اللغة العدد
بُوعامر الحضرمي.. حكيمٌ من أرض اليمن
بُوعامر الحضرمي.. حكيمٌ من أرض اليمن
العدد 47 - أدب شعبي

 

أ‭. ‬محمـــد‭ ‬علــي‭ ‬ثامـــر،‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬اليمن

 

يقول‭ ‬بُوعامرْ‭ ‬رأيتَ‭ ‬الناسِ‭ ‬في‭ ‬الطِّينهْ‭ ‬عِيَـنْ

حَدْ‭ ‬طِينَتهْ‭ ‬زَينْهْ‭ ‬وحَدْ‭ ‬طِينتهُ‭ ‬خَسَّ‭ ‬الطِّيَـنْ

والطِّينِهِ‭ ‬الزَّينِهْ‭ ‬تِوَدَّي‭ ‬زَرعَها‭ ‬قبل‭ ‬الرَّدَنْ1

والطِّينِه‭ ‬العَيفِه‭ ‬فَلا‭ ‬تِبذِل‭ ‬بِذَكرات‭ ‬السِّنَن

ومن‭ ‬عَفَر‭ ‬باكِر‭ ‬شَكَر‭ ‬لِحْراثَتُه‭ ‬طولَ‭ ‬الزمـنْ2

يذهب‭ ‬اليمانيون‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬أصالتهم‭ ‬وتطوير‭ ‬حكمتهم‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود؛‭ ‬فنرى‭ ‬ارتباطهم‭ ‬بالأرض‭ ‬وزراعتها‭ ‬وفلاحتها‭ ‬هو‭ ‬ارتباط‭ ‬وثيق‭ ‬يقوم‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬رعايتها‭ ‬وإصلاحها‭ ‬وحرثها‭ ‬وتقليبها‭... ‬الخ،‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬يلازم‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬اليومية‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأشعار‭ ‬والأهازيج‭ ‬وبيوتات‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬المُلحنة‭ ‬والمُغناة،‭ ‬الأحكام‭ ‬والأمثال‭ ‬الشعبية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬وإنجاز‭ ‬الأعمال‭ ‬بصورةٍ‭ ‬سلسلة،‭ ‬وبل‭ ‬وتساعد‭ ‬الثقافة‭ ‬الشفاهية‭ ‬المرددة‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬أولئك‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الهمة‭ ‬والعزيـمة‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬المناسب‭ ‬للزراعة‭ ‬والري،‭ ‬الفلاحة‭ ‬بجميع‭ ‬أوقاتها‭ ‬ونظمها‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬البذر‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بالحصاد‭.‬

ويُصنف‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭/ ‬عبدالعزيز‭ ‬المقالح‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬شعر‭ ‬العامية‭ ‬في‭ ‬اليمن‭) ‬العديد‭ ‬من‭ ‬حكماء‭ ‬اليمن‭ ‬تحت‭ ‬فقرة‭ (‬شعراء‭ ‬الأحكام‭)‬،‭ ‬والأحكام‭ ‬هنا‭ ‬تعني‭ ‬التعاليم‭ ‬أو‭ ‬الأعراف‭ ‬المتوارثة،‭ ‬كما‭ ‬تعني‭ ‬المعارف‭ ‬المُكتسبة‭ ‬شعبياً،‭ ‬وقد‭ ‬قام‭ ‬الشعراء‭ ‬الشعبيون‭ ‬عبر‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭ ‬بنظم‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬تسهيلاً‭ ‬لحفظها،‭ ‬وبقصد‭ ‬تيسير‭ ‬نشرها‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقٍ‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وفي‭ ‬الريف‭ ‬بخاصة،‭ ‬حيث‭ ‬تولت‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬رصد‭ ‬تجربة‭ ‬الحياة‭ ‬الريفية،‭ ‬وقدَّمتها‭ ‬إلى‭ ‬الفلاحين‭ ‬في‭ ‬حكمة‭ ‬منظومة‭ ‬وموجزة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تـمجيد‭ ‬العمل‭ ‬وتقديس‭ ‬الأرض،‭ ‬وتحديد‭ ‬مواعيد‭ ‬الزراعة‭ ‬وأوقات‭ ‬المطر‭ ‬وتأثير‭ ‬الفصول3‭. ‬ومن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬الحكماء‭ ‬هم‭: (‬علي‭ ‬بن‭ ‬زايد‭) ‬في‭ ‬منكث‭ ‬بـمحافظة‭ ‬إب،‭ ‬و‭(‬الحُميد‭ ‬بن‭ ‬منصور‭) ‬في‭ ‬يافع،‭ ‬و‭(‬حزام‭ ‬بن‭ ‬مرشد‭ ‬الشبثي‭) ‬في‭ ‬ذمار،‭ ‬و‭(‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬الحضرمي‭) ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬هينن‭ ‬بحضرموت،‭ ‬و‭(‬أبي‭ ‬خيزرانة‭) ‬في‭ ‬آنس‭ ‬وجهران‭ ‬بـمحافظة‭ ‬ذمار،‭ ‬و‭(‬أبي‭ ‬لؤلؤة‭) ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬يريم‭ ‬ورداع‭ ‬وعنس،‭ ‬و‭(‬علي‭ ‬بن‭ ‬زيد‭) ‬في‭ ‬لحج،‭ ‬و‭(‬غزال‭ ‬المقدشية‭) ‬في‭ ‬عنس‭ ‬بـمحافظة‭ ‬ذمار،‭ ‬و‭(‬ظبية‭ ‬النميرية‭) ‬في‭ ‬الحداء‭ ‬بذمار‭ ‬أيضاً،‭ (‬عثمان‭ ‬اليافعي‭) ‬في‭ ‬يافع‭.... ‬الخ؛‭ ‬فكلها‭ ‬أسماء‭ ‬أعطت‭ ‬كماً‭ ‬هائلاً‭ ‬من‭ ‬الأقاويل‭ ‬والأحكام‭ ‬والأشعار‭ ‬بل‭ ‬والمواقف‭ ‬الحميدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭..‬

وربـما‭ ‬كان‭ ‬أهم‭ ‬خلاصة‭ ‬تجاربهم‭ ‬هو‭ ‬تـمجيدهم‭ ‬للأرض‭ ‬وتفانيهم‭ ‬في‭ ‬محبة‭ ‬التراب‭ ‬ودرايتهم‭ ‬بـمواسم‭ ‬الإنبات‭ ‬والحصاد‭ ‬ومواقيت‭ ‬الأمطار‭ ‬والصحو‭ ‬والبرد‭ ‬الميبّس‭ ‬الخضرة،‭ ‬وأملهم‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬خير‭ ‬ما‭ ‬تغل‭ ‬الأرض‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أجدبت‭ ‬بعض‭ ‬السنوات‭ ‬فإن‭ ‬آمالهم‭ ‬في‭ ‬المواسم‭ ‬المقبلة‭ ‬تتزايد‭. ‬لهذا‭ ‬أطلقوا‭ ‬تسمية‭ ‬الأرض‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المال،‭ ‬فلا‭ ‬يقصدون‭ ‬بالمال‭ ‬في‭ ‬أقاويلهم‭ ‬ما‭ ‬يـمتلك‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬دورٍ‭ ‬وأثاث،‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬يحتاز‭ ‬من‭ ‬ذهبٍ‭ ‬وفضة،‭ ‬ومواشٍ‭ ‬وأبقار‭ ‬وأغنام‭ ‬وإبل‭ ‬وسلاح؛‭ ‬وإنـما‭ ‬المال‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬الحكماء‭ ‬هو‭ ‬الأرض‭ ‬وليست‭ ‬الأبقار‭ ‬والإبل‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬حرثها‭ ‬وبذرها4‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬اليمنيون‭ ‬يطلقون‭ ‬على‭ ‬أرضهم‭ ‬وأطيانهم‭ ‬بكلمة‭ (‬المال‭)‬؛‭ ‬فربـما‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬يـمتلكون،‭ ‬بل‭ ‬تقديراً‭ ‬ومحبةً‭ ‬لها‭ ‬بـما‭ ‬تنعم‭ ‬به‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬الخير‭ ‬الوفير،‭ ‬والرزق‭ ‬الكثير‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬اليمن‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تعدُّ‭ ‬بلداً‭ ‬زراعياً‭ ‬بالمقام‭ ‬الأول‭.. ‬ويقول‭ ‬الحكيم‭ ‬اليوناني‭ (‬هزيود‭) ‬في‭ ‬ملحمته‭ ‬الزراعية‭ (‬الأعمال‭ ‬والأيام‭): ‬اما‭ ‬أسخى‭  ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬تشقها‭ ‬المحاريث‭ ‬وهي‭ ‬ساكنة‭ ‬وتضربها‭ ‬الأمطار‭ ‬والسيول‭ ‬وهي‭ ‬صابرة،‭ ‬وتهبط‭ ‬عليها‭ ‬الطيور‭ ‬والغربان‭ ‬وهي‭ ‬مرحبة،‭ ‬كمائدةٍ‭ ‬مفتوحة‭ ‬لكل‭ ‬يد‭ ‬وفمٍ‭ ‬ومنقار،‭ ‬وحين‭ ‬تتهيأ‭ ‬للعطاء‭ ‬تجود‭ ‬بالوفير‭ ‬الوفير،‭ ‬ولا‭ ‬تسأل‭ ‬كم‭ ‬أعطت؟،‭ ‬ولا‭ ‬كيف‭ ‬سخت،‭ ‬بل‭ ‬تستزيد‭ ‬من‭ ‬إغداقها‭ ‬فتعطي‭ ‬كل‭ ‬موسمٍ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سابقه،‭ ‬فمنها‭ ‬نتعلم‭ ‬الحكمة‭ ‬وطيبة‭ ‬القلب،‭ ‬إنها‭ ‬المعلم‭ ‬الأولب5‭.‬

