اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الفرح الكامن في الجذور
تحرص الدول التي جعلت من فنونها الشعبيّة مادة ضمن مناهج الدّرس الأوليّة لأجيالها القادمة على أن تكون هذه المادة مفرحة وقر...

سـفْرُ الأشـربَة الصّحيّة في الثقافـةِ الشّعبيّة البحرينِيّة مقاربة إنثروبولوجية لكتاب «ألأشربة الصحية في مملكة البحرين» للدكتورة فوزية سعيد الصالح
تزخر ذاكرة الاستطباب الشعبيّ البحرينيةبالمأثورات الصحيّة والدوائية التي توارثتها التداوليات العاميّة على شكل وصفات علاجي...

صورة المرأة ومكانتها والسيطرة في المجتمعات الإنسانية والمرجعيات الدينية
مـــــقــدمـة:يدفعنا البحث عن صورة المرأة في ثقافات الشعوب البشرية أو المجتمعات الإنسانية إلى العودة بداية للنبش عن صورت...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
العود الصنعاني اليمني.. حرفةٌ تكاد تـختفـي!!
العدد 42 - موسيقى وأداء حركي

أ. محمد علي ثامر – كاتبة من اليمن

 

عرف اليمنيون العزف على الآلات الوترية منذ عصورٍ قديـمةٍ، بدليل القطع الأثرية التي تـمَّ العثور عليها والمُوثَّقة بالمتحف الوطني بصنعاء، وهي عبارة عن لوحاتٍ من المرمر الأبيض منحوتٌ عليها صور نساءٍ عازفاتٍ، مما يدل على أن العزف والطرب والغناء كان موجوداً في العصور السبئية والحميرية بل وكان من اختصاص النساء فقط، وتلك اللوحات تظهر أولئك النسوة وهن يُمسكن بعودٍ مماثلٍ لآلة العود الحالي(1)، كما ورد في ذكر الآلات الموسيقية في اليمن في بعض الكتب والمراجع التاريخية وفي بعض النقوش القديـمة والتي تعود إلى ما قبل الإسلام، وأن هناك دلائل تشير إلى وجود آلة العود في نقوشٍ يـمنيةٍ قديـمةٍ ترجع إلى القرن الثاني الميلادي(2).. والعود اليمني – الصنعاني هو من الآلات الموسيقية الشعبية الأكثر انتشاراً في اليمن حتى ثلاثينيات القرن الماضي(3)، ولكن هذه الآلة التي شكَّلت على مدى الـ(500) سنة الأخيرة أساسٌ للموسيقى اليمنية والعربية على وشك الاندثار والضياع والانتهاء تـماماً حيث غاب عنها التوثيق والحفظ، وضاع التدريب والتأهيل ونقل الخبرات إلى جيل الشباب الصاعد بصفتها حرفةً راقيةً وذات تاريخٍ كبيرٍ ومُشرِّف.
ولعلني كنت أستمع وأستمتع بالعديد من الأغنيات اليمنية القديـمة التي كان يؤديها فنانون كبار من أمثال: الشيخ/ محمد الماس(4)، وولده الفنان الشيخ/ إبراهيم محمد الماس(5)، والشيخ/ سعد عبدالله الكوكباني(6)، والشيخ/ سلطان بن صالح بن علي اليافعي، والشيخ/ علي أبوبكر باشراحيل(7)، والموسيقار الشيخ/ محمد جمعة خان(8)، والفنان الشيخ/ قاسم الأخفش(9) وولده (محمد) ، والفنان/ أحمد عوض الجراش(10)، والشيخ/ صالح علي العنتري(11)، والفنان/ أحمد صالح الأبرش، والشيخ/ عوض عبدالله المسلمي(12)، والمطرب/ أحمد عبيد قعطبي(13)، والفنان/ عبدالقادر عبدالرحيم بامخرمه(14)، والفنان/ محمد قحطه، والفنان/ علي ناجي بركات.. وهؤلاء يُعدَّون الرعيل الأول.. ثم أتى من بعدهم الرعيل الثاني ومعظمهم من تلاميذ الشيخ/ سعد عبدالله الكوكباني، ومنهم: حسن الرخمي، وحسن عوني العجمي، وأحسن الجماعي، وأحمد طاهر الكوكباني، وحسين بهلول، وعتيق محمد وزير، ومحمد الرحومي، وعلي الردمي، ومحمد العطاب (الأعور).. ثم جاء الرعيل الثالث: أحمد فايع، أحمد هبه، محمد الياور، أحمد أحسن الجماعي وأخيه محمد، وإبراهيم خليل، حمدي خليل، أحمد الماوري، محمد الرُّحومي.. وحالياً هناك العديد من الهواة الشباب والذين يعزفون بالعود الصنعاني «الطُّربي»؛ هذه الآلة الجميلة صناعةً وشكلاً وزخرفة، والصغيرة في أبعادها وأحجامها، والخفيفة في وزنها وثقلها، والرقيقة في عذوبة صوتها وعزفها الآخاذ؛ ولهذا كان لزاماً علينا النزول للبحث عن هذه الحرفة، عن مصادرها، عن مواد صناعتها، عن من يتقن هذه الحرفة حتى الآن.
