فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
64

الموسيقى رافداً للإصلاح والتنمية في الخليج والجزيرة العربية

العدد 64 - موسيقى وأداء حركي
الموسيقى رافداً للإصلاح والتنمية  في الخليج والجزيرة العربية

 

التمهيد: 

أتطلعُ أن تلعب أمانة مجلس التعاون لدول الخليج العربية دورا تنمويا تجاه مستقبل صناعة الموسيقى في الجزيرة العربية وتطوير معارفها العلمية والثقافية1. وقد يشاركني العديد من الزملاء الباحثين والموسيقيين هذا التطلع في ظل ما نشهده من زخم كبير للفعاليات والأنشطة الغنائية الموسيقية على المستوى المحلي لكل دولة منفردة، وتزاحم المؤثرات الشرقية والغربية على الممارسة الموسيقية المعاصرة في هذه البلاد، وما تتعرض له لغة الموسيقى المحلية من تشويش، خاصة وأن الواقع التاريخي لم يخبرنا عن اهتمامات لدى القدماء بالاشتغال بعلوم اللغة الموسيقية أو التأريخ لها، فتُركت الموسيقى إلى مصيرها قروناً طويلة كما تَرك الراعي هارون شاته قيرحون2 إلى سبيلها فأكلها الذئب وهو يتفرج خوفاً وإهمالاً. ونحن في هذه المناسبة نتحدث عن الموسيقى في الجزيرة العربية، باعتبار أن أهلها أكثر الناس شغفاً بها وأكثرهم في المقابل إهمالاً لها علما وصناعة. 

ولكن مع ذلك تنتشر سرديات كثيرة تروي3 قصص وأخبار الغناء والمغنين والمغنيات وأسماء آلات موسيقية متنوعة، إلى جانب أسماء بعض رعاة هذا الفن من الشخصيات السياسية والتجارية4 قبل وبعد الإسلام يمكن جمعها في إعداد موسوعة كاملة.  

وفي مطلع عصر الدولة الأموية حيث بدأ المجتمع ينعم بمظاهر الرخاء والازدهار5 كان أهل المدينة المنورة يستمتعون بأنواع متعددة من « فنون اللهو»6، بحيث نجد في بعض القصص التي تعود إلى صدر الإسلام ولا علاقة لها بالموسيقى معلومات مهمة عن وجود آلات موسيقية معروفة كالزمر، من ذلك مثلا: يروى أن السيدة سكينة غضبت ذات مرة من أشعب بن جبير7 ويقال أنّ له معها نوادر عديدة « فحلفت ليحلقن لحيته، ودعت بالحجام فقالت له: احلق لحيته، فقال له الحجام: انفخ شدقيك حتى أتمكن منك، فقال له: أأمرتك أن تحلق لحيتي أو تعلمني الزمر»8. وبطبيعة الحال نعلم في وقتنا هذا عن وجود آلات موسيقية أخرى غير الزمر المشار إليه في هذه الرواية كانت معروفة قبل وبعد هذا الزمن التاريخي. ولكن السؤال الأساسي هنا، على أي نظام موسيقي تعمل هذه الآلات الموسيقية؟. 

نعم هناك الكثير من البيانات والمعلومات عن الموسيقى في الجزيرة العربية التي يمكننا استخراجها من بطون الكتب القديمة أو الحديثة، وهي مصادر ومراجع مهمة وخاصة عن المرحلة الإسلامية التي شهدت تطوراً في التدوين والتأليف غير أنها لا تجيبنا عن ذلك السؤال. من جهة أخرى يرى الدكتور صبحي أنور رشيد أن تاريخ الموسيقى العربية لم يكتب «بعد كتابة علمية موضوعية طبقاً لمستوى البحث العلمي الحديث السائد في الوقت الحاضر»9، وهذا منهج جديد اقترحه الدكتور صبحي أنور رشيد  على أساس «لا تاريخ بدون وثائق»10. من هنا، ندعو في هذه المداخلة إلى إعادة كتابة تاريخ الموسيقى العربية في الجزيرة العربية، وحل إشكالية السلم الموسيقي العربي وصناعة الآلات والأوتار التي هي كذلك لم تدرس بعد دراسة علمية حسب مناهج البحث المعروفة في العلوم الموسيقية المعاصرة. إن أجود أنواع الآلات الموسيقية وأوتارها الموسيقية المستعملة في موسيقانا إلى جانب العديد من المنتجات ذات الصلة نستوردها جميعا من الخارج، لذلك فإن المعالجة التي نقترحها بشأن اللغة الموسيقية في هذه المداخلة ستعود بالنفع ليس فقط على الموسيقى وعلومها فحسب بل وكذلك على الاقتصاد الموسيقي.  

إن تاريخ الموسيقى في الجزيرة العربية لا يزال يكتنفه الغموض، والصورة العامة عن سكانها إنهم مجموعة من البدو الرحل ليس لهم أي منجز حضاري قبل الإسلام، وهذه الصورة الذهنية لا تزال إلى اليوم الأكثر شيوعاً حتى مع الاكتشافات الأثرية في المنطقة التي عرفت الكتابة والنحت، وبناء عليه عثر على بعض الآلات الوترية تعود إلى أزمنة قديمة في اليمن المركز الحضاري الأبرز والمعروف حتى الآن في الجزيرة العربية.  

وفي السنوات الماضية اشتغل بعض الدارسين من أبناء هذه المنطقة والعرب والأجانب على دراسة الموسيقات المحلية لدول مجلس التعاون الخليجي واليمن، ولكن في نفس الوقت لا علم لي بأي دراسة أحاطت بالموسيقى في الجزيرة العربية كموضوع واحد، فكل باحث انشغل بالكتابة عن نمط أو أكثر من الموسيقى التراثية في دولته توثيقاً وتعريفاً وتحليلاً 11. 

