بالأشكال والمجمّلات، وبذلك «تنهض التونسيّات اليوم وقد يكون أكثر من الأمس بدور رئيسي لازدهار الفنون والحرف، وهنّ يطوّرن الأنشطة التقليديّة بتحديثها»38.  

منتجات الشبكة: خصائصها وتوظيفها وآفاقها:

تزخر الشّبكة بالأشكال والتّصاميم والزّخارف المتعدّدة منها التقليدي المتوارث ومنها المبتكر حديثا في هذا المجال، فالمرأة الّتي تجيد صنع الشّبكة رغم تواضع مستواها التعليمي في غالب الأحيان ومع بساطة الأدوات والمواد المستخدمة، فإنّها تمكّنت من إنجاز عمل حرفي يخضع لحسّ فنيّ ونزعة نحو الابتكار والإضافة. فاستمدّت الحرفيّة من كلّ ما يحيط بها نماذج جعلت منها قطع شبكة متقنة، فجمعت بين أشكال الحيوانات مثل الأسماك والطّيور والقطط ومناظر من الطبيعة كالنّجوم والأهلّة والقمر فضلا عن الورود والأوراق والأغصان وحتىّ الغلال مثل التفّاح والموز والعنب والإجّاص إلى جانب الأشكال الهندسيّة كالمثلّثات والمعيّنات والمستطيلات والمربّعات والدّوائر المختلفة الأحجام الّتي تُعرف لدى الحرفيّات بالصّحون. 

كما جسّدت قطع الشّبكة من ناحية أخرى عديد الاعتقادات والتّقاليد المستمدّة من الثقافة الشعبيّة كالحوتة والخُمْسة للحماية من العين والخْلالة باعتبارها جزءا من اللّباس التّقليدي النسائي، والسيوف ذات الرّمزيات الكونيّة التاريخية والأسطورية والدينيّة، والتي ترمز عموما إلى القدرة والحماية والسلطة والملكيّة والقيادة والعدالة والشجاعة والقوة واليقظة39. وغاصت الشبّاكة في عمق الخيال البشري لتستخرج منه صورا لعلّ من أبرزها عروس البحر، فالكثير ممّاّ يجول في مخيّلة الإنسان يمكن تجسيده ليس فقط بالطين والخشب والحجر والمعادن وإنما أيضا بواسطة الخيط من خلال الشّبكة والتطريز والنسيج.

وقد مثّلت الشّبكة محور اهتمام للكثير من الأعمال الفنيّة والأدبيّة وأضحت صور حرفيّاتها موضوع العديد من اللّوحات الفنيّة لرسّامين غربيّين ومحليّين، نذكر على سبيل المثال لوحة «صانعة الشّبكة» أو La dentellière للرسّام جوهنس فارمير40 Johannes Vermeer ولوحة أخرى تحت نفس الاسم للرسّام كاسبر ناتشرCaspar 41. من جهته أصدر البريد التونسي طوابع بريديّة تحمل صورة امرأة بصدد صنع الشّبكة مثل الطّابع البريدي الّذي صدر في 21 جويلية 1980 للفنّانة صفيّة فرحات أو لّوحة الفنّان التشكيلي التّونسي عبد العزيز القرجي الّتي تظهر فيها امرأة تصنع الشّبكة وذلك تثمينا لهذه المهارة الفنيّة النسائيّة واحتفاءًا بها. 

