اللغة العدد
الأبعاد الإسلامية والقيم الوطنية في العيطة الجبلية «عيطة القوس»
الأبعاد الإسلامية والقيم الوطنية في العيطة الجبلية «عيطة القوس»
العدد 47 - موسيقى وأداء حركي

 

أ‭. ‬رضوان‭ ‬العماري‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

 

تزخر‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭ ‬بمفردات‭ ‬وعبارات‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬المقدس‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والمتأمل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬حقلا‭ ‬انتروبولوجيا‭ ‬خصبا‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬هذا‭ ‬المقدس‭ ‬وطبيعته‭ ‬ورمزيته،‭ ‬وكذا‭ ‬ظروف‭ ‬توظيفه‭ ‬وأبعاده‭. ‬وتجليات‭ ‬المقدس‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬العيطة‭ ‬تنم‭ ‬عن‭ ‬خلفية‭ ‬فكرية‭ ‬وعقائدية‭ ‬أطرت‭ ‬وتؤطر‭ ‬رؤية‭ ‬معينة‭ ‬للمقدس،‭ ‬لدى‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬والأفعال‭ ‬والأشياء‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المقدس‭.‬

 

أبعاد‭ ‬ورمزية‭ ‬الـمـقـدس‭ ‬الإسلامي‭ ‬فـي‭ ‬الـعـيـطـة‭ ‬الـجـبـلـيـة

أول‭ ‬شيء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتبينه‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬حديثنا‭ ‬عن‭ ‬المقدس‭ ‬في‭ ‬العيطة،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬البكاري‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬خلال‭ ‬دراسته‭ ‬لقبيلة‭ ‬بني‭ ‬مسارة،‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬القبيلة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬باقي‭ ‬القبائل‭ ‬كلهم‭ ‬ذوو‭ ‬أصول‭ ‬شريفة،‭ ‬فمنهم‭ ‬اصنف‭ ‬يدعي‭ ‬الشرف‭ ‬ولازال‭ ‬حائزا‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬ظواهر‭ ‬السلاطين،‭ ‬وصنف‭ ‬آخر‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬ينتسب‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬ينتسبب1‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬حضور‭ ‬قوي‭ ‬بتجليات‭ ‬مختلفة،‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الشفهي‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬له‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬طرقا‭ ‬لتوظيفه‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالقيم‭ ‬الوطنية‭. ‬ونحن‭ ‬عندما‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬الشفهي‭ ‬فنحن‭ ‬نقصد‭ ‬العروسي‭ ‬والكرفطي‭ ‬وعبد‭ ‬المالك‭ ‬الأندلسي،‭ ‬لأنهم‭ ‬نظموا‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬العيطية‭ ‬المغناة‭.‬

لعل‭ ‬السؤال‭ ‬المشروع‭ ‬هنا‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬خلفية‭ ‬توظيف‭ ‬رموز‭ ‬المقدس‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية؟‭ ‬كما‭ ‬يتوجب‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬كشف‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬لنص‭ ‬العيطة‭ ‬عن‭ ‬مرجعيته‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬نصه؟‭ ‬

1‭) ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭ ‬ورمز‭ ‬التوحيد‭: ‬

عاشت‭ ‬معظم‭ ‬سكان‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬طلب‭ ‬العلم،‭ ‬وتعلم‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وحفظه‭ ‬وتجويده،‭ ‬منفتحين‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية،‭ ‬كما‭ ‬عاشت‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الزوايا‭ ‬لأولياء‭ ‬الله‭ ‬الصالحين،‭ ‬لازالت‭ ‬هذه‭ ‬الزوايا‭ ‬شامخة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الآن،‭ ‬تقدم‭ ‬أدوارها‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬والتعليمية،‭ ‬وحتى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬منها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬التأثير‭ ‬الإيجابي‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬أهل‭ ‬المنطقة،‭ ‬وطريقة‭ ‬إنتاجهم‭ ‬للنصوص‭ ‬الشفهية‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬الملاحظة‭ ‬الأولية‭ ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬نصا‭ ‬عيطيا‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬عيطة‭ ‬القوس،‭ ‬يغنيه‭ ‬محمد‭ ‬العروسي،‭ ‬والكرفطي‭ ‬وحاجي‭ ‬السريفي،‭ ‬كما‭ ‬غناه،‭ ‬ويغنيه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬غيرهم،‭ ‬تتكرر‭ ‬فيه‭ ‬لازمة‭ ‬ارَبّي‭ ‬العَاليب‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬شطر‭ ‬من‭ ‬أشطر‭ ‬القصيدة،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الإحصاء‭ ‬العددي،‭ ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللازمة‭ ‬تكررت‭ ‬إحدى‭ ‬عشر‭ ‬مرة،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تقترن‭ ‬بلفظة‭ ‬اأولياء‭ ‬اللهب2‭. ‬كما‭ ‬تقترن‭ ‬بعبارة‭ ‬الحمد‭ ‬والتوكل‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬والتسليم‭ ‬للأولياء‭. ‬وكأن‭ ‬العيطة‭ ‬بهذا‭ ‬المعجم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الكثيف‭ ‬ترفض‭ ‬كل‭ ‬وثنية،‭ ‬وكل‭ ‬توكل‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬الله،‭ ‬وأوليائه‭ ‬الصالحين‭.‬

وفي‭ ‬سؤالنا‭ ‬عن‭ ‬مغزى‭ ‬هذا‭ ‬التوظيف،‭ ‬تعددت‭ ‬الأجوبة،‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفاهي‭ ‬وظف‭ ‬ألفاظ‭ ‬المقدس‭ ‬فقط‭ ‬للرقي‭ ‬بمستوى‭ ‬لغته،‭ ‬ومن‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يؤطر‭ ‬خطابه‭ ‬بماهو‭ ‬ديني‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬مرجعيته‭ ‬الدينية‭. ‬واالعاليب‭ ‬اسم‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى،‭ ‬وجد‭ ‬فيه‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬الاسم‭ ‬الأكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لسياق‭ ‬العيطة‭ ‬إيقاعا‭ ‬ولحنا‭ ‬وتعبيرا‭. ‬والتوجه‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬هو‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬مقدسة‭ ‬وعليا،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يتوجه‭ ‬إليها‭ ‬الإنسان‭ ‬الجبلي‭ ‬في‭ ‬الشدة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الدعاء‭ ‬والتضرع‭ ‬والتوسل‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجبلي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يقصد‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة‭ ‬ومقامات‭ ‬الأضرحة‭ ‬للدعاء،‭ ‬ولذلك‭ ‬جاء‭ ‬اسم‭ ‬ربي‭ ‬العالي‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى‭ ‬مقترنا‭ ‬باسم‭ ‬الأولياء‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬شفهية‭.‬

2‭) ‬رسول‭ ‬الله‭: ‬مزار‭ ‬الولي‭ ‬القريب‭ ‬يقلص‭ ‬مسافة‭ ‬الحج‭ ‬البعيد

وْمَا‭ ‬الصّلاة‭ ‬عْلَى‭ ‬مُحَمَّدْ‭                 ‬وانَا‭ ‬انْصَلي‭ ‬مْعَاكُمْ

زُيّـــارْ‭ ‬رَسُــــولْ‭ ‬الله‭                   ‬عَبّيوْنَا‭ ‬فَ‭ ‬حْمَاكُــمْ

نكاد‭ ‬لا‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬العيوط‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬العروسي‭ ‬والكرفطي‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬عيطي‭ ‬واحد‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬اسم‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬فبينما‭ ‬يكشف‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬عن‭ ‬مرجعيته‭ ‬الدينية،‭ ‬يتم‭ ‬التبرك‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬بذكر‭ ‬اسم‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬احتفالي‭ ‬موازي‭. ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المدخل‭ ‬البسيط‭ ‬والقصير‭ ‬لقصيدة‭ ‬نص‭ ‬عيطة‭ ‬القوس،‭ ‬الذي‭ ‬أوردناه‭ ‬سابقا،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬يقرن‭ ‬زيارة‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬بزيارة‭ ‬قبر‭ ‬النبي‭ ‬الكريم‭. ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬يطلب‭ ‬مرافقة‭ ‬الموكب‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة،‭ ‬وكلمة‭ '‬عَبّيوْنَا‭' ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬اللهجة‭ ‬المحلية‭: ‬خذونا‭ ‬في‭ ‬حماكم،‭ ‬وقد‭ ‬ذكرت‭ ‬الصلاة‭ ‬بكونها‭ ‬عماد‭ ‬الدين،‭ ‬هنا‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬القوي‭ ‬بالله،‭ ‬وصدق‭ ‬النبوة‭ ‬وشرف‭ ‬وبركة‭ ‬وكرامة‭ ‬الولي‭ ‬المقصود‭ ‬بالزيارة‭. ‬

ويجمع‭ ‬كل‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية،‭ ‬أن‭ ‬زيارة‭ ‬الولي‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬نموذجا‭ ‬مصغرا‭ ‬من‭ ‬موكب‭ ‬الحج‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تحول‭ ‬عوامل‭ ‬جغرافية‭ ‬الوصول‭ ‬إليه،‭ ‬مثل‭ ‬بعد‭ ‬المسافة‭ ‬إلى‭ ‬قبر‭ ‬النبي،‭ ‬وعوامل‭ ‬اقتصادية،‭ ‬تتمثل‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الأعباء‭ ‬المادية‭ ‬للحج،‭ ‬فلذلك‭ ‬يشكل‭ ‬مزار‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬وخصوصا‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬القريب،‭ ‬الذي‭ ‬سنأتي‭ ‬على‭ ‬ذكره،‭ ‬تقليصا‭ ‬للمسافة‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬مقام‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭.‬

