اللغة العدد
معتقدات وطقوس الخصوبة في التراث الشعبي الجزائري «مقاربة انثروبولوجية»
معتقدات وطقوس الخصوبة في التراث الشعبي الجزائري «مقاربة انثروبولوجية»
العدد 51 - عادات وتقاليد

أ.كمال بوغديري - الجزائر

تتنوع وتتعدد المعتقدات الشعبية التي ترتبط بالأسرة في تراثنا الموروث بمختلف أنواعه، حيث يعد الإنجاب من القيم الأساسية في المجتمعات البشرية إذ يسعى إليه الزوجان باعتباره ثمرة الحياة، الزوجية، حيث تعد المرأة التي تنجب جديرة بالحياة نظرا للمكانة الهامة للأطفال في الأسرة، لذا نجدهم يولون ميلاد الطفل مكانة هامة تتخللها معتقدات وطقوس خاصة تعبيرا عن استمرارية النوع البشري عموما والعائلة خصوصا وتتأثر الخصوبة بجملة من العوامل الثقافية، ومنها العامل الديني الذي يحث على الخصوبة والتناسل في مختلف الأديان، كذلك تأثير القيم والعادات والتقاليد. 

اهتمت الدراسات العلمية والاجتماعية بالخصوبة فهي مسؤولة عن بقاء سلسلة الأحياء البشرية، وتلعب الثقافة دوراً هاماً في تحديد مستويات الخصوبة واتجاهات السلوك الإنجابي للمجتمعات، أن أهمية دراسة العوامل الثقافية المتعلقة بارتفاع أو انخفاض مستويات الخصوبة، وذلك لكونها تشكل حجر عثرة أمام عجلة التقدم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية خصوصاً

المعتقد والطقس :
المعتقد جملة أفكار نشأت عند الفرد إثر ظروف خاصة، ساهمت تفاعلات البيئة والمجتمع والتربية والدين والتعليم في صناعتها، من ثم اتجهت بمرور الزمن إلى مسار اليقين والجزم لتتحول إلى حقيقة لا تقبل الجدال وإيمانا يفرض على الإنسان ضرورة الدفاع عنها بشراسة بل معاداة من يخالفها، عندئذ تتحول الأفكار إلى قيم ومشاعر متأصلة في داخل النفس يعد المساس بها انتهاكا لحرمة من يسلم بها.

وأفكار المعتقد تصبح حالة جماعية حينما يلعب الفرد دورا كبيرا في التأثير على الجماعة، تتشكل بعد ذلك في صور: طقوس، وتعاليم، وواجبات، ومبادئ، كما إنها تفرز مجموعة من التقاليد والأعراف والعادات ذات الطبيعة الشعبية أو الدينية أو القومية التي يتم ترسيخها في قلوب وعقول أفراد الجماعة بشتى المصادر من معلومات ومشاهد ومواقف وأقوال ومرجعيات، يقابل ذلك نشوء عاطفة قوية بين الفرد ومحتوى المعتقد حينما يجد فيه ما يدغدغ مشاعره الإنسانية، ويغذي حاجاته النفسية، ويزرع مشاعر الأمان والطمأنينة، ويعزز ارتباطه بالمطلق (الخالق) على اختلاف أسمائه، لتظهر بعد ذلك علاقة بين هذا المعتقد والنفس البشرية تتمركز في أعماق الإنسان، فيتكاثر الأتباع والمريدون مما يولد لديهم الرغبة في تقوية مبدأ الولاء والطاعة، وتعزيز مفهوم ايجابية ونفعية تلك المثل والمبادئ، وتأصيل أفضلية تلك المبادئ دون غيرها.

هذا يقود بدوره إلى استحالة تغيير المعتقد؛ أي الثبات عليه، فمن يؤمن بالمعتقد إيمانا مطلقا لا ينظر لأي دليل ينافيه؛ حتى وان كان محسوسا وله علاقة بالعقل أو العلم أو بمفاهيم المنطق إنما يقابل الأدلة بالتجاهل أو الحذف أو النظر إليها نظرة دونية، فالمعتقد هو الذي يعطي للخبرة الدينية شكلها المعقول، الذي يعمل على ضبط وتقنين أحوالها1.

يرى محمد الجوهري أن «المعتقدات الشعبية التي يؤمن بها الشعب فيما يتعلق بالعالم الخارجي والعالم فوق الطبيعي»2، ويعرف فراس السواح المعتقد الشعبي على أنه «أول أشكال التعبير الجمعية عن الخبرة الدينية الفردية التي خرجت من حيز انفعالي عاطفي إلى الحيز التأملي الذهني»3، «فهو يرى أن المعتقد سببه حاجة سيكولوجية ماسة تستقطب الإحساس بالمقدس، وخلق شخصيات وقوى معنوية، وهكذا تتكون علاقة بين الإنسان والمقدس».

استنادًا إلى ما تقدم يقول السواح: «إن الطقس ليس فقط نظامًا من الإيماءات التي تترجم إلى الخارج ما نشعر به من إيمان داخلي، بل هو أيضًا مجموعة من الأسباب والوسائل التي تعيد خلق الإيمان بشكل دوري، ذلك أن الطقس والمعتقد يتبادلان الاعتماد على بعضهما بعضًا، فرغم أن الطقس يأتي كناتج لمعتقد معين فيعملُ على خدمته، إلا أن الطقس نفسه ما يلبث حتى يعود إلى التأثير على المعتقد فيزيد من قوته وتماسكه»4.

فإذا كانت الطقوس هي أفعال متكررة تترجم الاعتقاد، حيث لا يمكن فصل الطقوس عن المعتقدات فالمعتقد وحده يندثر، والأفكار وحدها يمكن أن تضمحل وتتلاشى، لكن إذا تحولت هذه الأفكار إلى أفعال وممارسات فإنها تضمن بقاءها واستمرارها، وإذا تحول المعتقد من صورة ذهنية إلى صورة واقعية فانه سيتحول إلى تراث شعبي حي في الذاكرة الجماعية لأفراد الجماعة .