 من هنا أعتقد أنه تقع على أمانة مجلس التعاون لدول الخليج العربية مسؤولية جمع شمل الموسيقى العربية في الجزيرة العربية عبر آلية إدارية ومالية وبحثية تعنى بشؤون الموسيقى وإقامة متحف لتاريخ الموسيقى وآلاتها في هذه المنطقة. فلا علم لي حتى الآن بوجود مؤسسة من هذا النوع تتبع الأمانة العامة تعمل في مجال البحث والدراسات الموسيقية بعد إنهاء خدمات مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية (1982 ـــ 2005)، ومجلته المعروفة « مجلة المأثورات الشعبية» التي صدر منها حتى تاريخ إنهاء خدمات المركز «خمس وتسعون عدداً» حسب تصريح الاستاذ صالح غريب في حوار له في صحيفة الوطن القطرية في 2018، بعنوان: تجربة مركز التراث الشعبي لدول الخليج. وهذه التصفية التي نالها مركز التراث الشعبي هي من وجهة نظري واحدة من أكبر الأخطاء التي ارتكبت بشأن العمل المشترك في مجال الموسيقى والتراث في هذه المنطقة العريقة. 

في المقابل لا أعتقد أنه من شأن أمانة مجلس التعاون العناية بالأغاني وفعالياتها12، فهذا شأن الدول والمؤسسات الثقافية في كل بلد، ولكن الذي أعنيه في هذه الورقة المتواضعة، الدعوة إلى تأسيس نشاط بحثي موسيقي لدراسة ومعالجة قضايا الموسيقى الأساسية وتحديداً مسألة اللغة الموسيقية والسلم الموسيقي وصناعة الآلات الموسيقية ومواصفاتها ومعالجة الفوضى النظرية والتطبيقية التي نعيشها في هذا الوقت. 

فالواقع الموسيقي المحلي يشهد في ظل العولمة استعمال آلات موسيقية متنوعة تعود إلى أنظمة موسيقية مختلفة من الشرق والغرب؛ فجميع القواعد والتطبيقات الموسيقية التي نمارسها في موسيقانا هي قواعد مستنبطة من موسيقات أخرى، ونستقبلها من الخارج دون أن نبدي رأيا مهنياً أو علمياً فيها. 

إن فهم موسيقانا ولغتها فهماً نظريا وتطبيقيا أمر ضروري للمحافظة عليها في الوقت الذي نشتبك فيه مع موسيقات شعوب العالم المختلفة. 

إن الاشتغال بالعلوم الموسيقية مهمة المؤسسات الأكاديمية، ولكن نظراً لخطورة هذه المسائل التي عالجتها جميع الحضارات، ليس من الصواب تركها للاجتهاد الفردي (مؤسسة أو أشخاص)، فمهما تحقق من نتائج ستظل عرضة للإهمال وعدم الاعتراف من الآخرين ما لم يتم اعتمادها وتعميمها بقرار سياسي وثقافي رسمي، ويمكن وضع هذا في إطار الجهود المبذولة للانتقال بدول مجلس التعاون «من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد»13 وصناعة الوعي المشترك، والموسيقى وعلومها واحدة من أبرز  أدوات هذه الصناعة الناعمة. 

من هنا نناقش في سياق عناوين هذه الورقة مسألتين أساسيتين حيث نلقي في البداية نظرة عاجلة على تجربة سابقة ومؤثرة والجدل القديم والمعاصر بشأن وحدة لغة الموسيقى العربية من خلال وثائق مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة عام 1993، وكيف أن غياب وفد من الجزيرة العربية عن ذلك المؤتمر قد غيّب رأينا بشأن نظرية الموسيقى العربية حتى اليوم. ثم نحاول استثمار هذا الجدل العلمي الممتد في علم الموسيقى العربية واكتشاف الموسيقى والغناء في الجزيرة العربية وخصائصها الثقافية والفنية بما يعزز التعاون بين دول مجلس التعاون والجزيرة العربية من جهة وموسيقات الشعوب العربية من جهة أخرى. وفي هذا السياق نسأل سؤالاً جوهرياً: هل للجزيرة العربية سلمها الموسيقي الخاص ؟. وفي هذا السياق نسأل سؤالا إجرائيا: هل أمانة مجلس التعاون مستعدة لمناقشة هذه الإشكالية والتدابير اللازمة لمعالجتها؟ انطلاقاً من أهداف المجلس كمؤسسة تعمل على تحقيق رؤية أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون حفظهم الله ورعاهم ودعمهم المتواصل لكل ما من شأنه « تعميق وتوثيق الروابط وصلات التعاون القائم بين شعوبها في مختلف المجالات»14 وصولاً إلى «الوحدة»15. 

 

 

لغة الموسيقى العربية وإشكالية النظرية والممارسة:

بدأ في التاريخ الحديث الاهتمام الرسمي بعلوم الموسيقى العربية من قبل ملك مصر فؤاد الأول عندما أمر أثناء افتتاحه للمعهد الموسيقي الشرقي عام 1931بتنظيم مؤتمر للموسيقى العربية الذي انعقدت جلساته برعاية منه عام 1932، وظلت موضوعات ذلك المؤتمر التاريخي تتفاعل في أرجاء العالم العربي على مدى السنوات الماضية ولاتزال رغم ما نشهده في السنوات الأخيرة من انصراف عن مناقشتها وإثارتها بهذه الشمولية بسبب اكتفاء كل بلد في المشرق والمغرب بما ورثه من صناعة وتطبيقات وخصوصيات ومشتركات. 

لقد كان ذلك الحدث الموسيقي العربي الأبرز في القرن الماضي والذي لا يزال من وجهة نظري مؤثرا على الواقع الموسيقي نظرياً وعملياً في العالم العربي، ولكنه في المقابل كشف قصورنا التاريخي في الجزيرة العربية في مجال العلوم الموسيقية وفي الممارسة كذلك، بحيث لم يجد المنظمون في ذلك الوقت من يُقدم له الدعوة للمشاركة والحضور. 

ولكن بما أن الواقع قد تغير في وقتنا هذا لعلّ من المفيد أن نشارك في الحاضر والمستقبل في مناقشة هذا الموضوع الموسيقي الأساسي، وإبداء الرأي بشأنه وكشف اللهجة الموسيقية العربية في هذه المنطقة واحترام خصوصياتها.  

وفي الواقع هذه معضلة قديمة عندنا لهذا لا أعرف أي اهتمام لنا في هذه المنطقة بالنظريات الموسيقية، والموسيقى في الجزيرة العربية لا تنظير لها حتى الآن، وإن وجدت بعض الدارسات التي لا علم لي بها، فلا تأثير لها على النظام التعليمي والعمل الفني وصناعة الآلات الموسيقية.