ولا أخفيكم سراً فقد شعرت بحبٍّ لهذه الألة وشغفٍ بـمعرفة جميع تفاصيلها ومكوناتها؛ فأتجهت نحو مركز التراث الموسيقي – التابع لوزارة الثقافة اليمنية – وألتقيت بـمديره العام الأستاذ/ رفيق العكوري – وطلبت منه إفادتي بـمن هو الحرفي الذي لا زال يـمارس هذه المهنة، وشرحت له بأنني قرأت في كتاب (مسح وتوثيق الحرف اليدوية التقليدية في مدينة صنعاء القديـمة) وبالذات في جزئه الثاني، بأن هذه الحرفة مهددةً بالاندثار والضياع، ولأسبابٍ عديدةٍ ومتنوعة.. فتكرم مشكوراً وأعطاني أرقام هواتف العديد من العازفين الماهرين على هذه الآلة للاستماع إليهم؛ ولكن دون جدوى أو تحمس منهم، وكأن هذا الطّربيُّ يُعدُّ لغزاً من ألغاز الماضي اليمني لا يريدون البوح والكشف عنه!!! كما أنه أعطاني أيضاً رقم الأستاذ والحرفي/ فؤاد حسين القديـمي الشهير بالقُعْطِري(15) آخر العاملين في هذه المهنة بل وآخر حرفييها؛ فيا تُرى من هو هذا القُعْطِري؟! وما هي أعماله وإنجازاته؟! ولكن قبل الإجابة على هذه الأسئلة، يتسنى لنا في البداية التعريف بنبذةٍ تاريخيةٍ تعريفيةٍ عن العود الصنعاني ومسمياته ومكوناته وأشكاله وأنواعه وموجوداته في المتاحف العالمية...الخ.

العود الصنعاني.. تاريخٌ عريق
وبناءً على روايات رواد الغناء بالجزيرة العربية منذ مطلع القرن الماضي فإن الآلة الوترية التقليدية الأساسية في اليمن وعُمان وبقية أنحاء الجزيرة العربية كانت آلة (المِزهر) والتي تعود تاريخياً إلى الحضارات اليمنية القديـمة بالمنطقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد والآثار المكتشفة ونصوص الشعر الجاهلي والمصادر التاريخية العربية الإسلامية المكتوبة أثبتت الوجود التاريخي لهذه الآلة باسم المزهر فنقلاً عن كتاب: تاريخ الموسيقى العربية للدكتور/ صبحي أنور رشيد الذي نقل عن كتاب: حاوي الفنون وسلوة المحزون (الباب الثاني من المقالة الثانية) لإبن الطحان (القرن الحادي عشر الميلادي): أن العود العربي إتفقت الأقوال على أسـمائه فمنها البربط، وهو البربت وقيل البربث أصله: بربج، وتفسيره: باب الجنة، وألون، والمزهر، والعود وجميع هذه الأسـماء والآلة هي أصيلة في جنوب الجزيرة العربية؛ أي اليمن الطبيعي التاريخي وأنها شديدة المحلية لم تفد من خارج اليمن والجزيرة العربية بشكلٍ عام بل هي محلية بإمتياز منذ آلاف السنين(16).. وقد جاء ذكره في أشعار العرب الجاهليين منذ القرن السادس الميلادي، ويبدو أن هذه الآلة كانت مفضلةً عند القيان ومنتشرةً في الجزيرة العربية.. ولا يزال المِزهر مستعملاً باسم قبّوس أو قَنْبُوس أو الطُّربي حتى القرن الماضي كآلة أساسية، أما اليوم فهو محصور الاستعمال في اليمن(17).
وهناك من يقول بأنه العود الصنعاني بدأ استعماله في أيام الدولة الرسولية (626 – 858هـ/ 1229– 1454م) في اليمن، وما واكبها من نهوضٍ وتطورٍ وتقدم، ويذهب آخرون إلى أنه بدأ مع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، ولكن واقع الحال يعكس ذلك تـماماً فالمعروف بأن العود في الشرق كان مكوَّناً من أربعة أوتار – كما هي في العود الصنعاني – إلى أن جاء ملك الغناء العربي/ أبو الحسن علي بن نافع الشهير بـ«زرياب»(18)، وأضاف الوتر الخامس كما هو عليه اليوم في الأعواد العربية الشرقية.
أما في التاريخ الحديث فقد وثقت بعض الكتب والمؤلفات بعضاً من آلات العود الصنعاني «الطُّربي» القديـمة والتي تعود إلى عام 1302هـ/ 1885م وما تلتها من سنواتٍ، ولعل نسخٍ ونـماذج من هذه الآلات موجودةً في المتاحف العالمية الغربية، كمتحف:
(METROPOLITAN MUSEUM, NYC)
(VOLKENKUNDE Museum, Leiden, NL)
(SANTA CECILIA AUDITORIUM "Roma, Italia")
(Museum of Edinburgh "Scotland")
(Bara Gnouma shop "Burkina Faso")
(HORNIMAN MUSEUM Stock "London")
وأيضاً لدى العديد من الشخصيات العربية والأجنبية التي تُحب وتعشق الفن والطرب اليمني.. أما في داخل اليمن فتتواجد نسخاً قديـمةً وحديثةً من آلة العود «الطُّربي - القَنْبُوس» في كلٍّ من: (المتحف الوطني بصنعاء)، و(البيت اليمني للموسيقى)، و(مركز التراث الموسيقي)، و(محل صنعاء للتحف)، (صندوق التراث والتنمية الثقافية) وغيرها.
وتعود بعض الأعواد المتواجدة حالياً في المتحف الوطني بصنعاء، أو في بعض متاحف الموروث الشعبي، أو في بعض منازل العازفين إلى أكثر من مائة عامٍ ونيف، وبحسب ما وجدنا من الصور لدى المركز التراث الموسيقي التابع لوزارة الثقافة؛ فإن أقدم عودٍ موجودٍ في اليمن هو عود الفنان/ يحيى النونو الذي اقتناه من الأخوين/ حسين ومحمد عبدالله الذماري في عام 1403هـ/ 1983م، وهما من مواليد بداية القرن العشرين الميلادي، وقد ورثا هذه الآلة عن أبيهما الفنان والحرفي/ عبدالله الذماري الذي صنعه في شبابه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وكان من محترفي صناعة قصبات النارجيل (المداعة)؛ فيقترب عمر هذا العود من (110) إلى (120) سنة.
كما أن عود الفنان/ محمد أحسن حسن الجماعي، الذي صُنِعَ في عام 1313هـ/ 1897م، وصَنَعَهُ الحرفيُّ المرحوم/ أحمد الوديدي (المتوفي في سنة 1320هـ/ 1903م)، بطلبٍ من الحاج/ حسن الجماعي – جدُّ الفنان والعازف "محمد"، يقارب نفس عمر عود الفنان/ يحيى النونو(19).
اختلاف التسميات.. والعودُ واحدُ
للعود اليمني العديد من التسميات، منها: العود الصنعاني(20)، المِزهر(21)، الطُّربي(22)، القنبوس(23)، وهو يختلف تـماماً عن العود الشرقي أو العود العربي، حيث يحتوي على أربعة أوتارٍ فقط بدلاً عن الخمسة أوتار الموجودة في العود العربي الشرقي، وتسمى هذه الأوتار بالترتيب من أعلى إلى أسفل:
الوتر الأول: الرخيم، ويقابله في السلم الموسيقي المعاصر (لا).
الوتر الثاني: ويسمى الثالث ويقابله (ري).
الوتر الثالث: ويسمى الثاني ويقابله (صول).
الوتر الرابع: ويسمى الحازق، ويقابله (دو) في السلم الموسيقي المعاصر(24).
أما الباحث الفرنسي الدكتور/ جان لامبيرت فيصفه بأنه: آلة عود ذات مقبضٍ قصيرٍ أُنتج أقدمها، وهو الذي تـميزت به اليمن كونه آلة عودٍ مصنوعةٍ محلياً تُسمَّى «طرب» أو «طُربي»؛ وهي تصغير لـ«طرب»، وله أسلوب عزفٍ شديد الخصوصية(25).
وأن عدد أوتار عود صنعاء التقليدي سبعة: ثلاثة صفوف من وترين من الأمعاء الغليظة لحيوان الماعز، ووترٌ فرديٌّ معدني؛ وينظر إلى هذه الأوتار باعتبارها معاً أربعة أوتار، ويكون ائتلافها التقليدي من الصوت الخفيض إلى الصوت المرتفع (وضع في مواجهة العازف(26):
دو1: الجرة اليتيم
ري: الرخيم
صول : الأوسط
دو: الحازق
وكان النجارون أو الموسيقيون أنفسهم هم الذين يصنعون آلة«الطرب»، ومع ذلك فإن وجود بعض الأنواع ذات الجودة العالية، من حيث العمل ومن حيث النغم، يدعو للاعتقاد بأن الصُّناع كانوا ينقلون مهاراتهم سراً، ربـما في المناطق المجاورة الأقل تزمتاً، مثل: الحجاز في القرن التاسع عشر، ولقد انتشر هذا العود في عدة دول مع المهاجريين اليمنيين، منها: مدغشقر، وجزر القمر، وإندونيسيا(27).
صناعة العود الصنعاني..
الإتقان والإحساس المُرهف
1 - جسم العود:
هناك اختلافاتٌ كثيرةٌ لطريقة صناعة جسم العود اليمني – الصنعاني..؛ حيث يُصنع جسم العود من جذع شجرة الجوز، حيث يتم نحت الجسم عندما يكون الجسم أخضر، ثم يترك ليجف، وبعد ذلك يتم تغطية الجزء الأعلى الذي تـمَّ نحته بقطعةٍ من جلد الماعز الرضيع، وتسمى (تَرْشَة)، وللقاضي والعلامة/ علي أحمد أبو الرجال(28) روايةٌ أخرى حيث يقول: بأن جسم العود في الماضي كان يصنع من ثـمرة من ثـمار الدُّباء – القرع – الذي تنزع بذورها وتترك لتجف، ثم تُشق الثمرة نصفين، ويستخدم أحد نصفيها جسماً للعود(29).
وهناك رأيٌّ آخرٌ.. يقول بأن صندوق العود يُصنَّع من جذع شجرة «الطُّنُبْ» بحيث يُحفر من الداخل لتكوين التجويف اللازم، وطوله (66)سم تقريباً، وقد يُصنًّع من (القرع) أو من (النحاس الطروق) ثم يثَّبت في نهاية رأس العود (البنجق).. أما وجه العود فيتكون من جزئين: الجزء الأول: من جهة طرف العود يصنع من جلد الماعز ليعطي رنيناً أقوى ولتعويض صغر حجم الصندوق الصوتي ويبلغ طوله (21)سم وعرضه (20)سم.
الجزء الثاني: من الداخل يُصنع (من الخشب) طوله(45)سم، وله فتحةٌ واحدةٌ من الوجه «الجزء الخشبي» تسمى سـماعة «الشمسية» ليسمح بخروج الصوت وقد تزداد فتحة أو فتحتين صغيرتين، ويُرَكَّب في نهاية العود قاعدةً صغيرةً طولها(4) سم وعرضها(3) سم تُسمَّى «المُزْقُم» ترتكز عليها الآلة بعد الإستعمال وأيضاً لحمايته من الكسر، ويُشَدَّ على (العود) أربعة أوتارٍ مزدوجةٍ من (النايلون)(30).
وللبحث والاستقصاء أكثر فقد سبق وأن أشرت بأنني بحثت عن آخر حرفيي صناعة العود الصنعاني المُسمَّى في صنعاء بـ«الطُّربي»، بينما في مناطق عدن وحضرموت يُسمَّى بـ«القَنْبُوس»، ذهبت إلى ورشة الفنان والحرفي/ فؤاد حسين القديـمي «القُعْطِري»، وهي عبارة عن ورشةٍ بسيطةٍ في ركنٍ من أركان منزله المتضرر من الحرب كونه يقع بالقرب من مطار صنعاء الدولي، تفاجأت من بساطة الرجل وهندامه، ودماثة أخلاقه، تناقشنا مطولاً حول صناعة العود الصنعاني، ويسرد هنا كيفية صناعة هذا العود الرشيق والجميل قائلاً: يعدُّ خشب الطُّنُبْ(31) من أروع الأخشاب جودةً وخفة ورقِة بل وأطولها عمراً؛ فهو يتغير لونه تشكيلاً، ويزداد بريقاً ولمعاناً، ويتحسَّن الصوت فيه كلما كان قديـماً، وكان سابقاً يُصنَّع من شجر الجوز واللوز والأجاص – العنبرود – ولكن هذه الأخشاب قاسيةٌ وشديدة، ويكون الصوت فيها أدرن؛ أي أثقل.. وقد صنعتُ أنا عدة أشكالٍ وأنواعٍ من كل تلك الأخشاب، ولكنني أفضل شجر الطُّنُبْ لكل تلك الإمتيازات التي ذكرتها...
أما عملية التصنيع فالعود الصنعاني يعدُّ قطعةً خشبيةً واحدةً يكون طولها (1,10) متر وعشرة سنتيمترات، أما قطرها فيكون بحجم حضن الإنسان؛ أي من (60 -80سم)، حيث يبدأ الحرفي بقصها بآلة المنشار ثم يُزيل ثلث من جسم الخشبة وأيضاً يُزيل الزوائد ومن ثم يقوم برسم ونحت الطُّربي من فوق على الخشبة – وهناك وسائل متطورة في عملية القص والتشذيب ولكنني لا زالت أستخدم الوسائل البدائية الزراعية القديـمة والبسيطة كالقَدُّوم والغُراب ومنشار اليد.. وغيرها، وبعدها تُحدَّد الخلفية للعود «الطُّربي»، ثم تبدأ مرحلة الحفر حتى تتجوف الخشبة تـماماً لتتلوها مرحلة التصفية مع تحديد كلٍّ من: «التاج الأعلى» – ولهذا التاج عدة أشكال منها: شكل الهدهد، وشكل المربع، وشكل الاسطوانة...، و«التاج الأسفل»، و«التاج الأوسط» ويُسمَّى الحزام، و«بيت المفاتيح» وتُسمَّى أحياناً الرقبة أو رقبة المفاتيح، و«الأصابع» وهي تُرَكَّب في بيت المفاتيح، و«الساعد أو الساق»، و«الجَحَلَة»، و«التَرْشَة»؛ وتُصنع من جلد الماعز المدبوغ ومن مميزاته أن يكون خفيفاً ومدبوغاً دباغةً جيدةً بحيث لا يختزق أو يتفطر، وأنا شخصياً أقوم بدباغتها عندي هنا في الورشة، وكانت لي تجربة بأن اشتريت جلداً مدبوغاً؛ ولكن مجرد ما أن وضعت الفَرَسَة عليه حتى اختزق مع ضغط الأوتار، وتثبت التَرْشَة بغراءٍ أو بدبابيس نحاسية أو نقشاتٍ معينةٍ، ويُمكننا نقش الطُّربي بالعقيق والفضة أو النحاس وإذا أراد أحدهم أن نفعل له مسامير من الذهب فلا مانع لدينا.. وتحديد «الفَرَسَة»: وتُسمَّى في العود الشرقي بالغزالة، وهي التي تحمل الأوتار، أما «المَخَدَّة»: فهي التي تنام عليها الأوتار وأحياناً تُسمَّى المِشط.
كما تتواجد في نهاية العود وبجانب التاج الأعلى مرآةً صغيرةً اختلفت الروايات في تعليلها، فهناك من وصفها بأنها تستخدم لردء العين الحاسدة، وهناك رأيُّ ثانٍّ يقول: بأنها وِجدت لمراقبة من يدخل أو يخرج إلى مكان العزف بحيث يقومون بإخفاء العود بسرعةٍ تامةٍ أيام ما كان الفن مُحرماً في أيام الأئـمة في اليمن؛ ولكن كيف يُشاهد العازف بالمرآة «المراية»، وهي بعيدةٌ عنه، كما أن عينه لا تصل إليها، وإنـما وجدت للزينة فقط كأن يقوم العازف بـمشاهدة وجهه ومشط شعره وقص شاربه وهندمة نفسه قبل أن يبدأ بالعزف والغناء، وهذا ربـما هو الرأيُّ السديد.
ويواصل قوله: «وإذا أردت أن تَقْسِمَ العود نصفين يـمكننا أن نقوم بعمل مُفصَّلة عند نهاية الساق، ومُفصَّلةٌ أخرى بالقرب من الحزام الأوسط والتَرْشَة، ومن داخلهما يتم تركيب «خُطَّاف» ليسهل ثني العود نصفين ومن ثم يسهل حمله في شنطةٍ جلديةٍ صغيرة».
2 - أوتار العود:
وتصنع أوتار العود من أمعاء الماعز الرضيع، حيث تُترك لتجف ثم يتم برمها – لفها – على هيئة أوتارٍ دقيقةٍ ورقيقة.. وهناك روايةٌ أخرى تقول أن أوتار العود اليمني كانت تصنع من أمصار - أمعاء – القطط.. وتُركَّب أسفل العود على سطحه قطعةً خشبيةً تُسمَّى الفَرَسَة وأحياناً (الغزالة)؛ وهي عبارةٌ عن جسرٍ يقوم بتوزيع المسافات الوترية كما يحول دون ملامسة الأوتار للتَرْشَة(32)، وحتى خمسينيات القرن الماضي كان أوتار هذا العود مصنوعةً من أمعاء الحيوانات «الأغنام»، واستبدل بأوتارٍ من النايلون المغلفة بالأسلاك وغير المغلفة، وقد عمَّ استخدامها في الفترة الأخيرة، وهذا النايلون يُعدُّ الجزء الوحيد المستورد من آلة العود اليمني، بينما جميع الأجزاء الأخرى تُصنَّع من موادٍ محليةٍ متوفرةٍ في البيئة اليمنية، وحالياً فالأعواد الحديثة قد غلب عليها استخدام أوتار النايلون بنوعيه المغلف وغير المغلف مما أدى إلى انقراض صناعة الأوتار محلياً من (الأمعاء)(33).
أما فؤاد القُعْطِري فيقول: الأوتار كانت تُصنع من أمعاء الماعز، وقد اشتغلت العديد منها، ولكنها تحتاج إلى إمكانياتٍ كبيرةٍ؛ حيث تتطلب جُهداً ووقتاً وطولة بال؛ لأن هذه الأمعاء تحتاج في البداية إلى عملية تجفيف، ومن ثم عملية مطٍّ وبرم «لف»، وأن تعمل كل وترٍ على حده بحيث يكون الوتر الأول أسـمك من الثاني، والثاني أسـمك من الثالث... وهكذا، لهذا لجأ الحرفيون في هذه الصناعة لشراء الأوتار الجاهزة من السوق، وهي بأقل تكلفةٍ من صناعتها من بطون الماعز.. أما حين العزف على هذه الأوتار فتحتاج إلى ريشة طائر وبالتحديد ريشة النسر.

أول آلة عود، وطربي مكسور.. في حياتي
عند سؤالنا «القُعْطِري» عن عمره المهني في صناعة هذه الأعواد اللطيفة والجميلة فيقول: اشتغلت في صناعة «الطُّربي - القَنْبُوس» منذ ما كنت صغيراً، وهذه المهنة اشتغلت فيها حباً وهوايةً، ولم أورَّثها أباً عن جد نهائياً، فأنا ومنذ كنت صغيراً، كنت هاوياً للفن والغناء والطرب، وكنت أتبع أيُّ شخصٍ يحمل عوداً أو أية آلةٍ موسيقيةٍ أخرى، وذلك لرغبتي الشديدة بسماع العزف، ولهوسي الكبير في صناعة عودٍ خاصٍ بي... وفكرت بعدها في شراء عودٍ كبير، وأصررت على ذلك حتى اقتنيت أحدُها... وما أن تـملَّكته حتى أخذته إلى المنزل وملأت بانيو الحمام بالماء، ووضعت العود بداخله، حتى أعرف كيف يتم صناعة العود وكيف يـمكن تركيبه؟ - لأنني لو فككته بيديَّ كان سينكسر حتماً؛ لذا وضعته في الماء من أجل أن يتفكك الصمغ والغراء؛ وبـمجرد أن وضعته في الماء تفكَّفك وجهه وأضلاعه وبقية خشبه، وعرفت حينها كم حجم المقاسات والأبعاد له؟!!، بعدها نفذت رغبتي بصناعة أول عودٍ خاصٍ بي، ولم أنجح منذ البداية مائةً بالمائة؛ ولكن التجربة وتكرارها خير برهان وأفضل نجاح، واصلت هوياتي حتى استطعت صناعة أول عودٍ كاملٍ بدون أن أتعلم من أحد أو أشاهد آخر وهو يصنعها؛ اللهم إلا أنني كنت أذهب أحياناً إلى بعض ورش النجارة العادية، وأشاهد ما يستخدمون من أدواتٍ كالمبارد والصنافر والألوان...الخ، واشتريت منهم بعضاً من هذه الأدوات، وبدأت مزاولة مهنتي المحبوبة إلى قلبي..
بعد نجاحي في صناعة أول عودٍ في حياتي، وفي عام 1400هـ/ 1980م كنت أسـتمع في جهاز الراديو لأغاني يـمنية جميلة يغنيها فنانون كباراً كأحمد القعطبي، وصالح العنتري، وإبراهيم الماس، وهؤلاء اشتهروا بالفن في مدينة عدن، وكان العزف في تلك الأغاني مختلفاً جداً، بل كان عزفاً من نوعٍ آخر، أفضل بكثيرٍ من عزف الأعواد المتواجدة هنا - أي في صنعاء – مع الفنانين المعاصرين كعلي بن علي الآنسي، وأحمد السنيدار، وعلي عبدالله السِّمه... وآخرون.. جرَّني الشوق للبحث والتساؤل والاستفسار لماذا الفنانون القُدَامَى يغنون ويعزفون بآلاتٍ صوتها رقيقٌ وعذب أفضل من صوت العود الشرقي الذي يُعزف به حالياً.. فرد عليَّ بعضهم قائلاً: هذا هو «الطُّربي- القَنْبُوس»؟!.
ومن هنا بدأت البحث عن من يـمتلك آلة العود «الطُّربي»، بحكم أنه أصبح نادر الوجود كما هو حاله في أيامنا هذه؛ فدلُّوني على أن للوالد المرحوم/ علي بن ناجي بركات- وهو والد الفنان الدكتور/ محمد علي بركات – عودٌ طربيٌّ جديدٌ وجميل؛ فكنت أذهب إلى منزلهم وأقابل ابنه الكبير الصديق/ عبدالسلام علي بركات والذي كان يدخلني لمشاهدة العود من بعيد، بل وخلسةً حتى لا يعرف والده؛ لأنه كان يصيح على من يلعب بهذه الآلة المحببة إلى قلبه وعقله... فعرفت «الطُّربي» عن قربٍّ!!!!
وفي إحدى المرات أخذت سيارةً مملؤةً بالحطب وأدخلتها من منطقة الروضة إلى حي شعوب بصنعاء القديـمة، إلى منزل شخصٍ اسـمه «مصطفى»، ولقيت في ركن حوش ذاك البيت قطعة عودٍ طربيٍّ مكسور التاج ومنزوعة التَرْشَة الجلدية والمفاتيح غير موجودة.. فسألت ابن صاحب البيت: لمن هذا الطُّربي؟! قال: هو لوالدي... فعرضت عليه أن يعطيني هذا الطُّربي المكسور مقابل آلتين موسيقيتين صالحتين هما «أوكارديون وكمان» ومبلغاً مالياً فوق ذلك، وافق على الفور وأعطاني أول عودٍ طِربيٍّ في حياتي فقمت بترميمه وإصلاحه، وبعد فترةٍ من الزمن قمت ببيعه لصديقٍ أمريكيٍّ اسـمه «الدكتور فيليب»، ومنه تعرَّفت على الدكتور والباحث الأنثروبولوجي الفرنسي/ جان لامبيرت(34)، وهذا الأخير عملنا معاً لمدةً تطول عن عشرين عاماً.
بدأت في عمل أعوادٍ طربيةٍ كثيرة – وهي أعوادٌ يـمنيةٌ خالصة مائةٌ بالمائة؛ أي جميع مواد صناعتها من البيئة اليمنية، بعيداً عن الأعواد الكبيرة التي تأتي من مصر ولبنان وسوريا وغيرها؛ فأحببت العمل في صناعة الطُّربي، بل وعرفت الفرق بين رنة الصوت وجمال العزف فيه والتي تختلف تـماماً عن عزف وصوت العود الكبير، وحقيقةً فالحرفيُّ المحبُّ لهذه الصناعة يتقن عمله بإحساسٍ فنيٍّ وذوقٍ رفيع؛ فيعرف مقاييس العود ويتحسَّس أماكن الخلل فيه، ويُعدلها بسهولةٍ ويُسر، ويُعْرِف يُوزن المفاتيح ويُدوزنها لكي تكون آلةً موسيقيةً جميلة.
الطُّربي - القَنْبُوس.. والدندنة الجميلة والشيَّقة
يتساءل المرء وهو يشاهد هذه الآلة الغريبة والعجيبة؛ فالغرابة كونها جديدةٌ على الشخص الذي لا يعرف الفن وأصوله وأدواته ومعزوفاته، والعجيبة كونها آلةٌ تُسحر كل من استـمع إلى دنداناتها ومعزوفاتها.. فالعازف الباهر يُمسكها بشكلٍ أفقيٍّ؛ أي يضع الآلة أمام صدره، وليس على فخذيه كالعود، ومحتضناً لها بين ذراعيه في حالة وقوفه، ويستخدم ريشةً من طائر النسر أو من قرن الثور أو من البلاستيك(35).. يُغطى هذا العود جزئياً بلوحة تناغمٍ تُندمج مع ملمس العود، وفي جزءٍ آخرٍ بجلد غنمٍ مما يعطيه نغماً أكثر عضوية وغنىً في التناغم من صوت عود الشرق الأوسط، ويجعل حجمه الصغير آلة مثالية لعزف الموسيقى خلال فترات المنع، كما يسمح أيضاً بالعزف والرقص معاً، ولكي يتم عزف نغمات السلم الأساسي، يجب لمس الأوتار على النحو التالي (وضع في مواجهة العازف)(36):
وتُعطي أسـماء الأوتار مؤشراتٍ عن العزف نفسه؛ إذ تستعمل أغلب الألحان (صول2) كقرار، متطابقاً مع ارتفاع الوتر الأوسط، المعروف باسم (لسان الآلة)؛ ولكن الجزء الأكبر من كل لحنٍ يـميل لأنه يعزف على وتر (دو2) «الحازق»، وهي تسميةٌ تضيف لها روايةٌ أخرى تسمية «السقيم»؛ أي المريض أو الذي يجلب سِقَام الحُبُّ.. وتربط هذه الرمزية بين دنف الحب وشدة الوتر، ويبدو أنها تعطي للصوت المرتفع امتيازاً تعبيرياً، ويعكس الرخيم بدوره الرقة والحنان.
ويتطلب من العازف كما يقولون أن «يجعل العود ينطق»؛ أي يتكلَّم ويعزف ألحاناً رائعة، ويتوصل إلى ذلك بفضل آلات عزفٍ باليد اليمنى مصنفةٌ كما ينبغي، ولا يُجْمِعُ الموسيقيون على أسـمائها، لكننا نستطيع استخلاص العناصر التالية:
يتم في المستوى الأول عزف اللحن الأساسي ويُسمَّى «قاعدة»، في بساطته، بفرز المقامات الرئيسية واحدة فواحدة، ومن هنا تسمى «فرد» أو «تفريق» أو «تفريد».
توجد طريقةٌ ثانيةٌ تنتمي إلى طريقة «الفرد» بعزف اللحن مع أداء جميع أزمان الدور، بواسطة ضرباتٍ بالريشة نحو الأسفل، وبـموضع جميع المدد الزمنية على المستوى نفسه ينتج عن هذه الآلية إخفاء المدد الزمنية القوية، وبهذا يجري منع التعرف على الدور، وهي هنا (11) زمناً.. وتوجد على الأقل طريقتان مقابلتان لهاتين الطريقتين اللتين لا تستخدمان إلا وتراً واحداً، ويطلق على الطريقتين بشكلٍ عام «خلط»، وتستخدمان عدداً من الأوتار في الوقت نفسه.
تُسمَّى الطريقة المألوفة أكثر من غيرها اليوم «سلس»، وهي كلمةٌ تصف أسلوباً خاصاً في نقر (قرص) الوترين الرئيسيين في الوقت نفسه تقريباً، وهما «الأوسط» و«الحازق».. ويتم عزف الخط اللحني أساساً على الوتر الأوسط، مدعوماً بدوسة سريعة وكثيفة على الوتر «الحازق» فارغاً مما ينتج نغمات من نوع (دو2) تُملأ فجوة بين النغمات الرئيسية.. ففي القطعة المكتوبة هنا تشير قصبات الريشة المتجهة نحو الأعلى إلى «السلس» معزوفاً على (الحازق)، وتشير تلك الموجهة نحو الأسفل إلى الخط اللحني.. وفي بعض الحالات، يلتقي الخطان بوجود نغمة (دو2) داخل اللحن، مثلاً، زمن أخير من وزن الإيقاع الأخير. وعلى العكس حين ينبغي عزف نغم (دو2) من «السلس» مع نغم من اللحن الأساسي، يـمكن أن تقوم لمسة اليد اليسرى (G) مقام اليد اليمنى بإيجاد اتصال يسمح بتحرير اليد اليمنى لتؤدي (السلس) – الزمن السابع من الوزن الأول للإيقاع، والزمن الثاني والزمن الثالث من الميزان الثاني–، وحيناً يؤدي هذا النغم المرتفع الذي يتكرر بإصرارٍ إلى إبراز تعرجات اللحن الأساسي، وحيناً على العكس يجعلها تأتي ضمن هالةٍ صوتيةٍ منتظمةٍ تتميز عنها إلى هذا الحد أو ذاك.. وينبني هذا التنوع في الإدراك على ثنائية المستوى اللحني والمستوى النغمي، وتوفر سرعة القرار والجواب انطباع الحماسة، وتدفقاً صاخباً يتناقض مع الانتظام، والتجريد، وعلى الأصح تقشف الـ«فرد»، ونادراً ما يتطابق «السلس» مع قوة اللحن، وهو ما يوفر شعوراً بعدم الاستقرار الأسلوبي (هنا ثنائية الـ«دو2»-«صول2».
الضفارة: وهي طريقةٌ تُوظف بصورةٍ رئيسيةٍ الوتر الأوسط، ويتم في الوقت نفسه قرص الوتر “الرخيم” بضربةٍ من الريشة نحو الأسفل بصورةٍ عامةٍ في كل ضربةٍ قويةٍ من ضروب الإيقاع، فينتج توافقٌ رباعيٌّ أو خماسي يُضيف تناغماً عند كل نغمة تصاحبها.
الترييش: حرفياً استخدام كثيف وشديد للريشة، أو الارتعاش الصوتي: ويستند إلى تعاقبٍ سريعٍ لضربة من الريشة نحو الأسفل وضربة نحو الأعلى، مبدئياً على المقام نفسه.. وتعزف في سياقاتٍ متنوعةٍ على نحوٍّ مُتقطعٍ، كما رأينا في طريقة “الضفارة”، أو على نحوٍّ مُتواصلٍ كما في طريقة عزف آلة (المندولينة) في الغرب، وبخاصةً في أسلوب “المطول”.
وفي الواقع، يتم العزف كثيراً بتعاقب هذه الطرق لإدخال تنويعات نغمية معبّرة (ونادراً ما تُحَضّرْ بطريقةٍ مميزةٍ على هذا النحو)، وتحتاج إلى يدٍ يُمنى قوية، وقوة ملحوظةٍ تؤدي في الوقت نفسه دوراً في التزيين النغمي ودوراً إيقاعياً، وهو ما يرتبط بوضوح بواقع عدم وجود عازفي آلات إيقاع لدعم العازف المنفرد.
وتستخدم اليد اليسرى أيضاً طريقةً متطورةً، وبخاصةً للعزف على «الطُّربي»: إذ تلتحم القبضة بـمشد التناغم وتكون الأوتار متباعدةً عنه بعض الشيء، فتستطيع اليد اليسرى وحدها أن تنتج صوتاً قوياً دون نقر الوتر باليد اليمنى.. ويستعمل الموسيقيون كثيراً هذه الطريقة للتزيين بالتعاقب مع عزف نغمات أخرى أو مع النغمات نفسها في الوقت ذاته، لخلق تأثيراتٍ نغميةٍ رقيقة، ويرمز لليد اليسرى بالحرف G في النص الموسيقي(37)، ويشير فنانون يـمنيون إلى أن العازف على هذا العود بإمكانه أن يؤدي إحدى عشرة نغمةً من النغمات الخمس عشرة الموجودة في السلم الموسيقي.

الطُّربي والقَنْبُوس.. وأدوات العزف الصنعانية
«كان العازفون للموسيقى الصنعانية يتخذون مع آلة العود «الطُّربي- القَنْبُوس»، آلةً طربيةً من النحاس تشبه الدُّف في شكلها تُسمَّى (الصحن) أو صحن الميمياء(38)، وطبلاً يدوياً صغيراً اسـمه (المراوس)»(39)، ولصحن الميمياء إيقاعٌ خاصٌ وجميل، ويعتبر الباحث الفرنسي الدكتور/ جان لامبيرت، بأن: «الغناء الصنعاني فريداً من نوعه، وذلك نتيجة الانسجام العجيب لآلتيه العود والصحن؛ فالصحن آلةٌ إيقاعيةٌ بسيطةٌ تضيف لصوت العود تـموجاً إيقاعياً شجياً، وكثيراً ما يصنع من النحاس، ويشتهر باسم «صحن الميمياء»(40).
كما تُعدُّ الأدوات الأخرى كالطبل(41)، والمرفع(42)، وطاسة البرع(43)، والمزمار(44)، والطار(45)، من أدوات العزف الصنعاني – اليمني التقليدي، ولها تاريخٌ عريقٌ في الرقصات الشعبية اليمنية المتنوعة.. وعن هذه الآلات في اليمن يذكرها المستشرق الغربي«هنري جورج فارمر» بقوله: «بإمكاننا أن نتعرَّف على شكل الموسيقى العربية الذي كان شائعاً في تلك الفترة من أسـماء الملاهي ومختلف المصطلحات الفنية الموسيقية فمن بين الآلات الوترية نقرأ عن (المعزفة)، و(المعزف) والأول منهما كان شائعاً في الحجاز بصورةٍ خاصةٍ، أما الآخر فشيوعه في اليمن وهو الغالب»(46).

العود الصنعاني.. اندثارٌ في الطريق
ظلَّ العود الصنعاني ذو الأوتار الأربعة هو الآلة المستعملة في اليمن حتى بعد الحلقة الثانية من القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، وكان الشيخ/ علي أبو بكر باشراحيل، والشيخ/ قاسم الأخفش يعزفان به حتى أواخر أيامهما(47).. كما ظلَّ هذا العود القديم ذو الأوتار الأربعة والبطن المغشاة بالرق هو الآلة المستعملة في اليمن مُحتفظاً بـمكانته القديـمة والتاريخية، وإن لم يحتفظ بإسـمه القديم الذي عُرِفَ به أيضاً وهو (المِزْهَر) إلى أن استبدل بالعود الحديث ذو الأوتار الخمسة والوجه الخشبي بشكله المعروف اليوم.
ومن الأدلة على أن العود الحديث ذو الأوتار الخمسة جديداً على اليمن، وأيضاً لم يكن معروفاً حتى في شـمال الجزيرة العربية في عهد الخليفة العباسي المعتصم (218-228هـ/ 833-842م) بأن «إسحاق الموصلي» عميد الموسيقيين في أيامه أغلظ في الردُّ على من اقترح عليه إضافة وترٍ خامسٍ إلى أوتار العود هذا، ويذكر الفيلسوف الكندي في رسالةٍ عن العود «أن عدد أوتاره أربعة وهكذا؛ فبينما أخلى العود ذو الأوتار الأربعة مكانه للعود ذي الوتر الخامس في شـمال الجزيرة العربية فقد ظلَّ في الجنوب «أي اليمن» حتى عهدٍ قريبٍ محتفظاً بشكله وخصائصه القديـمة»(48).
واليوم أصبحت آلة العود اليمنية «الطُّربي- القَنْبُوس» مهددةً بالإنقراض والضياع، فمنذ أن هجرها المطربون والفنانون والعازفون، واستبدلوها بآلة العود العربية لم نعد نراها إلا في المتاحف الوطنية، أو عند بعض الأفراد الذين لا زالوا يحتفظون بها في منازلهم، ويعتبرونها قطعةً أثريةً ليس إلاَّ، لهذا يجب علينا العمل على بعثِها من جديد، وإحياء استخدامها حفاظاً عليها من الاندثار والضياع، وسعياً لإضافة آلة وترية نادرة ذات طابع فريد إلى الآلات الوترية المستخدمة في اليمن والوطن العربي، وضرورة المحافظة على الآلات الموسيقية الوطنية، ومناشدة الجهات المعنية بتوجيه عنايتها إلى تشجيع العزف على هذه الآلات، والاهتمام بتدريسها في المعاهد الموسيقية والفنية، والعمل على فتح ورشٍ خاصة، وتشجيع الموهوبين للإنخراط في هذه الورش، والتدرب على طريقة صنع آلة العود القديم حسب مواصفاتها ومميزاتها والقيام بترميم الآلات القديـمة وصيانتها، وبذلك نضمن بقائها والحفاظ عليها لتكون رمزاً حياً يعكس أصالة تراثنا وشـموح موسيقانا اليمنية(49)؛ وهذا ما طالب به الفنان والحرفيُّ/ فؤاد القُعْطِري بقوله: أنا الحرفيُّ الوحيد والمتبقي في هذه الصناعة في الوقت الحالي، وبحسب علمه فإنه لا يعرف بأن هناك حرفيين آخرين يصنعون هذه الأعواد، وما يعرفه بأن الأستاذ المرحوم/ يحيى حميد الدين – وهو حرفيُّ الأعواد في وزارة الثقافة والإعلام اليمنية في ثـمانينيات القرن الماضي، وكانت له ورشةٌ فنيةٌ تقع في شارع 26 سبتمبر أمام مقر إذاعة صنعاء.. وقد سافر عدة مراتٍ إلى مصر وجلب منها أعواداً شرقيةً تستخدمها الفرقة الوطنية للفنون حالياً – كان يحاول تعليم أولاده لهذه الحرفة، وأن ينقل الخبرة إليهم؛ قائلاً لهم: تعالوا يا أولادي إلى عند الأخ/ فؤاد القُعْطِري، وشاهدوا أشكال وألوان الطُّربي التي يصنعها، ويتفنَّن بصناعتها على مزاجه وذوقه الكبير.. هذا الفنان الذي كان يأتي وهو صغيرٌ إلى باب ورشتي ليشاهدني من بعيدٍ ماذا أعمل وما أصنع؟! والآن ها هو صانع الطُّربي الأول والوحيد في اليمن!
وكانت المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) قد أعلنت اعتبار الغناء الصنعاني كجزءٍ من التراث الإنساني الشفاهي (غير المادي) بتاريخ 7 نوفمبر 2003م، ومن ضمن هذا الغناء أدوات العزف له، والتي على رأسها العود الصنعاني «الطُّربي»، حيث ارتبطت هذه الآلة بالغناء الصنعاني ارتباطاً كبيراً على مرَّ الأزمان، وسادت بينهما صلةً وثيقةً، حيث أضفت على الفن الصنعاني لوناً جمالياً آخاذاً، وجعلته فناً منفرداً ومتفرداً بالجمال والرقة والصوت الحسن.
ولكن لم يتم شيئاً من ذلك فصناعة العود «الطُّربي - القَنْبُوس» في اليمن حقيقةً على وشك الاندثار والانتهاء؛ نظراً لأسبابٍ عديدةٍ منها: هجران العازفين للعزف على هذه الآلة واستبدالها بالأعواد الجاهزة القادمة من سوريا ومصر ولبنان، وثانياً: إهمال الدولة لهذه الحرفة التاريخية الكبيرة، وعدم تشجيعها للحرفيين العاملين على إنتاجها وإحيائها.. ومن هنا نُطالب الجهات المعنية في مجال التراث الثقافي في بلادنا بالعمل والتنسيق مع منظمة اليونسكو من أجل القيام بحملةٍ توثيقيةٍ وتدريبيةٍ للعديد من الأجيال الصاعدة للعمل في مهنة صناعة العود الطُّربي الصنعاني، والعمل على خلق روح الإبداع والمنافسة لما فيه إنتاج أعوادٍ طربيةٍ بـمستوياتٍ راقيةٍ، والمشاركة في المعارض الداخلية والخارجية والملتقيات والمهرجانات الفنية والطَّربية الدولية لبيعه وتسويقه... نتمنى أن رسالتنا هذه ستجد صداها، وتلاقي العقل المحب والقلب العاشق للفن اليمني ولآلاته وأدواته المختلفة..