ترتبط الشّبكة بعدّة طقوس وممارسات تتعلق بدورة الحياة لدى الإناث والذكور ولا يخلو منزل من هذا المنتج سواء بالصّنع أو بالاقتناء، فمن أبرز مكوّنات جهاز العروس بجهة بنزرت قطع الشّبكة وكثيرا ما تتزيّن عروس مدينة بنزرت صبيحة عرسها بقطع الشبكة التي تجمّل لباسها وتخصّص البعض الآخر لحفلة سابع أيّام الولادة مثل حذاء الشّبكة الذي تلبسه العروس والنّفساء على حدّ السّواء. وتُجهّز للمولود الجديد ألبسة مزخرفة بالشبكة بقطع النظر عن جنسه، فضلا عن تزيين الملابس الدّاخليّة للمرأة مثل قميص النّوم والسّراويل التقليديّة الواسعة أو ما يسمّى سروال «الميزو» الّذي لا تخلو أطرافه من قطع الشّبكة42 و«الحصّارة»43، وما تزال هذه التّقاليد متواصلة إلى اليوم. كما تستعمل الشّبكة لزخرفة الملابس الخارجيّة على غرار عنق القميص وصدر الفستان والأكمام والأحزمة والقفازات وحتى ملابس الحجّ أو العمرة لدى من ترغب في ذلك من النساء. وقد جرت العادة بمدينة نابل إحدى مراكز صناعة الشّبكة أن يتمّ إعداد «مْحَرْمَة» أو منديل من الشبكة يطوى في شكل مثلّث ويتّخذ مكانه في الجيب العلوي الأيمن من لباس العريس الذي يخصّص ليوم الزّفاف44. وتستخدم الشّبكة أيضا في تزيين الأغطية والمفروشات والوسائد والشّراشف والسّتائر والمناديل وزخرفة أغطية الطّاولات والرّفوف وكذلك الكؤوس والقوارير أو بعض أواني خزن المواد الغذائيّة على غرار القلال الّتي كانت تُملأ بالحبوب أو اللّحم المجفف أو بزيت الزيتون في بيت المونة حيث «تزخرف الجرار بالشّبكة الّتي علاوة على طابعها الجمالي تمنع سقوط الحشرات»45. 

فما إن تنتهي المرأة من القيام بشؤون المنزل حتّى تتفرّغ لصنع ما تجيده من أنواع الشّبكة لبيتها ولجهاز بناتها ولكسب بعض المال إن باعت ما تنتجه، فتستعين به على مصاريف عائلتها إن كانت فقيرة وتستغلّه لشراء قطعة مصوغ تتزيّن بها إن كانت ميسورة الحال أو قد تبيعها وتنتفع بمالها عند الشدّة تجسيدا للمثل القائل «الحْدايد للشْدايد» ويُقصد بالحدايد هنا المعادن النفيسة مثل الذهب والفضّة، هذا فضلا عمّا تتناقله مُمارِسات هذه الحرفة من قناعات حول أهميّة ما يقمن به «الزوّاليّة (الفقيرة) تعينها والمبسوطة (الثريّة) تزينها»، فتستغرق في ذلك مدّة من الزّمن قد تقصر أو تطول بحسب القطعة المصنوعة. وكثيرا ما كان هذا الأمر يبعث على الارتياح لمشاركة المرأة في تحمّل جزء من أعباء الحياة، فهذه المهارة المتوارثة ترافق الفتاة من منزل والدها إلى منزل زوجها بما في ذلك وسادة الشّبكة حيث تردّد البنزرتيّات مثلا شائعا حول هذه الوسادة الّتي تتبعهنّ أينما ذهبن : 

 «يـا مْغـَـازِلْ يـا مَتْعــــوس خَلّيـتك في دار بـابـا لْقيـتك في دار لعــروس»

و أمام ما يتطلّبه هذا العمل من دقّة وإجهاد للعينين مع اتخاذ الجسد لوضعيّة الجلوس مع الانحناء فإنّ الحرفيّة «تتعب كثيرا بسبب انحنائها الدّائم على الوسادة»46، لكنّ ذلك لم يحل أبدا دون تعلّقها بمهارتها ومواصلة ممارستها والسّعي إلى تطويرها ونقل معارفها لمن ترغب في تعلّمها من الأجيال الناشئة، «فالنّساء يعتبرن بارعات في الأعمال الّتي تتطلّب الأصابع والدقّة والصّبر»47. وفي حقيقة الأمر لا يخلو أيّ نشاط يدوي من صعوبات معيّنة قد ينجرّ عنها على المدى البعيد من الممارسة الإرهاق والضّرر الجسدي، ولكن الإشارة إلى ذلك هي هنا من باب تثمين العمل اليدوي وتقديرا لكلّ نشاط حرفي تمّ صونه وكلّ مهارة أو معرفة تقليديّة تمّت المحافظة عليها.