أهمية دراسة المعتقد والطقس :
يلاحظ أن المعتقدات الشعبية تتغلغل في جوانب الحياة الشعبية، المادي منها والروحي، فالمعتقدات هي المحرك وراء كل الطقوس والممارسات الاجتماعية التي يقوم بها الفرد سواء أكان منفردًا، أم مع جماعة ولذلك توفر دراسة المعتقدات الشعبية، فهماً أعمق لطبيعة هوية الجماعة وخصوصيتها، وتمنع استغلال هذه المعتقدات وتوظيفها من أجل اختراق المجتمع. فتلك المعتقدات هي الدافع الخفي وراء احتفاظ الجماعات الشعبية بكثير من عاداتها وممارساتها الموروثة، وما تملكه من سلطة على العقلية الشعبية ينفي القول بأن نشأتها لدى الجماعات هو نتيجة للكشف أو الرؤية أو الإلهام، أو أنها مجرد معتقدات دينية تحولت لأشكال جديدة بفعل التراث القديم الكامن على مدى الأجيال. 

وهي تعبير عن تفاعل الإنسان مع الطبيعة والإنسان الإيمان بقوة هذا المعتقد تظهر لها تأثيره في تحول التصور الفردي إلى جماعي، وقد يؤثر المعتقد بشكل كبير في العلاقات الاجتماعية الفردية والجماعية5.

من ناحية أخرى نجد أن هناك صلة قوية بين الطقس والمعتقد وطبيعة الأرض التي توحي بكثير من المعتقدات حيث يتناسب المعتقد على الدوام مع طبيعة الأرض، والبيئة الجغرافية والتاريخية، لذلك يحاول الصهاينة فك هذا الرباط من خلال إرجاعهم المعتقدات الشعبية بطقوسها إلى التراث التوراتي القديم، وقد حاولوا مرارًا تزييف الحقائق تزييفًا قويًا، لكن إدعاءاتهم لا تصمد أمام حقائق أثبتتها أبحاث مستشرقين، وباحثين عرب آخرين، أثبتت زيف هذه الإدعاءات وبطلانها ودعمت حقائق أخرى، تصل الماضي العربي بالحاضر6.

وتظهر أهمية المعتقدات الشعبية في أي مجتمع من المجتمعات البشرية على المستويين الفردي والاجتماعي، حيث تعزز الشعور بالانتماء إلى الهوية السيكولوجية للجماعة التي لها نفس المعتقدات الشعبية، كما تعود الفرد على تعامله مع موجودات العالم الخارجي بحيث إن هذه المعتقدات تجعل الشخص لا يعيش وضعية المفاجأة والمباغتة التي تحدثها الوقائع والأشياء والكائنات والتي تجعل الشخص يعاني من خلالها الضغط النفسي نتيجة سعيه للخروج من أزمة المفاجأة في لحظة وجود أزمة وفي لحظة وقوع الأنا في موقف ضعف وجهل تقوم المعتقدات الشعبية بتمثل وتصور الأزمة وتضع من خلال هذا التصور، إستراتيجية للحلول تتناسب مع حركية الرغبات والأهواء ، للخروج من قوقعة العطالة والسلبية التي شلت حركة الأنا وصيرورته، لتجاوز الأزمة وللخروج من المعاناة والوعي الشقي، كما تعمل على تسهيل كيفية تعامل الأنا مع العالم الخارجي من خلال التوجيهات التي تقدمها المعتقدات الشعبية تلغي المعتقدات بالنسبة للأنا غرابة الوجود الطبيعي والوجود الإنساني، وتمكن الأنا من إدراك المعنى الذي تقدمه المعتقدات الشعبية للعالم الخارجي ومنها تنتفي غربة الذات واستلابها في الوجود. أما على المستوى الاجتماعي فإن المعتقدات الشعبية في بعض الأحيان تشكل مرجعية للتفكير وللسلوك فهي تقتحم وتخترق كل مناطق الوجود المستعصية على الفهم، فتوضح ما غمض من الوجود بشكل لا عقلاني، بحيث يمكن لعالم الأنثروبولوجيا والاجتماع أن يدرك ويفهم الكثير من أنماط السلوك كما تعد المعتقدات الشعبية لإعادة التوازن داخل المجتمع في لحظة وجود توترات وصراعات جماعية فتشكل القاسم المشترك بين الفئات الاجتماعية المتصارعة، فتقوم بخفض حدة التوتر الاجتماعي بينها بحيث تشكل الميثاق الاجتماعي الذي يتوحد حوله أفراد المجتمع الواحد كقاعدة للحوار والجدال والنقاش، وهي بذلك تقوم شرعيتها على الإرادة العامة للمجتمع، بحيث تنصهر فيها جميع الإرادات الفردية المتصارعة، ومن ثم فهي تحتوي مختلف أنواع العنف الاجتماعي، وتسعى إلى إلغائه من أساسه، فهي تغلف الوعي الجمعي باللاوعي الجمعي وتخرجه من آليات المنطق والحساب والعقلنة، وتخضعه لمنطق السذاجة والبساطة والسطحية، فيتخذ عند العموم دغمائية لا تقاوم وقدسية لا تنتقد7.

تؤسس المعتقدات الشعبية هوية الجماعة فهي ليست مجرد تصورات وتمثلاث منفصلة عن المجتمع، لكنها في الحقيقة حاضرة في قلب بنيات المجتمع، تقوم بوظيفة توجيهها وتأطيرها8.

