اللغة العدد
«اللاَّنص/ السيرة الشعبية» وتعالق المفاهيم في كتاب: «الكلام والخبر» لسعيد يقطين1
«اللاَّنص/ السيرة الشعبية» وتعالق المفاهيم في كتاب: «الكلام والخبر» لسعيد يقطين1
العدد 47 - أدب شعبي

 

د‭. ‬محمد‭ ‬عدناني،‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

 

قليلون‭ ‬هم‭ ‬الباحثون‭ ‬الذين‭ ‬يهتمون‭ ‬بقضايا‭ ‬الإبداع‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬نقدي‭ ‬متكامل،‭ ‬فيصدرون‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬وخلفية‭ ‬فكرية‭ ‬تُمَكِّنُهم‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬تصور‭ ‬متكامل‭ ‬لِما‭ ‬يبحثون‭ ‬فيه،‭ ‬فيضعون‭ ‬الَّلبِنات‭ ‬الأولى‭ ‬للمشروع،‭ ‬ويُوجِدون‭ ‬الأسس‭ ‬النظرية‭ ‬لتأطيره،‭ ‬ويختارون‭ ‬الإبداع‭ ‬الملائم‭ ‬ليكون‭ ‬موضوعا‭ ‬للدراسة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قِلَّتهم‭ ‬كما‭ ‬قلنا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للباحث‭ ‬في‭ ‬السرديات‭ ‬العربية‭ ‬إلا‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬المشروع‭ ‬العلمي‭ ‬السردي‭ ‬الكبير‭ ‬للأستاذ‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين،‭ ‬الذي‭ ‬دشنه‭ ‬بعدة‭ ‬مؤلفات،‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭: ‬انفتاح‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭: ‬النص‭ ‬والسياق‭ (‬1989‭)‬،‭ ‬الرواية‭ ‬والتراث‭ ‬السردي‭: ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وعي‭ ‬جديد‭ ‬بالتراث‭ (‬1992‭)‬،‭ ‬ذخيرة‭ ‬العجائب‭ ‬العربية‭: ‬سيف‭ ‬بن‭ ‬ذي‭ ‬يزن‭ (‬1994‭)‬،‭ ‬قال‭ ‬الراوي‭: ‬البنيات‭ ‬الحكائية‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبية‭ (‬1997‭)‬،‭ ‬تحليل‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭: ‬الزمن،‭ ‬السرد،‭ ‬التبئير‭ (‬1999‭)‬،‭ ‬الأدب‭ ‬والمؤسسة‭: ‬نحو‭ ‬ممارسة‭ ‬أدبية‭ ‬جديدة‭ (‬2000‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬ممتدا‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مؤلفاته‭: ‬قضايا‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة‭: ‬الوجود‭ ‬والحدود‭ (‬2010‭)‬،‭ ‬النص‭ ‬المترابط‭ ‬ومستقبل‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ (‬2012‭)‬،‭ ‬السرديات‭ ‬والتحليل‭ ‬السردي‭: ‬الشكل‭ ‬والدلالة‭ (‬2012‭)‬،‭ ‬الفكر‭ ‬الأدبي‭ ‬العربي‭: ‬البنيات‭ ‬والأنساق‭ (‬2014‭)‬؛‭ ‬وحيث‭ ‬إن‭ ‬اللاحق‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬ايحيل‭ ‬على‭ ‬السابق‭ ‬دائما،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬أن‭ ‬يُقْرَأَ‭ ‬إلا‭ ‬متكاملا‭ ‬ومتعالقا‭ ‬مع‭ ‬بعضه‭ ‬البعضب2‭.‬

ويتبوأ‭ ‬كتاب‭ ‬االكلام‭ ‬والخبرب‭ ‬مكانة‭ ‬متميزة‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬العلمي‭ ‬للباحث؛‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬يعد‭ ‬استمرارا‭ ‬لمشروع‭ ‬نقدي‭ ‬كبير‭ ‬دُشِّنَ‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينات‭ ‬بقراءات‭ ‬متعددة‭ ‬للتراث‭ ‬الأدبي‭ ‬العربي؛‭ ‬كما‭ ‬يعد‭ ‬تتويجا‭ ‬لهذه‭ ‬القراءات‭ ‬أيضا،‭ ‬وفاتحة‭ ‬لدراسات‭ ‬أخرى،‭ ‬وبداية‭ ‬طموح‭ ‬كبير‭ ‬لإعادة‭ ‬قراءة‭ ‬التراث‭ ‬برؤى‭ ‬جديدة‭ ‬اختمرت‭ ‬لديه‭ ‬بالتجربة‭ ‬وبالاطلاع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬أُنْجِزَ‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وهو‭ ‬طموح‭ ‬مشروع‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬دقيقة‭ ‬بخبايا‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ويصدر‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬تضع‭ ‬التراث‭ ‬موضع‭ ‬الـمُساءَلَة‭ ‬والاختبار‭ ‬بحس‭ ‬نقدي‭ ‬صارم‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬المنافحة،‭ ‬ولا‭ ‬يروم‭ ‬خيار‭ ‬التقديس،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬مر‭ ‬الباحث‭ ‬عبر‭ ‬جيوب‭ ‬مَرِنَةٍ‭ ‬اقتضاها‭ ‬الاختيار‭ ‬المنهجي،‭ ‬وفرضها‭ ‬التباس‭ ‬الموضوع‭ ‬وطبيعته؛‭ ‬فكان‭ ‬لزاما‭ ‬أن‭ ‬يسلك‭ ‬مَسْلكَيْ‭ ‬الصرامة‭ ‬والمرونة‭ ‬معا،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬المسعى‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬جديد‭ ‬لمفاهيم‭ ‬اسْتُهْلِكَتْ‭ ‬بما‭ ‬يكفي،‭ ‬وما‭ ‬دام‭ ‬يحاور‭ ‬تصورات‭ ‬متراكمة‭ ‬قصد‭ ‬تصحيح‭ ‬ما‭ ‬اعتور‭ ‬منها،‭ ‬وتهذيب‭ ‬ما‭ ‬اختل‭ ‬فيها‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬لأجل‭ ‬تقديم‭ ‬قراءة‭ ‬تجعل‭ ‬التراث،‭ ‬بمختلف‭ ‬مكوناته،‭ ‬ممتدا‭ ‬فينا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬عتبات‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬لأجل‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭/ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬أُهْمِلَ‭ ‬منه،‭ ‬وغُضَّ‭ ‬الطرف‭ ‬عنه،‭ ‬باعتبارٍ‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬أو‭ ‬بدونهما‭.‬

لقد‭ ‬أُنْجِز‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالأعمال‭ ‬السردية‭ ‬عموما،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬المهمَّشة‭ ‬منها‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُفْهَمُ‭ ‬بوضوح‭ ‬من‭ ‬التشديد‭ ‬المستمر‭ ‬للباحث‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬أدب‭ ‬السِّيَرِ،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الشعبية‭ ‬منها،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬خصوصيتها‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحيلنا‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬القضية‭ ‬النقدية‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬إنها‭ ‬قضية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية،‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬إليها‭ ‬الباحث‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬لا‭ ‬لتزكية‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تداوله‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬والنقاد،‭ ‬وإنما‭ ‬للتعديل‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬بتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع،‭ ‬لتشمل‭ ‬كل‭ ‬الكتابات‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إقصاؤها‭ ‬أو‭ ‬تهميشها،‭ ‬منطلقا‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬واضح‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة،‭ ‬سعيا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نظرية‭ ‬شاملة‭ ‬للكلام‭ ‬العربي،‭ ‬وذلك‭ ‬بإقامة‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬المُنْجَز‭ ‬النقدي‭ ‬الغربي‭ ‬والتراث‭ ‬الإبداعي‭ ‬العربي‭.‬

فإلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬مَيَّزَ‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين‭ ‬بين‭ ‬المفاهيم؟‭ ‬وبأي‭ ‬دليل‭ ‬أقام‭ ‬بعضها‭ ‬مقام‭ ‬البعض؟‭ ‬وبماذا‭ ‬تَوَسَّل‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬وما‭ ‬يميز‭ ‬بينها‭ ‬أيضا؟‭ ‬وما‭ ‬حدود‭ ‬التعالق‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم؟

‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬وغيرها‭ ‬إحدى‭ ‬البواعث‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬حركت‭ ‬رغبتنا‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬هذا‭ ‬القراءة،‭ ‬التي‭ ‬سنتطرق‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬تصور‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين‭ ‬للسيرة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وسننظر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭ ‬أساسية،‭ ‬هي‭: ‬االتراثب‭ ‬واالنصب،‭ ‬واالجنس‭ ‬الأدبيب‭. ‬مع‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬الوسائط‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الانتقال‭ ‬عبرها‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم،‭ ‬مثل‭: ‬االكلامب‭ ‬وااللانصب‭.‬

 

بناء‭ ‬الكتاب

حدد‭ ‬الباحث‭ ‬مشروع‭ ‬كتابه‭ ‬بوضوح‭ ‬تام،‭ ‬وبشكل‭ ‬صريح‭ ‬لا‭ ‬لَبْس‭ ‬فيهما،‭ ‬فهو‭ ‬يحاول‭ ‬إبراز‭ ‬خصوصية‭ ‬نص‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬ضمن‭ ‬النص‭ ‬العربي‭ ‬العام،‭ ‬وإظهار‭ ‬موقعه‭ ‬االنصي‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬استنتاجه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشروط‭ ‬النصية‭ ‬في‭ ‬التقليد‭ ‬العربي‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا،‭ ‬وذلك‭ ‬بغية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نصية‭ ‬جديدة،‭ ‬ظلت‭ ‬مُقْصاةً‭ ‬ومُهْمَلَةً‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬البحث‭ ‬والاهتمامب3‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭ ‬الصريح‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنجازه‭ ‬باليُسر‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تُطْرَحُ‭ ‬به‭ ‬المشاريع‭ ‬عادة،‭ ‬وإنما‭ ‬يفرض‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الباحث‭ - ‬في‭ ‬مواضيع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬والحجم،‭ ‬وبهذه‭ ‬المواصفات‭ - ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬مقدمات‭ ‬تُسْعِفُ‭ ‬في‭ ‬تهييئ‭ ‬خيارات‭ ‬عدة‭ ‬لتدبير‭ ‬الدراسة،‭ ‬وتيسير‭ ‬البحث‭. ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬يصبح‭ ‬عسيرا‭ ‬حين‭ ‬تصير‭ ‬هذه‭ ‬المقدمات‭ ‬إشكالية‭ ‬حقيقية،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬تنهض‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬ملتبسة،‭ ‬بدون‭ ‬الوقوف‭ ‬عليها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التقدم‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬

والأعسر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬هي‭: ‬االتراثب‭ ‬واالنصب‭ ‬وااللانصب‭ ‬واالجنسب‭ ‬واالنوعب‭ ‬واالنمطب‭... ‬فهذه‭ ‬مَنْظومات‭ ‬مفاهيمية‭ ‬قائمة‭ ‬الذات،‭ ‬ومواضيعُ‭ ‬بَحْثٍ‭ ‬أيضا،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بينها‭ ‬غائمة‭ ‬ومُتداخلة‭. ‬وتَبَيُّنُ‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬بينها‭ ‬ليس‭ ‬بالعمل‭ ‬الهيِّن‭ ‬والمتيسر‭. ‬ولكل‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬الباحث،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المنهجية،‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬قصد‭ ‬فحصها‭ ‬وتحديد‭ ‬موقعها،‭ ‬وتبيان‭ ‬حدود‭ ‬التفاعل،‭ ‬وحجم‭ ‬التمايز‭ ‬بينها‭. ‬

إن‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬العلمية‭ ‬الكبرى‭ ‬يتميزون‭ ‬بوضح‭ ‬الرؤية‭ ‬والمنهج؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ -‬بشكل‭ ‬كامل‭ - ‬على‭ ‬بناء‭ ‬كتبهم‭ ‬وطرحهم‭ ‬للقضايا‭ ‬التي‭ ‬يتناولونها‭. ‬إنهم‭ ‬أصحاب‭ ‬نسق‭ ‬فكري‭ ‬ومنهجي‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬الباحث‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬إدراكه‭.‬

وككل‭ ‬كتب‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين،‭ ‬كان‭ ‬كتاب‭ ‬االكلام‭ ‬والخبرب‭ ‬مبنيا‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬يتدرج‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬قضاياه‭ ‬من‭ ‬الأعم‭ ‬إلى‭ ‬العام،‭ ‬إلى‭ ‬الخاص‭ ‬فالأخص،‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬القراءة‭ ‬الاستقرائية‭ ‬للقضايا‭ ‬المطروحة؛‭ ‬وهكذا،‭ ‬فقد‭ ‬بنى‭ ‬كتابه‭ ‬على‭ ‬تأطير‭ ‬وأربعة‭ ‬فصول‭ ‬كبيرة،‭ ‬بَيْنَها‭ ‬ترابط‭ ‬شديد،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تفاوتت‭ ‬القضايا‭ ‬المدروسة‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعتها‭ (‬عام‭/ ‬خاص‭)‬؛‭ ‬أي‭ ‬السرديات‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬فالسيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬باعتبارها‭ ‬نصا‭ ‬جزئيا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬السرد‭ ‬عموما‭. ‬

 

السرديات‭ ‬والسرد‭ ‬العربي‭ ‬

خصص‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬فصله‭ ‬الأول‭ ‬لمعالجة‭ ‬مسألة‭ ‬السرديات،‭ ‬مُرَكِّزا‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬السرد،‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬عنه‭: ‬إنه‭ ‬الا‭ ‬حدود‭ ‬له،‭ ‬يتسع‭ ‬ليشمل‭ ‬مختلف‭ ‬الخطابات،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬أدبية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬أدبية‭. ‬يبدعه‭ ‬الإنسان‭ ‬أينما‭ ‬وُجِدَ،‭ ‬وحيثما‭ ‬كانب4‭. ‬جاعلا‭ ‬ذلك‭ ‬تمهيدا‭ ‬لإدراج‭ ‬نص‭ ‬السيرة‭ ‬ضمنه،‭ ‬باعتبار‭ ‬فرضيتين‭ ‬كبيرتين،‭ ‬بِخَلْفِيَتَيْ‭ ‬السردي‭ ‬والثقافي،‭ ‬حددهما‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬كما‭ ‬يلي5‭:‬

السيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬خطاب‭ ‬سردي،‭ ‬ويعني‭ ‬بذلك‭ ‬أنها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬السردية،‭ ‬التي‭ ‬خلَّفها‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬السردية‭.‬

إنها‭ ‬نص‭ ‬ثقافي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬النصوص‭ ‬الأخرى،‭ ‬وامتصاصها‭ ‬وصهرها‭ ‬في‭ ‬خصوصياته،‭ ‬ممثِّلا‭ ‬لها‭ ‬بالرواية‭. ‬

وهنا‭ ‬يشير‭ ‬يقطين‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬جميعا‭ - ‬وإن‭ ‬بتفاوت‭ - ‬وهو‭ ‬التناص،‭ ‬الذي‭ ‬يُعْنَى‭ ‬برحلة‭ ‬المعاني‭ ‬الثقافية‭ ‬المشتركة6‭. ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬مَرَّةٍ،‭ ‬بل‭ ‬خصص‭ ‬له‭ ‬كتابا‭ ‬كاملا،‭ ‬هو‭ ‬اانفتاح‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭: ‬النسق‭ ‬والسياقب‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬تحديداته‭ ‬دائما،‭ ‬تناول‭ ‬الباحث،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفصل،‭ ‬مصطلح‭ ‬االسردياتب،‭ ‬مُكافِئا‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬مصطلح‭ ‬االشِّعْرِياتب،‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬سماه‭: ‬االبُوَيْطِيقاب‭ ‬كجنس‭ ‬أعلى؛‭ ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬االسردياتب‭ ‬هي‭ ‬الاختصاص‭ ‬الجزئي،‭ ‬الذي‭ ‬يهتم‭ ‬بسردية‭ ‬االخطاب‭ ‬السردي،‭ ‬ضمن‭ ‬علم‭ ‬كلي،‭ ‬هو‭ ‬البويطيقا،‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بأدبية‭ ‬الخطاب‭ ‬الأدبي‭ ‬بوجه‭ ‬عامب7‭.‬