 وتحتفظ الذاكرة بمشاهد من اللقاءات الجماعيّة لصانعات الشبكة من القريبات والجارات بمنزل إحداهنّ، أين يجتمعن في إحدى الغرف الواسعة التي تتوفّر بها الإضاءة الكافية أو في وسط الدار بالنسبة للمساكن التقليديّة للتنافس على صنع الشّبكة وتبادل الخبرات بهذا الشّأن. تؤثث الجلسات بعض المشروبات والحلويّات التقليديّة التي غالبا ما يتمّ إعدادها في المنزل فضلا عن الأحاديث المتنوّعة التي تجمع بين الماضي والحاضر، بين استحضار زمن معلّمات الصّنعة والأمّهات والجدّات وتشارك أخبار الحيّ وجديد العائلات. فلا عجب إن تمّ ابتكار غرزة «لَمِّةْ البنات» في إشارة إلى هذه الاجتماعات النسائيّة المنتظمة واحتفاء بها، على أن يُستثنى يوم الجمعة من تنظيم لقاءات مماثلة ببعض مناطق الجهة باعتبار مكانته الدينيّة وتخصيصه للعبادة. كما حافظت بعض الشبّاكات على عادة تجنّب استخدام الإبرة في «تاسوعاء» اليوم الذي يسبق عاشوراء مخافة انتفاخ الأصابع أو إصابة اليد بالشّلل الرعاش، ويحرص البعض الآخر على عدم استخدامها حتى في يوم عاشوراء، إلا أنّ الحاجة إلى العمل وكسب المال دفعت بعدد منهن إلى مخالفة هذه العادة وتقديم المصلحةّ الخاصّة على مثل هذا الاعتقاد السائد.   

يعتقد البعض أنّ العمل الحرفي المنزلي قد أدّى بطريقة ما إلى سجن المرأة داخل منزلها  بشدّها إليه والاستحواذ على حريّتها الشخصيّة داخله، فهو يحول في كثير من الأحيان دون خروجها من البيت ويأخذ قسما من جهدها وربّما الكثير من وقتها إضافة إلى الزّمن الّذي تخصّصه للقيام بشؤون المنزل. بالمقابل يرى البعض الآخر أنّ هذا النّشاط يشكّل متنفّسا ووسيلة للتعويض عن حالة العزلة الّتي كانت تعيشها المرأة وشكلا تعبيريّا احتجاجيّا48، فتستعين بمهاراتها ومعارفها على فراغها وعزلتها أو أحيانا على وحدتها وتتّخذ من ترديد الأهازيج والأغاني شكلا آخرا من أشكال التعبير خاصّة وأنّ «الأغنية الشعبيّة تنبع من صميم الواقع من صميم تجارب الفئة التي تتغنّى بها، فجاءت هذه الأغاني النّسائيّة معبّرة عن قضايا اجتماعية وأحداث واقعيّة تترجم بوضوح ملامح الحياة في تلك الأوساط»49. ومع التحوّلات التي شهدها المجتمع التونسي كنتيجة للحضور الاستعماري وتأثيراته المختلفة سيّما الثقافيّة والسّياسيّة وتعالي أصوات النّخب المحليّة وبعض الأوساط الاجتماعيّة المنادية بتحرير المرأة، بدأت هذه الأخيرة في الخروج لطلب العلم أو للعمل وبدأ التخلّي شيئا فشيئا عن المهارات الحرفيّة. غير أنّ امتهان المرأة لبعض الأنشطة كان سابقا للفترة الاستعماريّة وكان سببه الفقر والحاجة، حيث أشارت بعض الدّراسات إلى أنّ النساء العاملات خلال القرن التاسع عشر كنّ ينتمين إلى الطّبقة الاجتماعيّة المتوسّطة وخاصّة إلى الطبقة الدّنيا50. 

و أثبت العمل الميداني أنّ النساء اللاّتي مازلن يصنعن الشّبكة أو الجَمْعَة قابعات بالمنزل وأنّ اللاّتي خرجن للعمل أو الدّراسة ممّن يتقنّ هذه المهارات إمّا قد تخلّين عنها تماما وإمّا يمارسنها من حين لآخر بصفة غير منتظمة وفق الحاجة إليها أو من باب التسلية بما أنّها لم تعد تمثّل بالنسبة لهنّ مصدر دخل. ويتجلّى بوضوح بالتالي أنّ هذه المعارف باعتبارها ثقافة هي في حاجة ماسّة إلى الدّعم والحماية لضمان استمراريّتها، » حيث تبقى الثقافة المحليّة في حاجة أكيدة لردّ الاعتبار وإدراجها في مختلف مظاهر الحياة اليوميّة»51، خاصّة أمام مهارة فنيّة مثل الشّبكة ما زالت تحافظ على رونقها وتثير الاهتمام بجماليّة منتجاتها. 