المرأة والخصوبة في الموروث الشعبي:
يُشير مصطلح الخصوبة الزوجية إلى عدد أطفالهما الذين ولدوا، وهي خصوبة قد تكون مخططة مقصودة أو غير مخططة، فالأسرة الخصبة هي التي تولد الأطفال، بعكس الأسرة العقيمة التي لا تنجب طفلاً، أي إن المرأة المتزوجة تعتبر ولودة أو خصبة إذا وضعت طفلاً حياً، أما خصوبة السكان فهي تعني العدد التكراري أو المعدل الإجمالي للأطفال الأحياء الذين يولدون في الأسر داخل سكان المجتمع أو شريحة اجتماعية أخرى وعادة يستخدم اصطلاح الإنجاب الفعلي ديمغرافياً للتعبير عن خصوبة المرأة أو خصوبة المجتمع9.

تنتشر طقوس الخصوبة على تنوعها في كل شعوب المتوسط، حيث احتلت مكانة لا يستهان بها لدى الكائن البشري نظرا لعلاقتها دون شك بغريزة البقاء لدى بني البشر إلى جانب ذلك فان الخصوبة تمنح الأمن والثقة وذلك ما يفسر تواصلها المذهل عبر الأزمنة ضمن ما ينقل إلى الأسرة من الموروث الشعبي توجد العديد من شعائر الخصوبة أو الإخصاب والتي تهدف إلى جعل الزواج مثمرًا، تلك المعتقدات التي تؤمن بها وتعتقد فيها اعتقادا قويا وتحقق لها رغباتها وتساعدها في إشباع حاجياتها بشرط التسليم بأهميته في حياتها؛ كالاعتقاد في الأعمال السحرية والكائنات والقوى الخفية والتعاويذ والعين الشريرة وغيرها.

هذه المعتقدات ترتبط بحياة الأسرة بشكل عام في إطار الموروث الثقافي الخاص بها حيث يساعدها على إشباع احتياجاتها النفسيَّة والروحية مدعمة ذلك ببعث الأمان النفسي داخل الأسرة وكثير من الأسر تحاول جاهدة نقل المعتقدات إلى أبنائها كليَّة دون التعديل فيها أو المساس بقيمتها وبقداستها، بما يمثل في جوهره عمليَّة ساس بقيمتها وبقداستها فيها أو صياغة الثقافة للفرد أو نقل التراث الاجتماعي والثقافي إليه من جيل إلى جيل تالٍ حيث يمثل المعتقد الشعبي عنصرًا مهمًّا من عناصر الثقافة التي تتأثر بما يحيط بها من عوامل التغير، والتي يكون فيها المعتقد أقل عرضة للتغيرات من غيره من عناصر الثقافة من حيث المضمون أما من الممارسات السلوكيَّة الدالة على هذا المعتقد فهي أكثر عرضة للتغير لتواكب عناصر الزمن والتقدم المصاحب له، بهدف المحافظة على وجود هذه المعتقدات وتدعم استمراريتها بين أفراد الجماعة الواحدة بما يحفظ للمجتمع هويته واستقراره. كما أن العديد من الأفكار التي تحتل مكانًا في عقولنا الإيجابي منها أو السلبي، تختلف في مصادرها من شخص لآخر، لكن قد نشترك جميعًا في توارث بعض الأفكار من الوالدين وبالطبع تتغير أفكارنا في كُلّ مرحلة عمريَّة وقد يكون ذلك بسبب خوضنا مواقف وتجارب معينة، وتعاملنا مع بعض الأشخاص في اﻟﻤﺠتمع.

أما فيما يتعلق بالمعتقدات المرتبطة بالطفل تلك المعتقدات التي ارتبطت بالوالدين والصيغة والاعتقادية التي يتم التعبير عنها من خلال ممارسات ذات دلالة اعتقاديه والتي تشكل الوعي السائد عند الوالدين داخل مجتمع الدراسة والتي سوف تنقل مدلولاته عبر ممارسات سلوكية ومرويات وحكايات شفاهية لأطفالهم بعد ذلك بما يؤثر في سلوكهم ومكونات شخصياتهم في مستقبلهم القريب.

ولذلك نجد مجموعة من المعتقدات التي ترتبط بالرغبة في الإنجاب في بداية الزواج، الذي هو اتحاد رجل وامرأة في إطار شرعي ومقنن على أساس من التوافق المتبادل، حيث يسعى كلا الزوجين للحصول على طفل لإشباع رغبة الأبوة والأمومة لتكوين أسرة تمثل المحيط الاجتماعي، ولذلك نجد أولى المعتقدات التي ترتبط بمغزى الإنجاب تلك التي تبدأ منذ ليلة الزفاف، حيث يربط كل من العروسين قطعا من معدن الرصاص حول الوسط وأسفل الملابس إلى ما بعد ليلة الزفاف أو قد يستبدل بخيط من شباك الصيد أو ارتداء الملابس الداخلية بالمقلوب، اعتقادا منهم بأنها ترد الأعمال السحرية وتعكسها وكذلك دخول الزوجين لمنزل الزوجية لأول مرة بالقدم اليمنى كنوع من التفاؤل وتيمنا للحصول على البركة، وفي بعض المجتمعات يلزم العروس حمل العروس إلى داخل غرفة نومها حتى لا تخطو فوق عمل سحري قد اعد لهما اعتقادا منها بان هذا الفعل يبطل مثل هذه الأعمال. كما تستخدم عناصر أخرى طبيعية في بعض الممارسات السحرية خاصة المياه، مثل رش ماء وملح أو التنظيف بماء مرقى، ونثر الحبوب على العروسين، أو وضع الفاكهة حول سريرهما، أو إقامة الصلوات ونحر الأضاحي والدعاء والابتهال إلى الله أن يوفر لهما حياة زوجية سعيدة، وأن يرزقهما بالذرية الصالحة كذلك يتم نثر الأرز عليهم أثناء الزفة لأن الأرز عندهم يرمز إلى الخصوبة. ومن الملاحظ في بعض المجتمعات القروية؛ أن والدة العريس أو شقيقته تحرص على نثر بعض المياه على العروسين عند دخولهما إلى منزلهما، حتى يكون مقدمهما مقدم خير، وفي اليوم الموالي للزفاف أو بعد الأسبوع الأول من الزواج تحرص أم العروس في معظم الأحيان على الاحتفاظ ببعض من عجينة الحناء التي أُعدت بمناسبة الزفاف، وتقوم بتقديمها لابنتها لأنهم يتفاءلون بها من ناحية، ومن ناحية أخرى تقوم الأم بغمس يديها في هذا العجين وطبع كفها على الحائط والأبواب درءاً للحسد10.

ولأهميَّة الإنجاب وقيمته الاجتماعية للأسرة فإن في حالة تأخر الزوجين عن الإنجاب يبدأ التردد على الأطباء على الرغم من أن فترة الزواج لم تتجاوز الشهرين أو ثلاثة في بعض الزيجات. يبدأ الطريق إلى المعتقدات الشعبية من خلال اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين لاستطلاع الأمر واستجلاء الحقيقة ولا ترتبط الممارسات ذات الدلالة والاعتقادية بطبقة اجتماعيَّة دون غيرها أو بدرجة تعليمية دون غيرها لكون هذه الممارسات لا تتم علانيَّة وإنما يراعي أصحابها ممارستها في جو تسوده السرية والكتمان عن المحيطين بها مع عدم إفشائه إلا في حالة نجاح هذه الممارسات في إشباع حاجات خاصة بممارسيها في بعض الحالات11.

طقوس الخصوبة في المجتمع الجزائري :
الطقوس كما يعرفها علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية هي مجموعة سلوكات متكررة يتفق عليها أبناء المجتمع وتكون على أنواع وأشكال مختلفة تتناسب والغاية التي دفعت الفاعل الاجتماعي أو الجماعة للقيام بها. وللطقوس ثلاثة استعمالات مختلفة، الاستعمالان الأولان يؤكدان على الطبيعة الرمزية للطقوس، أما الاستعمال الأخير فيعرف الطقوس بالنسبة للعلاقة بين الواسطة والغاية التي تكمن في السلوك الاجتماعي، وتبعاً للمعايير الطقوسية فإننا نشاهد استعمال الطقوس في السلوكات السحرية والدينية وفي بقية أنواع السلوكات التي تقرها العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في المجتمع. يرى «أ .م. دوغلاس» بأن الطقوس تحل محل الدين في معظم النظريات والكتابات الأنثروبولوجية طالما أن المقصود بها هو التصرفات الرمزية المتعلقة بالأشياء والكائنات المقدسة للشعوب، وتقوم الطقوس السحرية على الإيمان بوجود قوة سارية في جميع مظاهر الكون، وهي قوة غير مشخَّصة، بمعنى أنها لا تصدر عن إله ما أو عن أي كائن روحاني ذي شخصية محددة وإرادة مستقلة فاعلة كما أنها قوة حيادية، بمعنى أنها فوق الخير والشر بالمفهوم الأخلاقي المعتاد. ويبدو أن الاعتقاد بوجود هذه القوة السحرية هو أول شكل من أشكال الاعتقاد الديني، وأن الطقوس التي نشأت من أجل التعامل مع القوة السحرية هي أول أنواع الطقوس، وتهدف إلى التأثير على القوة الحيادية وتوجيهها لتحقيق غايات معينة12.

تكتسي عملية الإنجاب أهميتها القصوى في الجزائر من كون العقلية السائدة تعتبر أن الأولاد هم بمثابة الأوتاد التي تثبت البيت الأسري، فالبيت الخالي من الأولاد، بيت بلا أوتاد، أي مجرد «خيمة» في مهب الريح ولذلك فإن المرأة التي لا تنجب في غضون الأشهر أو السنوات الأولى من زواجها ينتابها قلق حقيقي، فتخشى على حياتها الزوجية من التمزق.

تتعدد الطقوس الخاصة بضمان إنجاب الأطفال وتتنوع تنوعا كبيرا في مختلف المجتمعات الإنسانية طبقا لأهمية الإنجاب خاصة الذكور، ودرجة الاعتقاد الشعبي لدى كلا الزوجين، ويلاحظ أن الممارسات من الكثرة والتنوع والانتشار بصورة كبيرة تعكس بوضوح مدى الحرص الشعبي على توفير أسباب الخصوبة وإزالة أسباب العقم لتمكين الأنثى من أن تنجب. فالمرأة الولود تحظى بحب الزوج ورعايته واحترام أفراد أسرته وتقديرهم وخاصة النساء.
فالعقم حسب المعتقدات قد يكون قدرا إلهيا أو نتيجة خلل وظيفي في الجسم أو عملا من أعمال السحر الانتقامي لذلك تلجأ النساء العقيمات إلى جملة من الطقوس المنزلية، وقد تطلب العلاج ممن يملكون الوصفات الشعبية من العشابين أو الطُلبة إلى زيارة أضرحة الصلحاء والأولياء، وصولا إلى المشعوذين والسحرة .

ففي حالة ما إذا كانت الفتاة متزوجة حديثا والتي يعتقد أنها غير قادرة على الحمل، فإنه غالبا ما يعاد تمثيل مراسم الزواج بالنسبة لها، ويتم ذلك في المنزل وعلى نطاق محدود وتقوم به سيدات غير حائضات بنفس الطريقة التي تتم بها المراسم الحقيقية، كما تقوم الزوجة أيضا بصنع دميتين إحداهما تمثلها والأخرى تمثل الزوج ولا يشارك في هذه العملية إلا الصديقات والأقارب من السيدات، حيث يتم وضع الدميتين في الفراش والهدف من هذه العملية هو تخفيف صدمة الزواج الأولى والتي يعتقد أنها سبب في عدم قدرتها على الحمل13.

أما إذا تقادمت عمليَّة الزواج بعد فترة من الزمن سرعان ما تُقدم الزوجة في حالة تأخر حملها على اللجوء إلى ضروب الممارسات الشعبية لتستجلب بها الحمل.

استخدام العروسة الورقيَّة والبخور وعمل أحجبة خاصة14 تناول وصفات علاجية شعبية أو الذهاب لأضرحة الأولياء والدعاء بداخلها والتبرك بأضرحتهم وتقديم الشموع والنذور لهم والدوران حول المقام 7 مرات وغير ذلك من الممارسات التي تعكس تلك الكيفية التي يوظف فيها المعتقد الشعبي في صياغة أساليب جديدة للتنشئة الاجتماعية التي يتم انتقالها للأطفال عن طريق المشافهة أو المحاكاة15.

كما توجد بعض الممارسات الاعتقادية الأخرى للوقاية من العقم والتهيئة للحمل مثل:
- قراءة نصوص دينيَّة أو أدعية منها « اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا».
- عدم خروج العروس قبل السبوع أو الأربعين أو قبل أن يهل الشهر العربي، وإذا خرجت قبل مرور شهر لا بد من أن تحمل في يدها زهرة أو خوص من البلح.
- مراعاة توقيت الاتصال الجنسى «التي تكون فيها الزوجة مهيأة للحمل: أى بداية من الأسبوع الثاني من الدورة الشهريَّة وحتى ما قبل الدورة الشهريَّة بأسبوع.
- ذبح ذبائح معينة.
- لا تزورها سيدة حائض «عليها الدورة الشهريَّة» حتى لا تكبس
- عدم دخول الزوج على زوجته وهو حالق ذقنه بعد دخوله بها
- عدم دخول لحوم عليها عبر أماكن خربة، عبور الزوجة على طير مذبوح بدمه العبور من تحت ميت أو الاستحمام بغسل ماء ميت.
- العبور على قطعة كبيرة من الكبد وبعد يوم تطبخها وتأكلها لاحتوائها على دم،
- لبس خرزة زرقاء إلقاء ديك أو سحليَّة أو أي شيء من الحيوانات مثل الثعبان على الزوجة لكي يحدث خضه لها فتحمل استخدام الكي أو الحجامة أو العلاج بالزار.

هذه بعض الأساليب التي تلجأ إليها النساء سعيًا للحمل تحقق نوعًا من الحالة السيكولوجية لتحقيق الانفراج النفسي وتجسيم تلك الدرجة البالغة من جنون الأمل الذي توفره الطقوس السحريَّة16.

اولاً. طقس زيارة الأولياء وأصحاب الكرامات :
تنتشر مقامات الأولياء والصلحاء ونعني بهم القريبين من الله أو الذين تولاهم الله بالكرامة في معظم أنحاء الجزائر، في المدن والقرى حيث لا تخلو قرية من ولي ،فالمعتقد الشعبي يرى فيهم وسطاء بينهم وبين الله، لذا فهم يلجأوون إليهم في كثير من المناسبات ويعتقدون في كراماتهم، ولا يختلف المقام عن المسجد في القدسية ويطلق الباحثون الغربيون عليهم اسم «المرابطين». ومن خوارق عاداتهم قدرتهم على تحقيق الشفاء، للمرضى، ولذلك نجد أنهم محل زيارات مناسبتية ويومية طلبا للشفاء أو لدفع مختلف الشرور أو تحقيق أمر ما.

لا تكاد تخلو قرية من قصص الأولياء ومعجزاتهم، ويكون التقرب إليهم واسترضاؤهم بالوفاء بالنذور التي أخذها الناس على عاتقهم. كما يعتقد هؤلاء أيضا أنَّ هناك من الأولياء من يقضي جميع الحوائج، في حين هناك من الأولياء من هو موكّل بقضاء حاجة واحدة، فهناك من وُكِّلَتْ له وظيفة فكّ رباط المرأة العاقر أو التي تأخَّر حملها، وهناك من الأولياء من قلَّدوه وظيفة فكّ رباط المرأة العاقر أو التي تأخَّر حملها، ويقتضي الطقس الاستشفائي أن تقف المرأة التي لم تنجب أطفالا أمام المقام وتقول: «يا سيدي يا فلان كرامْتكْ عند الله قوية، واقبل مني يا سيدي يا فلان، أنا جاية تنحي عليَ الضر» وقد تقول: «يا سيدي فلان أنا مِتْوكلْ عليك إنك اتخليني أحْبَل، والله يعوض علي وأحبل، ونذرا عليَ نجيبلك إزار أخضر وشموع ونذبح ذبيحة عِندك وأَعزم كل الناس وياكلوا واكنس المقام ونضويه بالشموع ربي يشهد علي إذا أنا أخلفت هذا الوعد». ثم تراهن يطفن على القبر مشعلات الشّموع وعيدان الطيب، حاملات البخور، يقبِّلن أركانها وأعتابها، يتمسَّحن بترابه وجدرانه ويسجدن ويقفن أمامه خاشعات متذللات متضرّعات سائلات مطالبهن وحاجاتهن، من شفاء لمريض، وحصول على الولد، أو تيسير حاجة، أو قضاء دين أو تفريج كربة، وأمور شتّى يعتقدنها.

وربما نادين صاحب المقام «يَا سِيدِي فلان جِيناك مِنْ مَكَان بَعِيدْ فَلَا ترْجعْنَا خَايبين». وتجد بعضهن يتّخذن ذكر اسم الشّيخ أو الوليّ، مستغيثات به. ومن الطقوس أيضا نجد هذا النوع من النساء وقبل ولوجهن المقام تشد وسطها بحزام، قبل بدء الطواف والتوسل لدى صاحب المقام، وهذا الحزام هو الذي سيكون علامةً إن كانت ستظفر بالولد أم لا، فإن حُلَّت عقدة الحزام لوحدها أثناء زيارتها للضريح فتستبشر خيرا، وإن بقيت معقودة فلا حظَّ لها في الولد.

ثانياً. طقس الأحجبة والتمائم:
يعتقد أفراد المجتمع الجزائري في القدرة السحرية للأحجبة كأحد أهم المعالجات الشعبية الغيبية، المقاومة لقوى الشر الخفية وتأثيرها على الصحة وعلى مستقبل الأفراد، فالحجاب عبارة عن ورق أبيض يكتب عليه المعالج أو ما يصطلح عليه بالعامية اسم «الطالب» بحبر مقاطع من آيات قرآنية وأسماء الله الحسنى وبعض الأذكار وبخط غير واضح أحيانا كما يتضمن أشكالا هندسية، والهدف من هذا الحجاب هو إما أن يكون للعلاج أو للوقاية من الأمراض أو الكائنات الخفية وتطوى هذه الورقة حتى تصبح كالمربع الصغير يلف في قماش وعادة ما يعلق في رقبة الشخص المريض أو تحت مرقده أو في أماكن بعيدة داخل المسكن.

وفي هذا السياق تقول الباحثة الفرنسية Mathéa Gaudry في كتابها المرأة الشاوية الأوراسية «أن الحجاب يكتب باللغة العربية بماء الزعفران أو بحبر يصنع من الصوف المحترق على الورقة أو الجلد فهو من صنع أشخاص لهم وضع خاص في المجتمع، ويتم وضعه في حافظة من الجلد أو في علبة من الفضة، فهناك أحجبة لمقاومة كل الحالات الصعبة ومنها الأحجبة الوقائية التي تبعد العين الشريرة أو الجن والحشرات السامة وأخرى بحالات طارئة كالزواج والولادة الغيرة التي تعد مرضا يتسبب فيه الجن17.

تذهب المرأة الحامل للشيخ أو الفّتاح حتى يعطيها حجابًا أو خرزة زرقاء، تذهب عند الفتاحين، «يفْتحولها وِيقولون لها عِندك تابعة، هي من تمنعها من الحمل فيعملون لها حرز (حْجاب) تْضعه تِحِتْ راسها في الوسادة تنام عليه أو تِحْمِله في رَقْبتها، وفي النهار تضل تحمله، وتمتنع عن الذهاب إلى الأَفراح أو زيارة القبور، يمنع عليها أن تمر على دَمْ ذبيحة أو عن مَيّاه جارية» وقد تلبس المرأة الحامل مسبحة وتضعها في رقتبها حيث تتدلى على بطنها فوق منطقة الرحم، وتحرص على أن تكون مسبحة لأحد المشايخ أو الصالحين وهي هنا تستخدم كتميمة فهي تعني أيضا التعويذة، تعلق على الإنسان جميعها بمعنى واحد تقريبًا، وتستخدم لنفس الأغراض والغايات، كما أنها جميعًا تعتمد على قوة الكلمة وفاعليتها18، التمائم والتعاويذ والأحجبة تعتبر وسائل المعزم التي تسمى أيضا التمائمية (Fétichisme) وتعد من أقدم الطقوس التي عرفها الإنسان، الفيتيشية باختصار تقوم أساسا في أنها «أشياء مثل العصي والقرون، والأكياس، والأحجار والخرز، والعظام، وقطع الحديد والأحجبة وغير ذلك، وتكون مشحونة بقوة كونية عالية جدًا وقد اكتسبت قوتها من الكلمة فالخرزة التي يحملها بعض الناس أو الخاتم أو القلادة أو الأيقونة التي تحمل اسمًا أو كتابة كلها تمائم سحرية اختلطت مع أغراض دينية أخرى19.

وفي المجتمعات القديمة، كان السحرة يصنعون للنساء تمائم خاصة لنجاح الحمل على هيئة إناث الحيوانات التي تمتاز بقوة النسل كالضفادع،والأسماك وأجزاء من حيوانات كانت رمزا للخصوبة كقرون الثور وحيوانات أخرى على هيئة إناث الحيوانات التي تمتاز بضخامة البطن والثدي كأفراس النهر20، ويبدو أن هذه التمائم كانت تعود لنوع من أنواع العبادات السحرية، مثل الطوطمية وتقديس الحيوان.

ثالثاً. طقس بلع الجلدة (بقايا عملية الختان):
يقوم هذا الطقس على بلع المرأة العاقر لجلدة أو القطعة التي كان الطَهار قديمًا والطبيب حديثًا يقوم ببترها فيما يعرف بعملية الختان أو الطهور21 فبعد أن تلجأ السيدة إلى كل الوسائل كي تحمل، فهي أيضًا تلجأ لهذا الطقس الذي يكاد يكون شائعًا في المجتمعات القروية، حيث تبلع الجلدة التي يقطعها المطهر، أملا في أن تحمل بولد، وفي بعض المناطق تحرقها المرأة، وتضعها في صرة ثم تنثرها في مجرى ماء وقد تحتفظ بها محروقة، في صرة تعلقها فوق الباب في مكان ما في البيت، واعتقد أن هذا الطقس يعود للعقائد القديمة الثلاثة الفيتيشية والأرواحية والطوطمية22. والتي تقول إن الجزء لا بد أن يؤثر على الكل، وبالتالي فإن قوة الذكورة سوف تنتتقل للمرأة وكذلك الروح التي تكمن في كل الأشياء بشكل طاقة كونية، سوف تنتقل للمرأة العاقر .

كما كانت الأعضاء التناسلية للرجل إذا مات عند قبائل الزولو23 البدائية تحرق ثم تطحن وتسحق وتُذرُ رمادًا فوق الحقول لإخصاب التربة، كما كانت عبادة الجنس من أقدم العبادات، حيث اعتبرت رمز الخصوبة وانبعاث الحياة، حيث ماثل الإنسان البدائي بين إثمار الطبيعة وإثمار المرأة، ظهر هذا في فن الرسم والنحت لديه، فرسم شكل التماثيل التي تظهر أعضاء المرأة التناسلية، متناسيًا وجهها في كثير من الأحيان فقد كان المجتمع البدائي القديم مجتمعًا أموميًا عَبد المرأة أُم الكون وأصل الحياة، وتركز المنظر على الثديين والبطن أو الرحم والحوض وأعلى الفخذين، مركز الخصوبة في تماثيل العبادة24.

وتظهر المعابد التي كرست للأم الكبرى نظرة الإنسان القديم للجنس باعتباره فعلا دينيًا مقدسًا فبعض هذه المعابد صُمِمَ بطريقة توحي بالعضو التناسلي للمرأة كما هو الحال في معابد بلاد الرافدين25.

وعندما أدرك الإنسان أن المطر هو السبب في الإخصاب، عقدت العلاقة بين المطر ومني الرجل، وانعكس ذلك في الصور التي خلفها في منطقة الطاسيلي بأقصى الصحراء الجزائرية.

رابعاً. طقوس طرد التابعة (القرينة):
تعد «القرينة» أو «التابعة»26 من المعتقدات المنتشرة في الأوساط الشعبية الجزائرية، وهي حسب اعتقادهم كيان أنثوي يحول بين المرء وصحته وبين أطفاله وممتلكاته وخصوبته وحتى جماله، فشبحها يلازم كثيرا من النساء اللواتي ينسبن في كثير من الأحيان مشاكلهن في الولادة والعقم وموت أجنتهن المتكرر إلى «التابعة»، هذه الجنية تعيق الحمل، وتتسبب في إجهاض الحوامل وقتل الأجنة في بطونهن، وتستطيع أن تتقمص عدة شخصيات، وتأتي في الأحلام27.
كمـا تلاحق بحقدها الأطفال من نفس العائلة، فتقضي عليهم الواحد تلو الآخر، وقد تنبه المسلمون كما يقول «دوتييه» Doutée إلى ظاهرة موت أبناء بعض العائلات بشكل منتظم لأخطاء وراثية أو تخلف ذهني ولكنهم في كل مرة كانوا يرجعون ذلك إلى أم الصبيان أو التـابعة حيث أصبح يطلق اسمها على كل المصائب التي لا تأتي فرادى28.

إن التصور السابق للمرض يجعله أمرا «خارجيا Exogène» بامتياز فالناس يشعرون بأن صحتهم مستهدفة، وهم غير مسؤولين عن ذلك، وكأن الفرد في الواقع كان سليما ثم جاءت المصائب والأمراض فجأة وكأن المرض يجب أن يأتي مرة واحدة، أما إذا تكرر فإنه يصبح غريبا أو نوعا من الاضطهاد Une persécution يرى «زمبليني» Zemplini أن «التابعة» تشكل «آلية دفاع تتمثل في إسقاط المشاعر العدوانية والتي تصبح تهديدات من طرف الآخرين أو من طرف الأرواح29. مثال على ذلك القلق والخوف من عدم القدرة على الإنجاب من طرف نظام اجتماعي لا يدرك المرأة إلا كعنصر إنجاب وخصوبة فإن الإيمـان بالتابعة يصبح آلية دفاعية مجتمعة Socialisée ويلعب الشيخ الطالب في ذلك دورا محكما، وقد أشار «عويطي» إلى ذلك بقوله: «إن دور الطالب يتمثل في إعطاء اسم للقلق العام بالنسبـة للفرد والجماعة، وبهذا المعنى فإن اللغة السحرية-الدينية تلعب دورا أساسيا لأنها تسمح للمعنى بأن يصبح له معنى»30.

ومن الطقوس التي تستهدف طرد القرينة يلبس الأطفال الأغنياء ملابس قديمة، لأن الجمال والنظافة يجلبان القرينة، كما يلبس الصبية ثياب البنات، لأن القرينة تفضل قتل الذكور على الإناث31، وقد يسمى الطفل خميسي، والخامسة وخميسة لأنه يرمز إلى الرقم خمسة، وهو تعويذة قوية وكنية شائعة للخنزير، ذلك الحيوان الذي تكرهه الأشباح والجن لأنه أقذر منها32.

كان إنسان الكهوف منذ العصر الحجري القديم يرسم الوحوش مطعونة بالسهام والحراب، أو يرسمها وأرجلها مثبتة في المصايد التي دأب على نصبها، وكان أحيانًا يرسم قلب الحيوان، وكأنه يحدد موضعه للصائد الحديث الخبرة، لكنه كان يستخدم مع ذلك أغراضًا سحرية لتمويه الفريسة التي قد تسعى بعد موت الحيوان إلى تقمص روحه للانتقام من الصائد، وإلحاق الضرر به، أو قد تسلط عليه أنواعًا أخرى من الحيوانات المفترسة، أو قد تصيبه بالأمراض والعقم، لذلك فعند تصوير الحيوان يتم التدقيق في إظهار تفاصيل أعضائه والتعبير بصدق عن حركته، وحين يُصورُ الإنسان نراهُ يخشى إظهار تقاطيع وجهه ومعالم شخصيته، كي لا تتعرف عليه قرينة الفريسة، فيرسم الإنسان بشكل رمزي مجرد للغاية، كأنه أشكال هندسية، أو رسوم بسيطة صادرة عن طفل صغير غير قادر على الرسم33.

هذه بعض منوعات الذخيرة الاثنوغرافي، التي تضمنت معتقدات وطقوس تكشف عن كيفية فهم للحقائق الوجودية والأسرار التي يحتضنها العالم، وخاصة ظاهرة الخصوبة كرمز للحياة.

باختصار، فإن التمسك بالمعتقدات والطقوس في حياة المجتمع الجزائري على مستوى الفرد أو الجماعة يمكن الأعضاء الاجتماعيين من التأقلم مع الأعراف الاجتماعية، ويعمل على تدجين سلوك الأفراد، ومنحهم الثقة في مواجهة أزمات الحياة، وتزويد الجماعة بالنواة المركزية للقيم التي يحيا بها المجتمع. ولا بد من الإشارة هنا أنه إذا توفرت هياكل اجتماعية تمكن العضو الاجتماعي وتؤهله عن طريق تزويده بقدرات ثقافية، فإنه يعتمد على بعض أنماط المعتقدات والطقوس التي تصنف في إطار التدين الشعبي، والتي تعمل بدورها على تحقيق نوع من التوازن على المستوى الشخصي وتسهم في الحفاظ على البناء الاجتماعي وتعبر عن شكل من أشكال التكيف مع الحاضنة الثقافية، في شكلها الشعبي الموروث والذي مازال صامدا منذ عهود طويلة.

الهوامش

1. السواح فراس ، الأسطورة والمعنى، دار علاء الدين، دمشق، 1997، ص، 47.
2. محمد الجوهري، الدراسة العلمية للمعتقدات الشعبية،ط 1، دار الكتاب، القاهرة، 1917 ،ص 46.
3. السواح فراس، المرجع السابق، ص 49.
4. نفس المرجع السابق، ص 146
5. طوالبي نور الدين، الدين والطقوس والتغيرات، ترجمة: وجيه البعيني، منشورات عويدات بيروت، باريس، 1988.ص ص، 34-41.
6. نفسه، ص15
7. إلياد، ميرسيا، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ترجمة عبد الهادي عباس، دار دمشق، للطباعة والنشر، دمشق،د.ط، 1986، ص ص، 12-14
8. إلياد، ميرسيا، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، المرجع السابق، ص 17.
9. منصور الراوي: سكان الوطن العربي، دراسة تحليلية في المشكلات الديمغرافية، ط1, بيت الحكمة، بغداد،2002, ص156.
10. ميرفت العشماوي عثمان، دورة الحياة، "دراسة للعادات والتقاليد الشعبية"، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2011. ص ص، 212 – 213
11. نفسه، ص، 199.
12. طوالبي نور الدين، المرجع السابق، ص ص، 87-96.
13. غريب سيد أحمد وآخرون، علم الاجتماع العائلي، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1959، ص ص 154-155.
14. الحجاب وهو كتابات أحيانا آيات من القرآن وأحيانا طلاسم سحرية على ورق صغير تهدف إلى تحقيق بعض الأغراض يطلق عليها في بعض المجتمعات (الحرز أو التحويطة). ولها اغراض منها دفع الحسد، تحقيق مطالب، الحماية من اعمال السحر، التلبس، للمزيد انظر، سامية حسن الساعاتي، السحر والسحرة، بحث في علم الاجتماع الغيبي، ط2، دار قباء للطباعة والنشر، 2002، ص 222.
15. يذكر ايميل درمنغايم، في كتابه طقوس القديسين في الاسلام المغاربي أن النساء يذهبن لأضرحة الأولياء لكي ينالو الصحة والخصوبة لزوجاتهم العقيمات ويرن في اوليائهم القدرة على ابطال مفعول الحسد والسحر المؤذي.
16. محمد احمد غنيم، العادات والتقاليد الشعبية، في محافظة الدقهلية، دراسة أنثروبولوجية، (دورة الحياة من الميلاد حتى الزواج)، ج1، الميلاد، مطبعة جامعة المنصورة، 1996، ص 50.
17. Mathéa Gaudry, la femme Chaouia de l Aurès, ed, chibah, Awal,1998, pp 222-223.
18. الباش حسن، المعتقدات الشعبية في التراث العربي، دار الجليل، ط 1، د.ت، ص، 169.
19. الماجدي، بخور الآلهة، ص، 48 وانظر:أيضا ويل ديورانت، قصة الحضارة، ص 107
20. كراب الكزاندر هجرتي، علم الفلكلور، ترجمة رشدي صالح، وزارة الثقافة، مؤسس التأليف والنشر، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1967 ، ص 308.
21. ختن: ختن الشيء،وقطعهُ، و الختان: عملية قطع قلفة الصبيّ. انظر: المعجم الوسيط، ص، 1217.
22. هي عقائد سحرية قديمة. انظر: الماجدي، المعتقدات الإغريقية، ص، 103.
23. قبائل إفريقية بدائية.
24. انظر: الماجدي، أديان ومعتقدات ، ص 122 . وانظر دياكونوف، تاريخ الشرق القديم، ج 1، ص 129 .
25. كنعان توفيق، الكتابات الفلكلورية، ترجمة: علوش موسى ط1 بيرزيت، للنشر، دار علوش ، 1998 ص، 244.
26. تبعته: أي التابعة له، التابع والتابعة: الشيىء سار في أثره. المنجد ص، 59.
27. بدران، سلوى إبراهيم خماش، دراسات في العقلية العربية، الخرافة، دار الحقيقة، بيروت، 1979 ، ص، 31
28. Doutée Edmond: op.cit, P116.
29. L’Khadir Aicha: op.cit.P171.
30. Ibid: P.172.
31. كنعان، الكتابات الفلكلورية، المرجع السابق، ص،77.
32. نفسه، ص، 75
33. صورها القدماء على شكل شيطانة تركب حمارًا. للمزيد انظر: الماجدي، بخور الآلهة، ص، 219 .


• الصور
3. من الكاتب.
1. https://pbs.twimg.com/media/EI9At4vWsAAhh2K.jpg
2. https://i.pinimg.com/originals/75/3c/cc/753cccf245ce02f5412d2752e120234a.jpg