3‭) ‬الأولـــيـــاء‭: ‬الإيمان‭ ‬بالله‭ ‬والكرامات‭ ‬والنسب‭ ‬الشريف

يطلق‭ ‬اسم‭ ‬الولي‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬تاريخه‭ ‬تاريخ‭ ‬الزوايا3،‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المقامات‭ ‬الشريفة‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بتشريف‭ ‬واحترام‭ ‬كبيرين،‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬تدنيسها‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬زعم‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬يكون‭ ‬مصيره‭ ‬أن‭ ‬تسلط‭ ‬عليه‭ ‬لعنة‭ ‬الله‭ ‬والولي‭ ‬والعباد‭. ‬واسم‭ ‬الولي‭ ‬اهو‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬وصف‭ ‬من‭ ‬الولاء‭ ‬والتوالي،‭ ‬ومن‭ ‬الولاية‭ ‬والتولي،‭ ‬ويطلق‭ ‬على‭ ‬القريب‭ ‬بالنسب‭ ‬وبالمكانة‭ ‬والصداقة،‭ ‬وعلى‭ ‬النصير‭ ‬وعلى‭ ‬المتولي‭ ‬للأمر‭ ‬والحكم‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬ويطلق‭ ‬على‭ ‬الرب‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬كما‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬العباد‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬العرف‭ ‬الإسلامي‭ ‬فالولي‭ ‬خاص‭ ‬وعام،ب4‭ ‬ويدخل‭ ‬ضمن‭ ‬العام‭ ‬كل‭ ‬المؤمنين‭ ‬بالله‭ ‬وبوحدانيته،‭ ‬اأما‭ ‬الولي‭ ‬الخاص‭ ‬فهو‭ ‬الداخل‭ ‬في‭ ‬الوصف‭ ‬القرآني‭ ‬الذي‭ ‬أشار‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بقوله‭: ‬﴿ألا‭ ‬إن‭ ‬أولياء‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬خوف‭ ‬عليهم‭ ‬ولاهم‭ ‬يحزنون﴾5‭ ‬فأولياء‭ ‬الله‭ ‬هم‭ ‬المؤمنون‭ ‬المتقون‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬مراتب‭ ‬متفاوتة‭ ‬ودرجاتب6،‭ ‬فالولاية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬لا‭ ‬تتأتى‭ ‬إلا‭ ‬بالإيمان‭ ‬وتحقق‭ ‬بعض‭ ‬الكرامات‭ ‬والنسب‭ ‬كما‭ ‬سنرى‭. ‬

وقد‭ ‬شكلت‭ ‬أضرحة‭ ‬الأولياء‭ ‬حقلا‭ ‬معرفيا‭ ‬خصبا‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬المقاربات‭ ‬السوسيولوجية‭ ‬والأنثروبولوجية‭ ‬والتاريخية،‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأضرحة‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وأن‭ ‬الأولياء‭ ‬هم‭ ‬اأولئك‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يختصون‭ ‬بقوى‭ ‬وقدرات‭ ‬خاصة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬والإنسان‭. ‬ويتميزون‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬الناس،‭ ‬تجعلهم‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬أفعال‭ ‬غير‭ ‬عادية‭ ‬إعجازية،‭ ‬يعجز‭ ‬الإنسان‭ ‬العادي‭ ‬عن‭ ‬أدائها‭ ‬وتعرف‭ ‬بالكرامات‭ ‬والبركاتب7‭. ‬وكما‭ ‬يرى‭ ‬مصطفى‭ ‬حجازي،‭ ‬افالولي‭ ‬ملاذ‭ ‬ومحام‭ ‬يتقرب‭ ‬إليه‭ (‬الإنسان‭ ‬المقهور‭) ‬ويتخذه‭ ‬حليفا‭ ‬ونصيرا،‭ ‬كي‭ ‬يتوسط‭ ‬له‭ ‬لدى‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية‭. ‬الولي‭ ‬هو‭ ‬ولي‭ ‬الله،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬التقرب‭ ‬منه‭ ‬تتحقق‭ ‬الحاجات‭ ‬وتعم‭ ‬الرحمة‭ ‬الإلهية‭. ‬وتسقط‭ ‬على‭ ‬الولي‭ ‬قدرات‭ ‬خارقة‭ ‬لها‭ ‬علامات،‭ ‬وهي‭ ‬الكرامات‭ ‬التي‭ ‬تميزه‭ ‬عن‭ ‬سائر‭ ‬البشرب8‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬العيطة‭ ‬قوس‭ ‬وقفنا‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الأولياء،‭ ‬بالمغرب،‭ ‬عموما،‭ ‬وبالمناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬خصوصا،‭ ‬تم‭ ‬توظيفهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العيوط‭ ‬لما‭ ‬يحملونه‭ ‬من‭ ‬قدسية‭ ‬وبركة‭ ‬وكرامات‭ ‬في‭ ‬متخيل‭ ‬أهل‭ ‬هذه‭ ‬المناطق،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرزهم‭ ‬وأهمهم‭:‬

‭- ‬مولاي‭ ‬ادريس‭ ‬زرهون‭ (‬الله‭ ‬يْقَوِّي‭ ‬حَرْمُو‭)‬

أَجْبيّلْ‭ ‬زَرْهٌــــونْ‭               ‬فيهْ‭ ‬لَحْجَارْ‭ ‬فيهْ‭ ‬التّرْسْ

الله‭ ‬يـْــقَوي‭ ‬حَرْمُو‭                 ‬الوَلي‭ ‬مُولاَيْ‭ ‬إدْريسْ

يأتي‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭ ‬عن‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬مولاي‭ ‬إدريس‭ ‬زرهون،‭ ‬المنسوب‭ ‬إلى‭ ‬الجبل‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭ ‬مقام‭ ‬هذا‭ ‬الولي‭ ‬مولانا‭ ‬أدريس‭ ‬الأكبر،‭ ‬االذي‭ ‬قدم‭ - ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬ذ‭ ‬من‭ ‬الحجاز‭ ‬إلى‭ ‬المغرب،‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬آل‭ ‬البيت‭ ‬قدم‭ ‬إليه؛‭ ‬بسبب‭ ‬الوقعة‭ ‬المشهورة‭ ‬بوقعة‭ ‬افخب‭ ‬ونزل‭ ‬منه‭ ‬بمدينة‭ ‬اوليليب‭ ‬قاعدة‭ ‬جَبَلْ‭ ‬زَرْهُونْ،‭ ‬وهي‭ ‬المدينة‭ ‬الخالية‭ ‬الآن‭ ‬بإزاء‭ ‬الزاوية‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬ضريحه‭. ‬وكان‭ ‬نزوله‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬غرة‭ ‬ربيع‭ ‬الأول‭ ‬سنة‭ ‬اثنين‭ ‬وسبعين‭ ‬ومائة‭. ‬وجمع‭ ‬البرابر‭ ‬على‭ ‬مبايعته‭ ‬والقيام‭ ‬بدعوته،‭ ‬فبايعوه‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬المذكورةب9‭ ‬ونفس‭ ‬الشيء‭ ‬يؤكده‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الاستقصا‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭. ‬ويذكر‭ ‬كذلك‭ ‬انه‭ ‬نزل‭ ‬هو‭ ‬ومولاه‭ ‬راشد،‭ ‬بجبل‭ ‬زرهون‭ ‬وبايعه‭ ‬هناك‭ ‬إسحاق‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬أمير‭ ‬أوربة‭ ‬على‭ ‬البربر‭.‬

ويشكل‭ ‬ضريح‭ ‬الولي‭ ‬مولاي‭ ‬إدريس‭ ‬هذا‭ ‬بجبل‭ ‬زرهون‭ ‬مزارا‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأتباع‭ ‬المغاربة،‭ ‬وغير‭ ‬المغاربة‭ ‬المسلمين‭ ‬الذين‭ ‬يقصدونه‭ ‬لشرفه‭ ‬واعتقادهم‭ ‬فيه‭ ‬بقضاء‭ ‬أغراضهم،‭ ‬ومجرد‭ ‬الحديث‭ ‬بالسوء‭ ‬عن‭ ‬شرف‭ ‬هذا‭ ‬الولي‭ ‬العظيم‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬بالإنسان‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬جاحدا،‭ ‬وكذا‭ ‬اعتباره‭ ‬مسيئا‭ ‬للمقدسات‭ ‬منتهكا‭ ‬لها،‭ ‬وانتهاك‭ ‬المقدسات‭ ‬في‭ ‬المتخيل‭ ‬الشعبي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مجلبة‭ ‬للعار‭ ‬والوبال‭ ‬والويلات‭.‬

وتوظيف‭ ‬اسم‭ ‬الوالي‭ ‬الصالح‭ ‬مولاي‭ ‬إدريس‭ ‬المنسوب‭ ‬إلى‭ ‬جبل‭ ‬زرهون‭ ‬في‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية،‭ ‬له‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬فهو‭ ‬يمثل‭ ‬الشرعية‭ ‬الدينية‭ ‬للمغاربة،‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬بانتمائه‭ ‬لآل‭ ‬البيت،‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬حسب‭ ‬المصادر‭ ‬والروايات‭ ‬الشفوية،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬انه‭ ‬يشكل‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬النسب‭ ‬الشريف‭ ‬للولي‭ ‬الصالح‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬شيخ‭ ‬اجبالة،‭ ‬لكون‭ ‬مولاي‭ ‬إدريس‭ ‬جد‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭.‬

‭- ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش‭ (‬شِيخْ‭ ‬اجْبَالَة‭)  

طَلْعوا‭ ‬الطُّلْبَة‭ ‬يْزُورُوا‭                    ‬طَلْعُو‭ ‬بَالْجَلاَلَة

مُــولاَيْ‭ ‬عَبْدْ‭ ‬السَّلاَمْ‭                   ‬هُوَ‭ ‬شِيخْ‭ ‬اجْبَالَة

‭***‬

يَعْجَبْنِي‭ ‬وَادْ‭ ‬السْطَحْ‭                   ‬يَعْجَبْنِي‭ ‬بَاحْجَارُو

مُــولَيْ‭ ‬عَبْدْ‭ ‬السَّلاَمْ‭                   ‬سَعْـــدَاتْ‭ ‬لِي‭ ‬زَارُو

ونسبه،‭ ‬اأبو‭ ‬محمد‭ ‬سيدي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬حرمة‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلام‭ ‬بن‭ ‬مزوار‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬مولانا‭ ‬إدريس‭ ‬دفين‭ ‬فاس‭ ‬بن‭ ‬مولانا‭ ‬إدريس‭ ‬دفين‭ ‬زرهون‭ ‬وفاتح‭ ‬المغرب‭ ‬بن‭ ‬مولانا‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الكامل‭ ‬بن‭ ‬مولانا‭ ‬الحسن‭ ‬المثنى‭ ‬بن‭ ‬مولانا‭ ‬الحسن‭ ‬السبط‭ ‬بن‭ ‬سيدنا‭ ‬ومولانا‭ ‬علي‭ ‬ومولاتنا‭ ‬وسيدتنا‭ ‬فاطمة‭ ‬الزهراء‭ ‬بنت‭ ‬سيد‭ ‬العالمين‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬ربهم‭ ‬جميعا‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلامب10‭. ‬وتذكر‭ ‬جل‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش،‭ ‬الذي‭ ‬يوجد‭ ‬مزاره‭ ‬ومقامه‭ ‬ابجْبَل‭ ‬لَعْلَمْب‭ ‬بقبيلة‭ ‬بني‭ ‬عروس،‭ ‬والتي‭ ‬اهي‭ ‬قبيلة‭ ‬أجداده‭ ‬الكرام،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬ساحل‭ ‬المحيط‭ ‬تكتنفها‭ ‬وتحيط‭ ‬بها‭ ‬عدة‭ ‬قبائل‭ ‬جبلية‭ ‬وهي‭ ‬بينها‭ ‬كالعروس‭. ‬فشرقا‭ ‬بنو‭ ‬ليث‭ ‬وجنوبا‭ ‬الأخماس‭ ‬وبنو‭ ‬يوسف‭ ‬وسوماتة‭ ‬وبنو‭ ‬جرفط‭ ‬وشمالا‭ ‬بنو‭ ‬حزمار‭ ‬وبنو‭ ‬يدير‭ ‬وجبل‭ ‬الحبيب‭ ‬وغربا‭ ‬الغربية‭ ‬والخلوط،‭ ‬وعمالتها‭ ‬مدينة‭ ‬تطوان‭ ‬ودائرتها‭ ‬الخميس‭ ‬وأربعاء‭ ‬عياشةب11‭.‬