خـاتمة

تشكّل الشّبكة نشاطا منزليّا بالدّرجة الأولى اتّسم بطابع فنّي جمالي ثمّ اتّخذ بعدا تجاريّا خاصّة بعد تجاوزه عتبات المنزل وانتقاله إلى المشاغل ومراكز التكوين ليصبح مصدر دخل لعدد من الحرفيّات سواء العاملات في البيت أو في الورشات. فكان للدّافع المادّي دور في انتشار هذه الحرفة وتطوّرها خاصّة أمام تشجيع الاستعمار للأعمال الفنيّة الّتي قد لقيت حظّا أوفر من الاهتمام على عكس بعض الحرف الأخرى وإن كان ذلك لغايات استعماريّة. 

تراجعت ممارسة إعداد الشّبكة بشكل ملحوظ رغم الإقبال الّذي ما تزال تحظى به منتجاتها، وتقلّص عدد الحرفيّات ليقتصر على قلّة من النّساء يصنعنها في بيوتهنّ حسب الطّلب، أمام عزوف الكثيرات عن تعلّمها بسبب انشغالهنّ بالعمل أو الدّراسة إلى جانب ما تتطلّبه من سعة بال وامتلاك حسّ فنّي وقدرة على الابتكار الأمر الذي يهدّد استمراريّة هذه المهارة. رغم ذلك لم يفقد هذا النّشاط حضوره بالجهة واستطاعت القلّة المتبقية من حرفيّات الشّبكة المحافظة عليها من خلال التمسّك بممارستها والحثّ على تعلّمها بين صفوف الشابّات، إضافة إلى ما تمّ أخذه من إجراءات من قبل الهياكل الرسميّة بهدف النّهوض بالحرف التقليديّة وتعليمها وضمان استمرارها.

يبرز من خلال هذه الحرفة الفنيّة دور المهارات النسائيّة في المساهمة في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة ولو بدرجات محدودة، ولكن الدّور الأبرز للمرأة يظهر من خلال المحافظة على ما تمتلكه من معارف ومهارات وفنون بأبسط الأدوات، «فالنّساء الحضريّات أو الريفيّات رغم الضغوطات المتنوّعة هنّ دائما حاملات للمعارف والمهارات التقليديّة، حيث يحفظن ويمرّرن للأجيال الحديثة تراثا ثقافيا وهويّاتيا أصبح اليوم لسوء الحظّ ضعيفا ومهدّدا بالاندثار باعتباره غير ملموس وغير مادّي»52. كما يتجلّى بوضوح من خلال هذا الدّور نقل رصيد القيم الاجتماعيّة وقواعد الحياة العمليّة اليوميّة والمناسباتيّة من المرأة وإلى المرأة، هذه القيم والقواعد التي تعتبر ضروريّة لضمان نجاحها في اكتساب مكانتها في المجتمع الذي تنتمي إليه والحفاظ على سلامة البناء الاجتماعي التقليدي.   

 

 

 الهوامش :

1.    Dallier (A), " Les travaux d'aiguille ", In Les Cahiers du GRIF, n°12, Année 1976, p.49.

2.    Duby (G.), Perrot (M.), Images de femmes, Sous la direction de Georges Duby, MAME Imprimeur, Tours, 1992, p.14.

3.    Sugier (C.), " Du côté des femmes tunisiennes ", In Cahiers de la Méditerranée, n°20-21, 1, 1980. Recherches d'ethnosociologie maghrébine, p.11.

4.    Golvin (L.), " Le legs des Ottomans dans le domaine artistique en Afrique du Nord ", In Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, n° 39, 1985 (Les Ottomans en Méditerranée - Navigation, diplomatie, commerce),  p.216.

5.    إدريس (نادية)، دراسة الملابس الدّاخليّة للمرأة "الأرستقراطيّة" بتونس في بدايات القرن العشرين: دراسة مجموعة متحفيّة بدار بن عبد اللّه، بحث لنيل شهادة الماجستير في علوم التراث، كليّة العلوم الانسانيّة و الاجتماعيّة بتونس، 2012-2013، ص.199.  

6.    Gargouri-Sethom (S.), "Mariage en décolleté, traditions éclatées, réflexions sur l’évolution du costume de mariage en Tunisie ", dans Cahiers des Arts et Traditions Populaires, n° 11, 1996, p.62.

7.    (7) العريبي بن رمضان (سلمى)، "المعلمة ودار المعلمة ببلدة دار شعبان الفهري"، مجلّة الفنون والتقاليد الشعبيّة، عدد 15، المعهد الوطني للتراث بتونس، 2009، ص. 39.

8.    خواجة (أحمد)، الذاكرة الجماعيّة و التحوّلات الاجتماعيّة من مرآة الأغنية الشعبيّة، منشورات كليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة بتونس، 1998، ص. 121.

9.    بن سليمان حسن بن عبد الرحمان)، "ملاحظات حول الشعر الشعبي النسائي في تونس في القرن التاسع عشر"، مجلّة الفنون والتقاليد الشعبيّة، عدد 14، المعهد الوطني للتراث بتونس، 2005، ص. 126.

10.    قطاط (حياة)، " تخمينات حول حرفة التطريز و فنونها"، الحياة الثقافيّة، عدد 192، 2008، ص. 12.

11.    Tsourikoff (Z.), L’enseignement des filles en Afrique du Nord, Thèse pour le Doctorat, Université de Paris, Faculté de Droit, Paris, 1935, p. 62.

12.    (12) Ricard (P.), Dentelles algériennes et marocaines, Editions Larose, Paris, 1928, p.4.

13.    Sekik (N.), " À propos du patrimoine immatériel : réflexion autour des savoir-faire des femmes en Tunisie ", In Quaderns de la Mediterrània n°13, 2010, p 32-33.

14.    Seguin (J.), La dentelle : histoire, description, fabrication, bibliographie, J. Rothschild Editeur, Paris, p.17.

15.    (15) Van Steyvoort (C.), Initiation à la création dentellière, Dessain et Tolra, Paris, 1982, p.10.

16.    Lefébure (E.), Broderies et dentelles, Nouvelle Edition, Ernest Grund Editeur, Paris, sans date, p.176.

17.    De Dillmont (T.), Encyclopédie des ouvrages de dames, Nouvelle Edition revue et augmentée, Editeur MULHOUSE, France, 2012, p. 662.

18.    Comte (P.), Dentelle tunisienne, 2 cahiers, Tunis, Wéber, 1914.

19.    Spezzafumo de Faucemberge (S.), Dentelles et Broderies Tunisiennes, Édition A. Deplanche, Paris, 1931, p.4. 

20.    Spezzafumo de Faucemberge (S.), Dentelles et Broderies, op.cit., p.5.

21.    Direction générale de l'instruction publique, Bulletin officiel de la Direction générale de l'instruction publique et des beaux-arts, 37è  année, n° 11, Éditeur : Direction générale de l'instruction publique,  Tunis, sans date.

22.    Ginestous (P.) et (L.), " Le vêtement féminin usuel à Bizerte ", In Les Cahiers de Tunisie, 4è trimestre, n° 28, 7è année, p. 525.

23.    التيمومي (الهادي)، تاريخ تونس الإجتماعي 1881-1956، دار محمّد علي الحامي صفاقس، 1997، ص.99.

24.    Haicault (M.), " Perte de savoirs familiaux, nouvelle professionnalité du travail domestique, quels sont les liens avec le système productif? " Recherches féministes, vol. 7, n° 1, 1994, p.126.

25.    Ricard (P.), Dentelles algériennes…, op.cit., p.3.

26.    Ricard (P.), Dentelles algériennes…, op.cit., p.5.

27.    Arts traditionnels de la région de Bizerte, Centre d’Arts Tunisiens de Bizerte, Imprimeurs : Nicolas Bascone et Sauveur Muscat, sans date, p.42.