ليختم‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬بالحديث‭ ‬عما‭ ‬سماه‭: ‬االملاءَمة‭ ‬العلمية‭ ‬والملاءَمة‭ ‬الاجتماعيةب‭ ‬سَعْياً‭ ‬منه‭ ‬للربط‭ ‬بين‭ ‬طبيعة‭ ‬الموضوع‭ (‬السيرة‭ ‬الشعبية،‭ ‬المنتمية‭ ‬للثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬العامة‭) ‬والقراءة‭ ‬العالِمَة‭ ‬الممنهجة،‭ ‬التي‭ ‬تبنى‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬علمية‭ ‬بنسق‭ ‬محدد،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬علاقة‭ ‬الذات‭ ‬بالموضوع،‭ ‬وفق‭ ‬إجراءات‭ ‬وأسئلة‭ ‬محددة،‭ ‬لنص‭ ‬الا‭ ‬علميب‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬وفق‭ ‬تصور‭ ‬تَبَنَّاه‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين،‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإقصاء،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬التطهير‭ ‬أو‭ ‬الجنس‭ ‬الخالص،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬والتداخل‭.‬

 

السيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬ومقولة‭ ‬الأجناس

لا‭ ‬يجد‭ ‬الباحث‭ ‬صعوبة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬عمل‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬حدده‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه،‭ ‬فهو‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬الموقع‭ ‬الملائِم‭ ‬لــ‭ ‬انص‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬ضمن‭ ‬الأنواع‭ ‬الأخرى‭ ‬االمعتَرفب‭ ‬بها‭. ‬ولهذه‭ ‬الغاية‭ ‬خصص‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬المتَداوَلَة‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬كـ‭ ‬االتراثب،‭ ‬الذي‭ ‬اعتبره‭ ‬مفهوما‭ ‬ملتبِسا‭ ‬وشاملا؛‭ ‬لأنه‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬المكتوب‭ ‬والمحكي،‭ ‬وإلى‭ ‬العمران‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد8‭. ‬مُعَرِّجا‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬التباسا‭ ‬هو‭ ‬االنصب،‭ ‬مُناقِشا‭ ‬إياه‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالزمان‭ ‬والنظرية‭ ‬والتفاعل‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الهدف‭ ‬الْـمُعْلَن‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬انصب‭ ‬أو‭ ‬الا‭ ‬نصب‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبية،‭ ‬الذي‭ ‬قَرَنَهُ‭ ‬بمفهوم‭ ‬أكبر‭ ‬هو‭ ‬االكلامب‭. ‬

والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬اهتمام‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬بمفهوم‭ ‬االلانصب‭ ‬كان‭ ‬كبيرا،‭ ‬وهو‭ ‬منسجم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬نفسه؛‭ ‬لأنه‭ ‬يسعى‭ - ‬بتدرجه‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ - ‬إلى‭ ‬استرجاع‭ ‬بعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬تناولها‭ -‬ومنها‭ ‬النص‭- ‬بدلالات‭ ‬امتعددة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬تتنوع‭ ‬أو‭ ‬تتعدد‭ ‬بتعدد‭ ‬الاستعمالات‭ ‬في‭ ‬القديم‭ ‬والحديث،‭ ‬وتتنوع‭ ‬بتنوع‭ ‬المشتغلين‭ ‬به‭ ‬لغة‭ ‬واصطلاحاب9،‭ ‬قصد‭ ‬إعطاء‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬المكانة‭ ‬المتميزة،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬جديرة‭ ‬بها‭ ‬بين‭ ‬الأنواع‭ ‬الأدبية‭.‬

وما‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬الفهم،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬خصص‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬بأكمله‭ ‬لمناقشة‭ ‬مفهوم‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬مناقشة‭ ‬مستفيضة‭: ‬تعريفا‭ ‬وماهية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬العرب،‭ ‬أم‭ ‬لدى‭ ‬المستشرقين،‭ ‬على‭ ‬اعتباره‭ ‬السبق‭ ‬التاريخي‭ ‬للغرب‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬بأدب‭ ‬السِّيَر‭ ‬عموما10‭. ‬

ويبدو‭ - ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فاتحة‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬المعنون‭ ‬بــ‭: ‬اتساؤلات‭ ‬حول‭ ‬الكلام‭ ‬العربيب‭ - ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬نَسَفَ‭ ‬مبدأ‭ ‬الخَطِّيَّة،‭ ‬الذي‭ ‬سلكه‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬قضاياه؛‭ ‬إذ‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬المفاهيم‭ ‬الكبرى‭ ‬المحيطة‭ ‬بمفهوم‭ ‬االكلامب‭. ‬ومع‭ ‬التدرج‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬معالجة‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬لها،‭ ‬سيتضح‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬مَداخل‭ ‬عامة‭ ‬حول‭ ‬الكلام،‭ ‬لبسط‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬تلويناته،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬الْمُهْمَلة،‭ ‬التي‭ ‬اعتنى‭ ‬بها‭ ‬اعتناء‭ ‬شديدا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬االنادرةب‭ ‬وااللَّطيفةب‭ ‬واالنكتةب‭ ‬وغيرها‭ .‬

وبتخصيص‭ ‬أكبر،‭ ‬جاء‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ ‬ليناقش‭ ‬مسألة‭ ‬الجنس‭ ‬والنص‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬العربي،‭ ‬خاصة‭ ‬مفاهيم‭ ‬االجنسيةب،‭ ‬واالسرديةب،‭ ‬واالنصيةب،‭ ‬وفق‭ ‬مبادئ‭ ‬ومقولات‭ ‬وتجليات‭ ‬سنتعرف‭ ‬عليها،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭.‬

قلنا‭ ‬إن‭ ‬الكتاب‭ ‬معقود‭ ‬لأجل‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬التي‭ ‬أُهْمِلَتْ‭ ‬أو‭ ‬هُمِّشَت‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أُهْمِل‭ ‬وهُمِّشَ‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإبداع،‭ ‬وهو‭ ‬الموضوع‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تطرق‭ ‬إليه‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬اقال‭ ‬الراوي‭: ‬البنيات‭ ‬الحكائية‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبيةب‭. ‬قال‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬الحجمري‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬دراسةٍ‭ ‬له‭ ‬لكتابيْ‭: ‬االكلام‭ ‬والخبرب،‭ ‬واقال‭ ‬الراويب‭ ‬للأستاذ‭ ‬يقطين‭: ‬ايظهر‭ ‬مما‭ ‬سلف،‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬التي‭ ‬يبحثها‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين‭ ‬في‭ ‬كتابَيْه‭: ‬االكلام‭ ‬والخبرب،‭ ‬واقال‭ ‬الراويب‭ ‬ترمي‭ ‬دراسةَ‭ ‬السيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬العربية‭ ‬والسرد‭ ‬العربي،‭ ‬واستخلاص‭ ‬تصوّر‭ ‬نظري‭ ‬محدد‭ ‬يراعي‭ ‬تميّز‭ ‬السيرة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العربي‭ ‬والإنسانيب11‭.‬

والمطلع‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬سيتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬أولى‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬لمسألة‭ ‬التجنيس‭ ‬والتصنيف،‭ ‬وذلك‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تَدَرُّجِه‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬االتراثب‭ ‬إلى‭ ‬االنصب‭ ‬إلى‭ ‬االلانصب‭ ‬إلى‭ ‬االجنس‭ ‬والنوع‭ ‬والنمطب‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سَنُفْرِدُ‭ ‬له‭ ‬نقاشا‭ ‬خاصا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الكتاب‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬مارس‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التأويلات‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بالانتقال‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬تصوره‭ ‬ومسعاه‭. ‬

إن‭ ‬تبني‭ ‬الباحث‭ ‬لمفهوم‭ ‬االكلامب‭ ‬باعتباره‭ ‬الجنس‭ ‬الأعلى‭ ‬والجامع‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬المنطلق‭ ‬لبسط‭ ‬تصوراته،‭ ‬جاعلا‭ ‬إياه‭ ‬مدخلا‭ ‬لتصنيف‭ ‬الكلام‭ ‬العربي‭ ‬وفق‭ ‬ثلاثة‭ ‬إجراءات‭ ‬محددة،‭ ‬هي‭:‬

المبادئ،‭ ‬التي‭ ‬عرَّفها‭ ‬بقوله‭: ‬االكُلِّيات‭ ‬العامة‭ ‬المجردة‭ ‬والمتعالية‭ ‬على‭ ‬الزمان‭ ‬والمكانب12؛‭ ‬

والمقولات،‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬عنده‭: ‬امختلف‭ ‬التصورات‭ ‬والمفاهيم‭ ‬التي‭ ‬نستعملها‭ ‬لرصد‭ ‬الظواهر‭ ‬ووصفهاب13،ت

والتجليات،‭ ‬التي‭ ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬مجمل‭ ‬التحققات‭ ‬النصية،‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬التصورات‭ ‬والأفكار،‭ ‬أو‭ ‬تربط‭ ‬االمجرد‭ ‬بالملموسب14‭.‬

 

تعالق‭ ‬المفاهيم

من‭ ‬مفهوم‭ ‬االتراثب‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬االجنس‭ ‬الأدبيب

1‭)‬االتراثب‭ ‬بين‭ ‬االنص‭ ‬والكلامب‭:‬

‭- ‬مفهوم‭ ‬التراث‭:‬

لا‭ ‬يُشْكِلُ‭ ‬على‭ ‬المُطَّلِعِ‭ ‬تَبَيُّنَ‭ ‬طبيعة‭ ‬التصورات‭ ‬المُنْجَزَة‭ ‬حول‭ ‬االتراثب‭ ‬مفهوما‭ ‬ومَتْنا؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن،‭ ‬بِيُسْر،‭ ‬تصنيفها‭ ‬إلى‭ ‬اتجاهين؛‭ ‬يقف‭ ‬الأول‭ ‬منه‭ ‬موقف‭ ‬الْـمُعْجَبِ‭ ‬الْـمُنْبَهِرِ‭ ‬الْمُنقاد‭ ‬إلى‭ ‬التقديس‭ ‬المجاني‭ ‬دون‭ ‬رَوِيَّةٍ‭ ‬أو‭ ‬تَبَصُّرٍ؛‭ ‬ويقف‭ ‬الثاني‭ ‬منه‭ ‬موقف‭ ‬الْمُنْكِرِ‭ ‬لإشْراقه،‭ ‬الذي‭ ‬يذهب‭ ‬مذهب‭ ‬التعسف‭ ‬حين‭ ‬يحاول‭ ‬سلب‭ ‬هذا‭ ‬االتراثب‭ ‬كل‭ ‬الصفحات‭ ‬النَّضِيرة،‭ ‬ويسعى‭ ‬خلف‭ ‬تكريس‭ ‬القطيعة‭ ‬معه،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إنما‭ ‬يسبح،‭ ‬بهذا‭ ‬التفكير،‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الوهم؛‭ ‬لأن‭ ‬التسليم‭ ‬بفكرة‭ ‬القطيعة‭ ‬مستحيل،‭ ‬والركون‭ ‬إلى‭ ‬الإلغاء‭ ‬هروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭.‬

والأكيد‭ ‬أن‭ ‬الموقفَيْن‭ - ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تناقضهما‭ ‬وسلبيتهما‭ - ‬سَهْلا‭ ‬التبني؛‭ ‬لأنهما‭ ‬يُعْفِيان‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الموضوع‭ ‬ومناقشة‭ ‬جوانبه‭ ‬المتشعبة‭. ‬وهما‭ ‬معا‭ ‬مَدخولان‭ ‬لا‭ ‬يصمدان‭ ‬أمام‭ ‬الانزياح‭ ‬الكوني‭ ‬للثقافة‭/ ‬عولمة‭ ‬الثقافة‭. ‬أو‭ ‬بأخف‭ ‬تعبير،‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬الكُلِّيات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُلْغي‭ ‬أيَّ‭ ‬تراث،‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مكوناته،‭ ‬وتستأنس‭ ‬بمنجزاته‭ ‬قصد‭ ‬تشكيل‭ ‬قاعدتها‭.‬

فبأي‭ ‬آليات‭ ‬نصنع‭ ‬لتراثنا‭ ‬موقعه‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة،‭ ‬ونُهَيِّئُ‭ ‬له‭ ‬أسباب‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الاجتياح‭ ‬الثقافي‭ ‬العالمي،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مَسْنُوداً‭ ‬بقراءة‭ ‬مُسْتَوْعِبةٍ‭ ‬تُشْرِفُ‭ ‬بنا‭ ‬وبه‭ ‬على‭ ‬حداثة‭ ‬نتطلع‭ ‬إليها؛‭ ‬حداثةٍ‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬حياتنا،‭ ‬معبرةٍ‭ ‬عن‭ ‬مقومات‭ ‬شخصيتنا؟15؛‭ ‬حداثةٍ‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬العَطب،‭ ‬شديدةِ‭ ‬النُّزوع‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬ثقافي‭ ‬ذي‭ ‬هُوية‭ ‬عربية‭ ‬صِرْفٍ،‭ ‬بمقومات‭ ‬كونية‭. ‬فالعبور‭ ‬بين‭ ‬ضِفَّتَيْ‭ ‬االتراثب‭ ‬وبالحداثةب‭ ‬يستلزم،‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد،‭ ‬تَشْيِيدَ‭ ‬جِسْرٍ،‭ ‬مُؤَادُّه‭ ‬النظر‭ ‬الدقيق،‭ ‬وتحديد‭ ‬الأهداف‭. ‬وإلا‭ ‬فـ‭ ‬االحداثةب‭ ‬التي‭ ‬نخطب‭ ‬وُدَّها‭ ‬ستظل‭ ‬وهْما‭ ‬نلهث‭ ‬خلف‭ ‬تحقيقه‭ ‬ما‭ ‬دمنا‭ ‬غير‭ ‬مُحَصَّنِين‭ ‬بـ‭ ‬اتراثب‭ ‬معلوم‭ ‬ومدروس‭ ‬ومفهوم،‭ ‬وغير‭ ‬محاورِين‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الوعي‭ ‬بالخصوصية،‭ ‬والوعي‭ ‬بالتفاعل‭ ‬معه‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬معلومة‭.‬

ووعيا‭ ‬منه‭ ‬بهذا‭ ‬النُّكُوص‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬االتراثب،‭ ‬وبالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬حضاري‭ ‬يحفظ‭ ‬له‭ ‬مكانته،‭ ‬ويدفع‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الاستمرارية‭ ‬والامتداد،‭ ‬وقف‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬طويلا‭ ‬ليستقري‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬به،‭ ‬ويستنطق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬فهمه‭ ‬فهما‭ ‬مُتَرَهِّلا‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬الْمُقارعة‭ ‬بالحُجة‭.‬

وإحساسا‭ ‬منه‭ ‬بالتباس‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬وشساعته‭ ‬أيضا،‭ ‬شبهه‭ ‬بألبوم‭ ‬الصور‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬إليه‭ ‬الأفراد‭ ‬ابعد‭ ‬مرور‭ ‬زمن‭ ‬طويل،‭ ‬لو‭ ‬أُتِيح‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬كتاب‭ ‬الصور‭ ‬هذا،‭ ‬لكن‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬تصور‭ ‬خاص،‭ ‬يُشَكِّلُه‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وعائلته،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬إدراكه‭ ‬وعلمه‭ ‬بالأمور‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬يتفحص‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الكتابب16‭.‬

وبذلك‭ ‬يتجاوز‭ ‬إشكالية‭ ‬التعريف‭ ‬الضيق،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الجدال‭ ‬ويعرقل‭ ‬السير‭ ‬العادي‭ ‬للدراسة؛‭ ‬إنه‭ ‬تعريف‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتخطى‭ ‬القراءات‭ ‬التي‭ ‬الم‭ ‬تأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬التي‭ ‬ننطلق‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الجوانب‭ ‬التراثية‭ ‬التي‭ ‬اهتمت‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تُمَكِّنُنا‭ ‬من‭ ‬تجديد‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ماضينا‭ ‬بالصورة‭ ‬التي‭ ‬تجعلنا‭ ‬نتقدم‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭ ‬وذِهْنيتها،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬تطلعات‭ ‬العربي‭ ‬وآفاقه‭ ‬المستقبليةب17‭.‬

‭ ‬ولأن‭ ‬االتراثب‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬إلا‭ ‬باتخاذ‭ ‬المواقف،‭ ‬بتوجيه‭ ‬من‭ ‬إيديولوجيات‭ ‬معينة،‭ ‬وجب‭ ‬طرح‭ ‬بدائل‭/ ‬مفاهيم‭ ‬أخرى‭ ‬تقوم‭ ‬مقام‭ ‬هذا‭ ‬االتراثب،‭ ‬وتكون‭ ‬أكثر‭ ‬تَخَفُّفاً‭ ‬من‭ ‬الشّحنات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والذاتية‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬به،‭ ‬فَتُسْعِفُ‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬الدراسة‭ ‬دون‭ ‬القفز‭ ‬على‭ ‬إشكاليات‭ ‬حقيقية،‭ ‬ودون‭ ‬إلغاء‭ ‬المقدمات‭ ‬وتزوير‭ ‬النتائج؛‭ ‬أي‭: ‬وجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬البدائل‭ ‬مُعادِلا‭ ‬موضوعيا‭ ‬لـ‭ ‬االتراثب،‭ ‬لا‭ ‬يقود‭ ‬تَخَيُّرها‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬النتائج،‭ ‬وإلا‭ ‬فالاختيار‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭. ‬فأي‭ ‬بديل‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بوظيفتين‭: ‬التَّحَلُّلُ‭ ‬مما‭ ‬يُشْحَنُ‭ ‬به‭ ‬االتراثب،‭ ‬ويحفظُ‭ ‬له‭ ‬هُوِيته،‭ ‬ويُهَيِّءُ‭ ‬له‭ ‬أسباب‭ ‬الامتداد؟

إنه‭ ‬ببساطة،‭ ‬االنصب‭ ‬بِتِجَرُّدِه‭ ‬التام‭ ‬من‭ ‬الأبعاد‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬االتراثب‭ ‬مفهوما‭ ‬ملتبسا‭ ‬وغائما‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬االنصب‭ ‬يسمو‭ ‬عن‭ ‬الالتباس؟‭ ‬وإلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬سيصمد‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬مع‭ ‬تدرج‭ ‬الدراسة؟

‭- ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬االنصب‭ ‬إلى‭ ‬االلانصب‭:‬

في‭ ‬سعيه‭ ‬الحثيث‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الالتباس‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬مفهوم‭ ‬االتراثب،‭ ‬وظف‭ ‬الباحث‭ ‬مفهوم‭ ‬االنصب‭ ‬بمبررات‭ ‬اختزلها‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬االنصب‭ ‬اأقدر‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬على‭ ‬التحلل‭ ‬من‭ ‬البعد‭ ‬الزمني،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬زمني؛‭ ‬لأنه‭ ‬يتصل‭ ‬بخاصية‭ ‬متعالية‭ ‬على‭ ‬الزمن،‭ ‬هي‭ ‬النصيةب‭ ‬18،‭ ‬وبهذا‭ ‬التحلل‭  ‬يتجاوز‭ ‬االنصب‭ ‬القَيْدَ‭ ‬الزمني‭ ‬الذي‭ ‬كَبَّل‭ ‬حرية‭ ‬االتراثب،‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬االأبحاث‭ ‬التي‭ ‬تناولته‭: ‬كل‭ ‬ما‭ ‬خلفه‭ ‬لنا‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمون‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ويتحدد‭ ‬زمنيا،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬خلفوه‭ ‬لنا‭ ‬قُبَيْل‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانيةب19‭.‬

إن‭ ‬النص‭ ‬بالمعنى‭ ‬المشار‭ ‬إليه،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬فينا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأوقات،‭ ‬ويحضر‭ ‬بيننا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المناسبات،‭ ‬يتحرك‭ ‬دون‭ ‬مؤشر‭ ‬زمني‭ ‬محدد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتيح،‭ ‬حسب‭ ‬الباحث،‭ ‬تأسيس‭ ‬نظرية‭ ‬لـ‭ ‬االنصب،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬معالجته‭ ‬ضمن‭ ‬نظرية‭ ‬مَّا‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬النصية‭. ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬بـ‭ ‬االنصب‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نظرية‭ ‬متجانسة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬جهاز‭ ‬مفاهيمي‭ ‬مُحدَّد،‭ ‬ووعي‭ ‬حديث‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬تبلور‭ ‬أسئلة‭ ‬أدبية‭ ‬قديمة‭ ‬حول‭ ‬االنصب‭ ‬ومكوناته‭ ‬الفنية20‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬االنصب‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬متعددة،‭ ‬وعُولِجَ‭ ‬بمفاهيم‭ ‬مختلفة‭ ‬فـ‭ ‬اجوليا‭ ‬كريستيفاب‭ ‬طرحت‭ ‬انظرية‭ ‬النصب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفاهيم‭ ‬متنوعة‭ ‬كـاالممارسة‭ ‬الدالة،‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬التدليل،‭ ‬التناص،‭ ‬النص‭ ‬الظاهر،‭ ‬والنص‭ ‬الْمُوَلِّدُب‭. ‬أما‭ ‬اجاك‭ ‬دريداب‭ ‬فقد‭ ‬طرح‭ ‬النظرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفاهيم‭ ‬أخرى،‭ ‬كـاالكتابة‭ ‬والاختلافب،‭ ‬وطرحها‭ ‬اجيرار‭ ‬جنيتب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬االنص‭ ‬الأعلى،‭ ‬جامع‭ ‬النصب،‭ ‬بينما‭ ‬ناقشها‭ ‬ارولان‭ ‬بارثب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفاهيم‭ ‬عديدة،‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬مفهوم‭ ‬الذة‭ ‬النصب21‭.‬

إن‭ ‬مفهوم‭ ‬االنصب‭ - ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحلله‭ ‬من‭ ‬البعد‭ ‬الزمني‭ - ‬أَقْدَرُ‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬االتراثب‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬غيره،‭ ‬فخاصية‭ ‬الانجذاب‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬خاصية‭ ‬معلومة،‭ ‬وميزة‭ ‬التَّعالُق‭ ‬ميزة‭ ‬ثابتة،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬النصوص‭ ‬لا‭ ‬تُولَد‭ ‬من‭ ‬فراغ‭. ‬وهذا‭ ‬التميز،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬ايسمح‭ ‬لنا‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬يتيح‭ ‬لنا‭ ‬إمكانية‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬نصوص‭ ‬أخرى،‭ ‬ومع‭ ‬السياق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬فيهب22‭.‬

وبكل‭ ‬هذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬يتم‭ ‬تجاوز‭ ‬سلبيات‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬االتراثب‭ ‬في‭ ‬بُعْدِه‭ ‬الزمني،‭ ‬ويتم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تغفله‭ ‬الدراسة،‭ ‬حين‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬االتراثب‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬الموضوع،‭ ‬ولا‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬نظرية،‭ ‬وتمارس‭ ‬الانتقاء‭ ‬في‭ ‬المعالجة‭ (‬محكومة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بوعي‭ ‬أيديولوجي‭ ‬مسبق‭).‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬االنصب‭ ‬جر‭ ‬الباحث‭ ‬إلى‭ ‬االلانصب،‭ ‬ومنهما‭ ‬إلى‭ ‬االكلامب‭ ‬الذي‭ ‬أَحَلَّهُ،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجية‭ ‬استبدال‭ ‬المفاهيم،‭ ‬محل‭ ‬االنصب‭ ‬بدلالاته‭ ‬المتنوعة‭. ‬وهذا‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬الدلالة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬بالأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬هذا‭ ‬الإحلال‭ ‬كالاستجارة‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬بالرَّمْضاء؛‭ ‬لأن‭ ‬مفهوم‭ ‬االنصب،‭ ‬أيضا‭ - ‬وبتنوعه‭ ‬الدلالي‭ - ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬التباسا‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬االتراثب؛‭ ‬قال‭: ‬اوإحلالنا‭ ‬إياه‭ (‬النص‭) ‬محل‭ ‬التراث‭ ‬وليد‭ ‬رغبة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬المفاهيم‭ ‬الْمُلتبسة،‭ ‬لكننا‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الْمُستجير‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬بالرَّمْضاء؛‭ ‬لأن‭ ‬النص‭ ‬متعددة‭ ‬الدلالات‭. ‬ولذلك،‭ ‬وبهدف‭ ‬تَجْلِيَّةِ‭ ‬المراد‭ ‬تحقيقه‭ ‬بتوظيف‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬بحثنا‭ ‬هذا،‭ ‬وحتى‭ ‬تتاح‭ ‬لنا‭ ‬إمكانية‭ ‬الانتهاء‭ ‬إليه‭ ‬تحديدا‭ ‬وتصورا،‭ ‬نستعير‭ ‬مفهوما‭ ‬أنسب‭ ‬وأدق‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬العربية،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬الكلام،‭ ‬ونُحِلُّه‭ ‬محل‭ ‬مفهوم‭ ‬النص‭. ‬وسنعاين‭ ‬أنه‭ (‬مفهوم‭ ‬الكلام‭) ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬للانطلاق‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬مختلف‭ ‬القضايا‭ ‬والإشكالات‭ ‬التي‭ ‬نود‭ ‬إثارتها‭. ‬سنوظف‭ ‬الآن‭ ‬الكلام‭ ‬محل‭ ‬النص،‭ ‬كما‭ ‬أَحْلَلْنا‭ ‬النص‭ ‬محل‭ ‬التراث،‭ ‬ونظل‭ ‬نتدرج‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬استرجاعه‭ ‬وتوظيفه‭ ‬مُحَمَّلاً‭ ‬بدلالات‭ ‬جديدة،‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬علاقته‭ ‬بالكلامب23‭.‬

يعلن‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬عن‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الباحث‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬االنصب‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬االكلامب،‭ ‬ومن‭ ‬مفهوم‭ ‬االكلامب‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬االنصب‭ ‬أيضا؛‭ ‬فالكلام‭ ‬وسيط‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والنص‭ (‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬جنسه‭ ‬أو‭ ‬نوعه‭: ‬قصة،‭ ‬شعرا،‭ ‬رواية‭)‬؛‭ ‬إذ‭ ‬الانتقال‭ ‬مرحلة‭ ‬تسمح‭ ‬بِتَعْبِيئِ‭ ‬االنصب‭ ‬بدلالات‭ ‬تخدم‭ ‬التوجه‭ ‬العام‭ ‬للباحث،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬االنصب‭ ‬وسيطا‭  ‬بين‭ ‬االتراثب‭ ‬واالكلامب‭. ‬وفي‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬فـ‭ ‬االكلامب‭ ‬هو‭ ‬الوسيط‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬االتراثب‭ ‬واالنصب‭. ‬وهنا‭ ‬يُطْرَحُ‭ ‬السؤال‭: ‬لماذا‭ ‬توسَّلَ‭ ‬الباحث‭ ‬بهذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬لتكون‭ ‬وسائط‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومواضيع‭ ‬بحث‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬يختصر‭ ‬الطريق‭ ‬فينتقل‭ ‬من‭ ‬االتراثب‭ ‬إلى‭ ‬االكلامب،‭ ‬دونما‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تنصيب‭ ‬االنصب‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬االتراثب‭ ‬وقبل‭ ‬االكلامب،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬اسْترْدادُهُ‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؟

يبدو،‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬وحده‭ ‬الكفيل‭ ‬بتوليد‭ ‬مفاهيم‭ ‬أخرى‭ ‬كــ‭ ‬االلانصب،‭ ‬وعقد‭ ‬المقارنة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬االنصب؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬مشروعية‭ ‬البحث‭ ‬فيه،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إيجاد‭ ‬موقع‭ ‬له‭. ‬وهذا‭ ‬الإجراء‭ ‬مدخل‭ ‬متماسك‭ ‬يُضْمِرُ‭ ‬مبررات‭ ‬إدخال‭ ‬االلانصب‭ ‬شريكا‭ ‬لـ‭ ‬االنصب‭ ‬في‭ ‬ارتباطهما‭ ‬بــ‭ ‬االكلامب؛‭ ‬قال‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين‭: ‬اوعندما‭ ‬نستعمل‭ ‬النص‭ ‬أو‭ ‬اللانص‭ ‬هنا،‭ ‬فإننا‭ ‬نُحَمِّلُهُ‭ ‬دلالة‭ ‬مفهوم‭ ‬الكلام‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬عند‭ ‬العربب24‭.‬

إن‭ ‬الاشتغال‭ ‬بـ‭/ ‬وعلى‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬مجتمعة‭ ‬االتراث،‭ ‬النص،‭ ‬اللانص،‭ ‬الكلام‭...‬ب‭ ‬يُسَهِّلُ‭ ‬الإمساك‭ ‬بالموضوع‭ ‬الرئيسي‭: ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬دراستها‭ ‬دراسة‭ ‬تُلغي‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬الإقصاء‭ ‬الذي‭ ‬مُورِسَ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬اعْتُبِرَ‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬االنصب‭ ‬بمبررات‭ ‬غير‭ ‬علمية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بدونها؛‭ ‬بل‭ ‬والانتقال‭ ‬بالسيرة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬التوظيف‭ ‬البُرْهاني‭ ‬الحِجاجي،‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬مستقل‭ ‬له‭ ‬مميزاته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُطْمَسُ،‭ ‬وهي‭ ‬مُنْدَسَّة‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬أنواع‭ ‬أدبية‭ ‬أخرى‭. ‬كما‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الاشتغال‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الإرث‭ ‬العربي،‭ ‬بمبدإ‭ ‬الملاءَمة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومحاولة‭ ‬مَوْقَعَة‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬مَوْقعا‭ ‬تصير‭ ‬فيه‭ ‬بحثا‭ ‬يستدعي‭ ‬توظيف‭ ‬كل‭ ‬الآليات،‭ ‬ويُبْحَثُ‭ ‬فيه‭ ‬بوعي‭ ‬منهجي‭ ‬تام،‭ ‬وبتحديد‭ ‬الأهداف‭ ‬بدقة‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم،‭ ‬إنْ‭ ‬بالارتكاز‭ ‬على‭ ‬اللُّحْمَةِ‭ ‬التي‭ ‬تجمعها،‭ ‬أو‭ ‬بالركون‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تنفرد‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬بعصها‭ ‬البعض‭ (‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتجاوز‭ ‬الالتباس‭) ‬دفع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬بحث‭ ‬مفاهيمَ‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬مبحث‭ ‬خاص،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المبحث‭ ‬شديد‭ ‬التعلق‭ ‬بالمباحث‭ ‬السابقة؛‭ ‬ومبعث‭ ‬الخصوصية‭ ‬فيه‭ ‬أنه‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭ ‬االجنس‭ ‬والنوع‭ ‬والنمطب‭ ‬ضمن‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭.‬

2‭) ‬الثابت‭ ‬والمتحول‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭: ‬االجنس،‭ ‬النوع،‭ ‬النمطب‭ ‬

لا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬النظريات؛‭ ‬لأنها‭ ‬ذ‭ ‬ببساطة‭ ‬شديدة‭ - ‬واكبت‭ ‬الأدب‭ ‬متى‭ ‬كان،‭ ‬لكنها‭ ‬نظرية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بذاتها،‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬ما‭ ‬تحترز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬التداخل‭ ‬مع‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬النظريات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬تَجَدُّدَ‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النظريات،‭ ‬وتَعَاقُبَهُ‭ ‬ما‭ ‬تَجَدَّدَتِ‭ ‬النظريات‭ ‬النصية‭ ‬وتعاقبَتْ‭. ‬فـ‭ ‬االنصب‭ ‬هو‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تتفاعل‭ ‬فيها‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬مع‭ ‬النظريات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وأي‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬االنصب‭ ‬يستدعي‭ - ‬لا‭ ‬محالة‭ - ‬البحث‭ ‬في‭ ‬تصنيفه‭ ‬وتمييزه،‭ ‬وهذا‭ ‬يستدعي‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أَدَقِّ‭ ‬خصائصه‭ ‬الثابتة‭ ‬والمتغيرة‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الْمُضْطلع‭ ‬على‭ ‬المعاجم‭ ‬العربية،‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬محاصرة‭ ‬مفهوم‭ ‬ما‭ ‬بالمعنى‭ ‬الدقيق،‭ ‬قد‭ ‬تقوده‭ ‬محاولته‭ ‬هذه‭ ‬إلى‭ ‬فشل‭ ‬الْمَسْعى،‭ ‬فيلتبس‭ ‬عليه‭ ‬الأمر‭ ‬بما‭ ‬تُقدِّمه‭ ‬هذه‭ ‬المعاجم‭. ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬يتصفح‭ ‬الباحث‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعاجم‭ ‬لِيُدْرِك‭ ‬حجم‭ ‬الصعوبة‭ ‬والالتباس‭.‬

‭ ‬ومفاهيم‭ ‬االجنس‭ ‬والنوع‭ ‬والضربب‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬المفاهيم‭ ‬تداخلا؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬بعضها‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬جِلْباب‭ ‬البعض‭ ‬الآخر،‭ ‬وتَقاسَم‭ ‬معه‭ ‬مساحات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬المعنى،‭ ‬حتى‭ ‬إنَّ‭ ‬توظيف‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬مكان‭ ‬البعض‭ ‬لا‭ ‬يغُير‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬الدلالة‭ ‬شيئا‭. ‬

فعندما‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬االجنسب‭ ‬في‭ ‬قواميس‭ ‬اللغة25،‭ ‬نجده‭: ‬االضَّربُ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ومن‭ ‬الطير،‭ ‬ومن‭ ‬حدود‭ ‬النَحْوِ‭ ‬والعَرُوضِ‭ ‬والأَشياء‭ ‬جملةٌ‭. ‬والجِنْسُ‭ ‬أَعَمُّ‭ ‬من‭ ‬النوع؛‭ ‬ومنه‭ ‬الْمُجانَسَةُ‭ ‬والتَجْنِيسُ‭. ‬ويق‭:‬ال‭ ‬هذا‭ ‬يُجانِسُ‭ ‬هذا،‭ ‬أَي‭: ‬يُشاكِلُه؛‭ ‬وفلان‭ ‬يُجانس‭ ‬البهائم‭ ‬ولا‭ ‬يُجانس‭ ‬الناسَ،‭ ‬إِذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬تمييز‭ ‬ولا‭ ‬عقل،‭ ‬والإِبل‭ ‬جِنْسٌ‭ ‬من‭ ‬البهائم‭ ‬العُجْمب‭. ‬والنوع‭ ‬هو‭: ‬االضرب‭ ‬من‭ ‬الشيء،‭ ‬وهو‭ ‬أخص‭ ‬من‭ ‬الجنسب‭. ‬والضرب‭ ‬اهو‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬الأشياءب‭. ‬واالنمط‭: ‬النوع‭ ‬والضربب‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬بعض‭ ‬الإلماعات‭ (‬أَعَمُّ،‭ ‬أَخَصُّ‭) ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬اضطراب‭ ‬بَيِّنٌ،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬الوثوق‭ ‬من‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬أضيق‭ ‬من‭ ‬خُرْم‭ ‬إبرة‭. ‬فكيف‭ ‬عالج‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال؟

‭ ‬استَهَلَّ‭ ‬هذا‭ ‬المبحث‭ ‬بإبراز‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تُطرح‭ ‬بخصوص‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استقرائه‭ ‬الكلام‭ ‬العربي،‭ ‬ومواكبتِه‭ ‬بعض‭ ‬الأدبيات‭ ‬الغربية،‭ ‬وقد‭ ‬أجملها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

سَعْيُ‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬شامل‭ ‬يَسَعُ‭ ‬كل‭ ‬الأجناس،‭ ‬رغم‭ ‬انطلاقها‭ ‬من‭ ‬أجناس‭ ‬خاصة‭ ‬ومحددة‭.‬

انْشِطارُها‭ ‬بين‭ ‬النُّزوع‭ ‬النظري‭ ‬التَّجريدي،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬النصوص،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بـ‭ ‬االنصب‭ ‬لاختبار‭ ‬التصورات‭ ‬النظرية‭.‬

ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬فالتشكيك‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬النظرية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬قُصُورها‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬تصور‭ ‬شامل‭ ‬أمر‭ ‬واقع‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بالباحث‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬الأجناس‭ ‬في‭ ‬انفتاحها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدمه‭ ‬االنصب،‭ ‬لتحقيق‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬االجنسب‭ ‬واالنصب‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لنظرية‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬تستوي‭ ‬علما‭ ‬مكتملا‭ ‬ومُنتهيا‭ ‬بانغلاقها‭ ‬دون‭ ‬االنصب،‭ ‬ودون‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدمه‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬للتطور‭ ‬والاغتناء26‭.‬

والإمساك‭ ‬بالعلاقة‭ ‬الموجودة‭ ‬بين‭ ‬االنصب‭ ‬واالجنسب‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬تحديد‭ ‬المبادئ‭ ‬العامة‭ ‬المجَرَّدة‭ ‬والمتعالية‭ ‬على‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬فهي‭ ‬موجودة‭ ‬أبداً،‭ ‬سواء‭ ‬أدركناها‭ ‬بالكيفية‭ ‬نفسِها،‭ ‬أو‭ ‬بِكَيْفِيات‭ ‬مختلفة27‭. ‬وهذه‭ ‬المبادئ‭ ‬أنواع‭ ‬ثلاثة‭:‬

ثابتة؛‭ ‬تحدد‭ ‬السمات‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬الأشياء؛‭ ‬أي‭: ‬السمات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬غيرها‭.‬

متحولة؛‭ ‬وهي‭ ‬متصلة‭ ‬بالصفات‭ ‬البنيوية‭ ‬للأشياء،‭ ‬والقابلة‭ ‬للتحول‭.‬

متغيرة؛‭ ‬أي‭: ‬التي‭ ‬ترصد‭ ‬تحول‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬بحكم‭ ‬الزمن‭ ‬والظروف‭ ‬التاريخية؛‭ ‬وبذلك،‭ ‬فهذه‭ ‬المبادئ‭ ‬تسمح‭ ‬برصد‭ ‬الكلام‭ ‬في‭:‬

ذاته،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬عناصره‭ ‬الجوهرية‭ ‬الثابتة‭.‬

صفاته‭ ‬البنيوية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭.‬

تفاعلاته‭ ‬مع‭ ‬غيره،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صيرورته28‭.‬

ولتدقيق‭ ‬هذه‭ ‬المراتب‭ (‬أي‭: ‬المبادئ‭ ‬الثابتة‭ ‬والمتحولة‭ ‬والمتغيرة‭)‬،‭ ‬اقترح‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬مفهوم‭ ‬االمقولاتب،‭ ‬وهي‭: ‬مُخْتَلفُ‭ ‬المفاهيم‭ ‬والتصورات،‭ ‬التي‭ ‬تُسْتَعْمَلُ‭ ‬لرصد‭ ‬الظواهر‭ ‬ووصفها،‭ ‬وخاصيتها‭ ‬الأساسية‭ ‬هي‭ ‬التحول،‭ ‬لكنها‭ ‬حين‭ ‬تتصل‭ ‬بالمبدإ‭ ‬الأول‭ ‬لمفهوم‭ ‬االمبادئب‭ ‬تكتسب‭ ‬صفة‭ ‬الثبات؛‭ ‬وبذلك‭ ‬ترتبط‭ ‬بــاالجنسب‭. ‬أما‭ ‬صفة‭ ‬التحول‭ ‬فيها‭ ‬فترتبط‭ ‬بــاالنوعب‭.‬

فالأجناس‭ ‬ثابتة،‭ ‬والأنواع‭ ‬متحولة،‭ ‬واالجنسب‭ ‬قد‭ ‬يتضمن‭ ‬عدة‭ ‬أنواع29‭. ‬ومع‭ ‬تعرض‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬تطرأ‭ ‬في‭ ‬صيرورتها‭ ‬وتطورها‭ ‬التاريخي،‭ ‬تحدث‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬السمة‭ ‬الثالثة‭ ‬للمقولات،‭ ‬وهي‭: ‬التغير،‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بـاالنمطب‭.‬

وتَحَقُّقُ‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬والمقولات‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬بـاالتجلياتب‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفاعل‭ ‬النصي‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬التدقيقات‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬رصدها‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأجناس‭ ‬والأنواع‭ ‬ظلت‭ ‬محكومة‭ ‬بالتبعية‭ ‬أو‭ ‬الاتصال‭ ‬التراتبي،‭ ‬الذي‭ ‬ينهض‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬علاقة‭ ‬الخاص‭ ‬بالعام30،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬االنمطب‭ ‬الذي‭ ‬ينفرد‭ ‬بمركز‭ ‬خاص،‭ ‬يتيح‭ ‬البحث‭ ‬فيه‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬علاقته‭ ‬بـــاالجنسب‭ ‬أو‭ ‬االنوعب‭. ‬فهو‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬بمثابة‭ ‬اصفات‭ ‬الكلام‭ ‬كما‭ ‬نجدها‭ ‬عند‭ ‬القدماء،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الجنس‭ ‬والنوع‭ ‬يتصلان‭ ‬بالكلام‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬وبعلاقة‭ ‬بعضه‭ ‬ببعض‭ ‬ائتلافا‭ ‬واختلافا‭.‬

وهكذا،‭ ‬فعندما‭ ‬نصف‭ ‬الكلام‭ ‬بأنه‭ ‬فصيح،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬يطال‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬قصة،‭ ‬أو‭ ‬قصيدة،‭ ‬أو‭ ‬رسالة،‭ ‬أو‭ ‬تقليداب31‭.‬

خاتمة

إن‭ ‬تعالق‭ ‬المفاهيم‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬االكلام‭ ‬والخبرب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليكون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬التماسك،‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يلعب‭ ‬االنصب‭ ‬فيه‭ ‬الأدوار‭ ‬كلها‭. ‬فهو‭ ‬اللُّحْمَة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬المفاهيم‭ ‬حين‭ ‬يُرادُ‭ ‬له‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬العنصر‭ ‬الْمِطْواع‭ ‬حين‭ ‬يُسْتَدْعَى‭ ‬ليصبح‭ ‬شريكا‭ ‬ونِداَّ‭ ‬لهذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬أيضا‭. ‬وكأننا‭ ‬به‭ ‬المفهوم‭ ‬الْهَشُّ‭ ‬في‭ ‬البحث،‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬تعبيئه‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬التصور‭ ‬العام‭ ‬للباحث،‭ ‬ويُعِين‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭. ‬ومَناعتُه‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الحضور‭ ‬الضروري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلائق‭ ‬مجتمعة‭ ‬ومتفرقة‭.‬

إن‭ ‬أبهى‭ ‬تجليات‭ ‬البحث‭ ‬الدقيق‭ ‬هو‭ ‬تناسل‭ ‬الأسئلة‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬مبحث،‭ ‬فتتحول‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬لمبحث‭ ‬آخر،‭ ‬فَيُنْعِشُ‭ ‬الجوانب‭ ‬الهَّشَّة‭ ‬منه؛‭ ‬أي‭: ‬إن‭ ‬كل‭ ‬مبحث‭ ‬يصير،‭ ‬بأسئلته،‭ ‬مدخلا‭ ‬لمبحث‭ ‬آخر،‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬الباحث‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬تصور‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التماسك،‭ ‬بما‭ ‬يُلْجِمُ‭ ‬أسئلة‭ ‬القارئ،‭ ‬ويضعه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الْمُحاوِر‭ ‬الإيجابي،‭ ‬لا‭ ‬المتسائِل‭ ‬السلبي؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭/ ‬البحث‭ ‬يكون‭ ‬مَدْعاةً‭ ‬لمشاريع‭ ‬أخرى،‭ ‬تُغَذِّيه‭ ‬وتُفَعِّلُهُ‭ ‬إنْ‭ ‬تَمَّ‭ ‬تأويل‭ ‬نتائجه‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الاستثمار،‭ ‬لا‭ ‬النَّسْفِ‭ ‬والتبديد‭. ‬

إنَّ‭ ‬سعي‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬لإدماج‭ ‬النصوص‭ ‬الْمُهْمَلَة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬عامة،‭ ‬والعربي‭ ‬خاصة32،‭ ‬التي‭ ‬عَبَّر‭ ‬عنها‭ ‬بـــااللاَّنَصب‭ ‬سَعْيٌ‭ ‬مشروع‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬تُشَكِّل‭ ‬نواةً‭ ‬أساسية‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭. ‬فـــ‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬مَرْتَعٌ‭ ‬خِصْبٌ‭ ‬تَمْتَحُ‭ ‬من‭ ‬مَعِينِهِ‭ ‬كل‭ ‬الأنواع‭ ‬التي‭ ‬استحقت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬موضوعا‭ ‬للدراسة‭ ‬والبحث،‭ ‬فَلِمَ‭ ‬لا‭ ‬يُلْتَفَتُ‭ ‬إليها‭ ‬لمعرفة‭ ‬خصائصها‭ ‬الفنية؟‭.‬

إن‭ ‬قارئ‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬المتميز‭ ‬للأستاذ‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين‭ - ‬على‭ ‬غرار‭ ‬أعماله‭ ‬الأخرى‭ - ‬لا‭ ‬يمكنه‭ - ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬قراءته‭ - ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يتلمس‭ ‬صوت‭ ‬ابارثب‭ ‬الجاهِر‭ ‬بمفهوم‭ ‬االكتابة‭ ‬كفعل‭ ‬مُطْلَقٍ‭ ‬يُضَيِّقُ‭ ‬الهُوَّةَ‭ ‬بين‭ ‬خصوصية‭ ‬الأجناس‭.‬

وكما‭ ‬نال‭ ‬موضوع‭ ‬االسيرة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬اهتمام‭ ‬الأستاذ‭ ‬يقطين،‭ ‬فَخَصَّهُ‭ ‬بنصيب‭ ‬وافر‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬ضمن‭ ‬مشروعه‭ ‬العلمي‭ ‬الكبير،‭ ‬نال‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬من‭ ‬التتبع‭ ‬والتدارس‭. ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬المهتمين‭ ‬بالسرديات‭ ‬يجهل‭ ‬ما‭ ‬للأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬من‭ ‬أَيادٍ‭ ‬بيضاء‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬السردي،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اكتشاف‭ ‬القضايا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراستها‭ ‬بمنظور‭ ‬وأدوات‭ ‬جديدة،‭ ‬ساهمت‭ ‬بشكل‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬تطويرها؛‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬نستغرب‭ ‬إن‭ ‬وجدنا‭ ‬أحد‭ ‬الباحثين‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬االكلام‭ ‬والخبرب‭: ‬القد‭ ‬جاءت‭ ‬دراسة‭ ‬يقطين‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬بابها،‭ ‬فخطت‭ ‬بالتصورات‭ ‬النقدية‭ ‬العربية‭ ‬خطوات‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬المتصلة‭ ‬بنظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية،‭ ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬متطور‭ ‬بالإشكالات‭ ‬العميقة‭ ‬المطروحة‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬الكلام‭ ‬العربي‭ ‬تجنيسا‭ ‬وتصنيفاب33‭.‬

إن‭ ‬المشروع‭ ‬العلمي‭ ‬للأستاذ‭ ‬يقطين‭ ‬ليس‭ ‬مشروعا‭ ‬منغلقا،‭ ‬وإنما‭ ‬مشروع‭ ‬مفتوح‭ ‬يستوعب‭ ‬أشكال‭ ‬الخطاب‭ ‬مجتمعة‭.‬