والمراكز التي تأسست حديثاً في بعض دول مجلس التعاون لم يتسن لها مناقشة أو معالجة مسائل اللغة الموسيقية، وكانت مهمتها ولا تزال منصبة على الجمع والتوثيق وإعداد الدراسات التعريفية والتحليلية بشأن حالات الممارسة النمطية16. من جهة  متصلة بدأ التعليم الموسيقي يأخذ مناحي عديدة، وحصل الكثير من أبناء الجزيرة العربية على دراسات عليا في اختصاصات موسيقية عديدة.

وفي المقابل نعتقد بوجود فجوة بين الدارسين والممارسين، بسبب عدم تصدي الباحثين للمسائل الأساسية في موسيقى هذه المنطقة وانفلات الممارسة الموسيقية نحو خيارات فنية عديدة. فقد ظهر في سلطنة عُمان بتشجيع رسمي توجه فني جديد في الغناء منذ التسعينات من القرن العشرين يعتمد على الألحان التراثية، وقد أثار هذا التوجه المستمر قليلا من الانتقادات وكثيرا من الإشادات. ورغم أنه لعب دورا مهما في التعريف بالتراث الموسيقي، إلا أنني أرى أن أصحابه قد قاموا بتشويه التراث نفسه وبتمويل حكومي تحت شعار تطوير الألحان التراثية. فعيب التراثيين أنهم ألغوا حقوق الملكية الفكرية للألحان التي اختاروها من جهة، ولم يراعوا من جهة أخرى خصوصيات اللغة الموسيقية ولا القوالب الفنية اللحنية والإيقاعية الأصلية مكتفين ببعض الضروب الإيقاعية. وأسلوب عمل التراثيين هو اختيار لحن متوارث قد يكون في الغالب جزءا من قالب فني متعدد الألحان، فيهبه التراثي إلى موزع موسيقي عربي يشتغل عليه باعتباره لحناً مستقلاً، أو بعد أن يكون الملحن عُمانيا أو خليجيا) قد أعاد تشكيله على قالب الطقطوقة (المذهب والكوبلية) بإضافة غصن جديد من عنده.. وهكذا نحصل على نتيجة عكس ما هي في الأصل التراثي الذي يتمتع بقوالب فنية متعددة لحنية وإيقاعية، والمحصلة هنا إفقار التراث وسلبه لغته الموسيقية الأصلية وقوالبه الفنية.   

في الواقع قضية اللغة الموسيقية والفوارق بين نسب بعض الدرجات الموسيقية بيننا وبين بعض البلاد العربية خاصة في مصر الشقيقة تستحق الدارسة والتحديد والتعيين من باب المحافظة على التراث الموسيقي على الأقل. وكان معظم الموسيقيين عندنا يشعرون بتلك الفوارق، ولكنهم يحسبونها ناتجة عن خطإ في الممارسة لقلة علمهم بالنظرية الموسيقية، ويعتبرون الرأي الصحيح عند المعلمين الموسيقيين أساتذنتا المصريين حفظهم الله. ولكن هناك من سأل فعلاً ودرس الموضوع ولعل مثالا على ذلك ما ذكره لي الدكتور الفنان عبدالرب إدريس أنه عندما بدأ يشتغل مع العازفين بالقاهرة سمع فارقا غير مريح بينه وبين العازفين المصريين أثناء أداء لحن له من مقام الحجاز، الأمر الذي اشتغل عليه فيما بعد في رسالة دكتورا بالمعهد العالي للموسيقى بالقاهرة لتفسير الفروقات بين الدرجات النغمية بين الحجاز اليمني (الطبيعي) والحجاز المصري (المعدل إن صح التعبير)، وقد اطلعت بنفسي على نسخة منها في مكتبة المعهد العالي للموسيقى العربية، ونحن نعلم أن غناء اليمن العودي هو غناء كل عُمان والجزيرة العربية. وفي نفس السياق قال لي مرة الأستاذ حسن عريبي (وهو موسيقي مرموق في ليبيا في القرن العشرين توفى عام 2009)، بأنّ موسيقانا في الخليج لم تعد تحتفظ بأبعاد درجاتها الأصلية مع اندماجها مع الموسيقى العربية المصرية. وفي الواقع كانت هذه واحدة من المسائل التي واجهت مؤتمر الموسيقى العربية ولا تزال تثير جدلا بشأن فروقات درجة السيكاه في موسيقى البلدان العربية، ولم تتحدد نظريا بشكل نهائي في موسيقانا في الجزيرة العربية بالمقارنة مع باقي البلاد العربية.  

 

 

تجارب مؤثرة:

مؤتمر الموسيقى العربية 1932 بالقاهرة

نعتمد في تلخيص ومناقشة أهم القضايا الأساسية المعروضة أمام المؤتمر، على «كتاب مؤتمر الموسيقى العربية 1932» وتحديداً طبعة خاصة صدرت عام 2007 بمناسبة اليوبيل الماسي. وبهذه المناسبة أود التأكيد على أن الممارسة الموسيقية اليوم في معظم البلاد العربية تحتفظ بتقاليد فنية خاصة لكل منطقة عربية فيما لم يصل التنظير الموسيقي العربي إلى نتيجة مرضية للجميع وجرى التخلي عن موضوعه الأساسي وهو توحيد السلم الموسيقي العربي الذي كان مطروحاً في القرن العشرين، وربما قبل ذلك بتأثير من الموسيقى الغربية. ولكن مرحلة الانبهار بالموسيقى الغربية قد تحول إلى ممارسة واقعية مباشرة واشتباك يومي (إن صح التعبير)، وجرى تثبيت وتعميم دوزنة السلم الموسيقي الغربي المعدل للنظام الموسيقي المقامي العربي الأمر الذي بدوره أثر على نظرية تعدد المقامات العربية واختصارها بطريقة حسابية إلى سبع أو ثماني مقامات بتأثير من النظرية الموسيقية الغربية المعدلة. 

وإذا كان الاتصال العربي بأوروبا مبكرا في مصر والشام وبلاد المغرب العربي ومؤثرا، فإن هذا الاتصال الثقافي والموسيقي لم يصل إلى الجزيرة العربية إلا حديثاً، ومنذ وقت قصير لاحظنا انتشار دور الاوبرا والعروض الموسيقية الكلاسيكية الغربية الضخمة في جميع دول الخليج. 

من هنا لم يعد موضوع توحيد السلم الموسيقي أو درجة السيكاه محل جدل عند عرب اليوم كما كان في ذلك المؤتمر، والبديل أصبح المحافظة على ذلك التنوع نظرياً على الأقل. ولكن هذا لا يتم على واقع الممارسة رغم أن الموسيقيين الممارسين يتقبلون مختلف السيك العربية والإسلامية ويجيدون استخراجها كلما دعت الحاجة لها، وخاصة بعد استعمال بعض الآلات الكهربائية الألكترونية كأنواع الكي بورد وأنظمة التوزيع والكتابة الموسيقية التي لم تكن متوفرة في مطلع القرن العشرين.

تمتع مؤتمر الموسيقى العربية الأول بغطاء سياسي من ملك مصر فؤاد الأول ورعايته، ودعم لنتائجه، والاستعداد لاعتماد وتعميم المتفق عليه في معهد الموسيقى الشرقي الذي دارت فيه أعمال المؤتمر، وكان في بداية عهده حيث تأسّس قبل انعقاد المؤتمر بسنة. وهذه كانت مسؤولية عظيمة على المؤتمرين وقد أشار إلى ذلك وزير المعارف العمومية المصري محمد حلمي عيسى في كلمته بمناسبة افتتاح المؤتمر، والتي أيضاً حدد فيها أهداف المؤتمر قائلا: «تنظيم الموسيقى العربية على أساس متين من العلم والفن تتفق عليه البلاد العربية، وبحث وسائل تطور الموسيقى العربية، وإقرار السلم الموسيقي، وتقرير الرموز التي تكتب بها الأنغام، وتنظيم التأليف الناطق والصامت (الغنائي والآلي) ودراسة الآلات الموسيقية الصالحة، وتنظيم التعليم الموسيقي، وتسجيل الأغاني والأنغام القومية في كل هذه الأقطار ثم بحث المؤلفات الموسيقية من مطبوع ومخطوط »17، وعلى هذا الأساس تشكلت لجان المؤتمر وقدمت تقارير عن نتائج عملها في الختام. وبناء عليه تم تشكيل سبع لجان عمل قدمت بياناتها بعد أسبوعين من العمل.  

 

 

من قضايا المؤتمر الأساسية والجدل بشأنها: 

كانت الموسيقى الأوروبية وعلومها هي المعيار الذي يقيس عليه العرب موسيقاهم منذ ذلك الوقت باعتبارها أرقى من الموسيقى العربية. وهذا الترتيب وضعه العرب أنفسهم بل أنهم جادلوا في ذلك ولم يرغب بعضهم التزحزح عنه حتى وقتنا هذا، وكان المشاركون من علماء الموسيقى الغربية الأوروبية يجادلون نظراءهم العرب بشأن عدم ضرورة الخوض في هذه المقارنة، وأن الوسائل الناجعة لتحقيق الرقي المنشود يجب أن تنبع من نفس الموسيقى العربية. 

و«الرقي» يعني حسب مفهوم ذلك العصر عند العرب أن تكون الموسيقى العربية مثل الموسيقى الأوروبية، لذلك كان الجدل عنيفاً بشأن تعديل السلم الموسيقي العربي على قرار السلم الموسيقي الأوروبي بهدف استيعاب علم الهارموني الذي مثل عقدة العرب أمام نظرائهم الغربيين. 

وكان من بين نتائج علم الموسيقى الأوروبية تجويد صناعة الآلات الموسيقية، وآلة البيانو التي تمثل فخر هذه الصناعة، إلى جانب تمكين المؤلفين من التوزيع الموسيقي الغنائي والآلي مما سمح بإنجاز أعمال سيمفونية وأوبرالية عظيمة أبهرت الموسيقيين العرب الذين يعتمدون على التخت في فرقهم الموسيقية، وعلى المهارات الفردية والارتجالات في الغناء والعزف. علما بأن الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية أصبحت بذلك التنظيم المعدل فقيرة في المقامات بالمقارنة بالموسيقى العربية الغنية بها. 

والجدير بالاهتمام أنه في الوقت الذي يدافع فيه علماء الموسيقى الغربيون عن الموسيقى الشرقية والعربية وضرورة المحافظة عليها، كان هناك طرح عربي يدعو إلى التخلي عنها وتقليد الغرب في موسيقاهم، لذلك كانت نظرية تجزئة السلم الموسيقي العربي وتوحيده أكثر المسائل إثارة للجدل والنقاش في ذلك المؤتمر. وهذا ما عبر عنه بوضوح البارون كارا دي فو18 في خطابه بمناسبة اختتام أعمال المؤتمر، فكتب: «أما المسائل الدقيقة بل الشائكة فأهمها اثنان: تتابع المقامات وإمكان الاقتناع بأرباع الأصوات بالتقريب. وهنا لا يكفي العلم وحده، بل تدخل عناصر فنية وبسيكولوجية19.. غير أننا نستطيع أن نبذل المعونة للموسيقيين الشرقيين ليتجنبوا المناقشات غير المنظمة بما نبث في نفوسهم من طرق البحث والتحليل على النمط الأوروبي .. وإني أذكر مثالاً لذلك الصوت المعروف بالسيكاه الذي أثار مناقشات حادة وهو الصوت الثالث من ديوان المقام ويظهر أن الموسيقيين الشرقيين يريدون أن يثبّتوا سيكاه وحيدة مطلقة أو مثلا أعلى للسيكاه. وقد قال لهم العلماء الغربيون: حللوا وميزوا لأن سيكاكم يمكن تغيرها مع المقامات حتى أن المقامات نفسها تختلف باختلاف البلدان، ولقد وجدنا بعد التجارب أن مقام الراست والسيكاه على حسب العزف عند كبار المغنين مرتفعان قليلاً في سوريا عن مثيلهما في مصر، وهما في تركيا أكثر ارتفاعاً منهما في سوريا»20. 

وهذا الاختلاف مسألة جوهرية في الموسيقات العربية لا سبيل إلى إلغائه، ومعرفته وإتقانه أساسي في اعتقادي لطلاب الموسيقى العرب. 

 

 

هل للجزيرة العربية سلمها الموسيقي الخاص21 ؟ 

كُتب الكثير عن قضية السلم الموسيقي العربي، ولا يزال الجدل بشأنه مستمرا منذ قرون ويتفاعل من عصر إلى آخر حتى وصل ذروته في القرن العشرين الماضي كما مر بنا في مؤتمر الموسيقى العربية الذي انعقد برعاية ملك مصر فؤاد الأول بالقاهرة عام 1932م . 

ولكن من الملاحظ أن عرب الجزيرة العربية لم يشاركوا في هذه النقاشات العلمية الموسيقية، ولم أقرأ عن باحث من القدماء أو المعاصرين عبّر عن رأيه في هذه القضية الموسيقية الحساسة استناداً إلى الشائع من الغناء والآلات الموسيقية المستعملة في الجزيرة العربية باستثناء ما أثاره المطرب والملحن السعودي/ الحضرمي الدكتور عبد الرب إدريس من أسئلة بشأن اختلاف مقام الحجاز اليمني عن ذلك المستعمل في مصر. 

والسلم الموسيقي موضوع قديم قدم الحضارات الإنسانية وهو أساس علم الموسيقى، ويتكون من مجموع الدرجات النغمية المستعملة، تُرتب صعوداً وهبوطاً في نظام موسيقي محدد حسب قياسات متفق عليها بشأن أبعاد درجاته النغمية، ويحفظ بالتوارث الشفهي أو بالقياسات الحسابية وعليه تصنع الآلات الموسيقية وأوتارها، وبناء على ذلك اختلفت موسيقات الشعوب شرقاً وغرباً في تحديد تلك القياسات والنِسب تبعاً للشائع والذوق والصناعة. والسلم الموسيقي هو معجم أي لغة موسيقية، ومنه يتم اشتقاق المقامات والألحان، ونطق أنغامه يجري عليها ما يجري على اللغة المحكية ولهجاتها، وفي اللغة العربية مثلا: عندنا اختلافات في نطق بعض الحروف الهجائية، فهناك من لا يلفظ حرف القاف، ولا حرف الجيم، وقد يغلب على لهجات بعضهم نطق القاف غينا، والغين قافا إلى غير ذلك، وهذا هو الحال في واقع الموسيقى العربية كلها، فليس كل درجاتها النغمية تنطق غناء أو تستخرج عزفاً بنفس المقدار بسبب اختلاف الذوق كما هو معروف مع درجة السيكاه التي لكل إقليم عربي في المشرق أو المغرب له فيها إحساس وقياس مختلف عن الآخر. ولكن الإشكالية الخطيرة والمؤثرة على صون اللغة الموسيقية وتراثها هو إننا في الجزيرة العربية لا مقياس علمي موثق عندنا للسلم الموسيقي من شأنه أن يساعد على الالتزام بمعاييره واحترام اللهجة الموسيقية المحلية من قبل العازفين والمنفذين للأعمال الموسيقية من الخارج وحتى من الداخل، وقد يُنظر إلى المختلف في لغتنا الموسيقية كنوع من الخطأ يتوجب تصحيحه بالقياس إلى المتفق عليه. وقس على ذلك الكم الهائل من المصطلحات الشرقية والغربية التي تزدحم بها الموسيقى العربية عامة. 

من هنا لا يجوز من وجهة نظري ونحن العُمانيون وأشقاؤنا في الجزيرة العربية قد انتخبنا نغمات موسيقية محددة واستقرت عليها الممارسة والذوق والصناعة أجيالا عديدة عبر الزمان، أن لا يتم حصرها وتحديد نسبها تحديداً علمياً وليس تعديلها، بما يمكن المحافظة عليها، لا أن تُترك موسيقانا ومقاماتها وأبعادها وقوالبها الفنية وأساليب أدائها عرضة لنظريات موسيقية خارجية واجتهادات مختلفة ومتناقضة في الوقت الذي نتطلع فيه إلى نهضة موسيقية وإصلاحات ثقافية عميقة. ولا أبالغ إن قلت: إن أكثر الموسيقات في العالم مهملة من قبل الباحثين من أبنائها أو غير أبنائها قديماً وحديثاً هي الموسيقى في الجزيرة العربية. من هنا أرى أن القضية الأكثر أهمية في الحاضر والمستقبل في ظل الإصلاحات السياسية والثقافية التي تشهدها دول هذه المنطقة أن تتعاون في إطار آليات أمانة مجلس التعاون لإنشاء إدارة بحثية تابعة لها تعنى بشؤون الموسيقى في الخليج والجزيرة العربية، والمحافظة على تراثها النغمي وسلمها الموسيقي وقياس أبعاد درجاته النغمية وحصر أنماطها وصيغها اللحنية والإيقاعية وآلاتها الموسيقية المستعملة. وفي هذا السياق يمكن صنع آلة موسيقية نموذجية مبتكرة تضم كافة درجات السلم الموسيقي في الجزيرة العربية وأوتارها القياسية سواء بالطرق القديمة بصنع آلة قانون خاصة مثلا، أو عبر استعمال التقنيات التكنولوجية المعاصرة لعلم الأكوستيك لابتكار آلة جديدة في ضوء النتائج العلمية المعتمدة. 

ونعلم جميعنا أن علم الموسيقى العربي قد بدأ مع فيلسوف العرب أبي يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي المتوفى حوالي 873م، وربما قبل ذلك مع الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض والمتوفى حوالي 791م حسب بعض الأقوال، ولكن على حد علمي فإن هذه الدراسات تمت كلها على السائد من الموسيقى والغناء في العراق والبلاد المجاورة لها من عرب وعجم في العصر العباسي.  

وفيما يتصل بالسلم الموسيقي عند عرب الجاهلية لا يزال الباحثون يعتمدون على ما ذكره أبونصر محمد الفارابي والمتوفى حوالي950م بالرغم من الانتقادات بشأنه، وفي هذا السياق يذكر الدكتور صبحي أنور رشيد في كتابه تاريخ الموسيقى العربية، أن الفارابي عند معالجته لآلة الطنبور البغدادي «والدساتين العائدة له نراه يطلق على هذه الدساتين تسمية (الدساتين الجاهلية)، ويعني بها تلك الدساتين التي تُرتب متساوية المسافات، وتعطي الدساتين الجاهلية السلم الموسيقي المستعمل في ذلك العصر». وعلى كل حال، كان ولا يزال التنظير الموسيقي يتم في عواصم الحضارة العربية من العراق إلى بلاد المغرب العربي منذ القرن التاسع مع تعميم النتائج دون المرور ميدانياً بموسيقى هذه الجزيرة المهملة اعتماداً على آلة العود الشائعة.  

إن أجود أنواع الآلات الموسيقية وأوتارها المستعملة في موسيقانا إلى جانب العديد من المنتجات ذات الصلة نستوردها من الخارج، لذلك فإن المعالجة التي نقترحها بشأن اللغة الموسيقية من شأنها أن تعود بالنفع ليس على تجويد الممارسة الموسيقية وعلومها فحسب بل وكذلك على الاقتصاد الموسيقي. 

وفي الواقع لهذه الآلة العريقة أنواع عديدة، فهي من حيث الحجم ليست آلة واحدة في كل زمان ومكان. وفي وقتنا هذا يختلف العود المغربي (العود العربي حسب تسميتهم) عن العود المشرقي أو « الشبوط»22 وكذلك عن عود الجزيرة العربية الطربي أو القمبوس. 

ويبدو أن العرب المسلمين ظلوا يستعملون أعواد المزهر والبربط كما كانوا قبل الإسلام في زمن الخلافة والدولة الأموية، حيث لم يظهر العود بشكله الحالي إلا في القرن الثامن الميلادي بعد تعديلات منصور زلزل (ت.791م )، وهو العود الذي «اعتمده الرواد الأوائل لإرساء أسس تنظير موسيقاهم باعتباره من الآلات الوترية المألوفة منذ القدم عند الأمم الشرقية»23.  

 ويشرح الأستاذ الدكتور محمود قطاط في كتابه (آلة العود بين دقة العلم وأسرار الفن) بقوله: «إن الشواهد المختلفة، تدل على أن أعواد الحضارات القديمة هي من فصيلة الآلات ذات العنق الطويل أي من نوع الطنبور» وقد استعرض البروفيسور قطاط أشكالا عديدة لهذه الآلة في عصور مختلفة. وفي مكان آخر من نفس المصدر يذكر قطاط بأن عدد أوتارها يترواح ما بين إثنين إلى أربعة أوتار، ويحصرها استنادا إلى المصادر التاريخية والنقوش الأثرية في خمس آلات وترية عرفها  العرب القدماء وهي: الموتر، والكران، والمزهر، والبربط، والطنبور24. 

وظل عود المزهر مستعملاً حتى اليوم، ويعرف في اليمن بالطربي وفي حضرموت وظفار عُمان بالقمبوس أو القنبوس؛ وتسمية القمبوس على الأرجح غير عربية وأتت مع اختلاط الحضارم مع الهنود، فيما ظل اليمنيون في صنعاء وما جاورها يحتفظون بالتسمية المحلية. وكان يُشد على وجه المزهر وتران أو أربعة أوتار وهو النوع المعروف اليوم. وقد انحصر استعمال هذه الآلة العتيقة بشكل كبير، ونظرا لأهميتها التاريخية اقترحت في مقال سابق منشور في مجلة العربي التي تصدر في الرياض (العدد 542 نوفمبر 2021) اعتبارها رمزا من رموز الثقافة الوطنية لكل أقطار الجزيرة العربية والاهتمام بصناعتها وحفظها وصونها، وتسجيلها في سجل التراث الثقافي العالمي، ذلك أنها حسب رأيي هي واحدة من أقدم الآلات الموسيقية في العالم.  

 

 

الخاتمة: 

كشفت الدراسات الحديثة اختلاف اللهجات الموسيقية العربية وأهمية المحافظة عليها في نفس الوقت. والجزيرة العربية وحدة اجتماعية وثقافية وفنية، ولكن دون تحقيق إنجاز علمي بشأن اللغة الموسيقية المحلية لن يكون بوسعنا تجنب سيل المؤثرات الخارجية وتحقيق الاستثمار المنشود في الهوية الثقافية والفنية، فالموسيقى الشفهية عادة هي التي تتعرض أكثر للتأثيرات الخارجية من تلك التي تعتمد على علم مكتوب وصناعة متمرسة.  

وفي هذا السياق لا تزال مثلا ًصناعة آلات الموسيقى العربية تنتج عددا محدودا من الآلات الوترية كالعود والبزق والقانون، وأنواع القوسيات كالربابة المشرقية والمغربية والجوزة العراقية، وبعض الآلات الزامرة كأنواع النايات والمزامير إلى جانب بعض أنواع الآلات الإيقاعية، ومعظمها مرتبط بحرفة النجارة. وطبعا لا يمكننا الحديث في الجزيرة العربية عن صناعة للآلات الموسيقية حتى الآن بمعنى الصناعة رغم بعض الجهود الشخصية في عُمان وغيرها لصناعة آلة العود المشرقي، كما توجد في اليمن حرفة قديمة لصناعة العود الطربي أو القمبوس. وباستثناء آلة المزمار المزدوج القصب، وآلة الصرناي (كما تسمى عندنا في عُمان) لا علم لي بأية آلات أخرى وترية أو هوائية ذات أهمية موسيقية تصنع في عُمان والجزيرة العربية.

وتواجه البلاد العربية إشكالية جادة بشأن صناعة آلات موسيقية عربية ثابتة الدوزان بسبب خصوصية النظام المقامي العربي، ويستعمل الموسيقيون العرب هذه الآلات المصنوعة حسب النظام الموسيقي الأوروبي المعدل خاصة بعد أن تم توحيد نظام الدوزان اعتماداً على النظام الموسيقي المعدل الغربي كما ذكرنا سابقاً. 

وفي هذا السياق نعتقد أن بلادنا على مدى تاريخها الطويل لم تكن استثناء من جهة ابتكار صناعة بعض الآلات الوترية ذات الفكر الفلسفي والرياضي والفيزيائي؛ ذلك أن استعمال الآلات الوترية كالمزهر (الطربي/ القمبوس) وصناعة أوتارها كان في اليمن وربما في بعض أجزاء الجزيرة العربية، فلا بد أن ذلك كان نتيجة لمستوى معين من المعتقدات والمعارف المكتوبة أو الشفهية يتوارثها صناع هذه الآلة. والمزهر حسب رأيي تسمية تعود إلى المزهرية المنقوشة على وجه المكسو بالجلد تجسيداً لكوكب الزهرة أو نانا آلهة الحب عند قدماء العرب الجنوبيين، ونعتقد أن غناء «نانا» في جبال ظفار جنوب سلطنة عُمان الذي لا يزال يمارس حتى وقتنا هذا كان له صلة بها، ويتوارث هذا اللفظ وغيره في أغاني جبال ظفار دون أن يكون لهذه الممارسات أي مدلولات قديمة،كما هو الحال مع أسماء آلهة قديمة أخرى25. 

وبالنظر إلى عنوان هذه المداخلة: الموسيقى رافداً للإصلاح والتنمية في الخليج والجزيرة العربية، نتطلع إلى أن تلعب الفنون والموسيقى دوراً في تنمية الفكر الإصلاحي والتنويري. إن الممارسة هي روح الموسيقى، العلم والصناعة أعلى درجات تجويد الممارسة.  

إن الإهمال المزمن للعلوم الموسيقية في تاريخ حضارتنا يثير الكثير من الأسئلة، ولعل الموقف السلبي من الموسيقى والغناء لبعض الفقهاء المؤثرين عمّق هذا الواقع قرونا طويلة، ونأمل أن لا نورثه للأجيال القادمة ونتمكن في عصرنا هذا من إنجاز أعمال علمية تؤسس لتصورات ونظريات جمالية لموسيقانا وتراثها العظيم بحيث تخرجنا من العجز التاريخي الذي وضعنا فيه أنفسنا بسبب بعض المواقف الفقهية المتشددة التي وصل بها هذا التشدد تجاه الموسيقى والغناء والفنون عامة إلى درجة تحريم الغناء والعزف على الآلات الموسيقية وصناعتها، وسيطرت على عقل مجتمعاتنا قرونا طويلة بسبب ما تجده من آذان صاغية وحماية من السلطات السياسية. من هنا، أعتقد أن الأنظمة السياسية هي المسؤولة تاريخياً في المقام الأول عن الواقع المتخلف الذي عانيناه قرونا طويلة بسبب رضوخها للفقهاء المتشددين، وعدم جرأتها على الإصلاح الاجتماعي والثقافي. 

ومن المؤسف أنّ هذه المعضلة الثقافية تعمقت في المجتمعات بحيث لا يرى الناس حياة للدين إلا بعصا الدولة التي تتوجه إلى الموسيقى والموسيقيين والمبدعين بشكل عام، فغلبت آراء المحرمين على المحللين من علماء الدين الإسلامي القدماء والمعاصرين الذين فندوا الأحاديث والتفاسير التي يعتمد عليها المحرمون للغناء26. علماً بأن العالم يدين بالكثير من المعارف الموسيقية للعلماء المسلمين الذين تركوا الكثير من المخطوطات تحتفظ بها أرشيفات العالم المختلفة تنتظر أهل العربية تحقيقها ونشرها.

من هنا يمكنني القول إننا في الواقع الثقافي نواجه تحديات عديدة على صعيد الموسيقى، وفي هذا العصر تجري دراسة الموسيقى بمناهج علمية مختلفة ومتنوعة فإلى جانب علم الموسيقى هناك علم الاثنوموسيكولوجيا الذي هو فرع من علم الانثروبولوجيا الذي مادته الأساسية الثقافة التي يقول عنها آدم كوبر: «الثقافة ببساطة في أكثر هيئاتها عمومية طريقة للكلام حول الهويات الجمعية»27، فالتمسك بالرأي المتشدد لا يحرمنا فقط من تراثنا العلمي العربي الإسلامي في مجال الموسيقي فحسب بل وكذلك يحرمنا حتى من حق الاطلاع على إنجازات العلوم الحديثة في الموسيقى والعلوم الإنسانية عامة، وتخلّف العلم يؤدي إلى تخلّف التجربة والممارسة. لهذا يجب علينا إنجاز ما يترتب علينا إنجازه والمحافظة على التراث الموسيقي، واستثمار العلم وتجويد الممارسة. 

 

 

 

الهوامش:

1.    الجزيرة العربية؛ هي كما نعلم الاسم التاريخي لهذه المنطقة التي تضم في وقتنا سبع دول شكلت ست منها مجلسا للتعاون. وفي هذه الدراسة ننظر إلى هذه الجزيرة باعتبارها كما كانت دائما وحدة اجتماعية وثقافية مهما تفرقت اجزائها سياسيا، الموسيقى ابرز مظاهر اجتماعها. من هنا سيصحبنا هذا المصلطح في هذه الورقة للدلالة على هذه الوحدة، التي نأمل أن نراها يوما ما واقعا سياسيا ملموسا. 

2.    قيرحون: باللغة العربية المهرية تعني من غير رأس من غير قرون. يعني شاه قيرحون ما كان لها قرون تدافع بهم عن نفسها.  

3.    راجع مثلا، هنري جورج فارمر: تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر الميلادي. وكذلك الأسد، ناصر الدين: القيان والغناء في العصر الجاهلي، أو كتاب الأغاني الشهير وغيرها من الكتب التي تناولت أخبار الغناء والمغنيين والمعازف. 

4.    راجع بشأن هذا كتاب الأغاني مثلا، وكتاب القيان والغناء في العصر الجاهلي للدكتور ناصر الدين الأسد وغيرها. 

5.    راجع، راجع الدكتور شوقي ضيف: الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية. مكتبة الدراسات الأدبية69 دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة. ص24

6.    راجع الدكتور شوقي ضيف: الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية. مكتبة الدراسات الأدبية 69 دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة. ص 36

7.    أشعب بن جبير شخصية فكاهية من المدينة المنورة توفى حوالي 771م (المصدر وكيبيديا) 

8.    راجع الدكتور شوقي ضيف: الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية . مكتبة الدراسات الأدبية69 دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة. ص  37

1.    راجع، رشيد صبحي أنور: تاريخ الموسيقى العربية السلم الموسيقي ـ الإيقاع ــ الآلات،  الجزء الأول. مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام ـ ألمانيا الإتحادية الطبعة الأولى 2000م ص15

2.    راجع، رشيد صبحي أنور: تاريخ الموسيقى العربية السلم الموسيقي ـ الإيقاع ــ الآلات، الجزء الأول. مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام ـ ألمانيا الإتحادية الطبعة الأولى 2000م ص17

3.    راجع مثلا لا الحصر: "الأغاني الكويتية " للدكتور يوسف فرحان دوخي، وكتاب " تيارات تجديد الغناء افي اليمن للأستاذ جابر علي أحمد، وكتاب" من الغناء اليمني" للأستاذ عبد القادر قائد. وكتاب" محمد بن فارس أشهر من غنى الصوت في الخليج "للأستاذ مبارك عمرو العماري. وكتاب "الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية" لكاتب هذه المداخلة. وغيرها من الكتب ذات القيمة المعرفية الكبيرة التي الفها العديد من الباحثين من أبناء هذه المنطقة. ولكن دعونا لا ننسى فضل بعض الكتاب العرب ولعل اشهرها كتاب : "خليج الأغاني" لبولس انطوان مطر إلى جانب العديد من المستشرقين الذين مروا بهذه البلاد.

4.    باستثناء مهرجان الأغنية الخليجية الذي لا يغني ولا يسمن من جوع كما يقول المثل؛ وهو بالأصل نسخة عن مهرجان الأغنية العُمانية الذي توقف منذ سنوات وكان من وجهة نظرنا يحتاج إلى إعادة تقييم وتقويم.

5.    راجع، البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى في دورته الثانية والأربعين. موقع الأمانة العامة . بيانات المجلس الأعلى 14 ديسمبر 2021

6.    راجع النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية . 

7.    راجع النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية . 

8.    الممارسة النمطية: بمعنى دراسة الأداء الفني للموسيقيين دون تناول لغة الألحان الموسيقية ومعايير صناعة الآلات الموسيقية بما يتفق مع نظرية موسيقية محددة المعالم. 

1.    راجع: كتاب مؤتمر الموسيقى العربية. خطاب وزير المعارف العمومية. ص53, ركذلك بيان لجنة تنظيم المؤتمر . ص 28

2.    مستشرق في اللغة العربية (المصدر السابق. ص 40) 

3.    المصدر السابق. 64 ــ 65

4.    المصدر السابق. ص 65

5.    تحت هذا العنوان لخصت بعض ما ورد في هذا الجزء ونشرته في عمودي الأسبوعي بصحيفة عُمان بتاريخ 11 إبريل 2022، بهدف إثارة المزيد من النقاشات بشأن هذه القضية. راجع مقالنا في صحيفة عُمان بعنوان: هل للجزيرة العربية سلمها الموسيقي الخاص؟. عمود كلام فنون العدد (14923) الأثنين 11 إبريل 2022م

6.    راجع، قطاط، محمود: آلة العود بين دقة العلم واسرار الفن . إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية ـ وزارة الإعلام 2006، ص 50

7.    راجع المصدر السابق. ص48

8.    راجع المصدر السابق. ص 38-39

9.    راجع: الكثيري، مسلم بن أحمد: من الغناء العُماني المعاصر دارسة في ألحان سالم بن علي وجمعان ديوان. البرنامج الوطني لدعم الكتاب، النادي الثقافي  مسقط سلطنة عُمان. ص 23ـ 28

10.    الإمام يوسف القرضاوي: فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة . مكتبة وهبة. الطبعة الخامسة 1432 هــ 2011م 

11.    آدم كوبر: الثقافة التفسير الأنثروبولجي. ترجمة صباح صديق الدملوجي. المنظمة العربية للترجمة. توزيع مركز الدراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى2012. ص21

 

 

المصادر والمراجع:

12. آدم كوبر : الثقافة التفسير الأنثروبولجي. ترجمة صباح صديق الدملوجي. المنظمة العربية للترجمة. توزيع مركز الدراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى2012.

13. الكثيري، مسلم بن أحمد: من الغناء العُماني المعاصر دارسة في ألحان سالم بن علي وجمعان ديوان. البرنامج الوطني لدعم الكتاب، النادي الثقافي  مسقط سلطنةة عُمان.

14. الإمام يوسف القرضاوي: فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة . مكتبة وهبة. الطبعة الخامسة 1432 هــ 2011م 

15. البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى في دورته الثانية والأربعين . موقع الأمانة العامة . بانات المجلس الأعلى 14 ديسمبر 2021

16. رشيد، صبحي أنور: تاريخ الموسيقى العربية السلم الموسيقي ـ الإيقاع ــ الآلات،  الجزء الأول. مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام ـ ألمانيا الإتحادية الطبعة الأولى 2000م.

17. قطاط، محمود: آلة العود بين دقة العلم واسرار الفن. إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية ـ وزارة الإعلام 2006. 

18. ــــــــــــــــــــــ: كتاب مؤتمر الموسيقى العربية 1932. ابحاث المؤتمر ووقائعه ــــ المجلس الأعلى للثقافة. طبعة خاصة بمناسبة اليوبيل الماسي لانعقاد مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة. طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 2007. 

19. هنري جورج فارمر: تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر الميلادي. ترجمة، جرجيس فتح الله المحامي، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت ـــ لبنان 

20. الأسد، ناصر الدين: القيان والغناء في العصر الجاهلي، دار الجيل بيروت ــــ لبنان. الطبعة الثالثة 1988

21. الدكتور شوقي ضيف: الشعر والغناء في المدينة ومكة لعصر بني أمية . مكتبة الدراسات الأدبية69 دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة. 

 

 

الصور:

1. صورة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي .

2. https://en.wikipedia.org/wiki/Arabic_music#/media/File:Hadith_Bayad_wa_Riyad.jpg

3. https://en.wikipedia.org/wiki/Arabic_music#/media/File:Ernst_Rudolph_The_Musician.jpg

 

 

أعداد المجلة