28.    Ginestous (P.), Bizerte et sa région, la vie artisanale, IBLA, 19è année, 1er trimestre 1956, n° 73, p.112.

29.    Callot (F.), L’Artisanat sur le côté oriental, IBLA, 1954, p.213.

30.    Chateur Jdidi (S.), Participation de la femme tunisienne à la vie économique : son évolution et ses limites, thèse pour le  doctorat de 3ème cycle, Université de Paris Pantheon-Sorbonne, 1975, p. 218.

31.    Revault (J.), Arts traditionnels en Tunisie, Publications de l’Office National de l’Artisanat de Tunisie, 1967, p.124.

32.    Chebka Dentelle arabe, Traité pratique, Album composé et expliqué par les Sœurs-Missionnaires (Sœurs Blanches) de Notre-Dame d’Afrique la Marsa Tunisie, Paris, sans date, p. 4. 

33.    بالي (نجوى)، التطريز في رفراف، شهادة الدّراسات العليا في التراث و الآثار، كليّة الآداب بمنّوبة، قسم التاريخ، 1997-1998، ص. 110.

34.     (34) عمل ميداني حول جرد الحرف التقليديّة بجهة المنستير سنة 2016، في إطار مشروع جرد التراث الثقافي اللامادي بجهة المنستير تحت إشراف المعهد الوطني للتراث. 

35.    العبادي (محمد رضوان)، مجمع الأمثال الشعبيّة التونسيّة، نشر مشترك المعهد الوطني للتراث ودار سحنون للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، تونس، 2018، ص. 992.

36.    Ricard (P.), Dentelles algériennes et marocaines, Editions Larose, Paris, 1928, p.14.

37.    Van Steyvoort (C.), Initiation à la création dentellière, Dessain et Tolra, Paris, 1982, p.20. 

38.    قرقوري ستهم (سميرة)، "النّساء... ثقافة "، المرأة التونسيّة عبر العصور، 1997، ص. 149.

39.    كوبر (سي-جي)، الموسوعة المصوّرة للرموز التقليدية، ترجمة مصطفى محمود، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2014، ص. 581.  

40.    La dentellière (De kantwerkster), 1669-1671, huile sur toile, 24,5×21 cm, Musée du Louvre Paris, France. 

41.    La dentellière, 1662-1664, huile sur toile, 26.5 x 33 cm, Musée Wallace collection à Londres, Angleterre.

42.    Ginestous (P.), " Bizerte et sa région, la vie artisanale ", IBLA, 19è année, 1er trimestre 1956, n° 73, p. 108.

43.    Menaa (N.), " La mise en valeur de la chebka tunisienne ", In Office Tunisien de standardisation, n° 10, Février 1948, p. 7.

44.    (44) العريبي (سلمى)، " مختصر مدوّنة الشبكة التقليديّة بالوطن القبلي"، تاريخ وتراث الشريط الساحلي، الملتقى الأوّل نابل 28-29 نوفمبر 2008، المعهد الوطني للتراث، تونس، 2010، ص 14.

45.    Revault (J.), Palais et résidences d’été de la région de Tunis XVIe-XIXe siècles, Centre National de la Recherche scientifique, Paris, 1974, p.51.

46.    Chebka Dentelle arabe, op.cit., p.3.

47.    Avrane (C.), Les ouvrières à domicile en France de la fin du XIXè siècle à la Seconde Guerre mondiale, THESE DE DOCTORAT en Histoire Contemporaine, Faculté des Lettres, Langues et Sciences Humaines d'Angers, 2010, p.83.

48.    Dallier (A), " Les travaux d'aiguille…, op.cit., p.49.

49.    الشنيني (آمال)، الأغنية الشعبية في حياة المرأة الريفية بمنطقة ماجورة من ولاية قفصة، رسالة بحث لنيل شهادة الماجستير في جماليات و تقنيات الموسيقى اختصاص علوم الموسيقى، المعهد العالي للموسيقى بسوسة، 2010-2011، ص. 76. 

50.    القنين (مفيدة)، النّساء والمهن في المدن التونسيّة خلال القرن التاسع عشر، شهادة الماجستير في التاريخ الحديث، كليّة الآداب و الفنون والإنسانيّات بمنّوبة، 2007-2008، ص. 117.

51.    بن بركة (إسمهان)، " الحرف التقليديّة بجهة المنستير: تنوّع التأثيرات وتعدّد الخلفيّات"، إبـلا مجلّة معهد الآداب العربيّة، السّنة 82، عدد 223، تونس، السداسي الأوّل من سنة 2019، ص. 92.   

52.    Sekik (N.), " À propos du patrimoine immatériel : réflexion autour des savoir-faire des femmes en Tunisie ", In Quaderns de la Mediterrània n°13, 2010, p.33.

 

 

 المصادر باللغة العربية:

1.     إدريس (نادية)، دراسة الملابس الدّاخليّة للمرأة "الأرستقراطيّة" بتونس في بدايات القرن العشرين: دراسة مجموعة متحفيّة بدار بن عبد اللّه، بحث لنيل شهادة الماجستير في علوم التراث، كليّة العلوم الانسانيّة و الاجتماعيّة بتونس، 2012-2013، ص.199.  

2.    - التيمومي (الهادي)، تاريخ تونس الإجتماعي 1881-1956، دار محمّد علي الحامي صفاقس، 1997، ص.99.

3.    - العبادي (محمد رضوان)، مجمع الأمثال الشعبيّة التونسيّة، نشر مشترك المعهد الوطني للتراث ودار سحنون للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، تونس، 2018. 

4.    - الشنيني (آمال)، الأغنية الشعبية في حياة المرأة الريفية بمنطقة ماجورة من ولاية قفصة، رسالة بحث لنيل شهادة الماجستير في جماليات و تقنيات الموسيقى اختصاص علوم الموسيقى، المعهد العالي للموسيقى بسوسة، 2010-2011.

5.    - العريبي بن رمضان (سلمى)،" المعلمة و دار المعلمة ببلدة دار شعبان الفهري"، مجلّة الفنون و التقاليد الشعبيّة،عدد 15، المعهد الوطني للتراث بتونس، 2009، ص.ص. 39-48.

6.    - العريبي (سلمى)، " مختصر مدوّنة الشبكة التقليديّة بالوطن القبلي"، تاريخ وتراث الشريط الساحلي، الملتقى الأوّل نابل 28-29 نوفمبر 2008، المعهد الوطني للتراث، تونس، 2010، ص 14.

7.    - بالي (نجوى)، التطريز في رفراف، بحث لنيل شهادة الدّراسات العليا في التراث و الآثار، كليّة الآداب بمنّوبة، قسم التاريخ، 1997-1998.

8.    - بن بركة (إسمهان)، " الحرف التقليديّة بجهة المنستير: تنوّع التأثيرات وتعدّد الخلفيّات"، إبـلا مجلّة معهد الآداب العربيّة، السّنة 82، عدد 223، تونس، السداسي الأوّل من سنة 2019، ص.ص. 75-93.

9.    - بن سليمان حسن بن عبد الرحمان)، " ملاحظات حول الشعر الشعبي النسائي في تونس في القرن التاسع عشر "، مجلّة الفنون والتقاليد الشعبيّة، عدد 14، المعهد الوطني للتراث بتونس، 2005، ص. ص. 117-134.

10.    - خواجة (أحمد)، الذاكرة الجماعيّة و التحوّلات الاجتماعيّة من مرآة الأغنية الشعبيّة، منشورات كليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة بتونس، 1998.

11.    - قرقوري ستهم (سميرة)، "النّساء... ثقافة "، المرأة التونسيّة عبر العصور، 1997، ص.ص. 136-149.

12.    - قطاط (حياة)، " تخمينات حول حرفة التطريز و فنونها"، الحياة الثقافيّة، عدد 192، 2008، ص. 12.

13.    - كوبر (سي-جي)، الموسوعة المصوّرة للرموز التقليدية، ترجمة مصطفى محمود، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2014.

 

 

 المصادر باللغة الفرنسية:

1.     Arts traditionnels de la région de Bizerte, Centre d’Arts Tunisiens de Bizerte, Imprimeurs : Nicolas Bascone et Sauveur Muscat, sans date.

2.     Avrane (C.), Les ouvrières à domicile en France de la fin du XIXè siècle à la Seconde Guerre mondiale, THESE DE DOCTORAT en Histoire Contemporaine, Faculté des Lettres, Langues et Sciences Humaines d'Angers, 2010.

3.    Chateur Jdidi (S.), Participation de la femme tunisienne à la vie économique : son évolution et ses limites, thèse pour le  doctorat de 3ème cycle, Université de Paris Pantheon-Sorbonne, 1975.

4.    Chebka Dentelle arabe, Traité pratique, Album composé et expliqué par les Sœurs-Missionnaires (Sœurs Blanches) de Notre-Dame d’Afrique la Marsa Tunisie, Paris, sans date.

5.    Comte (P.), Dentelle tunisienne, 2 cahiers, Tunis, Wéber, 1914.

6.     Dallier  (A), " Les travaux d'aiguille ", In Les Cahiers du Grif, n° 12, Année 1976.

7.    De Dillmont (T.), Encyclopédie des ouvrages de dames, Nouvelle Edition revue et augmentée, Editeur MULHOUSE, France, 2012.

8.    Direction générale de l'instruction publique, Bulletin officiel de la Direction générale de l'instruction publique et des beaux-arts, 37è  année, n° 11, Éditeur : Direction générale de l'instruction publique,  Tunis, sans date.

9.    Duby (G.), Perrot (M.), Images de femmes, Sous la direction de Georges Duby, MAME Imprimeur, Tours, 1992.

10.     Gargouri-Sethom (S.), " Mariage en décolleté, traditions éclatées, réflexions sur l’évolution du costume de mariage en Tunisie ", dans Cahiers des Arts et Traditions Populaires, n° 11, 1996, p.62.

11.    Ginestous (P.), " Bizerte et sa région, la vie artisanale ", IBLA, 19è année, 1er trimestre 1956, n° 73, p. 108.

12.    Ginestous (P.) et (L.), " Le vêtement féminin usuel à Bizerte ", In Les Cahiers de Tunisie, 4è trimestre, n° 28, 7è année.

13.    Golvin (L.), " Le legs des Ottomans dans le domaine artistique en Afrique du Nord ", In Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée, n° 39, 1985 (Les Ottomans en Méditerranée Navigation, diplomatie, commerce).

14.    Haicault (M.), " Perte de savoirs familiaux, nouvelle professionnalité du travail domestique, quels sont les liens avec le système productif? " Recherches féministes, vol. 7, n° 1, 1994, p.126.

15.    Lefébure (E.), Broderies et dentelles, Nouvelle Edition, Ernest Grund Editeur, Paris, sans date.

16.    Menaa (N.), " La mise en valeur de la chebka tunisienne ", In Office Tunisien de standardisation, n° 10, Février 1948, p. 7.

17.    Revault (J.), Arts traditionnels en Tunisie, Publications de l’Office National de l’Artisanat de Tunisie, 1967.

18.    Revault (J.), Palais et résidences d’été de la région de Tunis XVIe-XIXe siècles, Centre National de la Recherche scientifique, Paris, 1974.

19.    Ricard (P.), Dentelles algériennes et marocaines, Editions Larose, Paris, 1928.

20.    Seguin (J.), La dentelle : histoire, description, fabrication, bibliographie, J. Rothschild Editeur, Paris, sans date.

21.    Sekik (N.), " À propos du patrimoine immatériel : réflexion autour des savoir-faire des femmes en Tunisie ", In Quaderns de la Mediterrània n°13, 2010, p.33.

22.    Sugier (C.), " Du côté des femmes tunisiennes ", In Cahiers de la Méditerranée, n°20-21, 1, 1980. Recherches d'ethnosociologie maghrébine.

23.    Spezzafumo de Faucemberge (S.), Dentelles et Broderies Tunisiennes, Édition A. Deplanche, Paris, 1931. 

24.    Tsourikoff (Z.), L’enseignement des filles en Afrique du Nord, Thèse pour le Doctorat, Université de Paris, Faculté de Droit, Paris, 1935.

25.    Van Steyvoort (C.), Initiation à la création dentellière, Dessain et Tolra, Paris, 1982, p.20. 

 

 

الصور

    -     تعود كلّها لصاحبة البحث باستثناء عدد 3 و8 و 9 من الانترنيت.

 

أعداد المجلة