وهنا‭ ‬فالأرض‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬علمت‭ ‬الإنسان‭ ‬حبها‭ ‬والمثابرة‭ ‬عليها‭ ‬بل‭ ‬والتغزل‭ ‬فيها؛‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نصيبٍ‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬تراثنا‭ ‬الشفاهي،‭ ‬فنراها‭ ‬مغناةً‭ ‬كـ‭(‬أرجع‭ ‬لحولك‭) ‬للفنان‭ ‬أيوب‭ ‬طارش‭ ‬عبسي،‭ ‬ونراها‭ ‬قصائد‭ ‬شعرية،‭ ‬وأحكاماً‭ ‬وحِكم‭ ‬وأساطير‭ ‬خالدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬منا‭ ‬فقط‭ ‬التدوين‭ ‬والتوثيق‭ ‬له‭ ‬وإعادة‭ ‬الروح‭ ‬فيه،‭ ‬ويصف‭ ‬ذلك‭ ‬الدكتور‭ ‬المقالح‭ ‬بقوله‭: ‬تراثنا‭ ‬عظيمٌ‭ ‬ومجيد،‭ ‬ولكن‭ ‬أعظم‭ ‬منه‭ ‬وأمجد‭ ‬أن‭ ‬نسعى‭ ‬إلى‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬وإلى‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬أداةٍ‭ ‬نافعة‭ ‬ودافعة‭ ‬للخلق‭ ‬والابتكار6،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬الحي‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬تفسيرٍ‭ ‬له‭ ‬هو‭ ‬الرباط‭ ‬السري‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬وهو‭ ‬يشكل‭ ‬بـمعطياته‭ ‬الحضارية‭ ‬والفكرية‭ ‬حزام‭ ‬الأمان‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬المسافر‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬إلى‭ ‬لغته‭ ‬ووطنه،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فالحديث‭ ‬عنه‭ ‬والاهتمام‭ ‬به‭ ‬يُشكل‭ ‬البداية‭ ‬الصحيحة‭ ‬نحو‭ ‬الصحوة،‭ ‬وقد‭ ‬بدأ‭ ‬عهد‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬معتمداً‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬التراث‭ ‬الأدبي‭ ‬والعلمي‭ ‬للعرب7‭.‬

 

رحلة‭ ‬فـي‭ ‬أرض‭ ‬حضرموت

يذهب‭ ‬المرء‭ ‬شرقاً‭ ‬أو‭ ‬غرباً،‭ ‬شـمالاً‭ ‬أو‭ ‬جنوباً‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬ألوان‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬بنوعيه‭ ‬المادي‭ ‬وغير‭ ‬المادي،‭ ‬يستكشف‭ ‬الأرض‭ ‬اليمنية،‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬مكنوناتها،‭ ‬في‭ ‬جَمَالها‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الخاص‭ ‬جداً‭ ‬ليجد‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬منطقةٍ‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬غنىً‭ ‬متعدد،‭ ‬وصنوفاً‭ ‬كثيرة،‭ ‬جميلةٌ‭ ‬في‭ ‬مفرداتها،‭ ‬وعميقةٌ‭ ‬في‭ ‬محتواها،‭ ‬ورائعةٌ‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها‭.. ‬إنها‭ ‬أرض‭ ‬ساحرة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى‭!!‬

هذه‭ ‬المرة‭ ‬كان‭ ‬اتجاهنا‭ ‬إلى‭ ‬محافظة‭ ‬حضرموت،‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬حباها‭ ‬الله‭ ‬بكل‭ ‬أصناف‭ ‬وأنواع‭ ‬الجمال،‭ ‬بكل‭ ‬التنوع‭ ‬الجغرافي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬صحراء‭ ‬وجبالٍ‭ ‬وسواحل،‭ ‬خلافاً‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تختزنه‭ ‬باطنها‭ ‬من‭ ‬ثرواتٍ‭ ‬نفطية‭ ‬ومعدنية‭ ‬وغيرها‭.. ‬وأيضاً‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬المحافظة‭ ‬من‭ ‬تراثٍ‭ ‬ثقافي‭ ‬كبير،‭ ‬وحضارةٍ‭ ‬تاريخية‭ ‬عريقة،‭ ‬ولعلها‭ ‬إحدى‭ ‬الممالك‭ ‬اليمنية‭ ‬القديـمة‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬صيتٌ‭ ‬كبير‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬تتكلم‭ ‬عنه‭ ‬بكل‭ ‬فخرٍ‭ ‬ومحبة‭.. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬موروثها‭ ‬الشعبي‭ ‬ممتلئٌ‭ ‬حدَّ‭ ‬الثُّمالة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬صنوفه؛‭ ‬فالدَّان‭ ‬الحضرمي8،‭ ‬والشبواني9،‭ ‬والزربادي10،‭ ‬والهبيش11،‭ ‬الغْيّة12،‭ ‬القطْنِي13،‭ ‬العِدة14،‭.. ‬الخ،‭ ‬وأيضاً‭ ‬قصائد‭ ‬الزَّامل‭ (‬الزَّف‭)‬15،‭ ‬والمُسْرِحات16‭ ‬والقصائد‭ ‬المرجوزة17‭... ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النـمط‭ ‬المعماري‭ ‬الحضرمي‭ ‬الساحر‭ ‬ذو‭ ‬المكونات‭ ‬البسيطة‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الطين‭ ‬والنورة18‭ ‬بصورةٍ‭ ‬كبيرة،‭ ‬يُعطيك‭ ‬انطباعاً‭ ‬ساحراً‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحتويه‭ ‬هذه‭ ‬المحافظة‭ ‬الجميلة،‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬المتأثر‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬ما‭ ‬بالأنـماط‭ ‬الشرق‭ ‬أسيوية‭ ‬كالهندية‭ ‬مثلاً‭ ‬نتيجة‭ ‬هجرة‭ ‬الحضارة‭ ‬إلى‭ ‬جزر‭ ‬الهند‭ ‬الشرقية‭.‬

وهنا‭ ‬لن‭ ‬يتسع‭ ‬المجال‭ ‬لذكر‭ ‬كل‭ ‬محاسن‭ ‬ومفاتن‭ ‬حضرموت‭ ‬الغنَّاء؛‭ ‬ولكنني‭ ‬سأتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحكيم‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب،‭ ‬هذا‭ ‬الحكيم‭ ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬ربـما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أقرانه،‭ ‬فتذكر‭ ‬أشعاره‭ ‬وأحكامه‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬اليمن،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تجاوزت‭ ‬الخارطة‭ ‬الجغرافية‭ ‬لليمن‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬نجران‭ ‬ونجد‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬يردد‭ ‬أحكامه‭ ‬وأشعاره‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬ودولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬وبالذات‭ ‬عند‭ ‬طبقة‭ ‬الفلاحين‭ ‬والعاملين‭ ‬على‭ ‬زراعة‭ ‬النخيل‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص؛‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬حكيمٌ‭ ‬عابر‭ ‬الحدود،‭ ‬وعابر‭ ‬الحواجز‭ ‬المصطنعة‭ ‬بين‭ ‬الأخ‭ ‬وأخيه،‭ ‬والشقيق‭ ‬وشقيقه‭... ‬الخ؛‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الحال‭ ‬مغمورٌ‭ ‬مطمور‭ ‬في‭ ‬التدوين‭ ‬والتوثيق‭ ‬المكتبي‭ ‬لأشعاره‭ ‬وأقواله،‭ ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر‭.‬

سنحاول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الحكيم‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب،‭ ‬عن‭ ‬اسمه‭ ‬ونسبه،‭ ‬وأصله‭ ‬وفصله‭ ‬ذ‭ ‬كما‭ ‬يقولون‭ ‬ذ،‭ ‬وهل‭ ‬ينتمي‭ ‬لبني‭ ‬هلال‭ ‬الكِنديين‭ ‬أصحاب‭ (‬السيرة‭ ‬الهلالية‭)‬19،‭ ‬والذين‭ ‬هاجروا‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬اليمن‭ ‬ليسكنوا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي؟‭!.. ‬وهل‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬كتاب‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬الرائعة؟‭!‬

بُوعامر‭.. ‬من‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت

أبو‭ ‬عامر‭ ‬أو‭ ‬ابو‭ ‬عامرب‭ ‬كما‭ ‬يُعرف‭ ‬عند‭ ‬الحضارمِ‭ ‬سواءً‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬هو‭ ‬شاعرٌ‭ ‬شعبيٌّ‭ ‬من‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬في‭ ‬بلادِ‭ ‬اليمن،‭ ‬اُشتهر‭ ‬بالحكمة‭ ‬وله‭ ‬أبياتٌ‭ ‬وأقوالٌ‭ ‬خالدة‭ ‬يتناقلها‭ ‬الناس‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬مستشهدين‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬عاش‭ ‬حياتَه‭ ‬فلاحاً‭ ‬يحرث‭ ‬الأرض‭ ‬ويزرعها‭. 

ويذهب‭ ‬الدكتور‭ ‬المقالح‭ ‬إلى‭ ‬القول‭: ‬نشأ‭ ‬ابُوعامرب‭ ‬ذ‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬فلاحاً‭ ‬يحرث‭ ‬الأرض،‭ ‬ويربي‭ ‬الأغنام‭ ‬والجمال‭... ‬20،‭ ‬بهذه‭ ‬العُجالة‭ ‬القصيرة‭ ‬والصغيرة‭ ‬ذكر‭ ‬الدكتور‭ ‬االمقالحب‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المذكور‭ ‬بعاليه،‭  ‬للشاعر‭ ‬والحكيم‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب،‭ ‬ليتضح‭ ‬لنا‭ ‬جلياً‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬التوثيق‭ ‬الذي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬بسيطاً‭ ‬أو‭ ‬مُنعدماً‭ ‬لجوانب‭ ‬من‭ ‬تراثنا‭ ‬الثقافي‭ ‬والشعبي،‭ ‬لتذهب‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والتقصي‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬الكتب‭ ‬والمجلدات‭ ‬عن‭ ‬شاعرنا‭ ‬هذا‭.. ‬لتفاجأ‭ ‬أثناء‭ ‬ذلك‭ ‬ببعض‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬الشاعر‭ ‬والمذيع‭ ‬الراحل‭/ ‬محسن‭ ‬محسن‭ ‬الجبري21‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وأخيراً‭ ‬تجد‭ ‬كتيباً‭ ‬صغيراً‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬التسعين‭ ‬صفحة‭ ‬بعنوان‭ (‬الشاعر‭ ‬والحكيم‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭) ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬الأستاذ‭ ‬والأديب‭/ ‬علي‭ ‬أحمد‭ ‬بارجاء22،‭ ‬والذي‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭. ‬والحكيم‭ ‬ابُوعامرب‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬اسمه‭ ‬الحقيقي‭ ‬وإنـما‭ ‬كنيته‭ ‬هي‭ ‬الطاغية‭ ‬على‭ ‬اسمه،‭ ‬ربـما‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أسبابٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭: ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬حضرموت‭ ‬تفتخر‭ ‬رجالها‭ ‬بُالكنى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الأسماء،‭ ‬ولهذا‭ ‬نسمع‭ ‬البعض‭ ‬ينادي‭ ‬منهم‭ ‬بالكنية‭ ‬كـ‭(‬بوصالح،‭ ‬وبو‭ ‬عامر،‭ ‬وبوسالم‭.... ‬الخ‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬شاعرنا‭ ‬وحكيمنا‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب‭ ‬هو‭ ‬رمزاً‭ ‬غير‭ ‬موجودا‭ ‬وإنـما‭ ‬هناك‭ ‬شعراء‭ ‬قالوا‭ ‬تلك‭ ‬الأقوال‭ ‬والحكم‭ ‬ونسبوها‭ ‬مباشرةً‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الاسم،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬تـمَّ‭ ‬البحث‭ ‬حوله،‭ ‬والالتقاء‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬باع‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اليمني‭ ‬بشقيقه‭ ‬المادي‭ ‬وغير‭ ‬المادي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توكيد‭ ‬وجود‭ ‬شخصية‭ ‬الشاعر‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب‭ ‬من‭ ‬عدمها‭.‬

ويذهب‭ ‬الأستاذ‭ ‬بارجاء‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬الشاعر‭ ‬والحكيم‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب‭ ‬بالقول‭: ‬اجميع‭ ‬المصادر‭ ‬والمراجع‭ ‬وألسنة‭ ‬الرواة‭ ‬تصمت،‭ ‬ولا‭ ‬تذكر‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬اسمه،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تذكر‭ ‬عنه،‭ ‬أنه‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب،‭ ‬وهي‭ ‬كنيةٌ‭ ‬اشتهر‭ ‬بها،‭ ‬وبها‭ ‬صدر‭ ‬معظم‭ ‬شعرهب23،‭ ‬بل‭ ‬ويذهب‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الشهرة‭ ‬كانت‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬ضياع‭ ‬وفقدان‭ ‬اسم‭ ‬الحكيم‭ ‬ابُوعامر‭ ‬الحضرميب،‭ ‬اولعل‭ ‬اشتهاره‭ ‬بهذه‭ ‬الكُنية‭ ‬كان‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬ضياع‭ ‬اسمه،‭ ‬وبخاصةً‭ ‬أن‭ ‬المؤرخين‭ ‬ممن‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬عصر‭ ‬أبي‭ ‬عامر،‭ ‬أو‭ ‬كانوا‭ ‬معاصرين‭ ‬له‭ ‬لم‭ ‬يذكروا‭ ‬شيئاً‭ ‬عنه؛‭ ‬لعدم‭ ‬اهتمامهم‭ ‬بتدوين‭ ‬شعره،‭ ‬كونه‭ ‬شعراً‭ ‬حُمًينِياً؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬يهملون‭ ‬الترجمة‭ ‬لحياته،‭ ‬ولو‭ ‬فعلوا‭ ‬ذلك‭ ‬لعُرِف‭ ‬اسمه‭ ‬وتفاصيل‭ ‬حياتهب24،‭ ‬ولهذا‭ ‬يتفاجأ‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الذاكرة‭ ‬اليمنية‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬الأشعار‭ ‬والحِكم‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬وتحفظها‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب،‭ ‬دونـما‭ ‬حفظٍ‭ ‬أو‭ ‬توثيق‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مخطوطات‭.‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬تخلوا‭ ‬تلك‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬الخلط‭ ‬والمزج‭ ‬والعشوائية‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬تلك‭ ‬الأقوال‭ ‬أو‭ ‬الأفعال‭.‬

 

بُوعامر‭.. ‬مولده‭ ‬ونسبه

ولد‭ ‬شاعرنا‭ ‬وحكيمنا‭ ‬وعاش‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬اليمنية‭ ‬الشرقية‭ ‬النائية‭ ‬وبالأخص‭ ‬مناطق‭ ‬حضرموت‭ ‬التي‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬الشاعر‭ ‬اليماني‭ ‬الشهير‭ ‬صاحب‭ ‬إحدى‭ ‬المعلقات‭ ‬السبع‭ (‬امرؤ‭ ‬القيس‭)‬25‭ ‬الكِندي‭ ‬اليمني26،‭ ‬ومناطق‭ ‬حضرموت‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتنوعة‭.. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬العارفين‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬والرواة‭ ‬قد‭ ‬اختلفوا‭ ‬فيه؛‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬ينتسب‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬الكنديين،‭ ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬هذا‭ ‬النسب‭ ‬المؤرخ‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬بن‭ ‬عبيد‭ ‬الله‭ ‬السقاف27‭ ‬فيما‭ ‬نقله‭ ‬من‭  ‬رواية‭ ‬لعلوي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الحبشي‭ ‬أحد‭ ‬ساكني‭ ‬بلدة‭ (‬رَحَاب‭)‬28‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬وادي‭ ‬دوعن29،‭ ‬أن‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬آل‭ ‬باعبدالله‭ ‬حُكام‭ ‬رَحَاب‭ ‬في‭ ‬عهدٍ‭ ‬ماضٍ،‭ ‬وأن‭ ‬آل‭ ‬باعبدالله‭ ‬هؤلاء‭ ‬يزعمون‭ ‬أنهم‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬الكنديين30‭. ‬فمرجعهم‭ ‬وآل‭ ‬خليفة‭ ‬وآل‭ ‬مَرْخَه‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ ‬واحدة،‭ ‬وقد‭ ‬أنكر‭ ‬بعضهم‭ ‬ما‭ ‬اشتهر‭ ‬على‭ ‬الألسنة‭ ‬من‭ ‬هجرة‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬من‭ ‬حضرموت‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬العربي،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬محله،‭ ‬ولا‭ ‬سبب‭ ‬له‭ ‬إلاَّ‭ ‬عدم‭ ‬الاطلاع،‭ ‬وإلاَّ‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬خيامهم‭ ‬ضاربةً‭ ‬من‭ ‬الكَسْر‭ ‬إلى‭ ‬العَبْرِ‭ ‬إلى‭ ‬الدهناء‭ ‬إلى‭ ‬نَجْد،‭ ‬ويتأكد‭ ‬ذلك‭ ‬بـما‭ ‬بين‭ ‬أشعارهم‭ ‬وأشعار‭ ‬الحضرميين‭ ‬من‭ ‬التشابه،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬شِعر‭ ‬العامّة‭ ‬بحضرموت‭ ‬أنهم‭ ‬غزوا‭ ‬بَرْقَةَ‭ ‬وقابس31‭.‬

وذكر‭ ‬العلامة‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬ابن‭ ‬عبيدالله‭ ‬السقاف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬معجم‭ ‬بلدان‭ ‬حضرموت‭) ‬بأن‭ ‬الشاعر‭ ‬والحكيم‭ ‬المشهور‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬رَحَاب،‭ ‬بقوله‭: ‬اولمّا‭ ‬استولى‭ ‬االقُعيطيب‭ ‬على‭ ‬الوادي‭ ‬الأيـمن‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1317م‭ ‬ياسَرَهُمْ‭ ‬وأعفاهم‭ ‬من‭ ‬الرسوم،‭ ‬وأبقى‭ ‬لهم‭ ‬بعض‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬إقطاع‭ ‬السفوح‭ ‬لمن‭ ‬أرادوا‭.. ‬ومنهم‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬الشاعر‭ ‬المشهورب32،‭ ‬كما‭ ‬أورد‭ ‬ابن‭ ‬عبيدالله‭ ‬السقاف‭ ‬شعراً‭ ‬لأبي‭ ‬عامر‭ ‬يذكر‭ ‬فيها‭ ‬انتماءه‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬قوله‭:‬

يقول‭ ‬بوعامر‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬حيَّا‭ ‬الله‭ ‬رَحَاب

رَحَاب‭ ‬تعجبني‭ ‬وأنا‭ ‬قدنا‭ ‬لها‭ ‬عاشق‭ ‬وحاب

فيها‭ ‬بني‭ ‬عمي‭ ‬صِلاب‭ ‬الرُّوس‭ ‬عوجان‭ ‬الرِّقاب33

أما‭ ‬المؤرخ‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باحنان‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬ينتسب‭ ‬إلى‭ ‬ابني‭ ‬عامر‭ ‬الحضرميينب‭ ‬المشهورين‭ ‬بأعلى‭ ‬حضرموت،‭ ‬وبنو‭ ‬عامر‭ ‬هؤلاء‭ ‬هم‭ ‬آل‭ ‬عامر‭ ‬النهديين،‭ ‬وجدهم‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬عامر‭ ‬وابن‭ ‬عمه،‭ ‬وهو‭ ‬فضالة‭ ‬بن‭ ‬شماخ‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الروضاني‭ ‬النهدي‭ ‬ذ‭ ‬جد‭ ‬آل‭ ‬عبدالله‭ ‬وآل‭ ‬بشر،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬من‭ ‬نهدٍ34،‭ ‬ولكن‭ ‬الشاعر‭ ‬بو‭ ‬عامر‭ ‬قد‭ ‬قال‭ ‬شعراً‭ ‬في‭ ‬ذم‭ ‬نهد‭ ‬كقوله‭:‬

يا‭ ‬نَهِد‭ ‬يَا‭ ‬العِيبان‭ ‬سُودانِ‭ ‬الوُجِيه‭ ‬المِغْدِرَه

لِي‭ ‬شَمسُكُم‭ ‬غَابَت‭ ‬وُجِلْجِلْكُم‭ ‬جِسِي‭ ‬في‭ ‬المَعْصَرَه

‭ ‬مما‭ ‬يستبعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬ينتمي‭ ‬إليهم35‭ ‬فكيف‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬قومٍ‭ ‬أو‭ ‬بلدةٍ‭ ‬ثم‭ ‬يقوم‭ ‬بذمها؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يهجو‭ ‬الرجل‭ ‬قومه‭ ‬في‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬العصبية‭ ‬القبلية‭....‬

ونسبة‭ ‬اأبي‭ ‬عامرب‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬يؤكدها‭ ‬اعلي‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬حسن‭ ‬العطاسب،‭ ‬فيما‭ ‬يرويه‭ ‬عن‭ ‬والده‭ ‬اأحمد‭ ‬بن‭ ‬حسن‭ ‬العطاسب‭ (‬1257‭ ‬ذ‭ ‬1334هـ‭) ‬حيث‭ ‬يورد‭ ‬شعراً‭ ‬لأبي‭ ‬عامر‭ ‬يُثني‭ ‬على‭ ‬ويتغزَّل‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬عرائس‭ ‬بني‭ ‬هلال،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬رأها‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬خنفر36‭ ‬بوادي‭ ‬عمد،‭ ‬ما‭ ‬يؤيد‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬صلةً‭ ‬ما‭ ‬ببني‭ ‬هلال،‭ ‬في‭ ‬قوله‭:‬

يقول‭ ‬بو‭ ‬عامر‭ ‬رأيت‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬خَنفَر‭ ‬عروس

بيضا‭ ‬هِلاليِّة‭ ‬تِقِلِّب‭ ‬جَعدَها‭ ‬مِثلِ‭ ‬السِّلُوس37

لا‭ ‬تعرف‭ ‬الرَّمضا‭ ‬ولا‭ ‬ترعى‭ ‬المواشي‭ ‬في‭ ‬الشِّمُوس38

وقد‭ ‬أورد‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬الأستاذ‭ ‬والإعلامي‭ ‬الراحل‭ ‬محسن‭ ‬بن‭ ‬محسن‭ ‬الجبري‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬عن‭ ‬الحكيم‭ ‬اأبو‭ ‬عامر‭ ‬الحضرميب‭ ‬الحلقة‭ ‬العاشرة‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الثورة‭ ‬بقوله‭:‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬لقيت‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬خَنفَر‭ ‬عروسي

بيضاء‭ ‬هِلاليِّة‭ ‬تِقِلِّب‭ ‬جَسدَها‭ ‬مِثلِ‭ ‬السِّلُوسي

لا‭ ‬تعرف‭ ‬الرَّمضاء‭ ‬ولا‭ ‬ترعى‭ ‬المواشي‭ ‬في‭ ‬الشِّمُوسي39

ويعدُّ‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الرواة‭ ‬لملحمة‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬وحكاياتهم‭ ‬وحفَّأظة‭ ‬شعرهم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كونه‭ ‬شاعرهم40،‭ ‬وبنو‭ ‬هلال‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬أفخاذ‭ ‬كِندَةَ‭ ‬وأعزّها‭ ‬رجالاً‭ ‬وأفصحها‭ ‬لساناً‭ ‬وأشدها‭ ‬ذكاءً‭ ‬وفطنةً،‭ ‬هاجروا‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬بسبب‭ ‬القحط‭ ‬والجفاف‭ ‬الذي‭ ‬انتاب‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬في‭ ‬عهدهم،‭ ‬ويظن‭ ‬أن‭ ‬رحلتهم‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬وبقي‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬بَقي‭ ‬في‭ ‬حضرموت‭ ‬كآل‭ ‬خليفة،‭ ‬وآل‭ ‬باحكيم،‭ ‬وآل‭ ‬ماضي،‭ ‬وآل‭ ‬باعطوة،‭ ‬وباعويدين،‭ ‬وبامقعين،‭ ‬والنَّسيين‭ ‬والنِّمَارَة،‭ ‬ومنازلهم‭ ‬الأصلية‭ ‬باليمن‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬هَينَن41‭ ‬وسَدْبَة42‭ ‬بكَسْرِ‭ ‬قَشَاقِش‭ ‬بحضرموت،‭ ‬ووادي‭ ‬مرخة‭ ‬ووادي‭ ‬جرادن43‭ ‬بشبوة44‭. ‬أما‭ ‬تاريخ‭ ‬مولده‭ ‬فلا‭ ‬يعرف،‭ ‬وإنـما‭ ‬يذكر‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬للهجرة،‭ ‬وقد‭ ‬أجمع‭ ‬جميع‭ ‬الرواة‭ ‬والمؤخرون‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬فيها‭ ‬ابوعامرب،‭ ‬أما‭ ‬بلدة‭ ‬هَينَن‭ ‬فتتبع‭ ‬اليوم‭ ‬مديرية‭ ‬القطن‭ ‬بوادي‭ ‬حضرموت‭.‬

والمعروف‭ ‬بأن‭ ‬حكيمنا‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬كان‭ ‬كثير‭ ‬التنقل‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت‭ ‬وبخاصةٍ‭ ‬مناطق‭ ‬ومدن‭: (‬شبام45،‭ ‬وعمد،‭ ‬وخنفر،‭ ‬عرصًة،‭ ‬بايزيد،‭ ‬ببلدة‭ ‬الخَمِيلة‭ ‬بوادي‭ ‬عَمد،‭ ‬رَحَاب،‭ ‬السَّلْهَبِي،‭ ‬وادي‭ ‬سَبَاح‭ ‬بحُرَيضَة،‭ ‬مَطَار‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬رَخْيَة،‭ ‬الكسر،‭ ‬المِخَيْنِيق‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬حراثة‭ ‬الأرض‭ ‬وزراعتها،‭ ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬أشعاراً‭ ‬وأحكاماً‭ ‬بها‭.. ‬ويرى‭ ‬المستشرق‭ ‬الغربي‭ ‬اروبرت‭ ‬سارجنتب‭ ‬أن‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬مولود‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬شبام،‭ ‬لأنه‭ ‬اشتهر‭ ‬بالحكمة،‭ ‬واستند‭ ‬اسارجنتب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُقَال‭ ‬أن‭ ‬شباماً‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬الحكمة46‭ ‬مستشهداً‭ ‬بقوله‭:‬

يقول‭ ‬بُوعامر‭ ‬وعِزّ‭ ‬الرَّاية‭ ‬الاَّ‭ ‬في‭ ‬شِبَام

الأوَّله‭ ‬لِي‭ ‬بالقَصَب‭ ‬والثَّانِية‭ ‬لِي‭ ‬بِالجِفَان

والثَّالِثِة‭ ‬لِي‭ ‬بِالدَّرَاهِم‭ ‬تِنطِرِح‭ ‬وسط‭ ‬الثِّبَان‭.‬

وأيّ‭ ‬يكُن‭ ‬مكان‭ ‬ولادة‭ ‬وإقامة‭ ‬حكيمنا‭ ‬الكبير‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬عاش‭ ‬وتنقل‭ ‬في‭ ‬روابي‭ ‬مدن‭ ‬ومناطق‭ ‬وادي‭ ‬حضرموت،‭ ‬وتغنَّى‭ ‬بها،‭ ‬وأنشد‭ ‬أقوالاً‭ ‬حكيمةً،‭ ‬وانتهج‭ ‬أفعالاً‭ ‬حسنةً‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتناقلها‭ ‬الأجيال‭ ‬جيلاً‭ ‬تلو‭ ‬جيل،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تعرض‭ ‬هذه‭ ‬الأقوال‭ ‬للخلط‭ ‬والتحوير‭ ‬والنَسْبَ‭ ‬لأوقاتٍ‭ ‬وأماكن‭ ‬أخرى‭.‬

بُوعامر‭ ‬وفلسفته‭ ‬للحياة‭ ‬وإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الحكم

تأكيداً‭ ‬لما‭ ‬ذهبت‭ ‬إليه‭ ‬الملكة‭ ‬السبئية‭ ‬العظيمة‭ (‬بلقيس‭ ‬بنت‭ ‬الهدهاد‭) (‬935‭ ‬ذ‭ ‬970‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭)‬47‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬الحكم‭ ‬الشوروي‭ ‬في‭ ‬إدارتها‭ ‬لشؤون‭ ‬بلادها،‭ ‬تلك‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الكبيرة‭ ‬كانت‭ ‬تُدار‭ ‬بأحدث‭ ‬أنظمة‭ ‬يتكلم‭ ‬عنها‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬حالياً،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يؤكد‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬الحضرمي‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬المتناقلة‭ ‬أباً‭ ‬عن‭ ‬جد،‭ ‬وجيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬ليتضح‭ ‬لنا‭ ‬جلياً‭ ‬بأن‭ ‬الشورى‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬الحكم،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭: ‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬ضياعَ‭ ‬الشورْ‭ ‬مفتاحْ‭ ‬الندمْ

من‭ ‬ضيّعهْ‭ ‬شورهْ‭ ‬تندمْ‭ ‬لو‭ ‬رسمْ‭ ‬لِهْ‭ ‬ما‭ ‬رسمْ

ولعادْ48‭ ‬تنفعهْ‭ ‬الندامهْ‭ ‬والندامهْ‭ ‬كالعدم

ويقول‭ ‬أيضاً‭:‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬عديمْ‭ ‬الشورْ‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يستشيرْ

الشور‭ ‬للحاذق‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬عار‭ ‬لو‭ ‬شاور‭ ‬صغير49

كما‭ ‬يوصي‭ ‬حكيمنا‭ ‬بضرورة‭ ‬الحنكة‭ ‬وعدم‭ ‬سرد‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬عواهنه،‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الغير،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الفضيلة‭ ‬قول‭ ‬لا‭ ‬أعلم،‭ ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬فقد‭ ‬أفتى‭!! ‬كما‭ ‬يقولون‭.. ‬ولهذا‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬العلم‭ ‬عدم‭ ‬التدخل‭ ‬والغيبة‭ ‬والنميمة‭ ‬في‭ ‬أعراض‭ ‬الناس‭ ‬ومشاكلهم‭:‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭.. ‬خيار‭ ‬العلم‭ ‬قوله‭ ‬ما‭ ‬دَرَيْتْ

وإن‭ ‬قلت‭ ‬شي‭ ‬ما‭ ‬قلت‭ ‬وان‭ ‬واحد‭ ‬حكي‭ ‬لي‭ ‬ما‭ ‬حكيت

وفي‭ ‬هذه‭ ‬يحذر‭ ‬الحكيم‭ ‬بوعامر‭ ‬من‭ ‬جلساء‭ ‬السوء‭ ‬بقوله‭:‬

يقول‭ ‬بو‭ ‬عامرْ‭ ‬رأيتَ‭ ‬الناسِ‭ ‬في‭ ‬الطِّينهْ‭ ‬عِيَـنْ

حَدْ‭ ‬طِينَتهْ‭ ‬زَينْهْ‭ ‬وحَدْ‭ ‬طِينتهُ‭ ‬خَسَّ‭ ‬الطِّيَـنْ

والطِّينِهِ‭ ‬الزَّينِهْ‭ ‬تِوَدَّي‭ ‬زَرعَها‭ ‬قبل‭ ‬الرَّدَنْ50

والطِّينِه‭ ‬العَيفِه‭ ‬فَلا‭ ‬تِبذِل‭ ‬بِذَكرات‭ ‬السِّنَن

ومن‭ ‬عَفَر‭ ‬باكِر‭ ‬شَكَر‭ ‬لِحْراثَتُه‭ ‬طولَ‭ ‬الزمـنْ51

ويندد‭ ‬هنا‭ ‬بالقلة‭ ‬والفقر‭ ‬والفاقة‭ ‬والبطالة‭.. ‬فيقول‭:‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭.. ‬لِقيتْ‭ ‬القِلْ‭ ‬مزراةَ‭ ‬الرجالْ

من‭ ‬قال‭ ‬ما‭ ‬بيدِهْ‭ ‬تسترْ‭ ‬واختفى‭ ‬بينَ‭ ‬الجبالْ52

بل‭ ‬ويصفها‭ ‬بأعظم‭ ‬من‭ ‬ثالثة‭ ‬الأثافي‭ ‬ذ‭ ‬أو‭ ‬الثلاثي‭ ‬المرعب‭ ‬بقوله‭:‬

يقول‭ ‬بو‭ ‬عامرْ‭ ‬الدُّنيا‭ ‬ثلاثِه‭ ‬غُبُون

الأوَّلِ‭ ‬الغَبْنَ‭ ‬من‭ ‬رَاحَت‭ ‬عَلَيه‭ ‬العُيُون

والثاني‭ ‬الغَبْنَ‭ ‬من‭ ‬كُثرِت‭ ‬عَلَيهِ‭ ‬الدُّيُون

والثَّالِثِ‭ ‬الغَبْنَ‭ ‬من‭ ‬قَلَّت‭ ‬رِجالُه‭ ‬يِهُون

ويبدو‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬حكيمنا‭ ‬قد‭ ‬فقد‭ ‬نعمة‭ ‬البصر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عمره،‭ ‬هذا‭ ‬الشيخ‭ ‬الكبير‭ ‬يُصاب‭ ‬بالعمى،‭ ‬وقد‭ ‬غرق‭ ‬في‭ ‬الديون‭ ‬إرضاءً‭ ‬لزوجته،‭ ‬ربـما،‭ ‬وربـما‭ ‬لكرمه‭ ‬الحاتـمي‭ ‬النادر،‭ ‬ولكن‭ ‬لما‭ ‬قلَّت‭ ‬رجاله،‭ ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬هلال،‭ ‬وأنه‭ ‬ممن‭ ‬بقيَّ‭ ‬منهم‭ ‬مع‭ ‬عددٍ‭ ‬لا‭ ‬يُذكر‭ ‬أمام‭ ‬رجال‭ ‬أفخاذ‭ ‬كِندة‭ ‬الأخرى‭.‬

 

بو‭ ‬عامر‭.. ‬وفلسفته‭ ‬للمرأة

يعدُّ‭ ‬حكيمنا‭ ‬وشاعرنا‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬شاعراً‭ ‬عاشقاً‭ ‬مُحباً‭ ‬للمرأة،‭ ‬متغزلاً‭ ‬بالصبايا‭ ‬البيض‭ ‬الحسناوات،‭ ‬وكان‭ ‬مع‭ ‬عشقه‭ ‬عذرياً‭ ‬عفيفاً،‭ ‬وكان‭ ‬إذا‭ ‬أحب‭ ‬وعشق‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يعشق‭ ‬إلا‭ ‬البيض‭ ‬من‭ ‬النساء،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭:‬

يقول‭ ‬بوعامر‭ ‬خليل‭ ‬البِيضِ‭ ‬مَا‭ ‬يْهُمْ‭ ‬عَ‭ ‬الأَمِه

لا‭ ‬يِكهَلِ‭ ‬الدَّحْنا‭ ‬ولا‭ ‬يِدحَق‭ ‬برجله‭ ‬في‭ ‬الحَمِه53‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المحبة‭ ‬إلا‭ ‬إننا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أبيات‭ ‬شعره‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬موقفاً‭ ‬سلبياً،‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬حياته؛‭ ‬فلا‭ ‬يقف‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬إلا‭ ‬لسرٍّ‭ ‬غامض،‭ ‬وأمرٍ‭ ‬عظيم،‭ ‬فهل‭ ‬يفتح‭ ‬شعر‭ ‬أبي‭ ‬عامر‭ ‬هذا‭ ‬مغاليقه‭ ‬ويبوح‭ ‬لنا‭ ‬بـما‭ ‬وراء‭ ‬سطوره‭ ‬من‭ ‬سرٍّ‭ ‬دفين؟‭! ‬ربما‭ ‬فقد‭ ‬حزن‭ ‬كثيراً‭ ‬وتـملكته‭ ‬الدهشة‭ ‬حينما‭ ‬رأى‭ ‬شاباً‭ ‬يُقبل‭ ‬زوجه،‭ ‬فقال‭ ‬شعراء‭ ‬مؤثراً‭:‬

يقول‭ ‬بوعامر‭ ‬الدُّنيا‭ ‬بواطِل‭ ‬وحَق

من‭ ‬حلَّ‭ ‬عند‭ ‬آل‭ ‬طالب‭ ‬يلحقوه‭ ‬اللَّحَق

شَقَّوا‭ ‬عَلَي‭ ‬حِمَّةِ‭ ‬الدِّسمال‭ ‬لَمَّا‭ ‬انشعَق

دِسمال‭ ‬عَدَّيت‭ ‬فيه‭ ‬اربعمائه‭ ‬في‭ ‬طَبق

واليوم‭ ‬لو‭ ‬حد‭ ‬يِدِلُّه‭ ‬بالمِيِه‭ ‬ما‭ ‬نَفَق54‭.‬

ومن‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬يتضح‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬السر‭ ‬الدفين‭ ‬الذي‭ ‬أزعج‭ ‬حكيمنا‭ ‬وجعل‭ ‬منه‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬قاله،‭ ‬والسر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭: ‬زارتبط‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬بزوجٍ‭ ‬ذات‭ ‬جمال‭ ‬ودلال‭ ‬وغنى،‭ ‬وكان‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬فقيراً؛‭ ‬فلم‭ ‬تجد‭ ‬لديه‭ ‬حياةً‭ ‬هانئةً‭ ‬كانت‭ ‬تجدها‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أبيها‭ ‬وأخوتها،‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬إخوة‭ ‬لا‭ ‬يرضون‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الفلاح‭ ‬البائس،‭ ‬وربـما‭ ‬عاشت‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬مضض،‭ ‬ربـما‭ ‬إرضاءً‭ ‬لرغبة‭ ‬أبيها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُعصَى،‭ ‬فكانت‭ ‬بين‭ ‬حينٍ‭ ‬وحين‭ ‬تتركه‭ ‬وحيداً‭ ‬في‭ ‬بيته،‭ ‬وقد‭ ‬خلا‭ ‬مما‭ ‬يسد‭ ‬رمقاً‭ ‬لتذهب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أبيها‭ ‬تنعم‭ ‬بخيراته‭.. ‬وإنها‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬جميلة،‭ ‬والجمال‭ ‬تهوى‭ ‬إليه‭ ‬النفوس،‭ ‬فكان‭ ‬هذا‭ ‬الجمال‭ ‬عرضةً‭ ‬للإغراء،‭ ‬يفقد‭ ‬الناظر‭ ‬إليه‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬وكان‭ ‬زأبو‭ ‬عامرس‭ ‬مع‭ ‬زوجه‭ ‬ساكناً‭ ‬عند‭ ‬قوم‭ ‬من‭ ‬آل‭ ‬طالب،‭ ‬وصادف‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬زأبو‭ ‬عامرس‭ ‬ابنهم‭ ‬يُقبِّل‭ ‬زوجه،‭ ‬فثارت‭ ‬ثائرة‭ ‬أبي‭ ‬عامر،‭ ‬وغضب‭ ‬لشرفه‭ ‬الذي‭ ‬يراق‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬منه‭... ‬وقد‭ ‬عرفت‭ ‬زوجته‭ ‬فبادرت‭ ‬إلى‭ ‬تبرئة‭ ‬ساحتها‭ ‬وسلامة‭ ‬شرفها‭ ‬وأن‭ ‬القبلة‭ ‬التي‭ ‬انطبعت‭ ‬على‭ ‬خدها‭ ‬بغير‭ ‬رضاها‭ ‬وقد‭ ‬ردت‭ ‬الصاع‭ ‬لذلك‭ ‬الشاب‭ ‬صاعين‭ ‬حين‭ ‬صفعته‭ ‬على‭ ‬وجهه55‭.‬

ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬أبي‭ ‬عامر‭ ‬وزوجه‭ ‬قد‭ ‬تكدَّرت‭ ‬وشابها‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬الملل‭ ‬وعدم‭ ‬الثقة،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬يفقد‭ ‬ثقته‭ ‬بالمرأة‭ ‬نهائياً،‭ ‬وهذا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬السلبي‭ ‬من‭ ‬المرأة‭:‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭.. ‬ولا‭ ‬تأمن‭ ‬من‭ ‬النسوان56‭ ‬راس

لا‭ ‬تأمنْ‭ ‬العذرا‭ ‬ولا‭ ‬الفارض‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬النفاس

أسرق‭ ‬من‭ ‬الهرشان‭ ‬وأسرق‭ ‬من‭ ‬جلابيب‭ ‬النعاس57

 

حكايات‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الحكيم‭ ‬الحضرمي

سمي‭ ‬ابو‭ ‬عامرب‭ ‬بشاعر‭ ‬الأحكام،‭ ‬أو‭ ‬بالحكيم،‭ ‬أو‭ ‬المعلم‭ ‬المرجع،‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬عدة‭ ‬مواقف‭ ‬وحكايات‭ ‬جميلة‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬حِكم‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُروى‭ ‬حتى‭ ‬تاريخه،‭ ‬ويعتبر‭ ‬الأستاذ‭ ‬والأديب‭ ‬علي‭ ‬أحمد‭ ‬بارجاء‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬شخصيةٍ‭ ‬قام‭ ‬بجمع‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬جمعه‭ ‬من‭ ‬أشعار‭ ‬وأقوال‭ ‬حكيمنا‭ ‬اأبو‭ ‬عامر‭ ‬الحضرميب،‭ ‬كما‭ ‬قام‭ ‬بسرد‭ ‬حكاياتٍ‭ ‬جميلةٍ‭ ‬وطريفة‭ ‬عن‭ ‬وقائع‭ ‬حدثت‭ ‬معه،‭ ‬ويـمكننا‭ ‬سرد‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬كالتالي‭:‬

1‭) ‬الحكاية‭ ‬الأولى‭: ‬مع‭ ‬ضيوفه‭:‬

يُحكى‭ ‬أن‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬قصدت‭ ‬اأبا‭ ‬عامرب‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬ضيوف‭ ‬لإعجازه‭ ‬وتعييره‭ ‬بالبخل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكرمهم،‭ ‬وقد‭ ‬عُرف‭ ‬عن‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬بكرمه‭ ‬وسماحته‭ ‬على‭ ‬قلة‭ ‬ما‭ ‬بيده‭ ‬وفقره،‭ ‬فتحيَّنٌوا‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬كانت‭ ‬زوجته‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬إخوتها،‭ ‬وكان‭ ‬بيته‭ ‬خالياً‭ ‬مما‭ ‬يُكرم‭ ‬به‭ ‬ضيفه؛‭ ‬فلما‭ ‬أقبلوا‭ ‬كان‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬مُنهمكاً‭ ‬في‭ ‬عمله،‭ ‬فلما‭ ‬رأهم‭ ‬اختفى‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬ساقية‭ ‬صغيرة‭ (‬بُد‭)‬؛‭ ‬فلما‭ ‬قصدوا‭ ‬بيته‭ ‬ولم‭ ‬يجدوه‭ ‬يُسارع‭ ‬إليهم،‭ ‬رجعوا‭ ‬عنه،‭ ‬ثـم‭ ‬أن‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬أخذته‭ ‬الأريحية‭ ‬في‭ ‬مخبئه‭ ‬وتفكَّر‭ ‬في‭ ‬أمره،‭ ‬وأبَتْ‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬مختفياً‭ ‬عن‭ ‬الأضياف،‭ ‬فندم‭ ‬وقال‭:‬

‭ ‬يقول‭ ‬بو‭ ‬عامرْ‭ ‬لقيت‭ ‬القِلَّ‭ ‬مزراة‭ ‬الرجال

من‭ ‬قل‭ ‬ما‭ ‬بيده‭ ‬لطففي‭ ‬البُدَّ‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحبال

ثم‭ ‬ظهر‭ ‬لضيوفه،‭ ‬ورحب‭ ‬بهم‭ ‬وأدخلهم‭ ‬بيته،‭ ‬وأمرَّ‭ ‬بعض‭ ‬غلمانه‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬بناقة‭ ‬من‭ ‬نياقهم‭ (‬نياق‭ ‬الضيوف‭)‬؛‭ ‬فذبحها‭ ‬وطبخها‭ ‬لهم‭ ‬وأطعمهم‭ ‬لحمها‭ ‬مع‭ ‬بُرِّ‭ (‬قمح‭) ‬كان‭ ‬عنده‭ ‬حتى‭ ‬شبعوا،وهم‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭ ‬بالحيلة‭ ‬التي‭ ‬أحتالها‭ ‬لإطعامهم‭.‬

وكانت‭ ‬زوج‭ ‬اأبي‭ ‬عامرب‭ ‬وإخوتها‭ ‬قد‭ ‬علموا‭ ‬بأمر‭ ‬المكيدة‭ ‬والضيوف‭ ‬الذين‭ ‬جاؤوا‭ ‬فجأة،‭ ‬وتذاكروا‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وظنوا‭ ‬أن‭ ‬أمره‭ ‬سيفضح‭ ‬في‭ ‬إكرامهم‭ ‬لخلو‭ ‬بيته‭ ‬من‭ ‬الطعام،‭ ‬فقالت‭ ‬زوجه‭ ‬لإخوتها‭: ‬اإن‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬لم‭ ‬ينفضح‭ ‬قط‭ ‬منذ‭ ‬عاشرته،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أنه‭ ‬سيكرم‭ ‬ضيوفه‭ ‬هذه‭ ‬الليلة،‭ ‬وسيخرجون‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬شاكرينب‭.. ‬فقال‭ ‬لها‭ ‬إخوتها‭: ‬اإن‭ ‬أكرمهم‭ ‬فله‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬واحدٍ‭ ‬منا‭ ‬مائة‭ ‬من‭ ‬النقدب،‭ ‬فقال‭: ‬اوإن‭ ‬لم‭ ‬يكرمهم‭ ‬فلكم‭ ‬مني‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬لي‭ ‬أبيب‭.‬

ولم‭ ‬تـمض‭ ‬هنيهة‭ ‬إلا‭ ‬وغلام‭ ‬اأبي‭ ‬عامرب‭ ‬يأتيهم‭ ‬بهديةٍ‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬الضيوف‭ ‬فقدم‭ ‬لها‭ ‬إخوتها‭ ‬ما‭ ‬وعدوا‭ ‬به‭ ‬فأتت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬زوجها‭.‬

فلما‭ ‬أصبح‭ ‬الصباح،‭ ‬اعترف‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬لضيوفه‭ ‬بالحيلة‭ ‬التي‭ ‬احتالها‭ ‬لإطعامهم‭ ‬واعتذر‭ ‬لهم،‭ ‬وقدَّم‭ ‬لهم‭ ‬مائةً‭ ‬قيمة‭ ‬الناقة‭ ‬التي‭ ‬ذبحها،‭ ‬وأنه‭ ‬سيدفع‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬يطلبون‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكف‭ ‬المائة،‭ ‬فقال‭ ‬القوم‭ ‬لرئيسهم‭: ‬اعطِّ‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬النياق‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخرى،‭ ‬وأعادوا‭ ‬له‭ ‬المائة‭ ‬قطعة‭ ‬نقدية‭ ‬التي‭ ‬دفعها‭ ‬لهم،‭ ‬وشكروا‭ ‬له‭ ‬صنيعه،‭ ‬وعرفوا‭ ‬بفضله‭ ‬وكرمه58‭.‬

2‭) ‬الحكاية‭ ‬الثانية‭: ‬فتوى‭ ‬جُرَبْ‭ ‬هيصم‭:‬

يُروى‭ ‬أن‭ ‬رجلاً‭ ‬ذ‭ ‬ويروى‭ ‬أنهما‭ ‬امرأتان،‭ ‬وقيل‭ ‬أنها‭ ‬امرأة‭ ‬اسمها‭ ‬اهيصمب‭ ‬ذ‭ ‬اسمه‭ ‬اهيصمب‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬الكِنديين‭ ‬جعل‭ ‬له‭ ‬جُرَبَاً‭ ‬له‭ (‬أرضاً‭ ‬زراعية‭) ‬وقفاً‭ ‬لمن‭ ‬انقطع‭ ‬رزقه؛‭ ‬فلما‭ ‬علم‭ ‬الناس‭ ‬بالأمر،‭ ‬أدعى‭ ‬كثيرٌ‭ ‬أن‭ ‬رزقهم‭ ‬قد‭ ‬انقطع،‭ ‬فرفع‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬العلماء؛‭ ‬ولكنهم‭ ‬لم‭ ‬يهتدوا‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭ ‬لما‭ ‬يقصده‭ ‬الواقف،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬أُشير‭ ‬عليهم‭ ‬بتوجيه‭ ‬المسألة‭ ‬إلى‭ ‬الحكيم‭ ‬اأبي‭ ‬عامرب،‭ ‬فذهب‭ ‬إليه‭ ‬نفرٌ‭ ‬وألقوا‭ ‬عليه‭ ‬المسألة،‭ ‬ولكن‭ ‬أبا‭ ‬عامر‭ ‬لم‭ ‬يجبهم‭ ‬بشيء،‭ ‬وظلَّ‭ ‬منهمكاً‭ ‬في‭ ‬عمله،‭ ‬فعاد‭ ‬النفر‭ ‬أدراجهم‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬شبام،‭ ‬فلما‭ ‬وصلوا‭ ‬وأبلغوا‭ ‬من‭ ‬أرسلهم‭ ‬بخيبتهم،‭ ‬قال‭ ‬لهم‭ ‬قائل‭ ‬عليم‭: ‬عودوا‭ ‬إليه‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى‭ ‬واسألوه‭ ‬ثم‭ ‬انصرفوا‭ ‬عنه‭ ‬بحيث‭ ‬ترونه‭ ‬وتسمعون‭ ‬صوته‭ ‬ولا‭ ‬يراكم،‭ ‬ففعلوا‭ ‬بـما‭ ‬أُشير‭ ‬عليهم؛‭ ‬فإذا‭ ‬بأبي‭ ‬عامر‭ ‬يُشرع‭ ‬في‭ ‬الغناء،‭ ‬وهو‭ ‬يحرث‭ ‬الأرض،‭ ‬بقوله‭:‬

يقول‭ ‬بو‭ ‬عامرْ‭ ‬نَشَدْتونا‭ ‬ولا‭ ‬عندي‭ ‬صِفات

ما‭ ‬ينقطع‭ ‬رزقه‭ ‬سِوَى‭ ‬من‭ ‬جَدَّد‭ ‬اكفانه‭ ‬ومات‭ ‬

تهلل‭ ‬النفر‭ ‬لما‭ ‬سمعوا‭ ‬وعادوا‭ ‬مسرعين‭ ‬بـما‭ ‬قاله‭ ‬أبو‭ ‬عامر،‭ ‬وعندما‭ ‬بلَّغوا‭ ‬من‭ ‬أرسلهم‭ ‬بهذا‭ ‬القول،‭ ‬عَلِمُوا‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬انقطع‭ ‬رزقه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬مات،‭ ‬وأعلنوا‭ ‬أن‭ ‬جُرَبْ‭ ‬هيصم‭ ‬مقبرةٌ‭ ‬للأموات‭ ‬فكان‭ ‬كذلك59‭.‬

3‭)‬الحكاية‭ ‬الثالثة‭: ‬حكايته‭ ‬مع‭ ‬بايزيد‭:‬

يُروى‭ ‬أن‭ ‬اأبا‭ ‬عامرب‭ ‬أتى‭ ‬مرةً‭ ‬إلى‭ ‬بلدة‭ ‬الخَميلة‭ ‬بوادي‭ ‬عمد‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مجاعة‭ ‬وشدة‭ ‬وقحط‭ ‬ومعه‭ ‬خيله،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬أصابه‭ ‬جوعٍ‭ ‬شديد،‭ ‬فبينما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬أرضٍ‭ ‬مزروعة‭ ‬بشجر‭ ‬السمسم،‭ ‬أخذ‭ ‬قبضةً‭ ‬منها‭ ‬وأكل‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬وأعطاها‭ ‬لخيله،‭ ‬وكان‭ ‬شيخٌ‭ ‬يراه‭ ‬من‭ ‬بعد،‭ ‬فأتاه‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬وسأله‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ (‬العَرَصَة‭).. ‬لمن‭ ‬هي؟

فرد‭ ‬عليه‭ ‬ذاك‭ ‬الشيخ‭: ‬إنها‭ ‬لبايزيد‭.‬

وأين‭ ‬بايزيد؟

أنا‭ ‬هُوَ‭.!!‬

أطلب‭ ‬منك‭ ‬المسامحة،‭ ‬لأني‭ ‬أخذت‭ ‬بعض‭ ‬الشجر‭ ‬بغير‭ ‬إذنك‭.‬

ومن‭ ‬أنت؟‭!‬

أبو‭ ‬عامر‭.‬

أنت‭ ‬مسامح‭ ‬وفي‭ ‬حِلٍّ،‭ ‬وزراعتي‭ ‬كلها‭ ‬مباحة‭ ‬لك‭ ‬يرعاها‭ ‬خيلك‭ ‬وتأكل‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬تريد‭.. ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬بايزيد‭ ‬أضافه‭ ‬وأكرمه‭ ‬فأنشأ‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬يقول‭:‬

يقول‭ ‬بُوعامرْ‭ ‬سَقَى‭ ‬الله‭ ‬عَرْصَتَك‭ ‬يا‭ ‬بايَزيد

مَولَى‭ ‬العمل‭ ‬مقيود‭ ‬لِلجَنّه‭ ‬يريد‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يريد

وأنشد‭ ‬دعاءً‭ ‬لله‭ ‬بأن‭ ‬يسقي‭ ‬الله‭ ‬وادي‭ ‬عمد‭ ‬بـمطرٍ‭ ‬غزير‭ ‬حيث‭ ‬قال‭:‬

يقول‭ ‬بُوعامرْ‭ ‬سَقَى‭ ‬الله‭ ‬عَمدِ‭ ‬من‭ ‬ماطِر‭ ‬غزير

هو‭ ‬وادي‭ ‬الزَّينَات‭ ‬يا‭ ‬وادي‭ ‬الجَلاجِل60

والحَوِيـر61

 

التشابه‭ ‬بين‭ ‬الحكيم‭ ‬بوعامر

وأقرانه‭ ‬من‭ ‬حكماء‭ ‬اليمن

ويورد‭ ‬الأستاذ‭ ‬والإعلامي‭ ‬الراحل‭ ‬محسن‭ ‬بن‭ ‬محسن‭ ‬الجبري‭ ‬بـمقاله‭: ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬شبه‭ ‬بين‭ ‬أحكام‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زايد‭ ‬والحُميد‭ ‬بن‭ ‬منصور‭ ‬وأحكام‭ ‬هذا‭ ‬الحكيم‭ ‬اليماني‭ ‬أبو‭ ‬عامر62‭... ‬ربـما‭ ‬نظراً‭ ‬للبعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وبين‭ ‬المنطقة‭ ‬الجنوبية‭ ‬الشرقية‭ ‬التي‭ ‬عاش‭ ‬فيها‭ ‬حكيمنا‭ ‬ابوعامرب‭.‬

بينما‭ ‬يرى‭ ‬اعبدالعزيز‭ ‬عمَّارب‭ ‬أن‭ ‬ثـمَّة‭ ‬خلطٌ‭ ‬وتداخل‭ ‬يحدث‭ ‬بين‭ ‬أحكام‭ ‬اأبي‭ ‬عامرب‭ ‬وبين‭ ‬أحكام‭ ‬الحُميد‭ ‬بن‭ ‬منصور،‭ ‬وقد‭ ‬فرق‭ ‬بينهما‭ ‬بحجةٍ‭ ‬دامغة،‭ ‬بأن‭ ‬شعر‭ ‬أبي‭ ‬عامر‭ ‬يبدأ‭ ‬بالفعل‭ ‬المضارع‭ (‬يقول‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬يبدأ‭ ‬شعر‭ ‬االحُميدب‭ ‬بالفعل‭ ‬الماضي‭ (‬قال‭)‬،‭ ‬وهذا‭ ‬الفرق‭ ‬قد‭ ‬قال‭ ‬به‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬المقالح‭ ‬بين‭ ‬شعر‭ ‬الحُميد‭ ‬بن‭ ‬منصور‭ ‬وبين‭ ‬شعر‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زايد63،‭ ‬وعلى‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬التصنيف‭ ‬يكون‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬أشعار‭ ‬حكيمنا‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬وبين‭ ‬أشعار‭ ‬الحكيم‭ ‬االحُميد‭ ‬بن‭ ‬منصورب‭.‬

بينما‭ ‬يورد‭ ‬القول‭ ‬التالي‭ ‬في‭ ‬أشعار‭ ‬حكيمنا‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب،‭ ‬ونفس‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬أشعار‭ ‬الحكيم‭ ‬المشهور‭ ‬اعلي‭ ‬بن‭ ‬زايدب،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ذاك‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬الخلط‭ ‬في‭ ‬الحفظ‭ ‬والنقل،‭ ‬وقد‭ ‬ذكره‭ ‬الأستاذ‭ ‬والشاعر‭ ‬اليمني‭ ‬الكبير‭/ ‬عبدالله‭ ‬البردوني‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬ارجعة‭ ‬الحكيم‭ ‬ابن‭ ‬زايدب،‭ ‬وأيضاً‭ ‬ذكره‭ ‬المستشرق‭ ‬الروسي‭ ‬اأناطولي‭ ‬اغار‭ ‬يشيفب‭ ‬في‭ ‬كتابٍ‭ ‬أصدره‭ ‬باللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والروسية‭ ‬وعنونه‭ ‬بـاأحكام‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زايدب،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬ربـما‭ ‬يكون‭ ‬القول‭ ‬صحيحاً‭ ‬لواحدٍ‭ ‬منهما‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬اللازمة‭ ‬الأولى‭ ‬فقط‭ ‬وبعض‭ ‬الاختلاف‭ ‬البسيط‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الأبيات‭ ‬تلك،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬نفس‭ ‬المعنى‭ ‬ونفس‭ ‬المغزى‭:‬

يقول‭ ‬بُوعامرْ‭ ‬الدُّنيا‭ ‬ثلاثِه‭ ‬غُبُون

الأوَّلِ‭ ‬الغَبْنَ‭ ‬من‭ ‬رَاحَت‭ ‬عَلَيه‭ ‬العُيُون

والثاني‭ ‬الغَبْنَ‭ ‬من‭ ‬كُثرِت‭ ‬عَلَيهِ‭ ‬الدُّيُون

والثَّالِثِ‭ ‬الغَبْنَ‭ ‬من‭ ‬قَلَّت‭ ‬رِجالُه‭ ‬يِهُون

يذكرنا‭ ‬أديبنا‭ ‬الكبير‭/ ‬عبدالله‭ ‬البرودني‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬افنون‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬اليمنب‭ ‬بحكايةٍ‭ ‬عن‭ ‬الحكيم‭ ‬اليماني‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زايد‭ ‬اأبو‭ ‬سعدب،‭ ‬حيث‭ ‬تعرض‭ ‬لخسارة‭ ‬بأنه‭ ‬باع‭ ‬ثوره‭ ‬لكي‭ ‬يشتري‭ ‬بثمنه‭ ‬عجلين‭ ‬يصبحان‭ ‬ثورين‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬وبعد‭ ‬شراء‭ ‬العجلين‭ ‬مات‭ ‬واحد‭ ‬بعد‭ ‬الآخر،‭ ‬فاستدان‭ ‬ثـمن‭ ‬ثور،‭ ‬وفي‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬هجمت‭ ‬عليه‭ ‬عصابة‭ ‬وأخذت‭ ‬دراهمه،‭ ‬وعندما‭ ‬رجع‭ ‬إلى‭ ‬بيته،‭ ‬عرف‭ ‬أن‭ ‬زوجته‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أهلها‭ ‬نتيجة‭ ‬محاككة‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬سبباً‭ ‬لحنقها،‭ ‬وتحت‭ ‬وطأة‭ ‬هذه‭ ‬المصاب‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬متنفساً‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬صعد‭ ‬إلى‭ ‬الجبل‭ ‬وأنشد‭ ‬بهذا‭ ‬المهيد‭:‬

يقول‭ ‬أبو‭ ‬سعد‭ ‬يا‭ ‬غبنه‭ ‬ثلاثِه‭ ‬غُبُون

الغَبْنَ‭ ‬الأوَّلِ‭ ‬لمن‭ ‬جارت‭ ‬عَلَيهِ‭ ‬الدُّيُون

ووغَبْن‭ ‬ثاني‭ ‬لمن‭ ‬ثانية‭ ‬قَلَّت‭ ‬رِجالُه‭ ‬يِهُون

وغبن‭ ‬ثالث‭ ‬لمن‭ ‬فارق‭ ‬كحيل‭ ‬العُيُون64

 

أمثال‭ ‬ابُو‭ ‬عامرب‭ ‬الـمشهورة

تتجلى‭ ‬عظمة‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬أعمالهم‭ ‬ومآثرهم‭ ‬التي‭ ‬يقدمونها‭ ‬لأمتهم‭ ‬ومجتمعهم،‭ ‬وما‭ ‬يتركونه‭ ‬من‭ ‬أثرٍ‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬وأبو‭ ‬عامر‭ ‬أحد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬العظماء؛‭ ‬فقد‭ ‬ترك‭ ‬في‭ ‬الأمة‭ ‬والمجتمع‭ ‬أثاراً،‭ ‬منها‭ ‬الأمثال‭ ‬العامَّية‭ ‬التي‭ ‬انتزعت‭ ‬من‭ ‬شعره‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أبيات‭ ‬أبي‭ ‬عامر‭ ‬الشعرية‭ ‬غنيَّة‭ ‬بالحكم‭ ‬والنصائح‭ ‬ومصاغةً‭ ‬بأسلوب‭ ‬ايضعها‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬الأمثال‭ ‬الحضرمية‭ ‬الدَّارجة،‭ ‬والأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬والحِكم‭ ‬هي‭ ‬مبادئ‭ ‬أخلاقية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مسكوبة‭ ‬بجمل‭ ‬قصيرة‭ ‬لطيفة‭ ‬تعبر‭ ‬في‭ ‬بساطتها‭ ‬وعفويتها‭ ‬عن‭ ‬قاعدة‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬نصيحة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬تفسر‭ ‬بعض‭ ‬الأحداث‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وتبرز‭ ‬حدوثهاب65،‭ ‬ونورد‭ ‬هنا‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬اليمنية‭: ‬

الشور‭ ‬للحاذق‭ ‬ولاهو‭ ‬عيب‭ ‬من‭ ‬شاور‭ ‬صغير‭ .‬

عديم‭ ‬الشور‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يستشير‭.‬

ضياع‭ ‬الشور‭ ‬مفتاح‭ ‬الندم‭.‬

ضياع‭ ‬الشور‭ ‬مفتاح‭ ‬الغيار‭.‬

من‭ ‬ضيعه‭ ‬شوره‭ ‬تندم‭.‬

لي‭ ‬با‭ ‬يبت‭ ‬معاد‭ ‬يدقق‭ ‬في‭ ‬الحساب

مولى‭ ‬العمل‭ ‬مقيود‭ ‬للجنة‭.‬

فكر‭ ‬في‭ ‬خروجك‭ ‬قبل‭ ‬دخولك‭.‬

القل‭ ‬مرزات‭ ‬الرجال‭.‬

ما‭ ‬خليلك‭ ‬إلا‭ ‬درهمك‭.‬

ان‭ ‬أقبلت‭ ‬تنقاد‭ ‬بالعشرة

من‭ ‬قلت‭ ‬رجاله‭ ‬يهون‭.‬

الناس‭ ‬في‭ ‬الطينة‭ ‬عين

من‭ ‬عفر‭ ‬باكر‭ ‬شكر66‭.‬

‭.‬

ديوان‭ ‬شعر‭ ‬أبو‭ ‬عامر‭ ‬الحضرمي

اطلعنا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬على‭ ‬أقوال‭ ‬وحِكم‭ ‬زأبو‭ ‬عامرس،‭ ‬ولكن‭ ‬يا‭ ‬تُرى‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬الشاعر‭ ‬قصائد‭ ‬طويلة‭ ‬ومُقفاة،‭  ‬أم‭ ‬أن‭ ‬أشعاره‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬القصير‭ ‬جداً‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أو‭ ‬بيتين‭ ‬فقط؟‭!! ‬يرى‭ ‬كثيرون‭ ‬مما‭ ‬التقينا‭ ‬بهم‭ ‬بأن‭ ‬لدى‭ ‬زأبو‭ ‬عامرس‭ ‬قصائد‭ ‬كبيرة‭ ‬ذ‭ ‬عثرنا‭ ‬على‭ ‬واحدةٍ‭ ‬منها‭ ‬ذ‭  ‬والتي‭ ‬تقول‭ ‬أبياتها‭:‬

يـقـول‭ ‬بوعــامر‭ ‬دُموعي‭ ‬مثل‭ ‬هَشَّات‭ ‬الـمِـزان

كما‭ ‬لشابـيب‭ ‬الغزيره‭ ‬في‭ ‬ربانـش‭ ‬والزَّبان

وجرحت‭ ‬خـدي‭ ‬بدمعي‭ ‬سـالك‭ ‬يالله‭ ‬المُستعان

أَفكَـرتِ‭ ‬فِي‭ ‬الدُّنيا‭ ‬تِقِلِّب‭ ‬لك‭ ‬كَما‭ ‬ثَوب‭ ‬الصـِّــــــــبـَان67

إِن‭ ‬اَقـبـَلَت‭ ‬تِنقَــادِ‭ ‬بالشَّــعــرَه‭ ‬وتِدهِــن‭ ‬بالــــدِّهَــــــان

واِن‭ ‬أَدبـَـرَت‭ ‬مَا‭ ‬عـاد‭ ‬تِقعِدهَا‭ ‬السَّلاسِل‭ ‬والرِّصَان

مـن‭ ‬لا‭ ‬مُـعُـه‭ ‬قِطعِه68‭ ‬ولا‭ ‬نـَخـلِـه‭ ‬ولاعـيسٍ‭ ‬سِــمَــــــان

إِن‭ ‬حَلَّ‭ ‬يا‭ ‬وَيله‭ ‬ويَا‭ ‬وَيلُـه‭ ‬إذا‭ ‬انْوى‭ ‬الانضِـعَـان

الطَّير‭ ‬لا‭ ‬ماله‭ ‬جناحا‭ ‬ترفعه‭ ‬لا‭ ‬نوى‭ ‬مكـان

يومـي‭ ‬بسـنقـوفه‭ ‬وهـو‭ ‬مطروح‭ ‬فـراد‭ ‬البيان

اول‭ ‬زمـانـي‭ ‬مـا‭ ‬قـمـرني‭ ‬ما‭ ‬بـي‭ ‬إلا‭ ‬آخر‭ ‬زمـان

لأخذت‭ ‬غطه‭ ‬في‭ ‬الحِمَة‭ ‬ثم‭ ‬دملغوني‭ ‬في‭ ‬الدَّمَان

لكنني‭ ‬بصبر‭ ‬ومن‭ ‬صبر‭ ‬على‭ ‬البلوى‭ ‬يُعان

بـصـبر‭ ‬كما‭ ‬البـزل‭ ‬إلـى‭ ‬جـارت‭ ‬حمـايـلها‭ ‬الــرِّزاناِن

سـار‭ ‬حـز‭ ‬الساق‭ ‬قيـده‭ ‬واِن‭ ‬سكن‭ ‬جـاه‭ ‬الجِنـان

مـن‭ ‬لاهـنا‭ ‬وحده‭ ‬لغب‭ ‬يسنعلها‭ ‬طول‭ ‬الـزَّمان

وسسوته‭ ‬دبر‭ ‬وقطع‭ ‬من‭ ‬مسالكها‭ ‬السِّهان

يعوي‭ ‬عوي‭ ‬الذيـب‭ ‬ذي‭ ‬في‭ ‬المسحره‭ ‬قِد‭ ‬له‭ ‬زمان

يمسي‭ ‬يردد‭ ‬بالعوى‭ ‬من‭ ‬بدوهم‭ ‬قِد‭ ‬له‭ ‬ثمان

ضمآن‭ ‬ثم‭ ‬جيعان‭ ‬دالع‭ ‬فوق‭ ‬مشفره‭ ‬اللسان

أيش‭ ‬الذي‭ ‬ردش‭ ‬مُطيعـه‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬كنتي‭ ‬زبان

قالت‭ ‬بعلي‭ ‬مدحك‭ ‬اليوم‭ ‬يا‭ ‬شيخ‭ ‬العرب‭ ‬بروي‭ ‬السِّنان

صقراً‭ ‬عبر‭ ‬في‭ ‬العول‭ ‬ميح‭ ‬قلت‭ ‬ايش‭ ‬هذا‭ ‬يا‭ ‬فِلان

قال‭ ‬هذا‭ ‬كما‭ ‬ابوعامرب‭ ‬المصيوت‭ ‬لزتلم‭ ‬واعتلى

ظهر‭ ‬الحصان

تغدي‭ ‬تذل‭ ‬فرسان‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬خوف‭ ‬طعنه‭ ‬بالسِّنان

قال‭ ‬لها‭ ‬اِن‭ ‬خنت‭ ‬بلعش‭ ‬ذي‭ ‬مدحني‭ ‬لي‭ ‬رهيفت‭ ‬هِندوان

وانـتـي‭ ‬علـيَّ‭ ‬مـثل‭ ‬علـيَّ‭ ‬ذي‭ ‬مبــاسـمـها‭ ‬زِيان

ذي‭ ‬كنها‭ ‬طـوعه‭ ‬من‭ ‬المرشـوق‭ ‬عـود‭ ‬الخــيزران

ذي‭ ‬ملقي‭ ‬خالص‭ ‬ولا‭ ‬لـي‭ ‬مـنسبـا‭ ‬جـاء‭ ‬من‭ ‬مكـان

أعمامي‭ ‬أخوالي‭ ‬وجـدي‭ ‬من‭ ‬صليـــب‭ ‬الهِنـــدوان

لا‭ ‬جي‭ ‬مرة‭ ‬صاحب‭ ‬ولاخون‭ ‬الوداعه‭ ‬في‭ ‬المكان

شي‭ ‬عاد‭ ‬بوعامر‭ ‬مولـع‭ ‬بالخراعيب‭ ‬الزيان

سيد‭ ‬الـذوايـب‭ ‬كنها‭ ‬البستـان‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬خبـان

على‭ ‬العتوم‭ ‬السـاهره‭ ‬ما‭ ‬صطان‭ ‬ما‭ ‬شـارحه‭ ‬خان

يَـا‭ ‬الله‭ ‬عَلَى‭ ‬هَـينـَن‭ ‬ثَـمَـاناَ‭ ‬فِي‭ ‬ثَـمَـانٍ‭ ‬فِي‭ ‬ثَـمَـان

ربـيع‭ ‬مقدم‭ ‬صيف‭ ‬قنفانه‭ ‬في‭ ‬القبله‭ ‬سمان

لا‭ ‬خَـالَهَا‭ ‬الشَّـاوِي69‭ ‬وَلا‭ ‬الحَرَّاثِ‭ ‬لي‭ ‬قَـلبُه‭ ‬ضَمَان70

ما‭ ‬يــمدي‭ ‬الشـاوي‭ ‬يسوقه‭ ‬الفــــــرق‭ ‬يفرع‭ ‬للكِنان

بليلتا‭ ‬بـركه‭ ‬وبـرقه‭ ‬ما‭ ‬تكـورم‭ ‬عـلى‭ ‬اللســان

ويسقيك‭ ‬يا‭ ‬هَينَن‭ ‬ويخلف‭ ‬شعب‭ ‬منوب‭ ‬على‭ ‬اليمان71

وفي‭ ‬الأخير‭ ‬يعد‭ ‬اأبو‭ ‬عامرب‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الأحكام‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬شعرائها‭ ‬كالحُميد‭ ‬بن‭ ‬منصور‭ ‬وعلي‭ ‬بن‭ ‬زايد،‭ ‬وحزام‭ ‬الشبثي،‭ ‬وغزال‭ ‬المقدشية،‭ ‬وقد‭ ‬وصفه‭ ‬اعلي‭ ‬عقيل‭ ‬بن‭ ‬يحيىب‭ ‬بأنه‭ ‬فيلسوف72؛‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬من‭ ‬حكمة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬رجاحة‭ ‬عقله‭ ‬وخبرته‭ ‬الواسعة‭ ‬بالحياة،‭ ‬وفهمه‭ ‬لمجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬عصره73‭.‬