اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الفرح الكامن في الجذور
تحرص الدول التي جعلت من فنونها الشعبيّة مادة ضمن مناهج الدّرس الأوليّة لأجيالها القادمة على أن تكون هذه المادة مفرحة وقر...

المعتقدات الشعبية أسسها وتجلياتها في الممارسة العملية
البحث في المعتقدات الشعبية العربية يقتضي العمل على بدايات تعرّف العربي على المظاهر الطبيعية التي تحيط به، وتؤثر فيه، من ...

العود الصنعاني اليمني.. حرفةٌ تكاد تـختفـي!!
عرف اليمنيون العزف على الآلات الوترية منذ عصورٍ قديـمةٍ، بدليل القطع الأثرية التي تـمَّ العثور عليها والمُوثَّقة بالمتحف...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
لمحة عن الشعر الشعبي الجزائري منطقة الأغواط -أنموذجا-
العدد 42 - أدب شعبي

د.ورنيقي الشايب - كاتب من الجزائر

 

الشعر
يبدو أنّ أقدم مصدر عرض لمدينة الأغواط هو «أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم»1) لأبي عبد الله الصنهاجي، و أشار ابن خلدون إلى أنّ «الأغواط كانت في النصف الأول من القرن الرابع الهجري {العاشر الميلادي } مدينة و لم تكن قصرا، وشاركت في الأحداث السياسية، وفي قيام الدولة العبيدية ... وبعد ثلاث وثلاثين عاما من دخول الأتراك إلى الجزائر، أصبحت تحت الحكم العثماني وتابعة لبايليك الغرب سنة 1785م إلى أن دخل الفرنسيون وذلك في04 ديسمبر 1852م بعد معركة دامية استشهد فيها ثلث السكان ... »(2).
«وذكر المؤرخون الفرنسيون أنفسهم أن في نوفمبر سنة 1852م حشدت فرنسا - ثلاثة جيوش بقيادة جنرالات: بيليس Pellisier، وبوسكارين Bouskaren وجوزيف Josef واستنفروا قوات ضخمة وأسلحة فتاكة ، وشنوا على البلدة هجوما شرسا ...» (3).
ولقد ركز الاستعمار على المدينة وعزز قواته، وذلك « نظرا لحسن موقعها، وجمال تكوينها، وسحرها الخلاب، فهي تجمع بين سحر الصحراء وجمالها وحسن الشمال وفنونه»(4).
هذا الى جانب الثروات الطبيعية بما فيها واحات النخيل الغنية، وهذا ما ذكره: Eugene Mangin اوجين مانجان(5).
ولا يعقل أنّ نتصور أنّ الشاعر الشعبي بقي معزولا، بل إنّه مندمج «في وضع مفعم بالأحداث، ووجود مناخ صالحا للتعبير عن عواطفه ووجدانه بلغة سهلة وأسلوب بسيط ، لايتطلب معرفة الكتابة وإتقان اللغة المعربة...»(6).
وقد أكد ابن خلدون أنّ الشعر الملحون لايقل شاعرية عن الشعر الفصيح، إذ يقول: «لاعبرة بقوانين النحاة في ذلك، وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعار هذه، ماعدا حركات الإعراب في أواخر الكلام فإن أغلب كلماتهم موقوفة الآخر، ويتميز عندهم الفاعل والمفعول والمبتدأ أو الخبر بقرائن الكلام، لا بحركات الإعراب، ويضيف قائلا: أنّ الإعراب لا مدخل له في البلاغة، إنمّا البلاغة مطابقة للكلام المقصود لمقتضى الحال»(7).
«اصطلاحاتهم في مختلف القضايا، وفهم نفسيتهم، وهذا كله معناه إدراك نوع حياتهم وظروف مجتمعهم وتاريخهم»(8).
فالشاعر الشعبي يجب أن يلم بكل جوانب الحياة التي يعيشها ، «وبالرغم من ثقافته المحدودة ، وعدم مجاراته الشاعر الرسمي في التجديد والتطور، فإنّه يملك القدرة الذّهنيّة ما يمكّنه من تطويع الألفاظ العربيّة وتمرينها للأسلوب العامّي»(9) هذا إلى جانب تقليده لكل أغراض الشعّر: مدحا ورثاء وهجاء وحماسة... إلخ مع الاختلاف في الرؤيّة، والتباين في الأسلوب، والاختلاف في التصوير «فالشاعر لم يكن يتفنن في اختيار القوالب الجميلة، بل يقولها بطريقة تلقائيّة لا أظن أحدا يعارض في أنّ الصورة الصافية الدقيقة للأدب الشعبي هي التي تضمّ الأدب الذي يعبّر عن مشاعر الشعب وأحاسيسه، فالأدب الذي يصدره الشّعب يعبّر عن وجدانه، ويمثل تفكيره، ويعكس اتّجاهاته ومستوياته الحضاريّة»(10).
لذا فالأدب الشّعبي جدير بالعناية والاهتمام، وقد دعا الكثير من الدارسين إلى هذا المطلب ويكفي أن نشير إلى بعضهم ، فهذا (توفيق المدني) يقرر بلا تردّد بأن اللغة المستخدمة في عاميتنا (أي: في منطقة الأغواط) هي أقرب اللغات العاميّة إلى الفصحى ، ويقول في هذا الشأن : «أمّا اللّغة العاميّة الدّارجة ، فيجب علينا أن نعيد هذا القول بأن العربية العامية الموجودة بشمال إفريقيا عموما وخاصة في الهضاب العليا والصحراء الجزائرية، وفي أواسط وجنوب البلاد التونسية هي أفصح لغة عربية عاميّة موجودة على وجه الأرض، لأنّ أغلب عباراتهم نحو: 98 % هي عبارات قرآنية فصيحة، إنما تُنطق بدون إعراب، بل إنّي أستطيــع أن أؤكّـد بأنّ العربّية العاميّة في بلادنـا هي أفصح كثيرا أو أقرب إلى لغة القرآن من العامية التي يتكلمونها في اليمن، وحتى في كثير من أنحاء الحجاز، وقد رأيت بنفسي بعض عوام اليمن، وبعض عوام الحجاز، وقد تفاوضت معهم مليا فكنت أرى أنّ أغلب العبارات العاميّة التي يستعملونها بعيدة كل البعد عن اللغة العربية الفصحى»(11).
وقد حاولنـا أن نلتمس الجـواهر اللغـوية المشتــركة، بين اللهجة التي نستعملهـا واللغة العربية الفصيحة، ولكننا ركّزنا على المفردات الفصيحة التي أستخدمت في شعرنا الشعبي عثرنا على استخدامها في الشعر الفصيح. أمّا الدكتور رشدي صالح فيقول: «بأنّ هناك أسبابا كثيرة دعت إلى ظهور الاهتمام الجاد بالأدب الشعبي والفنون الشعبية المختلفة، ومن هذه الأسباب: الإحساس بأنّ الحياة الحديثة تهدد الموروث من العادات والتقاليد، الأمر الذي ينبغي معه الحفاظ على عنصر الاستمرار في التراث الإنساني. أمّا السبب الثاني: فهو ذيوع الروح القومية، مما أدّى إلى أن يزيد كل أمة ارتباطها بتراثها القومي المميز، ومن هذا المنظور يمكن اعتبار الشعر الشعبي شعرا إنسانيا يستهدف الدفاع عن الفضيلة، والذود عن كرامة الإنسان، مهما كان جنسه وموطنه ووضعه في النسق الاجتماعي. أمّا السبب الثالث والمهم: فهو تقدم العلوم الاجتماعية، وتحول الأنظار في كثير من الميادين إلى دراسة حياة الإنسان العادي وطبائعه وتقاليده الموروثة وفنونه»(12).
ويكفي أن نشير إلى أنّ الشعر الشعبي قد صوّر حياة المجتمع بصورة ملفتة للنظر سواء في حالة استقراره أو ارتحاله، فهو الديوان الجامع لكل شؤون حياة الإنسان البدوي الشعبي، ولا يتسع المجال للخوض في كل هذه المجالات، ويبقى الباب مفتوحا أمام الدارسين للعناية بكل ما أبدعه الشاعر الشعبي .

أبرز شعراء المنطقة
بما أنّ الشعر الشعبي ديوان حياة الإنسان، لعصور مختلفة، والمتوارث جيلا بعد جيل، بالرواية الشفهية، يسجل فيه كل ما عاشه في حياته وما صادفه في معاناته اليومية. لذا يجب إحياء هذا التراث وتسليط الضوء على أعمال شعرائنا الغزيرة، لربط ماضينا المجيد بحاضرنا المشرق، وهناك مجموعة كبيرة من الشعراء في المنطقة وعلى رأسهم:

1 - الشاعر عبد الله بن كريّو:(13)
هو عبد الله بن القاضي الحاج محمد بن الطاهر التخي المعروف بابن كريو، ولد الشاعر خلال سنة 1871م بمدينة الأغواط وهو لا يفتأ يذكرها مباهيا بإنتمائه لها وبأن عائلته تعد من أعرق العائلات التي استوطنت المدينة حيث قال:
أَغْوَاطِي، فِي نِسَبْتِي قْدِيمْ بْلاَ تِفْخَارْ
وَ جْدُودِى حَـطُّوا السَّاسْ التَّحْتَانِي(14)
تعلّم الشاعر في مسقط رأسه فحفظ القرآن الكريم، وقرأ الفقه والأحاديث النبوية ومتن ابن عاشر على يد مشايخ المدينة، كما أنّه اهتم باللغة العربية وأتقن قواعدها فأمسى صاحب لسان لذيق ولفظ أنيق ، لطيف الكلام ، ولأنه ينتسب إلى دار علم نشأ تنشئة متينة في العلوم القانونية الإسلامية كما أظهر الشاعر ميولا إلى علم النجوم والفلك والفلسفة والطب وغيرها من العلوم ، و قد تتلمذ ابن كريو على يد خيرة علماء المدينة في تلك الحقبة أمثال الرحالة ابن الدين الأغواطي والعالم محمد العربي ، وقد أهلته ثقافته الواسعة إلى تقلد مهنة القضاء مقتفيا أثر والده الذي سبقه إلى ولوج هذا الميدان إذ شغل منصب باش عدل في الأغواط لمدة ثلاثة عقود ونيف.
وقد لمـع نجم الشاعر في أوساط الجماهير، وراجت قصــائده بين المـدن والقرى خاصة تلك التي تحكي قصة حبه مع فاطنة الزعنونية ، ولعل هذا ما ألب عرش الزعانين عليه فسعوا إلى الكيد له والحفاظ على شرفهم ، إلى أن تمّ إبعاده إلى خارج المدينة كما يبعد البعير الأجرب ، كما أنّ شاعـرنا قـد عــرف بميله إلى مجـالس اللهو والمجون، وهذا لا يمنع من أنّ الشاعر قد رجع عن كل ما اقترفه ،وتوجه إلى ربه معترفا بذنبه طالبا عفوه ومغفرته وفي ذلك يقول :
يَا رَبِي يَا خَالْقِي جُودْ عْلِـيَا
وَفْتَحْ لي بِيْبَانْ فَضْلِكْ يَا وَهَابْ
سَهَلِي في الوَاعْصَه يَا مُوْلاَيَّ
امْحِي سَيْئِاتِي وَاغْفِرْ يَاتَوَّابْ
وقد عاش الشاعر مع محبوبته قصة رومانسية، تذكّرنا بقصص الحب في الجاهلية، إلاّ أنّ البيئة التي ترعرع فيها ابن كريو ترفض مثل هذه الأخلاق، وظل مجنون الزعنونية، وفيا لحبها إلى أن وفته المنيّة سنة 1921 م تاركا وراءه أدبا رائعا، جسّد فيه تاريخ المنطقة بما تضمنه من عادات وتقاليد وثقافة نابعة من الروح الإسلامية والعربية التي تشبع بها الشاعر.
زد على ذلك مجموعة من القصائد الغزلية، لاتزال الأجيال ترددها وترويها.
وأحضرنا للشاعر قصيدة «اسمع يا صديق» باعتبارها هي القصيدة الوحيدة التي يرويها حمزة أبو بكر عن الشاعر علي بن شهرة ، يقول ابن كريو :
«اسمع يا صديق»(15)
اسْمَعْ يا صديقْ لَيَّ وَاْتْمَهَّلْ
وَاتْوَلَّهْ مَنْ هُوَّ يْرَاقَبْ وَايْرَاجِي(16)
لُوحْ بْعَيْنَكْ لِلْقْمَرْ بِحْذَاكْ يْطُلْ
وَجَّهْ مِنُّه مَاطْلَعْ فِي لَمْوَاجِي(17)
اخْرَجْ مِنْ تَحْتْ السْحاَبْ ضْياَهْ نْزَلْ
بِشْعَاعُوا فَوْقْ السُّطُحْ وْلَبْرَاجِي
لَيْلَةْ عَشْرَ وَارَبْعَة في الدَّوْرْ اجْمِلْ
يْتَلَّعْ العُشَّاقْ اتْبَاتْ اتْحَاجِي(18)
وَصْفُ مَنْ رَاهَا اَتْشَايِعْ في المَنْزَلْ
احْلِيلْ اللِّي منْ حُبّهَا رَاهْ يْلاَجِي(19)
هَذِي دُرَّه ياَ الْخُو ما تَتْمَثَّلْ
مَنْظَرْهَا جَمِيلْ عَ القَلْبْ تْفَاجِي(20)
كِنْزْ ذْهَبْ اَعْلِيهْ حُرَّاسُوا تَقْفَلْ
حُرْمَه عَ الخَزِينْ يِتْبَقَّى ناَجِي(21)
اتْجِي بِالسَّاعَة العَسَّة تِتْبَدَّلْ
بِالنُّوْبَة هَذَا غْدَا لاَخُرْ مَاجِي(22)
الأَمَرْ مَرْفُوعْ مِنْ قَبْلْ مْسَجَلْ
مَنْ يِتْعَدَّى يْذَوْقُولُه لَرْهَاجِي(23)
كَانْ الحَالْ وْطَلَبْتَ العَاشِقْ تَقْبِلْ
كِيمَا يتْمَنَّى الرِّيمْ المُقْناَجِي(24)
الدَّعْوَة كَانِتْ ساَبْقَة وَالوَعْد اْكْمَلْ
وَانْفَتْحَتْ منَّا وْمِناَّ لَفْوَاجِي(25)
وَاتْقَدَّمْتْ اَشْوَارْهَا رَانِقْ لَجْدَلْ
وَسْعَادَتْ في حُبّهَا كُلْ بْرَاجِي(26)
***
كَذَا دَرْجَه في العُلاَ لَيْهَا نُوصَلْ
كَحْلْ الدَّاعِجْ هَوّْلَتْ لِيْ وَاجي(27)
كُلْ مْعَسَّرْ دُونْ وَلْفِي رَاهْ سْهَلْ
وَاْتْقَدَّمْتْ العَنْدْ سِبَّةْ هِرَاجِي(28)
الشَّرَّفْنَا بِيكْ ياَضِيفْ اَتْفَضَّلْ
مَسْعَدْ هَذَا اليوُمْ فِيه التَّنَاجِي
تاَقَتْ مَ الدَّرْبُوزْ عَ العِدْيَانْ تْطُلْ
وْفَتْحَتْ لِلْهْوَى مْرَايْ الزُّجَاجِي(29)
قَالَتْ لي ياَخْلِيِلي هَا زُولْ تْمَهَّلْ
وْكُونْ مْهَنِّي رَاكْ مَحْفُوظْ بْتاَجِي
وَنْطَرْبَتْ بَحْدِيثْ أَدِيبْ مْثَقَّلْ
تَحْكِي لي مَاصاَرْ بِيهَا وَتْحَاجِي(30)
وَضْعَتْ مَابِينَاتْناَ كِيسَانْ عْسَلْ
طِيِبْ وْحَلْوَى مِنْ حْدِيثْ تَّرْتَاجِي(31)
حَسِّيِتْ بْرُوحِي بْقِيتْ بْغِيرْ عْقَلْ
نَشْوَانْ بْذُوقْ الْمْحَبًّة وَنْفَاجِي(32)
داَرْ مْجَمَّمْ راَبْ عَ الخرُصَة يَشْعَلْ
قَمْرَاْحْرِيرْ إِذا نْفِيدْ مِن السَّاجِي(33)
شِفْتْ القَشْوَة ضَاوْيَه وَالثَّيْثَ اكْحَلْ
وامْرَقَّدْ بِرْوَايِحْ الِمسْكْ اتْفاَجِي(34)
العَيْنْ السَّوْدَة فُوقْهَا حاَجَبْ خَلَّلْ(35)
نُونْ مَعْرََّقْهَا التَّلْمِيذْ السَّاجِي(36)
خَدِّك بِنُّعْمَانْ كِي فَتَّحْ وَاجْمِلْ
وَلاَّ وَرْدِ يْرُوجْ ساَحَةْ لَبْرَاجِي(37)
فُمُّكْ خَاتِمْ مِنْ الذّْهَبْ زينْ مْأَصَّلْ
وَسْنَانِكْ تَبْرُورْ بَانُو لَعَّاجِي
كِي نِسَّطْعَمْ رِيقْهَا كِيفْ العْسَلْ
وَلاَّ نَوْعْ حْلِيبْ سَيّْ النِّعَاجِي
الرَّقْبَة صَارِي فِيهْ سُلْطَانْ وْ يَعْدَلْ
وَالحُرَّاسْ تْنوُبْ عَ الصَّنْهَاجِي(38)

***
أصْدَرْهَا مَ الرُّخَامْ مَصْنُوعْ مْعَدَّلْ
بْدَ نْهَا كِي الرَّهْدَانْ نَوْع لْرَّهْوَاجِي(39)
تَسْلَبْنِي بَحْدِيثْهَا بِنْتْ الأَصِلْ
كِي نُمْرُضْ هِي اَسْبَايِبْ عِلاَجِي
مِنْ حُسْنْ اخْلاَقْهَا زينُ وْ عَقَلْ
كِي تُخْرُجْ تِسْلِبْ عْقُولْ الحُجَّاجِي

2 - الشاعر شهرة بلخير: (40)
هو بلخير بن الورنوقي بن محمد بن شهرة ، ولد خلال سنة 1895م ببلدية الأغواط، ينتسب إلى قبيلة السكاسكة ( الأرباع )(41)، حياته بدوية في جميع أشكالها وضروبها، حياة الحل والترحال صيفا في التل وشتاء في الصحراء ، سعيا وراء مراعي الأنعام.
كما قام برحلتين إلى الأرض المقدسة لتأدية فريضة الحج، الأولى سنة 1962م، والثانية 1973م، وقد تركت هذه الرحلة في نفسه إحساسا مرهفا، فقال في ذلك شعرا جميلا، يهوى الشاعر الفروسية وركوب الخيول والصيد وقرض الشعر، وبقي الشاعر غريبا عن منطقة الأغواط مدة 22 سنة بتيارت، ومدة 8 سنوات بورقلة.
ثم رجع إلى مسقط رأسه، هذه الغرّبة بعثت في نفسه الحنين والشوق إلى منطقته وقال فيه شعرا كثيرا، وله مشاركة فعلية إيجابية في الثورة المسلحة، أثناء رئاسة فرحات عباس، أخذ الشاعر ثقافته الأولية في الكتاتيب القرآنية المتنقلة بالبادية، وحين بلغ الشاعر أشده تأثر ببعض الشعراء المشهورين مثل عبد الله بن كريو والشيخ السماتي وسي بيطار من أولاد سيدي الشيخ، وبتأثره بهؤلاء الفحول تكونت لديه ملكة شعرية رائعة وأصبح يقرض الشعر بكل طلاقة وسهولة.
وكانت هناك مناظرات شعرية تقوم بين هؤلاء الشعراء، وقد حدث أن إعترف ابن كريو بقيمة شعر شاعرنا، إذ قال له يوما: «خنقتني بشعرك» كما قال له الشيخ السماتي: «أنا أهوى شعرك» وهذا إنما هو اعتراف وشهادة تتجلى من خلالها جودة شعر شهرة بلخير وقيمته العالية، وقد أحضرنا للشاعر قصيدة بعنوان:
أَمَــحْـنَـةْ قَـلْـبِـي (42)
أَمَحْنَةْ قَلَبِي تَكْوِّيْتْ بَلقَبْاسْ
طَالْ فْرَاقْ الخَاثْرَة يَا تَشْطَانِي(43)
كُنْتْ بْعَقْلِي سَالْ عَنِّي قاَعْ النَّاسْ
سَلْبَتْنِي بَعْدْ العَقَلْ لُونْ الجَانِي(44)
مِنْ دَاخَلْ مَضْرُورْ وَالظْاهَرْ لاَ بَاسْ
ضُرّْ مْعَاشَرْ في ضْمِيرِي دَخْلاَنِي(45)
مَرْضِي طَوَّلْ طَالْ مَا نَبْرَاشْ اخْلاَصْ
ومَنْ الطَبُّه قَاعْ لاَ مَنْ دَاوَانِي(46)
اسْبَابْ المَرَضْ الشَّايْعَة رَادِف لخرَاص
كْحَل اللاَمَحْ هِيَ طْبِيْبِي حَقَّانِي(47)
هَلْكَتْنِي بَايْ النْسَا رَايَةْ لَعْرَاسْ
خَاوِي المَحْزَمْ هِيَّ اسْبَايَبْ تَشْطَانِي(48)
طَلْقَتْ ثَيْثْ عَلَى المْنَاكِبْ طَاحْ ادْنَاسْ
مَمْشُوطْ اكْحَلْ بِالعِطْر كَانْ مْقَاني(49)
القَشْوَهْ «بُوجِي» بْرَّاقْ بْقَاسْ
تَتْلاَطَمْ في اللَّيْلْ وِالرِّيْحْ يَمَانِي(50)
زَيْن الظَامِرْ في النْسَا مَالِيْه قْيَاسْ
لَونْ الرِّيْم اللِّي مْعَ الصَحْرَا جَانِي(51)
***
مْطَرَقْ في رَايَّهْ ذْهَبْ مَا فِيْه نْحَاسْ
مَا بَيْنْ الصَفَّينْ عَنْدَ العُثْمَانِي(52)
أَمَحْنَةْ قَلَبِي اجْرَحَتْ بَلْمَّاسْ
مَشْعَالْ امّْ بْرَيِمْ في قَلْبِي سَانِي(53)
أَبْجَاهْ المَكْتُومْ حَيْدَهْ مُولَى فَاسْ
يَبْلِيْهَا رَبِّي بْمَا رَاهْ بْلاَنِي(54)
نَا يَفْتِنْ قَلْبِي عَلَى قَدَّاهْ الاَنْفَاسْ
وَيْذَا تُهْتْ مْعَ المَقَاسِمْ مَقْوَانِي(55)
هَدْفَتْ لِيَّ قَاعْ لَمْحَايِّنْ «سُورْ بْلاَسْ»
وَاَنَا نُعُومْ في غَامِقْ المَحْنَهْ رَانِي(56)
بَحرْ الحُبِّ غْمِيْق مَا عَنْدُوشِ السَاسِ
رَانِي فِيْهْ نْعُومْ وَالمَوجْ ادَّانِي(57)
نَبْكِي وْنْبَكِّي مْعَايَا قَاعْ النَّاسْ
وَنْبَكِي النّاسْ المَحَايِنْ بَامْحَانِي
3 - الشاعر ابن حرزالله بن الجنيدي :(58)
هو الشيخ ابن حرزالله بن الجنيدي بن الشاهد المولود سنة ( 1829م ـ 1901م ) من عرش الحرازليّة، نشأ ببادية الأغواط، وكان أبوه من سادة القوم ، شبّ الشاعر كغيره من فتية القوم دون أن يدخل كتابا، ورغم ذلك تفجرت فيه روح الشاعر بلا حدود ، تعلق قلبه بالشيخ عبد القادر الجيلاني، حيث قال فيه من الشعر الكثير، كثر ترحال الشيخ في أنحاء الجزائر، كان الشيخ زاهدا، حضر جهاد مدينة الأغواط مع المجاهد ابن ناصر بن شهرة، وقد سجل ذلك شعرا، وجاهد مع أولاد سيدي الشيخ.
ونجد الكثير من أبناء المنطقة يحفظون من أشعاره ولا يزالون يرددونها، وذلك لمتانة شعره كالمعدن الثمين، يزداد قيمة كلما كان عتيقا، وله ديوان شعر في مختلف الأغراض وللشاعر معنى جميل يتغنى فيه بفرسه، التي تزيل غيظه ساعة الضيم ، ولشدة حبه لهذه الفرس وتعلقه، يتمنى لو أنّه لا يفارق صهوتها حتى في نومه ؛ متمنيا أن يرى نفسه في نومه ممتطيا لها، يقول وقد ركّز على بعض أعضائها المتناسقة واصفا إياها:
يا عَوْدَة رَاكِي عْزِيزَة عَزْوِية
يا فشَّاشِةْ خَاطْرِي وَنَا مَضْيومْ
يا نَحَّاحَةْ غَيظْ قَلْبِي والرِّيَّة
نِشْتي نِرْكِبْ فُوقْها حَتَّى فِي النُّومْ
تَعْلَفْ دَوْر الْعَامْ دِيمَا مِحْظِيَة
مَا تَفْلىَ فِي الشِّيحْ مَا تَاكُلْ هَيْتُومْ
مَا تِهْزِلْش الْعَامْ لَخْلاَ مقْلِيَة
مَرْبُوطَة بِـ جْلاَلْهَا مِنْهَا مَغْرُومْ
القَارِبْ نَاتِقْ و الفْرِيسَة مِسْوِيَة
عَلْفْ الدَّايِرْ فِي لْعْمَارَة و الزَّمُّومْ
العُنْقْ مْجَرَّدْ و القْوَايِم مِحْشِيَة
وكْفَلْهَا قَاعْ السّْطَلْ دِيمَا مَقْسُومْ
رَاهَا تَصْفَا قَا حْمَامَة بَلْدِيَة
تِشَّاوُهْ فِي جِلِدْهَا لَكْانْ نْجُومْ
زَرْقَة دَارْ بدَارْ شَاحِبْ رِكْبِيَة
كَرْعَيْها تِسْقَامْ زَانَاتْ العَكْرُومْ
الشَّايِقْ فِي الْخَيْل يُنْقُدْهَا هِيَ
مَذْكُورَة فِي صِيلْهَا غَالِي فِي السُّومْ
مَا نُلْطُمْهَا مَا نْرَاقِبْ رِجْلَيَّ
ما يْجِرْمْهَا قاَع مَنْ قَالُوا مَحْكُومْ
تِتْكَيْسَرْ فِي السَّيْر دَعْوَى بِدْعِيَة
واللِّي يِرْكِبْ فُوقْهاَ يُقْدَى مَرْحُومْ
سِبْلِتْ ع العَرْقُوبْ فَرْض رْبَاعِيَة
و تْفَاجِي قَاعْ الْمْحَايِنْ عَ الْمَلْطُومْ
أُمْ ارْبَعْ فَرْدَاتْ شَاحِبْ رِكْبِيَّة
الرَّاسْ الطَّايِبْ فِي الْهْوَى لَكاَنْ يْعُومْ
تِتْهَاوَى لِلشُّورْ سِلْسَة مِنْوِيَّة
واذَا مَا دَنَّيْتْهَا تُغْدَى فِي الحُومْ
وَاشْ إِذَا زَقْوَيتْ تَتْغَيْزَبْ بِيَّ
وقتًا نْهَمَّزْها تْجِي بِيَّ فيِ الحومْ
الْبِر الْخَالِي قَا، نَّا وَ الا هيَّ
وانْقَطََّعْ ذَاكْ السّْرَابْ كِي طَاحْ هْدُومْ
تِتْغَيْزَب فِي السَّيْرْ هَذِي مِدْعِيَة
ركْبَة عَنْهَا خَيْرْ مِنْ مَالْ الْبَشُّومْ
تْرَايِشْ بِالرَّاسْ بالْعَانِي فِيَّ
وتْنَادِي عَ الْخَيرْ مُولاَهَا مَطْعُومْ
تْنَادِي ع الْخْيْر هُوَّ و الذُّرِّية
مَبْرُوكَة صَافْيَة مَا فِيهَا شُومْ
السَّرْجْ مْذَهَّبْ والْحْمَايِلْ شَرْقِيَّة
والطَّرْحَة وَ رْكَابْهَا جِمْلَة مَقْيُومْ
الطَّرْحَة وَرْكَابْ هِي وَ النَّحْرِيَّة
وَ الْكْمَارْ يْطِيحْ فِي جِيهَة مَرْقُومْ
شِحْبِتْ تَحْتِي يَا مْلاَحْ الْمِدْنِيّة
هِيَ حُرَّة بذْراعْهَا و نَا مَلْزُومْ(59)
قُلْتْ انْقَطَّعْ فِي حْمَادْ الشِّشِيَّة
فُوقْ اربَعْ فَرْدَاتْ صَانِعْهُمْ مَرْحُومْ
رِيحْ النَّسْمَة مِنْ اسْحَابْ الْعَشْوِيَّة
يِتْبَرَّم شَوْرِي الْهْوَى بَارِدْ مَسْمُومْ
لحت السرج عليك وقت البكرية
سِيرِةْ ثَلْثْ أيَّام دِرْنَاهُمْ فِي يُومْ
الصُّبْحْ فجَّرتْ قِبِلْتْ الأدْمِيَّة
وَالْمَغْرِبْ صَلِّيتْ فِي عَالِي هَمْهُومْ
وْ شَوْفَة مِنْهَا خَيْرْ مِنْ مَالْ الدُّنْيَا
يَا لاَغَا رَاكْ تْقَجَّم وَلاَّ تْسُومْ ؟(60)

4 - الشاعر دهينة دهينة بن الحاج عيسى (1885-1966):
هو من أولاد بوزيان ولد بالأغواط، نشأ عصاميّا تعلّم العربية والفرنسية والعبرية واللهجة الميزابية.
اهتم بعلم الفلك ونال شهادة في هذا العلم عن طريق المراسلة، من فرنسا سنة 1928م اشتغل بالتجارة مثل أخيه الحسين وانتسب لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وهو تلميذ الشاعر ابن كريو حيث كان متزوجا ابنة عمّه، ويُذكر أنَّه أُحْرِقَ شعره اثْرَ مرض سنة 1925م، كما حكى ذلك تلميذه السيد مصطفى العمري، وما بقي من شعره يدل على فحولته، وقد أثبتنا للشاعر قصيدة طويلة منها مقتطف يحكي عن حادثة عاصرها، والقصيدة تنضوي في غرض النسيب، وهي بعنوان : «عَامْ آنْ فَسَدَتْ الْسَوَاقِي بَالقَصِير»(61)
عَـامْ الْعَوْرَهْ فِيِهْ شَفْنَا ذِي الْمَكْرَه
مَا صَارَتَ شْ حْكَاوْهَا شِيابْ كْبارْ
آخْزَرَّتْ بْعَيْنِي دَارَتْ بْرُوقْ غْزيرَه
مَنْ غَرَبْ الْقَيْمَنْ لِلصّدَرْ وَلاَّتْ فْنَّارْ
رَكبْ مْطرْ عْصيفْ بمِيَاه غْزيرَه
نَازَلْ حَجَرْ مَنْ السَّمَا دَايرْ تيارْ
مَنْ رَاسْ الْقَعْدَه لْرَاسْ الشَّنفَارَه
لِلْغَيشه وَ الْوينْ لِلسَيِلْ التَّحْدَارْ
ظَهرَه وَ الْقبله مِيَاهُه شَرْشَارَه
منْ الْكَسْلاَفَه وَارَّنْ دَايرْ غَبارْ
زَادْ مْسَاعَدْ وَ الْمَخَبثْ كَرْكُورَه
عَيَّطْ عَالْويِدَانْ قَالْ الْيُومْ نْهَارْ
فِيهْ بنْ السَوَّافْ ياخُذْ تكْسَارَه
تْجيهْ تْفكه الْعوْرَه مَنْ لاَنكَارْ
سَبَّقْ خَيْرُه قَاعْ دَلاَّعْ الدَّشْرَه
وُسقه ليهَا رَاهْ غلىَّ عالْميارْ
مَنْ بَكري لاَسْبَابْ تَوْقَعْ يَا حُضْرَا
يَعملَّها منْ عَالْ وَ تْجِي فِي لاَخْيَارْ
طيرْ مْنايه خَلْلُّه فِي القَنْدُورَه
الْقطْ عزْ ناسْ الْقْصِرْ مَا خَلىَّ دَارْ
عَلىَ الْوَمْيَه جا مْنَوَّضْ كُبَّارَه
وَادْ مْزي بانِي يجلبْ عَنْ لاَشْفَارْ
نَاضْ عْياطْ الْناسْ فِي لَيْلَه نَذْرَهْ
آلِلِّي مَنَّعْ رُوحُ لِلْجنه تحْرَارْ
السَالَمْ عَالْمَضْيُومْ بَايَتْ فِي حَيْره
وَاشْ يصَبحْهَا آنْ تاتِيهَا لاَخْبَارْ
لِلْغَدْوه لاَدُخَانْ دَارَتْ تَعرَارَه
آتْلَوَّحْ مَنْ كُلْ جِيهه فِي لاَخبَارْ
فِي الْغَاشي مَنْ بَاتْ مَتْعَنقْ شَجْرَه
الْمَوْجَه تَبْني عْلِيهَا شُغَلْ آصْوَارْ
وَوَاخُرْ وُسَطْ الذرْ عَرْيَانَه حَمْرَه
مَسْبوله فوقْ القرَابَه تَحَتَ آمْطَارْ
وَاخُرْ وُسَط الْوَادْ غَمْرَه عَالْغَمْرَه
باتْ يكافحْ فِي الْمِيَاهْ آلّلِي تَغْزَارْ
ما قَعْدَتْ لُه لاَ نْحِيله لاَ دَثرَه
في الْعِقابْ الْنَّاسْ آنْ طَلْعَتْ لاَفْجَارْ
وَاشْ يسَالْ الْناسْ كَرّْلهَا جَمْرَه
في ذِي الْخطرَه رَاهْ رَايه عنُّه غَارْ
5 - الشاعر محمد بن كركبان :
(1898م- 1949م)
ويعرف كذلك بمحمد الأغواطي من قبيلة أولاد عيسى (الأرباع)، ولد بمدينة الأغواط له شعر جيد لا يزال شفويا، كان يعمل خبازا ، وتوفي في أواخر الأربعينيات بالأغواط، نقلنا بعض قصائده عن الحاج البشير صاروط، وعن مصطفى العمري، وعن السيد رحماني معمر، والمرحوم محمد عطية. وأحضرنا للشاعر قصيدة بعنوان:
ظَنِّي فِيْكْ خْلاَصْ(62)
بِينْ يْدَينْ اللّهْ اللِّي دِرَتْ تَلْقَيْه
يُوْم المَوْعَدْ فيِ نْهَارِ القِيَامَهْ
نِتْكَلَمْ بِجْمِيْع ذَنْبِي تَتْولِّيْه
تَسْعَي بِهْ مْقَامْ فِي جَهَنَّمَ
حَقَّ الظَّنِّ اللِّي عْلِيَّا ظَنِّيتِيهْ
يَجْعَلْ مَشْيَّكْ فِي طِرِيْقْ النَدَامَهْ
تَبْرَي قَبْلِكْ حَارِتْ العَيَّارَه فِيْه
ذَهْبِي غَالِي سُومْتُهْ عِ السَّوَّامَهْ
مَلَّكْتَكْ بِخْزَايْنُهْ كَلَّفْتَكْ بِيْه
صُبْتَكْ فِيْه تْعَايِرْي يَا جَرَّامَهْ
لَوْ انْ بْلَغْتِ مِنَازِلْ الحُبّْ ادْرَكْتِيْهْ
مَا نُوقَعْ شِي في افَّامْ الظَلاَّمَهْ
غَرَّكْ وَقْتَكْ والدْلاَلْ اللِّي شَفْتِيْه
دْخَلْتِ الغَامِقْ في بْحُورْ العَوَّامَهْ
لَو انْ دَخَلْتِ غَامْقِي حَوَّسْتِ فِيْه
اسْفُونَكْ تَبْقَى في المْرَاسِي خَدَّامَهْ
عَنْد الشَطّْ فَلاَيْكِكْ بِالرِّيِحْ تَتِيْه
اسْفُونَكْ عَوَّانْ عِنْد الفَحَّامَهْ
إِذَا تَقْرَيْ عِلْم النْسَا قَبْلِكْ حَاصِيْه
قَرَّاتُه لِي دْوَاهِي عَلاَّمَهْ
كُلّْ عْجُوزْ تْحَيَّرْ ابْلِيْس تْنَوِّيْه
غِيْر اللِّي تَخْلِي البِرّْ بْتِعْزَامَه
ظَنِّي فِيْك خْلاَصْ طَبْعِي فَسَّدْتِيْه
بَنِيْكْ خَالِي غَرْدِتْ فِيْهَ الهَامَهْ
جَيْتِ في شُوشَانْ كَوْرِي وَشْتَيْتِيْه
يَظْهَرْ لِي ذَا العَامْ تُخْرُجْ عَلاَّمَهْ
بَعْتِ البَازْ بِقْلَةْ السُومْ وَهَنْتِيْه
بَدَّلْتِ حُرّْ الطُيُورْ بْحَيْتَامَهْ
مَمْلُوكِكْ يَا خَادْمِي بَاهْ شَرَيْتِيْه
عَاجَبْنِي مَحْلاَهْ في خَدُّهْ شَامَهْ
سِرِّي مَا طُقْتِيْشْ في بَالَكْ تَحْظِيْه
عُمْرِي شُفْتْ غُرَابْ في وَكَرْ حْمَامَهْ
مَارَيْتِشْ مَلِيْكْ في قَفْصْ مْرَبِّيْه
مَاتَتْحَطَّشْ في عْقُولْ الفَهَامَهْ
ذَا العَبْدْ اللِّي رَاهْ بَافْعَالُه هَنَيْتِيْه
رَاكْ عَنُّهْ كِي اللِّي شَافَ جْهَامَهْ
والقائمة مفتوحة من أمثال الشيخ المبروك ، مبارك الحرزلي ، أحمد الخنوس ، عطاء لله الهادف، محاد الطاهر ...الخ وأسماء أخرى،إلى جانب شاعرنا الكبير: ابن شهرة علي،الذي نحن بصدد دراسته محاولة مِنَّا أن نكشف الغطاء على أعماله و إظهاره إلى ساحة الشعراء.

الغناء
أمَّا الغناء فالملاحظ أن مجالسه قد عرفت ازدهارا كبيرا، إذ برزت في هذه الفترة مغنيات كثيرات، من بينهن المغنية – حابة –وعاصرتها مغنية أخرى هي- عائشة سيرَّو- اللتان سجلتا الغناء بواسطة طريقة تسمى- القدوس –وهي طريقة سبقت الأسطوانات، أما عن الصوت الرجالي، فلا يمكن أن تزور الأغواط ولا تسمع بالرجل الذي كان يستنطق العود، إنه الفنان:

1 - الرَّي مالك : (63)
ولد سنة 1900 م من أبوين كريمين، حيث حفظ القرآن الكريم تعلم العربية والفرنسية بالإضافة إلى موهبته كعازف عود فذ، وكان صاحب صوت جميل صقله في الحلقات الدينية التي كان يصطحبه أبوه إليها، إذ كان والده منتسبا للطريقة الموساوية.
أمَّا عن لقب الرَّي مالك فهو لقب أطلقه عليه ملك المغرب- محمد الخامس- إذ كان الفنان من ندمائه.
رحلاته:(64)
كان الرَّي مالك قد أقام عند أخيه بالجزائر العاصمة واستغل فرصة تواجده بها لتعلم فن الموسيقى، وكثيرا ما كان يرتاد المرحوم محي الدين باش تارزي.
وفي سنة 1926 م، شدَّ الرحال نحو المغرب الأقصى، حيث أقام به مدة 12سنة تعلم فيها فن الموسيقى الأندلسي على يد معلمين أجلاء، وكون فرقة خاصة للغناء كانت تنتقل بين المدن المغربية، كما أنّه زار تونس وليبيا وسوريا ومصر، التي تعلم فيها الضرب على العود على يد الفنان سي الطاهر،ولم يعد إلى الأغواط إلاّ في سنة 1938م ،وبعد عام من ذلك استدعي لأداء الخدمة العسكرية، وقد كانت أمه حزينة على فراقه فألف أغنية «يا أمي ليه تبكي عليا» يخاطب فيها أمه التي مرضت بعد ذهابه، وتوفيت ولم يسمع بخبر وفاتها إلاّ بعد ستة أشهر .
فرّ من الخدمة العسكرية ولجأ إلى إحدى الدول المشرقية، وانتهز فرصة تواجد خالته بدمشق فقصدها مما أتاح له الفرصة أن يلتقي بكبار الفنانين السوريين، أمثال عبد القادر الحجار.
ثم رجع ثانية إلى الأغواط في سنة1942، وفي هذه السنة تشرف الفنان بلقاء الشاعر مفدي زكريا وكان ذلك بمدينة تلمسان حيث عرض عليه هذا الأخير أن يرافقه إلى العاصمة، وفيها بدأ يعرض فنّه في محل كان منحه إياه الشاعر مفدي زكريا، ورغم بساطته إلاّ أنّه كان قِبلة الفنانـيـن ولم يلبث أن عاد إلى مسقط رأسه سنة1942م.
ومع اندلاع ثورة التحرير المباركة أبى إلأ أن يضع فنه في خدمة النضال، من أجل الحرية فكان يقيم حفلات يغني فيها أغاني سياسية تحريضية ، مثل«أحب عيشة الحرية، أنا العربي ولد العربية» إلاّ أنّ هذه الأغاني لم ترق للسلطات الاستعمارية فحاولت اعتقاله، إلاّ أنّه أفلت منها في آخر لحظة.
وبعد استرجاع السيادة وبالضبط سنة 1963م قصد الإذاعة والتلفزيون الجزائري لتسجيل بعض الأغاني فأوصدت الأبواب في وجهه، مثلما فعل مع الفنان سي الحاج محمد العنقاء، أسس سنة 1965م فرقة للرقص الفولكلوري، مثلت الجزائر بمهرجان أقيم في مصر، وفي1966م أسس فرقة الأمل للموسيقى والغناء، وفي 1974م التحق بمدرسة أشبال الثورة كمدرس للموسيقى وظلّ الفنّان وفيا لفنّه، إلى أن توفي رحمه الله(65).

2 - الجودي المبروك(66):
هو العواد الساحر أو صاحب الأصابع السحرية من مواليد 1918م في حي الضّلعة بالقرب من مقر الزاوية الشاذلية من أب يدعى «عيسى» والأم «فاطمة بنت الحاج البشير بلحاج»هو الابن الوحيد الذي بقي من مجموع إخوة توفوا كلهم.
لم يتلذذ بمعرفة معنى الأبوة، لأنّه ببساطة فقد أباه وهو ابن ثلاثة سنين، فتكفل به أعمامه الذين لم يبخلوا عليه بالحب والحنان اللذان هما سببا اكتمال النفس، التحق بالكتّاب فحفظ ما تيسر له حفظه من القرآن الكريم، وما إن اشتد ساعده حتى التحق بأخواله وهم بدورهم فتحوا له صدورهم ولم يتقاعسوا على تأمين العيش له، ولأنّ روح الفنان ترفض أن تبقى محبوسة في أغلال الصدر وتتوق إلى الحرية وإلى السياحة في هذا الفضاء المترامي الأبعاد، أبى سي الجودي إلاّ أن يحقق هذه الرغبة الجاثمة على النفس وأصبح يرافق خاله إلى البستان، فتارة تراه يعمل بجد ونشاط يردد كلمات بصوته العذب الرقيق، إنّه يؤثر الصمت الذي يناجي الضمير ويعيه القلب يتلذذ بسماع موسيقى الطبيعة.
ولأنّ الابن نسخة من أبيه، أراد الفنان أن يقتفي أثر الوالد فاحترف النجارة التي كانت مصدر إلهامه وإبداعه فصنع آلة العود دون أن يعلمه أحد، حيث أنّه استلهم صورة هذه الآلة من فيلم مصري في زمن السينما الجوالة سنة 1933فحاول في المرة الأولى صنعها لكنه لم ينجح، لأنها كانت مجرد تجربة، لكن المحاولة الثانية كُلّلت بالنجاح.
ولم تتوقف مخيلة الفنان عند هذا الحد، بل راحت تدفعه دفعا إلى التفكير في اصطناع الجديد ما دامت القوة موجودة والأمل منبسط، فاستجاب الفنان لنداء النفس وتركها على سجيتها، فانطلقت تدغدغ أصابعه الذهبية لتخرج منها آلات موسيقية في غاية الجودة فهذا العود وتلك الكمان ومرة الماندولين وتارة القانون وآلات أخرى انتشرت في أرجاء الجزائر بل اتسعت شهرتها لتصل إلى انجلترا، وأمريكا، وفرنسا، بلجيكا، والمملكة العربية السعودية.
شارك الفنان الجودي في عدة معارض منها أول معرض أقيم في الجزائر سنة 1954م حيث تحصل على الميدالية الفضية وشهادة شرفية.
في سنة 1955م شارك في معرض العشرية الثقافية الجزائرية في سوريا كممثل للصّناعة التقليدية المحلية في هذا المعرض، وتحصل على شهادة شرفية.
كما نال في نفس السنة الميدالية الفضية في مسابقة لاختيار أحسن حرفي جزائري نظمتها محافظة الجزائر الكبرى.
ولأنَّ جذوته لم تعرف الخمود، راح يطمح إلى الظّفر بكل مستلزمات الموسيقى، من تأليف للكلمات وتلحين لها، فألف مجموعة من الأناشيد الوطنية مثل:«صلاة لنبي الحبيب» و«الأنوار سطعت في الوادي» و«نيل المران في الجزائر بالأمل».
كما أنّه يعتبر من السبّاقين إلى تأسيس فرقة الثريا سنة 1945م، رفقة صديقه الرّي مالك وقد كانت هذه الفرقة تحيي الحفلات الدينية والوطنية في ربوع الوطن، ولأن معظم أناشيدها كانت من وحي الثورة منعت من مواصلة عملها الجهادي بدرجة أولى، وتمّ إغلاق مقرها الرسمي بالأغواط سنة 1948م، فعاد الفنان إلى محله المتواضع لصنع الآلات الموسيقية(67).
ولا يزال الرجل الذي تجاوز العقد الثامن من عمره في مشغله يغازل العيدان ويروي لها حكاية الأيام الخالية، يستقبل زائريه من كل حدب وصوب بابتسامة بؤسٍ وأسى دفينين في نفس عظيم قوم ذل بعد عز.
ورغم ذلك سيظل الفنان سي الجودي زرياب زمانه، وستبقى مدرسته حية في قلوب من تتلمذوا على يده وهم كثر من المنطقة أو من خارجها .