‭ ‬والمثير‭ ‬للدهشة‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مركزية‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬عروس‭ ‬جغرافيا‭ ‬بين‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة،‭ ‬تقابلها‭ ‬مركزية‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬العيطة،‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬كونه‭ ‬فعلا‭ ‬شيخ‭ ‬اجبالة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬هذه‭ ‬التسمية‭ ‬من‭ ‬قوة،‭ ‬كون‭ ‬الشيخ‭ ‬في‭ ‬المتخيل‭ ‬الشعبي‭ ‬هو‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والروحية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬في‭ ‬القبيلة‭ ‬آنذاك،‭ ‬والشيخ‭ ‬كذلك‭ ‬هو‭ ‬شيخ‭ ‬الفرقة‭ ‬الموسيقية‭ ‬وشيخ‭ ‬البواردية‭ ‬والعارف‭ ‬بأصول‭ ‬المهنة‭ ‬والمحنك‭ ‬فيها،‭ ‬اففي‭ ‬هذه‭ ‬القبيلة‭ ‬الشريفة‭ ‬ولد‭ ‬هذا‭ ‬الإمام‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يسكنها‭ ‬والده‭ ‬سيدي‭ ‬مشيش‭ ‬وهي‭ ‬الحصين‭ ‬أسفل‭ ‬جبل‭ ‬العلم‭ ‬لجهة‭ ‬القبلةب12‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬ميلاده‭ ‬بالتدقيق‭ ‬غير‭ ‬متعرف‭ ‬عليه،‭ ‬اولا‭ ‬يعرف‭ ‬على‭ ‬التحقيق‭ ‬تاريخ‭ ‬ولادته،‭ ‬ويرى‭ ‬بعض‭ ‬المؤرخين‭ ‬من‭ ‬الشرفاء‭ ‬العلميين‭ ‬وغيرهم‭ ‬أنه‭ ‬ولد‭ ‬559‭ ‬أو‭ ‬563هـ‭ ‬وبقرية‭ ‬الحصين،‭ ‬نشأ‭ ‬وتعلم‭ ‬الكتابة‭ ‬والقراءة،‭ ‬ويقال‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬عليه‭ ‬اثنتى‭ ‬عشر‭ ‬سنة‭ ‬حتى‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بالروايات‭ ‬السبعب،‭ ‬ويقال‭: ‬اإن‭ ‬شيخه‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬هو‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬سيدي‭ ‬سليم‭ ‬دفين‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬يوسفب13‭. ‬أما‭ ‬عن‭ ‬وفاته‭ ‬فيشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬الطواجين‭ ‬اهو‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الشيخ‭ ‬أبي‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنهب14،‭ ‬دون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬النازلة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عمره‭ ‬لحظة‭ ‬وفاته‭. ‬

ويعتبر‭ ‬ضريح‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬مزارا‭ ‬حقيقيا‭ ‬مقصودا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬جل‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬وغير‭ ‬الجبلية،‭ ‬وأتباعه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دواوير‭ ‬القبائل،‭ ‬يقيمون‭ ‬له‭ ‬المواسم،‭ ‬ويستشعرون‭ ‬وجوده‭ ‬قريبا‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬الدعاء‭ ‬والقسم‭ ‬وطلب‭ ‬المال‭ ‬والصحة،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تقضي‭ ‬يوما‭ ‬مع‭ ‬احد‭ ‬سكان‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬اسم‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬مرات‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬فاسمه‭ ‬مذكور‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬جلوس‭ ‬الفرد‭ ‬وقيامه‭.‬

‭- ‬مولاي‭ ‬بوشتى‭ ‬الخمار‭: (‬مُولْ‭ ‬التَّشْتَة‭ ‬وُلْمْقَامْ‭)‬

مُولاَيْ‭ ‬بُوشْتَى‭ ‬الْخَمَّارْ‭                   ‬مَا‭ ‬زَيْنُو‭ ‬بَاخْضُورَة

اسيدي‭ ‬أبو‭ ‬الشتاء‭ ‬الخمار‭ ‬ت‭: ‬977‭. ‬وأبو‭ ‬الشتاء‭ ‬هذا‭: ‬هو‭ ‬المعروف‭ ‬بالخمار،‭ ‬ويقال‭ ‬إن‭ ‬اسمه‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬موسى،‭ ‬وأنه‭ ‬شاوي‭ ‬النسب،‭ ‬وكان‭ ‬أسمر‭ ‬اللون،‭ ‬وهو‭ ‬دفين‭ ‬أمرجو‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬قشتالة‭ ‬التي‭ ‬بقرب‭ ‬نهر‭ ‬ورغة،‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬نهر‭ ‬سبوب15‭. ‬وتعرف‭ ‬هذه‭ ‬البلدة‭ ‬بقبيلة‭ ‬بني‭ ‬مزكلدة‭ ‬ويقال‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬تكنيته‭ ‬بأبي‭ ‬الشتاء‭ ‬اأنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬عند‭ ‬الشيخ‭ ‬أبي‭ ‬زيد‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬ابن‭ ‬ريسون‭ ‬الشريف،‭ ‬فاحتيج‭ ‬إلى‭ ‬الشتاء‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬البلاد،‭ ‬فجاء‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الشيخ‭ ‬أبي‭ ‬زيد‭ ‬المذكور‭ ‬يطلبون‭ ‬منه‭ ‬الاستسقاء،‭ ‬فأخذ‭ ‬بتلابيبه‭ ‬سيدي‭ ‬أبي‭ ‬الشتاء‭ ‬ودفعه‭ ‬إليهم،‭ ‬وقال‭ ‬لهم‭: ‬هذا‭ ‬أبو‭ ‬الشتاء؛‭ ‬خذوا‭ ‬بتلابيبه‭ ‬ولا‭ ‬تطلقوه‭ ‬حتى‭ ‬تمطروا‭. ‬فأمطروا‭ ‬في‭ ‬الحال،‭ ‬وجرى‭ ‬عليه‭ ‬ذلك‭ ‬الاسمب16‭. ‬ومن‭ ‬سنن‭ ‬الزيارة‭ ‬للولي‭ ‬الصالح‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬متعارف‭ ‬عليه‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية،‭ ‬أنه‭ ‬لابد‭ ‬لزائر‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬مولاي‭ ‬بوشتى‭ ‬الخمار‭ ‬للتبرك‭ ‬منه‭ ‬أولا،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬يكمل‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭. ‬اتوفي‭ -  ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬ذ‭ ‬ضحوة‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬شوال‭ ‬سبعة‭ ‬وتسعين‭ ‬وتسعمائةب17‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬الاستقصا‭) ‬حيث‭ ‬يقول‭: ‬اوفي‭ ‬سنة‭ ‬سبع‭ ‬وتسعين‭ ‬وتسعمائة‭ ‬توفي‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬الشتاء‭ ‬الشاوي‭ ‬دفين‭ ‬جبل‭ ‬آمركو‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬فشتالة‭ ‬ويقال‭ ‬اسمه‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬موسىب18‭ ‬ويعرف‭ ‬مولاي‭ ‬أبي‭ ‬الشتاء‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬بمولاي‭ ‬بوشتى‭ ‬الخمار‭ ‬امُولْ‭ ‬التّشْتَة‭ ‬وُلَمْقَامب‭. ‬ويعرف‭ ‬مقام‭ ‬الولي‭ ‬مولاي‭ ‬بوشتى‭ ‬الخمار‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الزيارات،‭ ‬سواء‭ ‬فردية‭ ‬أو‭ ‬جماعية،‭ ‬منتظمة‭ ‬في‭ ‬المواسم‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬السنة‭ ‬لما‭ ‬لهذا‭ ‬المقام‭ ‬من‭ ‬فضل‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القضايا،‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬شفاء‭ ‬المس‭ ‬من‭ ‬الجن‭ ‬والسحر،‭ ‬والعكس‭ ‬والنحس‭.‬

‭- ‬سيدي‭ ‬الحاج‭ ‬العربي‭: (‬سيدي‭ ‬الحاج‭ ‬العربي‭ ‬الرندي‭ ‬الأندلسي‭ ‬ت‭: ‬1176‭)‬

سِيدِي‭ ‬الحَاجْ‭ ‬العَرْبِي‭                     ‬هُوَ‭ ‬احْجَابْ‭ ‬عْلِيكُمْ

ولم‭ ‬أعثر‭ ‬له‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬اسلوة‭ ‬الأنفاسب،‭ ‬فهو‭ ‬ا‭ ‬المجذوب‭ ‬الفاتح،‭ ‬أبو‭ ‬حامد‭ ‬سيدي‭ ‬الحاج‭ ‬العربي‭ ‬الرندي‭ ‬الأندلسي‭ ‬الخراط‭ ‬حرفة‭. ‬كان‭ ‬يعتريه‭ ‬الجذب‭ ‬أحيانا،‭ ‬فيخبر‭ ‬بمغيبات،‭ ‬ويحدث‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الكرامات،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬توفي‭ - ‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬سنة‭ ‬ست‭ ‬أو‭ ‬سبع‭ ‬وسبعين‭ ‬ومائة‭ ‬وألف،‭ ‬ودفن‭ ‬بدار‭ ‬برأس‭ ‬الشراطين‭ ‬من‭ ‬فاس‭ ‬القرويينب19‭. ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬الأولياء‭ ‬ذكرا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أهل‭ ‬الجبل،‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬فهم‭ ‬يولونه‭ ‬أهمية‭ ‬تضاهي‭ ‬أهمية‭ ‬الأولياء‭ ‬السابقين‭ ‬بالذكر،‭ ‬ويحتل‭ ‬مكانة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬متخيلهم‭ ‬الشعبي‭ ‬وطقوسهم‭ ‬الدينية،‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬تبجيل‭ ‬وتعظيم‭ ‬هذا‭ ‬الولي،‭ ‬واعتباره‭ ‬حجابا‭ ‬ووقاية‭ ‬وسترا‭ ‬على‭ ‬القبائل،‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬النص،‭ ‬يمكن‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬االتأكيد‭ ‬على‭ ‬الدلالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العميقة‭ ‬لظاهرة‭ ‬تبجيل‭ ‬الأولياء‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬الأدوار‭ ‬التحررية‭ ‬الـتي‭ ‬لعبها‭ ‬هؤلاء‭ ‬لفائدة‭ ‬جماعاتهم،‭ ‬وحمايتها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المخاطر‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬التي‭ ‬تهددهاب20‭ ‬مما‭ ‬يرجح‭ ‬كفة‭ ‬انخراط‭ ‬هذا‭ ‬الولي‭ ‬في‭ ‬الجهاد‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الدين‭ ‬والنفس‭ ‬والوطن‭. ‬ويتم‭ ‬ذكر‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬سيدي‭ ‬علال‭ ‬الحاج،‭ ‬في‭ ‬عيوط‭ ‬أخرى‭ ‬وهو‭ ‬االولي‭ ‬الصالح‭ ‬سيدي‭ ‬علال‭ ‬الحاج‭ ‬البقالي‭ ‬الحرائقي‭ ‬الغزاوي‭ ‬الذي‭ ‬طلب‭ ‬الصلح‭ ‬بين‭ ‬القبيلتين‭ '‬مصمودة‭ ‬وبني‭ ‬مسارة‭' ( ‬أيام‭ ‬السعديين‭) ‬بالنهر‭ ‬الساكت‭ ‬غرب‭ ‬جبل‭ ‬العش،‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬لازال‭ ‬يعرف‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬اليوم‭ ‬بالعكاز،‭ ‬أي‭ ‬عكاز‭ ‬سيدي‭ ‬علال‭ ‬الحاجب21‭.‬

4‭) ‬الشروط‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬ازيار‭ ‬رسول‭ ‬الله‭   ‬عَبِّيوْنَا‭ ‬فَاحْمَاكُمْ‭":‬

‭- ‬النية‭: ‬

تتأسس‭ ‬الزيارات‭ ‬وخصوصا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬المقامات‭ ‬المباركة،‭ ‬والأماكن‭ ‬المقدسة،‭ ‬كالأولياء‭ ‬والصالحين،‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭: ‬الزائر‭ ‬والمَقْصد‭ ‬أو‭ ‬المَزَار،‭ ‬وتعتبر‭ ‬النية‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬فيها،‭ ‬حسب‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشهادات‭ ‬الشفهية،‭ ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ (‬النّية‭) ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬التسليم‭ ‬واليقين‭ ‬والإيمان‭ ‬ببركة‭ ‬الولي‭ ‬المُزار‭ ‬أي‭: ‬المقصود‭ ‬بالزيارة،‭ ‬كما‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشروط‭ ‬والآداب‭ ‬سواء‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الجماعية،‭ ‬ومن‭ ‬أهمها‭:‬

‭ ‬اأن‭ ‬يذهب‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ (‬المرء‭) ‬فارغا‭ ‬من‭ ‬الأشغال‭ ‬الضرورية‭ ‬التي‭ ‬يضر‭ ‬تركها‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬دنياه‭ ‬ومعاشه،‭ ‬وغير‭ ‬مطالب‭ ‬بحق‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أو‭ ‬حق‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬عباده‭ ‬الواجبةب22،‭ ‬ولذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬موسم‭ ‬الزيارة‭ ‬يتحدد‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الخريف‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬الأشغال‭ ‬الفلاحية‭ ‬وتفرغ‭ ‬الناس‭ ‬للراحة،‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬التعب‭ ‬والكد‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬اأن‭ ‬يقصد‭ ‬بالزيارة‭ ‬وجه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لا‭ ‬طلب‭ ‬الجاه‭ ‬والدنيا‭. ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬متطهرا‭ ‬طهارة‭ ‬صغرى‭ ‬لأنها‭ ‬مطلوبة‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬على‭ ‬الملوك‭ ‬والعظماء،‭ ‬وأن‭ ‬يلبس‭ ‬نظيف‭ ‬ثيابه،‭ ‬وأن‭ ‬يقدم‭ ‬زيارة‭ ‬الأحياء‭ ‬على‭ ‬الأموات‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬مسافرا‭ ‬أوفي‭ ‬حكمه،‭ ‬وأن‭ ‬يذهب‭ ‬ماشيا‭ ‬لا‭ ‬راكبا‭ ‬تواضعا‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬واغتناما‭ ‬للثواب،‭ ‬وكذا‭ ‬الدعاء‭ ‬عند‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬الروضة،‭ ‬ثم‭ ‬تحية‭ ‬المسجد،‭ ‬والإتيان‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬القبر‭ ‬إلى‭ ‬محل‭ ‬جلوسه،‭ ‬والجلوس‭ ‬عند‭ ‬رأس‭ ‬الوليب23،‭ ‬ولذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬يوم‭ ‬الزيارة‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬عيد‭ ‬عند‭ ‬الزائرين‭ ‬فيتطهرون‭ ‬ويستعدون‭ ‬ويلبسون‭ ‬نظيف‭ ‬ثيابهم،‭ ‬ويوثرون‭ ‬المشي‭ ‬على‭ ‬أقدامهم‭ ‬على‭ ‬ركوب‭ ‬البهائم،‭ ‬ويتسابقون‭ ‬شيبا‭ ‬وشبابا،‭ ‬رجالا‭ ‬ونساء،‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬المرح‭ ‬والسعد‭ ‬واليمن‭ ‬والنشاط،‭ ‬متناسين‭ ‬كل‭ ‬متاعب‭ ‬الدنيا‭ ‬ومشاقها‭.‬

‭- ‬الطُّـلْبَهْ‭:‬

طَلْعُوا‭ ‬الطُّلْبَة‭ ‬يْزُورُو‭                     ‬طَلْعُوا‭ ‬بالجَلَالَة

يطلق‭ ‬اسم‭ ‬االطَّالَبْب‭ ‬أو‭ ‬االفقيهب‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬رجل‭ ‬متعلم‭ ‬حباه‭ ‬الله‭ ‬بتعلم‭ ‬وحفظ‭ ‬وتلاوة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وكذا‭ ‬حفظ‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬والتفقه‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬الدين‭ ‬والشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬االطّالَبب‭ ‬وجمعه‭ ‬االطُّلْبَةب‭ ‬يتكلف‭ ‬بكل‭ ‬القضايا‭ ‬العلمية‭ ‬ويحسم‭ ‬فيها‭ ‬كقضايا‭ ‬الشهادة‭ ‬والميراث،‭ ‬والصلح‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬برعاية‭ ‬أعيان‭ ‬القبيلة،‭ ‬كما‭ ‬يتكلف‭ ‬بذبح‭ ‬أضاحي‭ ‬العيد‭ ‬يوم‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬ولازال،‭ ‬له‭ ‬الدور‭ ‬المهم‭ ‬والحاسم‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬السحرية،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬المفتاح‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الزيارات‭ ‬والأولياء‭ ‬الذين‭ ‬يملكون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قضاء‭ ‬أغراض‭ ‬القاصدين‭.‬

‭- ‬الأذكار‭:‬

يعتبر‭ ‬االمُوسَمْب‭ ‬مُرَكّبا‭ ‬شموليا‭ ‬يختلط‭ ‬فيه‭ ‬الطقوسي‭ ‬بالاجتماعي‭ ‬بالديني‭ ‬بالسياسي،‭ ‬واهو‭ ‬فضاء‭ ‬طقوسي‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬يشكل‭ ‬محور‭ ‬الاحتفال‭ ‬الطقوسي،‭ ‬وإطار‭ ‬اجتماعي‭ ‬محدد‭ ‬قروي‭ ‬أو‭ ‬حضري،‭ ‬قبلي‭ ‬أو‭ ‬قومي‭. ‬ثم‭ ‬زمكاني‭ ‬وأخيرا‭ ‬أنشطة‭ ‬جماعية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬طقوسيب24وخلال‭ ‬هذا‭ ‬الموسم،‭ ‬موسم‭ ‬اشِيخْ‭ ‬اجْبَالَةب‭ ‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام،‭ ‬الذي‭ ‬يعقد‭ ‬بشكل‭ ‬سنوي‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬شعبان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬هجرية،‭ ‬ويعتبر‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التظاهرات‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬تفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬التساؤل،‭ ‬عن‭ ‬علة‭ ‬حضورها‭ ‬ومصادرها‭ ‬الرمزية،‭ ‬وأبعادها‭ ‬الأنثروبولوجية،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬الجواب‭ ‬عنها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خارجا‭ ‬عن‭ ‬المقدس‭.‬

جـينَاكُمْ‭ ‬جينَاكُمْ‭                     ‬أَهْلُ‭ ‬الله‭ ‬جينَاكُمْ

لَـوْلَا‭ ‬فَضْلُ‭ ‬الله‭                     ‬لَمَا‭ ‬جينَا‭ ‬زُرْنَاكُمْ

وَا‭ ‬العَاشْقينْ‭ ‬فَـ‭ ‬النَّبيْ‭ ‬صَلّيوْ‭ ‬عْليهْ

اللَّهُمَّ‭ ‬صَلّي‭ ‬عْليكْ‭ ‬أَ‭ ‬رَسُولْ‭ ‬الله

جَاهْ‭ ‬النَّبيْ‭ ‬عْظيمْ

الجَنّة‭ ‬للصّابرينْ‭                     ‬النّارْ‭ ‬لقَوم‭ ‬الكَافرينْ

الله‭ ‬يَنْصُرْ‭ ‬عْلَامْ‭ ‬النّبيْ

ونشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأذكار‭ ‬تقال‭ ‬في‭ ‬تنسيق‭ ‬تام‭ ‬بين‭ ‬الطلبة‭ ‬الذين‭ ‬يقومون‭ ‬بترديدها‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬يتبعهم‭ ‬عوام‭ ‬الرجال‭ ‬ثم‭ ‬زغاريد‭ ‬النساء‭ ‬وبهجة‭ ‬الأطفال،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬احتفالية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الموسيقى‭ ‬ابالغَيْطَة‭ ‬والطْبَلْب‭.‬

‭- ‬الذبائح‭:‬

للذبيحة‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬جذور‭ ‬انتروبولوجية‭ ‬عميقة،‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬الذبيحة‭ ‬الإبراهيمية،‭ ‬وكيف‭ ‬قبل‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬الخليل‭ ‬التضحية‭ ‬بابنه‭ ‬إسماعيل‭ ‬امتثالا‭ ‬لأمر‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬﴿وَفَدَيْناه‭ ‬بِدِبْح‭ ‬عظيم﴾‭ (‬الآية‭ ‬107،‭ ‬سورة‭ ‬الصافات‭)‬،‭ ‬ولذلك‭ ‬بقيت‭ ‬واستمرت‭ ‬هذه‭ ‬العقيدة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬دلالات،‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فعل‭ ‬ذبح،‭ ‬بل‭ ‬اتخذت‭ ‬تمظهرات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ذبائح‭ ‬الموسم‭ ‬وبعض‭ ‬الهبات‭ ‬والهدايا‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬للأضرحة‭.‬

‭ ‬وعند‭ ‬حلول‭ ‬يوم‭ ‬الموسم‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬الأضاحي‭ ‬ونحرها‭ ‬للتضحية‭ ‬بها،‭ ‬اويتضمن‭ ‬لفظ‭ ‬تضحية‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬الاشتقاقي،‭ ‬وفي‭ ‬معناه‭ ‬الحرفي،‭ ‬فكرة‭ ‬خير‭ ‬ملموس‭ ‬مقدم‭ ‬أو‭ ‬محطم‭ ‬على‭ ‬مذبح‭ ‬كائن‭ ‬أعلى،‭ ‬لكي‭ ‬يقر‭ ‬له‭ ‬بالسيادة،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬لكي‭ ‬يحصل‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬الحماية‭ ‬والعفو‭ ‬والرحمةب25‭. ‬فالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬االسّيّدْب‭ ‬أو‭ ‬الوالي‭ ‬والأتباع‭ ‬علاقة‭ ‬تبادلية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الأخذ‭ ‬والعطاء‭ ‬يحكمها‭ ‬مبدأ‭ ‬التضحية‭ ‬والدم،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالسيادة‭ ‬والولاء‭ ‬وتقديم‭ ‬القرابين‭ ‬مقابل‭ ‬توفير‭ ‬الحماية‭ ‬والأمن‭ ‬للسكان،‭ ‬وتوفير‭ ‬الخصب‭ (‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬الأضرحة‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬الغيث‭) ‬والصحة‭ ‬والمال،‭ ‬ونجاح‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬وزواج‭ ‬العوانس‭ ‬وحمل‭ ‬العاقرات‭ ‬المتأخرات‭ ‬في‭ ‬الإنجاب‭. ‬

وللتضحية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الآداب‭ ‬والشروط‭ ‬حيث‭ ‬الابد‭ ‬من‭ ‬التضحية‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬درجة‭ ‬دنيا‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬غاية‭ ‬أرفع‭ ‬أو‭ ‬أوسع،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يضحى‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬يحتقر،‭ ‬ولا‭ ‬تقلل‭ ‬قيمته‭ ‬أو‭ ‬تضيع‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التخلي‭ ‬الظرفي‭ ‬والباهظ،‭ ‬يكون‭ ‬الشيء‭ ‬المضحى‭ ‬به‭ ‬محبوبا‭ ‬أكثر‭ ‬ويبدو‭ ‬كأنه‭ ‬مسكون‭ ‬بمعنى‭ ‬القدسي‭ ‬فهو‭ ‬ينتسب‭ ‬إلى‭ ‬القيمة‭ ‬العليا‭ ‬للغاية‭ ‬التي‭ ‬يضحى‭ ‬به‭ ‬لأجلهاب26‭.‬

تتجلى‭ ‬إذن،‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬التقديس‭ ‬والتبجيل‭ ‬والتعظيم‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬كل‭ ‬المقدسات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ورسوله‭ ‬الكريم،‭ ‬وأولياءه‭ ‬الصالحين،‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬تؤشر‭ ‬على‭ ‬المرجعية‭ ‬الإسلامية‭ ‬للشاعر‭ ‬الشفهي،‭ ‬كما‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الخلفية‭ ‬الفكرية‭ ‬لسكان‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬عموما،‭ ‬وتغني‭ ‬العيطة‭ ‬بأولياء‭ ‬الله‭ ‬الصالحين‭ ‬على‭ ‬رأسهم‭ ‬المولى‭ ‬إدريس،‭ ‬ومولاي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬مشيش،‭ ‬وسيدي‭ ‬الحاج‭ ‬العربي،‭ ‬ومولاي‭ ‬أبو‭ ‬الشتاء‭ ‬الخمار،‭ ‬وسبعة‭ ‬رجال‭ ‬يدل‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬ثقافي‭ ‬لكون‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأولياء‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يوجد‭ ‬ضريحه‭ ‬بالمناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يوجد‭ ‬ضريحه‭ ‬بعيدا‭ ‬كفاس‭ ‬ومراكش،‭ ‬وهذا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬موسوعية‭ ‬الشفهية‭. ‬وموسوعية‭ ‬ثقافة‭ ‬الرجلين‭.‬

 

‭ ‬القيم‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬الـعـيـطـة‭ ‬الـجـبـلـية

عاشت‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة‭ ‬وضعا‭ ‬خاصا‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬الحروب‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬كتاب‭ ‬االاستقصاب‭ ‬للناصري‭ ‬واالظل‭ ‬الوريف‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬أهل‭ ‬الريفب‭ ‬للفقيه‭ ‬العلامة‭ ‬سيدي‭ ‬احمد‭ ‬السكيرج،‭ ‬يتبين‭ ‬أنه‭ ‬منذ‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وقدوم‭ ‬المولى‭ ‬إدريس‭ ‬الأكبر‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬واستقراره‭ ‬بجوار‭ ‬فاس،‭ ‬وتعاقب‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬المغرب،‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية،‭ ‬عرفت‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬حروبا‭ ‬طاحنة،‭ ‬سواء‭ ‬ضد‭ ‬العدو،‭ ‬أو‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬لكونها‭ ‬تقع‭ ‬أولا‭ ‬بين‭ ‬مشارف‭ ‬السواحل‭ ‬الشمالية‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬إليها‭ ‬يد‭ ‬المستعمر‭ ‬الاسباني‭ ‬والبرتغالي،‭ ‬ومشارف‭ ‬مدينة‭ ‬فاس‭ ‬قلعة‭ ‬المجاهدين‭ ‬ومقر‭ ‬السلاطين،‭ ‬وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الموالية،‭ ‬بين‭ ‬الريف‭ ‬المستهدف‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الأطماع‭ ‬الإسبانية‭ ‬وبين‭ ‬المناطق‭ ‬الخاضعة‭ ‬للحماية‭ ‬الفرنسية‭. ‬ولازالت‭ ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬التاريخية‭ ‬المادية‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحروب،‭ ‬كبقايا‭ ‬الثكنات‭ ‬العسكرية،‭ ‬قصر‭ ‬المولى‭ ‬اسماعيل‭ ‬بغابة‭ ‬إيزارن‭ ‬بدوار‭ ‬اسكار‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬مسارة‭ ‬وثكنة‭ ‬عسكرية‭ ‬للجنود‭ ‬الفرنسيين‭ ‬فوق‭ ‬جبل‭ ‬يَسْوَالْ‭.‬

وكل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬نفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مصدر‭ ‬لبس،‭ ‬تستحق‭ ‬البحث‭ ‬العميق‭ ‬لوضع‭ ‬تأريخ‭ ‬علمي‭ ‬ودقيق‭ ‬للمعطى‭ ‬الحربي‭ ‬داخل‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭.‬

‭ ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الريف‭ ‬بقيادة‭ ‬الزعيم‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الخطابي‭ ‬يحاول‭ ‬استمالة‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬عز‭ ‬الوطن‭ ‬وعن‭ ‬ملة‭ ‬المسلمين،‭ ‬كان‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬يحاول‭ ‬تطويع‭ ‬شوكة‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬للتصدي‭ ‬للريف‭ ‬وتسهيل‭ ‬مأمورية‭ ‬احتلاله‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الإسبان،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬كلمة‭ ‬أخرى،‭ ‬ف‭ ‬الما‭ ‬طالت‭ ‬مدة‭ ‬البارود‭ ‬على‭ ‬المراكز‭ ‬الاسبانية‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر،‭ ‬وتَضَيَّقَ‭ ‬الحصار‭ ‬على‭ ‬غالب‭ ‬العسس‭ ‬التي‭ ‬نصبها‭ (‬القائد‭ ‬الاسباني‭ ‬خريرو‭) ‬في‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬سعيد‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية،‭ ‬ولم‭ ‬يُفد‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المراكز‭ ‬البعيدة‭ ‬وأفرغها،‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬جميع‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬حسان‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬مصور،‭ ‬قد‭ ‬داخله‭ ‬الدهش‭ ‬بما‭ ‬رآه‭ ‬من‭ ‬اجتماع‭ ‬القبائل‭ ‬على‭ ‬مقاتلته‭ ‬من‭ ‬المجاهدين‭ ‬المرابطين‭ ‬أمام‭ ‬القشلات‭ ‬الكبرى،‭ ‬فلم‭ ‬يفد‭ ‬الإسبان‭ ‬إلا‭ ‬إفراغ‭ ‬المراكز‭ ‬التي‭ ‬بيده‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬البحريةب27،‭ ‬من‭ ‬ثمة‭ ‬سيبدأ‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إرغام‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬التبعية‭ ‬للريف‭ ‬المجاهد،‭ ‬وتفريقها‭ ‬لتسهيل‭ ‬دخولها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الحماية‭ ‬الفرنسية‭. ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬طرح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية؟‭ ‬وكيف‭ ‬سيستمر‭ ‬تمثل‭ ‬قيم‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المتخيل‭ ‬الشعبي‭ ‬لسكان‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عيطة‭ ‬القوس؟‭ 

1‭)‬الـبعـد‭ ‬الـوطـنـي‭ ‬فـي‭ ‬رمــزيــة‭ ‬الــقــبــائـــل‭ :‬

‭- ‬القبيلة‭: ‬الكرامة‭ ‬والوطن

في‭ ‬خضم‭ ‬كل‭ ‬الثورات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية،‭ ‬لرد‭ ‬الاستبداد‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬والجهاد‭ ‬ضد‭ ‬المستعمر،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والخونة،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬استعدت‭ ‬القبائل‭ ‬لذلك‭ ‬بالمال‭ ‬والنفس‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬ملكت‭ ‬من‭ ‬قوة،‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬أكسب‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬سمعة‭ ‬حربية‭ ‬وعزة‭ ‬ومتانة،‭ ‬وصارت‭ ‬رمزا‭ ‬يعهد‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬والوطن‭ ‬والدين،‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬انتقلت‭ ‬أسماء‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬باعتبارها‭ ‬خزانا‭ ‬للرموز‭ ‬إلى‭ ‬نصوص‭ ‬العيطة،‭ ‬فنادرا‭ ‬ما‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭ ‬اعيطة‭ ‬القوسب‭ ‬لا‭ ‬يتغنى‭ ‬بشموخ‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬والدين‭ ‬والعرض‭ ‬ورموزها،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ارتباط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الرموز‭ ‬والمتخيل‭ ‬الشعبي‭ ‬لأهل‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭. ‬فلكل‭ ‬اسم‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الشفهية‭ ‬مدلوله‭ ‬الخاص،‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬توظيفه‭ ‬عبثا،‭ ‬لأن‭ ‬االشعوب‭ ‬الشفهية‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأسماء‭ (‬وهي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭) ‬بوصفها‭ ‬ذات‭ ‬سلطان‭ ‬على‭ ‬الأشياءب28‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬سلطان‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭.‬

وَا‭ ‬الطّرْطَاقْ‭ ‬البَارُودْ‭ ‬فَالعَقْبَة‭ ‬دَغْصَاوَة

الحْبيبَة‭ ‬وْجَرّحْتني

‭***‬

أَبُو‭ ‬هْـلَالْ‭ ‬أَبُـوهْـلَالْ‭                            ‬أَبُوهْلَالْ‭ ‬بَالرّيبَة

خَـرْجُوا‭ ‬مَنْ‭ ‬تَمْ‭ ‬لُولَادْ‭                           ‬خَلَاوْ‭ ‬تَمَّا‭ ‬الهيبَة

‭***‬

أَ‭ ‬سْـــيَادي‭ ‬وْمَا‭ ‬تْــكَلَّمْ‭ ‬البَارُودْ‭ ‬

‭ ‬أَنَا‭ ‬اسْيَادي‭ ‬بَيْنْ‭ ‬لَخْمَاسْ‭ ‬وَغْـصَاوَة

أَ‭ ‬سْيَادي‭ ‬وْعَزُّو‭ ‬عْلينَا‭ ‬الرّجَالْ‭ ‬

‭ ‬أَنَــا‭ ‬سْيَادِي‭ ‬وْمَا‭ ‬المَجْرُوحْ‭ ‬يَدَّاوَى

يجعلنا‭ ‬تَأَمُّل‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الحربي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيف‭ ‬ألفاظ‭ ‬مثل‭ ‬البارود،‭ ‬الهيبة،‭ ‬وأسماء‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القبائل،‭ ‬وأما‭ ‬عن‭ ‬البعد‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬رمزية‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬فيتمثل‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬العيطة‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬وبعيطة‭ ‬القوسب‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬شكلت‭ ‬رافدا‭ ‬من‭ ‬روافد‭ ‬شحذ‭ ‬الهمم،‭ ‬وتنمية‭ ‬الحس‭ ‬الوطني،‭ ‬ولذلك‭ ‬انستطيع‭ ‬كباحثين‭ ‬ودارسين،‭ ‬أن‭ ‬نتتبع‭ ‬انتشار‭ ‬النصوص‭ ‬العيطية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬بين‭ ‬الطبقة‭ ‬الشعبية‭ ‬وتفاعل‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬النصوص،‭ ‬فنرى‭ ‬تعلقها‭ ‬بالقضايا‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬درجاتها‭ ‬وحرارتها‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الوطنية‭ ..‬ب29‭ ‬فرغم‭ ‬ورود‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬سلبيا‭ ‬عن‭ ‬تعلق‭ ‬الطبقة‭ ‬الشعبية‭ ‬بهذا‭ ‬الفن،‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تفاعلا‭ ‬قويا‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ونص‭ ‬العيطة‭ ‬وغنائها،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

آو‭ ‬مَا‭ ‬الحْـزَام‭ ‬أَيَــالُـولاَدْ‭                  ‬آ‭ ‬الـتّــاوِيـلْ‭ ‬أَلُــولاَدْ

أَسَـبْـعـــة‭ ‬رِجَــــــالْ‭                  ‬أ‭ ‬اْلعْدُو‭ ‬مْدُوَّرْ‭ ‬بِكُـمْ

آ‭ ‬وْسِيدِي‭ ‬الحَـاجْ‭ ‬الـعَرْبِي‭                 ‬آ‭ ‬التَّـاوِيــلْ‭ ‬أَلُـــولاَدْ

أَسَـبْـعـــة‭ ‬رِجَــــــالْ‭                   ‬هُوَ‭ ‬حْجَابْ‭ ‬عْلِيكُمْ

أَشُوَّطَة‭ ‬ذَلْعُذْيَانْ‭            ‬أربِّي‭ ‬العالي،‭ ‬أنَا‭ ‬العويِّل‭            ‬وُلاَّيَا‭ ‬عْلَى‭ ‬لَرْبَاعْ

هَذِي‭ ‬عَيْطَةْ‭ ‬الْقَوْسْ‭     ‬أَرَبِّي‭ ‬الْعَالِي‭ ‬أَنَا‭ ‬الْعْوَيِّلْ‭      ‬كَالـْريُوسْ‭ ‬كَتْقَطَّعْ

آ‭ ‬مُولاَيْ‭ ‬بُوشْتَى‭ ‬الْخَمَّارْ‭       ‬أَ‭ ‬رَبِّي‭ ‬الْعَالِي‭         ‬الْعَايِلْ‭ ‬مَا‭ ‬زَيْـنُو‭ ‬بَالصُّورَة

تَـمَّ‭ ‬طَـاحْ‭ ‬الْمَـالُوفْ‭         ‬أَ‭ ‬رَبِّي‭ ‬الْعَالِي‭         ‬العايل‭ ‬كالفرجة‭ ‬منصورة

أ‭ ‬سْـــيَادِي‭ ‬وْمَا‭ ‬تْكَلَّمْ‭ ‬البَارُودْ

أنا‭ ‬سْيَادِي‭ ‬بَيْنْ‭ ‬لَخْمَاسْ‭ ‬واغْـزَاوَة

أسْيادِي‭ ‬وْعَزُّوا‭ ‬عْلِينَا‭ ‬الرِّجَالْ

أنَــا‭ ‬سْيَادِي‭ ‬وْمَا‭ ‬الْمَجْرُوح‭ ‬يَدَّاوَى

أَنَا‭ ‬الـــعَايَلْ‭ ‬الله‭ ‬يَنْصُر‭ ‬السَّرْبَة

أنَــا‭ ‬العَايِــل‭ ‬أَرَى‭ ‬دْيَــالَكْ

لاَ‭ ‬حَوْلَ‭ ‬الله

في‭ ‬هذا‭ ‬المقطع‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬عيطة‭ ‬القوس،‭ ‬يبدأ‭ ‬الشاعر‭ ‬بالدعوة‭ ‬إلى‭ ‬االْحْزَامب‭ ‬والحزام‭ ‬في‭ ‬تداول‭ ‬أهل‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬ذ‭ ‬حسب‭ ‬الشهادة‭ ‬الشفوية‭ - ‬هو‭ ‬الاستعداد‭ ‬والتأهب‭ ‬لأمر‭ ‬طارئ‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يطرأ،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستعداد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الجدية‭ ‬والنظام،‭ ‬اآ‭ ‬التَّاوِيلْ‭ ‬آ‭ ‬الُولاَدْب‭ ‬فالتاويل‭ ‬هو‭ ‬النظام‭ ‬ومنها‭ ‬قولهم‭ ‬لأبنائهم‭ ‬مثلا‭ ‬اكُلْ‭ ‬بالتّاويلب‭ ‬أي‭ ‬تناول‭ ‬أكلك‭ ‬بنظام‭. ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ينتقل‭ ‬لذكر‭ ‬اسم‭ ‬سبعة‭ ‬رجال،‭ ‬دفين‭ ‬مراكش،‭ ‬لشحذ‭ ‬الهمم‭ ‬ويقرنها‭ ‬بجملة‭ ‬االْعْدُو‭ ‬مْدُوَّرْ‭ ‬بِكُمْب‭ ‬ليبين‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬دعوته‭ ‬لاستعدادهم،‭ ‬فالدعوة‭ ‬اللحْزَامْب‭ ‬أي‭: ‬الاستعداد،‭ ‬وابالتّاوِيلْب‭ ‬أي‭: ‬بنظام،‭ ‬القصد‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬التصدي‭ ‬للعدو‭ ‬الذي‭ ‬يحيط‭ ‬بهم‭.‬

كما‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬الولي‭ ‬الصالح‭ ‬سيدي‭ ‬الحاج‭ ‬العربي‭ ‬ويقرن‭ ‬ذكره‭ ‬ابالتّاويلب‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬الشهادة‭ ‬الشفهية،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬ربط‭ ‬االتَّاوِيلْب‭ ‬في‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب‭ ‬حسب‭ ‬دعوة‭ ‬نص‭ ‬العيطة،‭ ‬بالتّاويل‭ ‬المعمول‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مراسم‭ ‬الزيارة‭ ‬والمواسم،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬ربط‭ ‬ذلك‭ ‬التّاويل‭ ‬بدعوة‭ ‬صريحة‭ ‬لتنظيم‭ ‬الصفوف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التصدي‭ ‬للمستعمر‭ ‬فقط،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تشكله‭ ‬بركة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأولياء،‭ ‬في‭ ‬المتخيل‭ ‬الشعبي‭ ‬لسكان‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة،‭ ‬من‭ ‬دعمَ‭ ‬وسندَ‭ ‬معنويين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده،‭ ‬البيت‭ ‬الموالي‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬

أسـَبْعَةُ‭ ‬رِجَالْ‭ ‬هـُوَ‭                         ‬حْجَابْ‭ ‬عْلِيكُم

فالحجاب‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬رمز‭ ‬البركة،‭ ‬وما‭ ‬ستمنحه‭ ‬هذه‭ ‬البركة‭ ‬للمقاومين‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬ووقاية،‭ ‬وعزم‭ ‬وإصرار‭ ‬ودعم‭ ‬نفسي‭ ‬ومعنوي،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الثبات‭ ‬على‭ ‬شأن‭ ‬الجهاد‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬القبيلة‭/‬الوطن‭. ‬وقد‭ ‬يتسع‭ ‬مفهوم‭ ‬العدو‭ ‬هنا‭ ‬ليشمل‭ ‬الظرف‭ ‬الزمني‭ ‬والطبيعي،‭ ‬كحالات‭ ‬الجفاف‭ ‬والمجاعات‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬المنطقة‭ ‬وخصوصا‭ ‬سنة‭ ‬1945،‭ ‬حسب‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشهادات‭ ‬الشفوية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬تلك‭ ‬الشهادات‭ ‬الشفوية،‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬المجاهدين‭ ‬وهو‭ ‬يحكي‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬تصديهم‭ ‬للمستعمر،‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬يسول،‭ ‬اكان‭ ‬شيخه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬يدربه‭ ‬على‭ ‬إصابة‭ ‬العدو‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬فكان‭ ‬يدعوه‭ ‬بأن‭ ‬يجعل‭ ‬الخصم‭ ‬على‭ ‬ذبابة‭ ‬البندقية‭ ‬ثم‭ ‬ينادي‭ ‬باسم‭ ‬أحد‭ ‬أولياء‭ ‬الله،‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬الزناد‭ ‬حتى‭ ‬يصيب‭ ‬الهدف‭ ‬بشكل‭ ‬دقيقب30‭.‬

هذا‭ ‬التدريب‭ ‬وهذه‭ ‬الغيرة‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬القبيلة،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬الحس‭ ‬الوطني،‭ ‬ورفض‭ ‬الاستعمار،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أرخت‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالعدو،‭ ‬وكان‭ ‬خيرها‭ ‬معركة‭ ‬القشادشة‭ ‬التي‭ ‬شنها‭ ‬دوار‭ ‬القشاشدة‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬مسارة‭ ‬على‭ ‬العدو‭ ‬الفرنسي‭ ‬اكانت‭ ‬أعظم‭ ‬معركة‭ ‬خسرت‭ ‬فيها‭ ‬فرنسا‭ ‬أحسن‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬والجيوشب31،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬قبائل‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭: ‬معركة‭ ‬عين‭ ‬بوعسة‭ ‬بقبيلة‭ ‬بني‭ ‬مزكلدة‭ ‬ومعركة‭ ‬بريكشة‭ ‬برهونة،‭ ‬ومعركة‭ ‬سوق‭ ‬الثلاثاء‭ ‬باغزاوة،‭ ‬وهناك‭ ‬بعض‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬إسقاط‭ ‬طائرات‭ ‬العدو‭. ‬

2‭)‬قبيلتا‭ ‬الأَخْمَاس‭ ‬واغْزاوَة‭ ‬معقل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الدين‭ ‬والوطن‭: 

‭- ‬قبيلة‭ ‬الاخماس‭: ‬الموقع‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬والنظم‭:‬

تقع‭ ‬قبيلة‭ ‬الأخماس،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬مدينة‭ ‬شفشاون،‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية،‭ ‬تحدها‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬قبيلة‭ ‬ابني‭ ‬لَيْثْب‭ ‬وابني‭ ‬حَسَّانْب‭ ‬ومن‭ ‬الجنوب‭ ‬قبيلتي‭ ‬ااغْزَاوَةب‭ ‬وابني‭ ‬احْمَدب‭ ‬ومن‭ ‬الشرق‭ ‬مدينة‭ ‬شفشاون‭ (‬جبال‭ ‬اغمارة‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬الغرب‭ ‬قبيلتي‭ ‬ابني‭ ‬يَسَّفْب‭ ‬وابني‭ ‬زَكَّارْب،‭ ‬وفي‭ ‬الرواية‭ ‬الشفوية‭ ‬أكد‭ ‬معظم‭ ‬المبحوث‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬القبيلتين‭ ‬ومن‭ ‬قبائل‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬بين‭ ‬قبيلتي‭ ‬الأخماس‭ ‬واغصاوة‭ ‬عرفت‭ ‬حروبا‭ ‬طاحنة‭ ‬منذ‭ ‬القديم،‭ ‬وأن‭ ‬اسم‭ ‬بوهلال‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬النداء‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬العيطة‭.‬

أَبُوهْلاَلْ‭ ‬أَبُوهْلاَلْ‭                       ‬أَبُوهْلاَلْ‭ ‬بَالرِّيبَة

خَرْجُوا‭ ‬مَنْ‭ ‬تَمْ‭ ‬لُولاَدْ‭                       ‬خَلاَّوْ‭ ‬تَمَّا‭ ‬الْهِيبَة

هو‭ ‬اسم‭ ‬جبل‭ ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬قبيلتي‭ ‬اغْزَاوَة‭ ‬والاخماس‭ ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬جبل‭ ‬بوهلال‭ ‬الذي‭ ‬تقع‭ ‬مدينة‭ ‬وزان‭ ‬بسفحه،‭ ‬وبهذا‭ ‬الجبل‭ ‬شهد‭ ‬حروبا‭ ‬طاحنة‭ ‬دارت‭ ‬بين‭ ‬المجاهدين‭ ‬والمستعمر‭ ‬وبين‭ ‬المجاهدين‭ ‬والاستبداد‭ ‬بشتى‭ ‬أشكالهب32،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬كتاب‭ '‬الاستقصا‭' ‬للناصري‭ ‬حيث‭ ‬ا‭(‬لما‭ ‬كانت‭ ‬سنة‭ ‬ثمان‭ ‬ومائتين‭ ‬وألف‭) ‬ثار‭ ‬بقبيلة‭ ‬الأخماس‭ ‬من‭ ‬جبال‭ ‬اغْمَارَة‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬طلبتها‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬محمد‭ ‬ابن‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬ويدعى‭ ‬زيطان‭ ‬فاجتمعت‭ ‬عليه‭ ‬سماسرة‭ ‬الفتن‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قبيلة‭ ‬وكثر‭ ‬تابعوه‭ ‬وكان‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ثورته‭ ‬أن‭ ‬القائد‭ ‬قاسما‭ ‬الصريدي‭ ‬كان‭ ‬واليا‭ ‬بتلك‭ ‬الناحية‭ ‬أيام‭ ‬المولى‭ ‬يزيد‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬فلما‭ ‬بويع‭ ‬المولى‭ ‬سليمان‭ ‬ولي‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الناحية‭ ‬القائد‭ ‬الغنيمي‭. ‬وكان‭ ‬عسوفا‭ ‬فيما‭ ‬قيل‭ ‬فقبض‭ ‬على‭ ‬القائد‭ ‬قاسم‭ ‬واستصفى‭ ‬أمواله‭ ‬وبث‭ ‬عليه‭ ‬العذاب‭ ‬كي‭ ‬يظهر‭ ‬ما‭ ‬بقى‭ ‬عنده‭ ‬حتى‭ ‬هلك‭ ‬في‭ ‬العذاب‭ ‬فثار‭ ‬زيطان‭ ‬واجتمعت‭ ‬عليه‭ ‬الغوغاء‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬ولما‭ ‬شرى‭ ‬داؤه‭ ‬بعث‭ ‬السلطان‭ ‬بجيش‭ ‬إلى‭ ‬القائد‭ ‬الغنيمي‭ ‬وأمره‭ ‬أن‭ ‬يقصد‭ ‬زيطان‭ ‬وجمعه‭ ‬فزحف‭ ‬إليه‭ ‬ببلاد‭ ‬اغصاوة‭ ‬قرب‭ ‬وزان‭ ‬وأوغل‭ ‬في‭ ‬طلبه‭ ‬فنهاه‭ ‬ومن‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬رؤساء‭ ‬الجيش‭ ‬عن‭ ‬التورط‭ ‬بالناس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجبال‭ ‬والشعاب‭ ‬فلج‭ ‬واقتحمها‭ ‬بخيله‭ ‬وراميته‭ ‬ولما‭ ‬توسطها‭ ‬سالت‭ ‬عليه‭ ‬الشعاب‭ ‬بالرماة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬وهاجت‭ ‬الحرب‭ ‬وأحاط‭ ‬العدو‭ ‬بالجيش‭ ‬فقتلوا‭ ‬منهم‭ ‬وسلبوا‭ ‬كيف‭ ‬شاؤوا‭ ‬وردوهم‭ ‬على‭ ‬أعقابهم‭ ‬منهزمين،‭ ‬ولما‭ ‬اتصل‭ ‬خبر‭ ‬الهزيمة‭ ‬بالسلطان‭ ‬اغتاظ‭ ‬وقبض‭ ‬على‭ ‬الغنيمي‭ ‬ومكن‭ ‬منه‭ ‬أولاد‭ ‬قاسم‭ ‬الصريديب33‭. ‬وتعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬من‭ ‬اعيطة‭ ‬القوسب،‭ ‬كما‭ ‬سماها‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي،‭  ‬خير‭ ‬دليل‭ ‬وخير‭ ‬تأريخ‭ ‬شعبي‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭. ‬

أشّوَطَة‭ ‬ذَلْعُـذْيَانْ‭           ‬أَرَبِّي‭ ‬الْعَالِي،‭ ‬أنا‭ ‬الْعويِّل‭           ‬وَلّايَا‭ ‬عْلَى‭ ‬لَرْبَاعْ

هَذي‭ ‬عَيْطَة‭ ‬القَوْسْ‭     ‬أربي‭ ‬العالي‭ ‬أنا‭ ‬العوييل‭     ‬كَالرْيُوسْ‭ ‬كَتْقَطّعْ

آ‭ ‬مُولاَيْ‭ ‬بُوشْتَى‭ ‬الْخَمَّارْ‭        ‬أَ‭ ‬رَبِّي‭ ‬الْعَالِي‭          ‬الْعَايِلْ‭ ‬مَا‭ ‬زَيْنُو‭ ‬بَالصُّورَة

تَمَّ‭ ‬طَاحْ‭ ‬الْمَالُوفْ‭           ‬أَ‭ ‬رَبِّي‭ ‬الْعَالِي‭           ‬العايـل‭ ‬كالفرجة‭ ‬منصورة

أ‭ ‬سْيَادِي‭ ‬وْمَا‭ ‬تْكَلَّمْ‭ ‬البَارُودْ‭                ‬أنا‭ ‬سْيَادِي‭ ‬بَيْنْ‭ ‬لَخْمَاسْ‭ ‬واغْـزَاوَة

أسْيادِي‭ ‬وْعَزُّوا‭ ‬عْلِينَا‭ ‬الرِّجَالْ‭                   ‬أنَا‭ ‬سْيَادِي‭ ‬وْمَا‭ ‬الْمَجْرُوح‭ ‬يَدَّاوَى

لقد‭ ‬برع‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية،‭ ‬وبدقة‭ ‬لا‭ ‬متناهية‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬وصارت‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الجمال‭ ‬والخصوبة،‭ ‬لمّا‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬مجموعة‭ ‬القبائل،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬والثيمات‭ ‬الرئيسة‭ ‬التي‭ ‬تناولتها‭ ‬العيطة،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬وقبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الموضوعات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬الموضوعة‭ ‬باعتبارها‭ ‬اليست‭ ‬سوى‭ ‬التلوين‭ ‬العاطفي‭ ‬لكل‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية،‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬تستخدم‭ ‬فيه‭ ‬العلاقات‭ ‬الأساسية‭ ‬للوجود،‭ ‬أي‭ ‬الطريقة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬علاقته‭ ‬بالعام،‭ ‬وبالآخرين،‭ ‬وباللهب34‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الموضوعات‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬شعرها‭ ‬العروسي‭ ‬والكرفطي‭ ‬وشكلت‭ ‬تجربة‭ ‬علاقتهما‭ ‬بالعالم‭ ‬نذكر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭:‬

موضوعة‭ ‬الحرب‭: ‬باعتبارها‭ ‬الموضوعة‭ ‬الأساس‭ ‬ويتبدى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيف‭ ‬المعجم‭ ‬الدال‭ ‬عليها‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬االشواطة‭ ‬ذلعديانب،‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬حرقة‭ ‬ومكيدة‭ ‬العدو،‭ ‬ولفظة‭ ‬البارود،‭ ‬الرجال‭ ‬ولفظة‭ ‬المجروح،‭ ‬الريوس‭ ‬كتقطع‭. ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬تؤشر‭ ‬على‭ ‬موضوعة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البقاع،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المنهج‭ ‬التاريخي‭ ‬قارب‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬سياق‭ ‬وظروف‭ ‬إنتاج‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬الشفهي،‭ ‬وأن‭ ‬البحث‭ ‬التاريخي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬النص‭ ‬العيطي‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬الخاص‭ ‬ويجعل‭ ‬منه‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالنظرة‭ ‬السطحية‭ ‬لفن‭ ‬العيطة‭ ‬الأصيل‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬العيطة‭ ‬حسب‭ ‬حسن‭ ‬نجمي‭ ‬اانتقدت‭ ‬ظروف‭ ‬الحرب،‭ ‬ومحنة‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬عانى‭ ‬الخوف،‭ ‬الجوع،‭ ‬الموتب35،‭ ‬ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬شعر‭ ‬العيطة،‭ ‬بانفتاحه‭ ‬على‭ ‬المحيط،‭ ‬هو‭ ‬شعر‭ ‬نظمته‭ ‬الجماعة‭.‬

‭ ‬موضوعة‭ ‬الحب‭: ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العبارة،‭ ‬اتَمّ‭ ‬طَاحْ‭ ‬المَالُوفْب،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬وظائف‭ ‬االموسمب‭ ‬نجد‭ ‬وظيفة‭ ‬التعارف‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬والشابات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الزواج،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬في‭ ‬سرية‭ ‬تامة،‭ ‬ويكتفي‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشباب‭ ‬فقط‭ ‬بنظرات،‭ ‬لمعرفة‭ ‬عائلة‭ ‬الطرف‭ ‬اللآخر‭ ‬وتحديد‭ ‬موعد‭ ‬الخطوبة‭. ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يتأكد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نص‭ ‬عيطي‭ ‬أخر‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭:‬

كَـانَبْكي‭ ‬وَانْـبَكّي‭                       ‬وَانْقَطّرْ‭ ‬فَادْمُوعي

وَاعْــــيُونَكْ‭ ‬اَلْـعَايْلَة‭                       ‬في‭ ‬قَلْبي‭ ‬جَـرْحُوني

وَا‭ ‬الطّـالْــعـينْ‭ ‬يْـزُورُوا‭                       ‬فَالْعَقْبَة‭ ‬يَرْتَاحُــو

عَيْـني‭ ‬شَفْـتْ‭ ‬الـزّيـــنْ‭                       ‬وَارْكَابي‭ ‬طَـاحُـــو

‭ ‬نلاحظ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬أن‭ ‬العيطة،‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬والجبلية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬اتنتقد‭ ‬ظروفا‭ ‬اجتماعية‭ ‬قديمة،‭ ‬قيدت‭ ‬حرية‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬علاقات‭ ‬حب‭ ‬بالجنس‭ ‬الآخر‭ ‬واختيار‭ ‬زواجهب36،‭ ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬الشاعر‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬حب‭ ‬عذري‭ ‬آخر،‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬حبه‭ ‬للرجال‭ ‬المجاهدين‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬رثاء،‭ ‬اوْمَا‭ ‬عَزُّو‭ ‬عْلينَا‭ ‬الرّجَالب‭. ‬وكأنه‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يترجم‭ ‬إحساس‭ ‬الجماعة‭ ‬بالحنين‭ ‬لمن‭ ‬لقوا‭ ‬حتفهم‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬واللوعة‭ ‬عليهم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينسى‭ ‬المجروحين،‭ ‬الذين‭ ‬سيمثلون‭ ‬للشفاء‭. ‬

الموت‭:‬‭ ‬وتتأرجح‭ ‬الموت‭ ‬بين‭ ‬موت‭ ‬قطيع‭ ‬المواشي‭ ‬المذبوح‭ '‬كَالرْيُوسْ‭ ‬كَتْقَطَّعْ‭' ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الولائم‭ ‬والوجبات‭ ‬المرافقة‭ ‬للموسم‭. ‬وموت‭ ‬صعب‭ ‬لا‭ ‬يهون‭ ‬آلامه،‭ ‬وهو‭ ‬موت‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الوغى،‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬اعَزُّوا‭ ‬عْلينَا‭ ‬الرّجَالْب‭.‬

‭ ‬الفرجة‭:‬‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬أي‭ ‬امُوسَمْب‭ ‬من‭ ‬مواسم‭ ‬اجبالة‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الفرجة‭ ‬واللعب‭ ‬والمرح،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬العيطة‭ ‬جد‭ ‬دقيق‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬مظاهر‭ ‬هذه‭ ‬الفرجة،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬اكَالفْرَجَة‭ ‬مَنْصُورَةب‭ ‬وهي‭ ‬استعارة‭ ‬جد‭ ‬بليغة‭ ‬تؤشر‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفال‭ ‬والفرجة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭.‬

‭ ‬القبيلة‭:‬‭ ‬وهنا‭ ‬مربط‭ ‬الفرس‭ ‬فالقبيلة‭ ‬في‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬نسقها،‭ ‬حيث‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬النص‭ ‬العيطي‭ ‬والتمثل‭ ‬القيمي‭ ‬سواء‭ ‬للأحداث‭ ‬أو‭ ‬الرجال،‭ ‬أو‭ ‬الأماكن‭ ‬أو‭ ‬الأولياء،‭ ‬وحتى‭ ‬للمواضيع‭ ‬والثيمات‭ ‬الرئيسة‭ ‬فيها‭. ‬بل‭ ‬جعل‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬الهام‭ ‬جدا‭ ‬لقبيلة‭ ‬الأخماس‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬والثورات‭ ‬تقابله‭ ‬مركزية‭ ‬هذه‭ ‬القبيلة‭ ‬وبقية‭ ‬القبائل،‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬العيطي‭ ‬اأَسْيَادي‭ ‬وْمَا‭ ‬تْكَلَّمْ‭ ‬الْبَارُودْ‭ ‬بَيْنْ‭ ‬لَخْمَاسْ‭ ‬واغْزَاوَةب‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سنبينه‭ ‬في‭ ‬المحور‭ ‬القادم‭.‬

3‭)‬الدلالة‭ ‬الرمزية‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬القبائل‭:‬

لقد‭ ‬حاول‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي‭ ‬جمع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اسم‭ ‬قبلي‭ ‬في‭ ‬عيطة‭ ‬واحدة،‭ ‬مقدما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬وصفا‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬سريع‭ ‬ومختزل،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دلالة،‭ ‬فلو‭ ‬قمنا‭ ‬بإحصاء‭ ‬القبائل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العيوط،‭ ‬فإننا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬قبيلة‭ ‬من‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬ذكرها،‭ ‬ولعل‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬يغنيها‭ ‬رائد‭ ‬العيطة‭ ‬الجبلية‭ ‬حاجي‭ ‬السريفي،‭ ‬وغيره‭ ‬كثير‭ ‬بعنوان‭ ‬اجِيبْ‭ ‬لِي‭ ‬شِي‭ ‬مْرَا‭ ‬جَبْلِيةب‭ ‬خير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬وفيها‭ ‬ذكر‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬عروس‭ ‬وبني‭ ‬يسف‭ ‬واغمارة‭ ‬والاخماس‭ ‬وجبل‭ ‬لحبيب‭ ‬وبني‭ ‬كرفط‭ ‬وغيرها‭ : ‬

فمن‭ ‬خلال‭ ‬الملاحظة‭ ‬الأولية‭ ‬لقصيدة‭ ‬اجيب‭ ‬لي‭ ‬شي‭ ‬مرا‭ ‬جبليةب‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬الشفهي،‭ ‬ذكر‭ ‬اسم‭ ‬إثنتا‭ ‬عشر‭ ‬قبيلة‭ ‬من‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة‭ ‬وخلالها‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬أمه‭ ‬أن‭ ‬تزوجه‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬جبلية‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬القبائل،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬حصل‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬وانتمائها؟‭ ‬ثم‭ ‬لماذا‭ ‬حصر‭ ‬زواجه‭ ‬داخل‭ ‬قبائل‭ ‬اجبالة؟‭ ‬بل‭ ‬لماذا‭ ‬جمع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬عيطي‭ ‬واحد؟‭.‬

كان‭ ‬لاجتماع‭ ‬القبائل‭ ‬الجبلية‭ ‬شأن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وخير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬أوردناه‭ ‬في‭ ‬المحور‭ ‬السابق‭ ‬حول‭ ‬اجتماع‭ ‬القبائل‭ ‬على‭ ‬القائد‭ ‬زيطان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مساندته‭ ‬في‭ ‬ثورته‭. ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬تجمع‭ ‬قد‭ ‬تلحقه‭ ‬التفرقة‭ ‬فـالما‭ ‬دخلت‭ ‬تسع‭ ‬ومائتين‭ ‬وألف‭ ‬أمد‭ ‬السلطان‭ (‬مولاي‭ ‬سليمان‭) ‬أخاه‭ ‬المولى‭ ‬الطيب‭ ‬بجيش‭ ‬وافاه‭ ‬بطنجة‭ ‬فخرج‭ ‬منها‭ ‬ومعه‭ ‬عسكرها‭ ‬وعسكر‭ ‬العرائش‭ ‬وصمد‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬جرفط‭ ‬عش‭ ‬الفساد‭ ‬ونزل‭ ‬على‭ ‬بلادهم‭ ‬وقاتلهم‭ ‬في‭ ‬عقر‭ ‬ديارهم‭ ‬فقتل‭ ‬مقاتلتهم‭ ‬وأحرق‭ ‬مداشرهم‭ ‬وانتهب‭ ‬أموالهم‭ ‬ومزقهم‭ ‬كل‭ ‬ممزق‭ ‬فجاؤوه‭ ‬خاضعين‭ ‬تائبين‭  ‬فعفا‭ ‬عنهم‭ ‬ثم‭ ‬تقدم‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬حرشن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يدير‭ ‬على‭ ‬تفيئة‭ ‬ذلك‭ ‬ففر‭ ‬الثائر‭ ‬زيطان‭ ‬إلى‭ ‬قبيلته‭ ‬بالاخماس‭ ‬وتسللت‭ ‬عنه‭ ‬القبائل‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ملتفة‭ ‬عليه‭ ‬واستنزله‭ ‬المولى‭ ‬الطييب‭ ‬بالأمان‭ ‬فظفر‭ ‬به‭ ‬وبعث‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬السلطانب37‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الاجتماع‭ ‬والالتفاف،‭ ‬سيعرف‭ ‬التفرقة‭ ‬بسبب‭ ‬انتشار‭ ‬أعمال‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬القبائل‭. ‬