اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

دراسات حول فولكلور البحرين عادات الزواج ومعتقدات شعبية وفنون الشعر والغزل وأطروحة حول توثيق السفن
نقدم في هذا العدد جولة متنوعة حول فولكلور البحرين.. سعينا وراء دراسة ميدانية في عادات الزواج والفنون المرتبطة به، ثم أبح...

التركيب العاملي في الحكاية الشعبية حكاية «عزة ومعيزيزة» نموذجا
على الرغم من تعدد التفسيرات والأبحاث التي تحاول رصد أصول الحكاية الشعبية، فإن حقيقة هذه الأخيرة (بحكم كونها شعبية) لا يم...

أغانى القدس حج مسيحى / تقديس
يرجع تاريخ زيارة الأقباط للأماكن المقدسة في القدس منذ اكتشاف الملكة هيلانه للصليب المقدس فى عام 325م وتأسيسها لكنيسة الق...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
دور بيئة الكويت الصحراوية في التأثير على حرفة ومنتجات السدو التقليدية
العدد 41 - ثقافة مادية

د. على صالح النجاده – كاتب من الكويت

 

تعتبر المنسوجات اليدوية على اختلاف أنواعها، ومواد نسجها، ووظائفها، وأشكالها، وألوانها، وطرق نسجها عناصر حيوية وفعالة في رصد مستوى حرفنة وإبداع منتجيها لأنها ضرب من ضروب الفن، والصناعة التقليدية. بالإضافة إلى ذلك فإن تطور المنسوجات يمكن أن يعد أحد الدلالات الهامة على التطور الحضاري للبشرية منذ أن عرف الإنسان المنسوجات فى أبسط أشكالها، وأدواتها، ووظائفها حتى يومنا هذا. ولعل من أهم البراهين على صدق هذه الحقيقة ما ورثته البشرية من منسوجات شرقية، وغربية، منقوشة، وغير منقوشة للملبوسات، والمفروشات، وغيرها ما يمكن أن يحكي قصة حقبة طويلة من عمر الإنسان على كوكب الأرض. فقد جاء قبل أكثر من أربعة عشر (14) قرن من الزمان في محكم القرآن الكريم قوله جل وعلا: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِين} سورة النحل / آية 80.
من هنا يمكن القول أن حياكة منسوجات السدو البدوية المختلفة هي احدى الحرف اليدوية التقليدية التي اعتمدت في إنتاجها على أصواف الأغنام، وشعور الماعز، وأوبار الإبل. كذلك، تعتبر هذه الحرفة من أهم وأشهر الحرف اليدوية التقليدية التي كانت، ولا زالت تمارسها العديد من النساء البدويات فى الكويت بكل براعة، وإتقان. فقديما كانت النساء البدويات يحكن منسوجات السدو المختلفة بهدف توفير احتياجاتهن الاسرية الضرورية من بيوت الشعر للسكن، وأنواع البسط والزل (السجاد)، وأقمشة التنجيد للفرش والوسائد، ولاستخدامها كقاطع لفصل ربعة أو مضيف الرجال عن شق الحريم (مسكن النساء) فى بيت الشعر. كذلك استخدم السدو كقماش متين لصنع أمتعة تخزين الطعام، وحفظ الملابس، ونقل الحاجيات الفردية والأسرية في حال الاستقرار، وعند الترحال من موقع لآخر مثل: المزاود، والخروج، والعدول.
أما بعد استقرار سكان بادية الكويت في المدن والضواحي المختلفة، فقد أصبحت حرفة ومنتجات السدو أحد العناصر التراثية الهامة، وغدت منسوجات السدو تجمل أرقى المباني السكنية والأسواق، والمطارات، والفنادق، والمنتزهات، والمستشفيات لتأصيل وتثبيت الهوية الكويتية في تلك المباني المختلفة. كذلك دخلت تلك المنسوجات، وبشكل تجريبي فى صناعة بعض الشنط النسائية، والأثاث، والإكسسوارات المنزلية المتنوعة وغيرها. لقد أصبحت اليوم منسوجات السدو أحد أهم المنتجات الفنية، والصناعات الحرفية التى ترتبط ارتباطا وثيقا بإسم دولة الكويت. كذلك، أصبح السدو أحد شواهد تنامي القدرات الفنية، والبشرية المتفاعلة مع عناصر التطور، والنمو الحضاري فى الكويت.
أسئلة البحث
من هذا المنطلق تبرز ثلاثة أسئلة هامة ذات ارتباط بماضي، وحاضر، ومستقبل حرفة ومنتجات السدو في الكويت، وهي كالتالي:
ما هي علاقة بيئة الكويت الصحراوية بحرفة ومنتجات السدو التقليدية؟
ما هو دور بيئة الكويت الصحراوية في تشكيل حرفة ومنتجات السدو التقليدية؟
ما هو واقع ومستقبل حرفة ومنتجات السدو في ظل اتجاه معظم سكان البادية للعيش في المدن والضواحي الكويتية المختلفة؟

أهداف البحث
سوف يتم من خلال هذه الدراسة محاولة تحقيق الأهداف التالية:
تعريف مصطلح السدو.
تعريف المشتغلين في حرفة، ومنتجات السدو.
تبيان أسباب ظهور حرفة، ومنتجات السدو فى بادية الكويت.
استعراض الطبيعة الطبوغرافية، والمناخية لبيئة الكويت الصحراوية.
توضيح دور بيئة الكويت الصحراوية في التأثير على حرفة، ومنتجات السدو.
التعرف على الواقع الحالي، واستشراف مستقبل حرفة، ومنتجات السدو التقليدية في الكويت.

منهجية البحث
تعتمد هذه الدراسة في تحقيقها على المنهج الاستقرائي القائم على استيقاء الكثير من المعلومات من ناسجات السدو البدويات المتمرسات اللاتي تمت مقابلتهن، وتدوين إجاباتهن المتعلقة بتحقيق أهداف هذه الدراسة. كذلك، تم مراجعة الأدبيات المتوفرة، وذات العلاقة بهذا الموضوع، بالإضافة إلى الملاحظات الشخصية للباحث الذي عمل كمستشار للنسيج في الجمعية التعاونية الحرفية للسدو خلال الفترة ما بين عام 1998م وحتى أواخر عام 2015م.
تعريف مصطلح السدو
يطلق أهل بادية الكويت كلمة أو مصطلح السدو على ثلاثة أشياء مرتبطة بهذه الحرفة اليدوية التقليدية هي:
عملية حياكة السدو.
آلة أو نول حياكة السدو.
منتجات السدو الخام التى تصنع منها بيوت الشعر، والبسط، والزل وما إلى ذلك.
أما كلمة «السدو» فى اللغة العربية فيقصد بها الامتداد، أو الاتساع فى مد الشىء. فقد ذكر الجوهري فى كتابه «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» (1979) قول «سدت الناقة» (أنثى الإبل) أي مشت ومدت ذراعيها للأمام بإتساع أو بخطوات واسعة. أما إبن منظور فقد ذكر فى كتابه «لسان العرب» أن كلمة «السدو» تعني مد اليد نحو الشىء، فالإبل تسدو فى مشيها بمد أذرعها بإتساع، وطرحها فى لين للأمام، والصبية يسدون بمد أذرعهم بأقصى ما يمكنهم عند لعبهم، ورميهم بالجوز. أما السداة فى مصطلحات النسيج فإنها تعني الخيوط الممتدة على طول القطعة المنسوجة وهي خلاف خيوط اللحمة، أو الخيوط الممتدة بعرض القطعة المنسوجة (نصر والزغبي، 1993).
وعليه يمكن القول بأن أهل البادية قد أطلقوا كلمة السدو بما تشمله من معان متنوعة، ولكن محددة وواضحة على عملية حياكة السدو لأن المشتغلة بها تنسج بامتداد للأمام، ومع استمرار عملية النسج يزيد طول قطعة النسيج، مما يؤكد معنى الاتساع للأمام الذي ذكر عند الجوهرى وإبن منظور. أما استخدام كلمة السدو لتعريف آلة أو نول حياكة السدو فهي كلمة تعريف وصفية مرتبطة بتصميم النول. فنول السدو التقليدي هو آلة نسيج بسيطة التركيب، وبدائية التصميم مطروحة على الأرض، وممتدة في وضع أفقى يقصر أو يزيد في الطول حسب الحاجة. هذه المرونة فى تحديد الطول المطلوب للنول، والمتأثرة فى الغالب بطول القطعة المراد أو المطلوب نسجها يجعل من نول السدو آلة عملية فى وظيفتها، واقتصادية فى مكوناتها، ولا حاجة لاستبدالها بغيرها كلما دعت الحاجة لتغيير طول أو عرض القطع المراد أو المطلوب نسجها.
وأخيرا، تستخدم كلمة «السدو» أيضا لتسمية منتجات السدو المتنوعة في الطول، والعرض، والوظيفة، مما يؤكد من جديد على مرونة، وشمولية استخدام كلمة السدو عند أهل البادية. يتراوح طول منسوجة السدو في الغالب بين المتر الواحد ونصف المتر (1.5) كما في قماش المساند، كما يمكن أن يصل طول المنسوجة إلى 25 مترا طوليا كما فى الفلجان وهي الشرائح المكونة لسقف بيت الشعر. أما عرض منسوجات السدو فغالبا ما يتراوح بين 5 سنتيمترات كما فى بعض المراقيص والسفايف التي يزين بها جانبى الجمال أو الهودج، ويمكن أن يزيد العرض ليصل ما بين 60 سنتيمتر كما في أقمشة تنجيد المساند، أو 100سنتيمتر كما فى حياكة بعض البسط والفلجان. كل هذه الامتدادات، والتغييرات فى أطوال، وعروض منسوجات السدو يمكن تنفيذها على نفس نول السدو التقليدي الذي لا يحتاج إلى تغيرات جذرية في تصميمه، أو مكوناته، أو حتى طريقة استخدامه. إن استخدام أهل البادية لمفردة «السدو» لتعريف عملية السدو وآلتها ومنتجاتها يؤكد على ميل أهل البادية للإقتصاد فى كل شىء تحت تأثير طبيعة الحياة في الصحراء وما تفرضه على ساكنيها من محددات مادية، وموضوعية.

تعريف المشتغلين في حرفة ومنتجات السدو
تعتبر حياكة السدو من الحرف اليدوية التقليدية التى تشتغل بها نساء البدو دون الرجال. أما مفهوم كلمة «البدو» فقد استخدم عند بعض علماء الاجتماع لتعريف الجماعات البشرية التي تعيش فى خيام وتعمل في رعي المواشي وتربية الحيوانات من أغنام، وماعز، وإبل، وحتى الأبقار دون أن يلتفت لكون تلك الجماعات مستقرة في حياتها أو متنقلة ما دامت تعيش في البادية أو القرى بعيدة عن المدن والحواضر (ابن خلدون، 2004). إلا أن البعض الآخر ربط بين مسمى البداوة، وبين حياة التنقل، والتجوال الموسمي، أو الدائم في الصحراء كما ربط بين أفراد تلك الجماعة بأصول سلالية واحدة (حنا، 1984 و الربايعة، 1974).
إلا أن الدراسات الإنثروبولوجية الميدانية قد أفسدت كلا الاستخدامين لمفهوم البداوة بشكلهما المطلق، وأيدتهما ببعض جزئياتهما، وربما جنحت بعض تلك الدراسات لتسمية من يسكنون الحواضر، وكانوا يتحدرون فيي الماضي من أصول بدوية «بأبناء القبائل» بدلا عن تسميتهم بالبدو (الشارخ، 2014). فقد لوحظ أن بعض سكان الخيام يشتغلون بالزراعة بدلا من الرعي، وقد يعيش بعض البدو فى خيام أو بيوت شعر في الصحراء إلا أنهم يظلون على ارتباط وثيق بالمناطق الحضرية، والأسواق القريبة منهم. كذلك، فقد وجد أن سكان الخيام من رعاة الصحراء لا يتنقلون فى البادية بشكل عشوائي من حيث الوقت خلال أيام السنة، أو الاتجاه إلى أطراف الصحراء المختلفة بل إن لهم تنقلات مقننة ومدروسة. فالتنقل محكوم بمدى توفر موارد المعيشة الآمنة، والرخاء للإنسان والحيوان في أي بقعة من بقاع الصحراء. لذلك فإنه ما دام الأمن والرخاء مستتبين فالبدو في حالة استقرار، ولكن متى ما شح أو انعدم أحدهما أو الإثنان معا فإن ذلك يكون إنذارا بقرب موعد الرحيل أو مدعاة للقيام به (حنا، 1984).
وعليه، يعد العالم، والرحالة العربي ابن خلدون أول من فصل فى تعريف البدو، والبداوة فقال عنهم أنهم أولئك الأفراد الذين يعيشون على الرعي أو الفلاحة في سد إحتياجاتهم ويقتصرون فى حياتهم على اليسير، والضروري من المأكل، والمشرب، والملبس، والمسكن، وبقية الاحتياجات، كما يعتمدون على أنفسهم، وعلى بيئاتهم المحلية في توفير احتياجاتهم الضرورية (دار إحياء التراث العربي، 1974). مثال على ذلك بدو الكويت الذين كانوا، ولا يزال بعضهم يعيشون على الرعي، ويمارسون حرفة السدو لبناء بيوتهم الصحراوية ومختلف عناصر تأثيثها.
لذلك، تعد حرفة السدو احدى أهم وأبرز الحرف اليدوية التقليدية التي يمارسها سكان البادية لتوفير احتياجاتهم الضرورية من بيوت الشعر للسكن، والبسط، والزل للفرش، وحماية البدن من أرض الصحراء، أو نسج القطع المتنوعة لتوظيفها بأشكال متباينة لسد احتياجات فردية، وأسرية يومية مختلفة. تشتغل نساء البدو في الكويت دون رجالها في حياكة السدو بسبب طبيعة الحياة الاجتماعية، وعادات، وتقاليد أهل البادية التى تستهجن في الأصل على الرجل احتراف غير عملية الرعي، والاشتغال بالغزو لكسب المغانم. لذلك فإن احتراف رجل البادية لحياكة السدو أو مجرد التفكير فى ذلك يمكن أن يعد امتهانا، ومنقصة لرجولته.
نظرا للطبيعة البدنية القوية لرجل البادية، فقد اقتصر دوره في مساندة حرفة السدو على «جز» أو قص صوف الأغنام، وشعر الماعز، وجمع وبر الجمال كي يوفر هذه الخامات الأولية للمرأة لتستخدمها في حياكة السدو. تبدأ أولى مهام المرأة في عملية السدو بفصل الشعر، والصوف، والوبر كل على حدة حسب نوعه ولونه. يلي ذلك عملية تنظيف هذه الخامات بأمشاط خاصة، ثم غزلها، ولفها في وشايع (كرات) تمهيدا لتلوين الأبيض منها، واستخدامه في عملية الحياكة.

أسباب ظهور حرفة ومنتجات السدو في بادية الكويت
لقد كان ظهور حرفة ومنتجات السدو في بادية الكويت وليد الظروف البيئية، والمعيشية، والمادية التي عاشها ولازال يعيشها بعض أولئك الرحل من أهل البادية. فحياة سكان البادية كما هي متعارف عليها حياة صعبة مضنية، ومتأثرة إلى حد بعيد بقساوة الصحراء المعهودة. فالصحراء بأرضها القاحلة، وجوها الجاف الملتهب، ومائها الشحيح، وخضرتها الموسمية المتناثرة قد أرغمت سكان البادية على حياة التنقل والتجوال المستمر طلبا للماء، والكلأ اللذين هما من أساسيات الحياة فى الصحراء. هذا النمط من الحياة غير المستقرة أرغم أهل البادية على الكفاف في المأكل، والمشرب لمحدوية توفر هذين العنصرين الهامين في بيئة الصحراء. كذلك جنح أهل البادية إلى الاقتصاد في الملبس، والمسكن، والمتاع لقلة الخامات الأولية اللازمة لتوفير تلك المطالب، ومراعاة لمتطلبات سرعة، وتكرار التنقل من مكان لآخر حسبما تقتضيه الحاجة لاستمرار الحياة في بيئة الصحراء القاحلة.
من هنا نشأت حرفة السدو، وتطورت كحرفة نسائية بدائية لتوفير المنسوجات المطلوبة لبناء بيت الشعر، وعناصر تأثيثه المختلفة. إن بيت البدوي بمعظم مواد بنائه، وتقنية صناعته، وعناصر تأثيثه، اعتمد على البساطة، والاقتصاد، وتأثر إلى حد بعيد بما كان متوفرا من مواد، وخامات أولية، وظروف حياتية، فالمادة الأساسية المكونة لبيت البدوي هي شعر الماعزالأسود (الصورة رقم 1). يقص رجال البادية شعر الماعز فى الربيع ثم تغزله النساء، وبعدها تحيكه على نول أرضي أفقى متواضع لتصنع منه منسوجات سوداء اللون بسيطة التراكيب تسمى فلجان. يمتد هذا النوع من منسوجات السدو من 5 أمتار وهو الطول المعتاد لعامة ذوي الأحوال الاقتصادية المتدنية من أهل البادية، ولكنه قد يصل فى بعض الأحيان إلى 25 مترا، وهو الطول المطلوب لصناعة بيت الشعر للميسورين من البدو أو لشيخ العشيرة. أما عرض بيت الشعر فيكون بين6 إلى8 فلجان ولا يزيد فى أغلب الأحيان عرض القطعة الواحدة من الفلجان عن 120 سنتيمترا، وهو عرض منسوجة السدو التى يمكن أن تسيطرعليها ناسجة واحدة.
يستخدم شعر الماعز فى نسج سقف بيت الشعر لميزاته الإيجابية الكثيرة. يقول في هذا الخصوص المعماري الأمريكي المعروف وليام ماكدنوف فى مؤلفه عن المنسوجات المتوائمة مع البيئة (McDanough, 1995) أن شعر الماعز المستخدم فى نسج بيت الشعر ينكمش، ويزداد متانة، وتقارب عند نزول الأمطار عليه، كما أنه لا يحتفظ بالماء أو يمتصه، لذلك فإنه يعد خامة مثالية لسقف بيت الشعر. كذلك فإن شعر الماعز بلونه الأسود يمتص الكثير من حرارة الشمس فى أيام الصيف، فيساعد على سرعة تسخين الهواء الساكن، والقريب من سطح بيت الشعر من الداخل، مما يؤدى إلى سرعة تدافع ذلك الهواء الساخن للأعلى عبر فتحات نسيج الفلجان، وهو بذلك يفتح المجال لهواء جديد أقل حرارة للاندفاع إلى داخل بيت الشعر، وبذلك يساعد على تحريك الهواء داخل بيت الشعر وتبريده حتى عندما يكون الهواء ساكنا فى الصحراء. أما الميزة الثالثة في هذه المنسوجة السوداء الفاحمة فهي أن خيوط سداتها الطولية، وخيوط لحمتها العرضية لا تحجب ضوء الشمس بالكامل على الرغم من عدم شفافية شعر الماعز، وتراص خيوط السداة واللحمة إذ تبقى مئات أو آلاف الفتحات المتناهية في الضيق المتكونة بين خيوط السداة واللحمة تنير بيت الشعر من الداخل كما المصابيح المتناهية في الصغر، وتقلل أيضا من قتامة سقف بيت الشعر.
أما جدران بيت الشعر المسماة بالذرا أو الرواقات، ومفردها رواق فانها تحاك على نول السدو الأرضي بنفس طريقة نسج الفلجان، مع وجود فارق بسيط وهو إدخال بعض خيوط الصوف الأبيض ضمن خيوط السداة لإضافة مساحات بيضاء على شكل خطوط بيضاء بعرض 10 سنتيمترات، أو نحو ذلك بوضع أفقي على طول جدران بيت الشعر.
ينقسم بيت الشعر من الداخل إلى قسمين رئيسيين هما ربعة الرجال أو المضيف، وشق الحريم أو مسكن وحوش النساء. أما بالنسبة للمطبخ فقد يصمم أمام الحرم، وقد يكون فى بعض الأحيان فى بيت شعر صغير منفصل بجانب الحرم. تفصل ربعة الرجال عن حرم النساء بنسيج سدو جميل تزينه نقوش هندسية ملونة يسمى بالقاطع أو الساحة. ينقسم القاطع بدوره إلى جزئين أحدهما كثير الألوان والنقوش يسمى بالبجاد أما الجزء الأخر فيسمى بالسناج وهو أقل ألوانا وزخرفة (Dickson, 1959). أيضا يتكون القاطع من خمسة قطع منسوجة ومخيطة بعضها البعض وهي مرتبة من الأعلى للأسفل على النحو التالي:
الكفة.
الغدير.
الباعج.
البقرة.
السفلة أو السفالة. يمتد طول القاطع ما بين 9 أمتار و12 مترا، ويرتفع فوق سطح الأرض مسافة تمتد بين مترين إلى مترين ونصف المتر (الصورة رقم 2).
يفرش بيت الشعر من الداخل بالبسط والزل. أما البسط ومفردها «بساط» فهي عبارة عن قطع من منسوجات السدو العادية ذات السماكة الرفيعة والمخيطة ببعضها البعض (الصورة رقم 3) لتغطية الرمل المكون لأرضية بيت الشعر. أما الزل ومفردها «زولية» فهي قطع متفاوتة الطول والعرض من منسوجات السدو ذات خيوط طويلة تشبه في نظام عقدها السجاد الفارسى إلى حد ما (الصورة رقم 4)، إلا أن عقدها تكون مفاوتة قليلا في الطول، ولا تظهر نقشوها بشكل واضح تماما بسبب تفاوت أطول تلك الخيوط. كذلك تقوم النساء بنسج قطع من السدو بعرض 65 سنتيمترا وطول 150 سنتيمترا لاستخدامها في صناعة المساند، كما تنسج قطعا أطول من ذلك لتستخدمها في صنع أو تغطية «الدواشك» ومفردها «دوشك» وهو الفراش أو المرتبة المحشوة بالقطن أو الصوف، والمستخدمة للنوم أو للجلوس (الصورة رقم 5). تصف الدواشك وعليها المساند بشكل حرف (U) في ربعة الرجال أمام الرواق داخل بيت الشعر لتشكل أهم عناصر تأثيث الربعة.
كذلك تقوم نساء البادية من خلال حرفة السدو بنسج وصناعة «المزاود» ( مفردها مزودة )، وهى أوعية خاصة كبعض حقائب اليد النسائية ولكن بحجم أكبر (الصورة رقم 6). تصنع تلك المزاود من قماش السدو حيث تكون خفيفة الوزن، ومتوسطة الحجم، وتزين حوافها بالخيوط الملونة والجدايل أوالأهداب (الكراكيش) لاستخدامها في حمل المأكل والمشرب الخفيفي الوزن، وبعض الحاجات الشخصية الضرورية. أما الحبوب، والأرز، والطحين، والسكر، فكانت تصنع لها أكياس أكبر، وبنفس النظام من قماش السدو تسمى «عدول»، ومفردها «عدل» (الصورة رقم 7). أما نقل الأمتعة على ظهور الجمال، والحمير فيتم بإستخدام أكياس أخرى شكلها أيضا يشبه الحقائب تسمى «الخروج» ومفردها «خرج» (الصورة رقم 8). تصنع الخروج أيضا من نسيج السدو وتكون على هيئة حقائب متدلية على جانبي

الدابة وتزين أطرافها «بالأهداب» أو «الكراكيش».
استخدم السدو أيضا في تجهيز، وتجميل ظهور الرواحل من إبل، وخيل، و حمير لاستخدمها فى المناسبات المختلفة كالترحال من منطقة لأخرى، أو عند السفر للتجارة، أو الحرب، أو حتى عند استعمال تلك الرواحل في الشئون اليومية العادية. استخدمت، أيضا، بعض قطع السدو أسفل سروج الخيل، وهوادج الجمال (الصورة رقم 9)، وبرادع الحمير لحماية ظهورها من التسلخات، ولتوفير أكبر قدر ممكن من الراحة لراكبها. كذلك نسجت قطعة خاصة على شكل كيس يسمى «شماله» لحماية ضرع الناقة من وليدها. تلف هذه القطعة حول ضرع الناقة، وتربط حول عجزها للحفاظ على بعض من حليب الناقة، واستخدامه ضمن مشروبات مالكها. أيضا، تجدل الناسجات مجموعة من خيوط السدو لتصنع منها حبلا سميكا يصنع منه عقالا لربط رجل البعير عند إناخته لمنعه من السير، والهرب بعيدا عن مالكه. ومن ذلك الحبل أيضا يصنع «الخطام» وهو الحبل الذي يجر من خلاله البعير. كذلك تحاك الأهداب أو الكراكيش لتزيين سرج الحصان، وربما أضيفت أيضا للجام لنفس الغرض.
من كل ما سلف نرى أن تعدد وتغلغل منسوجات السدو في حياة أهل البادية قد أدى بالفعل إلى ازدهارها، والحفاظ عليها. لذلك فإنه مما يجدر ذكره هنا أن فتيات البادية كن يبدأن فى تعلم حياكة السدو فى سن مبكرة، وما أن يكتمل نضجهن ويصل إلى سن الزواج حتى يكن ممن تمرسن على نسج السدو إستعدادا لتوفير إحتياجاتهن العائلية منه فى بيت الزوجية.

الطبيعة الطبوغرافية والمناخية
لبيئة الكويت الصحراوية
تقع دولة الكويت في شمال شرق الجزيرة العربية، وعلى ضفاف أقصى شمال شواطيء الخليج العربي. بذلك يكون موقع الكويت جغرافيا بين خطي عرض °28.45 و30.05° شمال خط الإستواء وبين خطي طول °46.30 و48.30° شرق خط جرينتش، وهو ما يسمى «بالإقليم الجغرافي الصحراوي». يحد أرض الكويت من جهتي الشمال والغرب الجمهورية العراقية، ومن جهة الجنوب تحدها المملكة العربية السعودية. تبلغ مساحة دولة الكويت نحو 17.818 ألف كيلو متر مربع.
من الناحية الطبوغرافية (التضاريس) فإن مجمل أراضي دولة الكويت تعتبر صحراوية. تغطي هذه الأرض سهول رملية منبسطة تتخللها بعض الوديان مثل «وادي الباطن» الذي يمتد مسافة 150 كيلو مترا على الحدود الكويتية العراقية، ليصل عرضه في بعض أجزائه إلى نحو 10 كيلومترات، ويبلغ أقصى عمق له نحو 57 مترا. كذلك يوجد في الكويت أرضان سهليتان أولاهما تقع في الناحية الغربية وهي «سهل الدبدبة» حيث تحتل تلك الأرض مساحة كبيرة من غرب وجنوب البلاد، وفي الشمال يقع «سهل الروضتين» وهو عبارة عن أرض منبسطة تنحدر نحو الشرق والشمال الشرقي. أما الأراضي المنخفضة الإرتفاع في الكويت فلا يزيد إرتفاعها عن 300 متر عن سطح البحر. هذه الأراضي المرتفعة نسبيا تقع في غرب الكويت وتنحدر تدريجيا جهة شرق البلاد. تتخلل صحراء الكويت بعض التلال التي يمكن أن يصل ارتفاع بعضها إلى ما لا يزيد عن 145 مترا فوق سطح البحر مثل تلال «جال الزور»، و«كراع المرو»، و«اللياح». أما في جنوب البلاد فتوجد بعض التلال المقببة كما في منطقتي «وارة» و«برقان».
نظرا لوقوع الكويت في «الإقليم الجغرافي الصحراوي»، فإن مناخ الكويت يسوده فصلان متميزان هما الصيف والشتاء، ويتخللهما فصلان قصيران نسبيا هما الخريف والربيع. ففي الصيف، يكون مناخ الكويت الصحراوي، بشكل عام، حار جاف تلهبه رياح السموم الشمالية المثيرة للغبار والعواصف الرملية. أما في فصل الشتاء فيكون الطقس قارس البرودة لاسيما خلال ساعات الليل. تتساقط خلال أيام الشتاء أمطار قليلة متفرقة، قد تزيد أحيانا لتخلف وراءها مستنقعات مائية «خباري» يستخدمها سكان البادية لبعض شرابهم واستعمالاتهم ولشرب حيواناتهم. يأتي بعد فصل الشتاء فصل ربيع قصير نسبيا يعتدل فيه الطقس بشكل عام وتكثر فيه النباتات الصحراوية التي تشكل مراعي جيدة لحيوانات سكان البادية الأليفة من أغنام، وماعز، وإبل، ونحوها. أما فصل الخريف فيأتي قصيرا نسبيا، وتتقلب فيه الأجواء، والرياح، ويثار فيه الغبار أيضا.
هذه الطبيعة الجغرافية، بما فرضته على بيئة الكويت الصحراوية من طبوغرافيا ومناخ متميزين، فرضت على سكان البادية من أبناء القبائل المختلفة الذين سكنوا ولازال بعضهم يسكن صحراء الكويت حياة امتازت بالخشونة وشظف العيش. ومما لاشك فيه أيضا، أنها أثرت، وبشكل مباشر على أسلوب حياتهم، وكيفية إدارة شئؤنهم الفردية، والأسرية، والقبلية لضمان سلامة، وأمن، وبقاء الجميع.

أثر البيئة الصحراوية على حرفة ومنتجات السدو
لقد أثرت بيئة الصحراء على حرفة ومنتجات السدو بشكل كبير وملحوظ على مستوى ممارسة الحرفة، وعلى مستوى الأدوات، والمواد المستخدمة فى هذه الحرفة، وعلى مستوى التنوع الشكلي، والوظيفي لمنتجات هذه الحرفة لتلائم البيئة الصحراوية، وطبيعة الحياة فيه.
وعليه، نجد أنه بسبب طبيعة الصحراء كمساحة جغرافية مكشوفة ذات مناخ حار جاف صيفا، وبارد قليل الأمطار شتاء، فإن حياة البدو، بشكل عام، اشتهرت بعدم الاستقرار، ودوام النزاع، والحروب على مصادر الماء، وأماكن العشب. لذلك فقد كان من غير المناسب، لسكان البادية أن يستقروا في مكان واحد، ويبنوا بيوتا ثابتة كما هو الحال عند أهل المدينة، لأن هذا يعني الحكم عليهم بالفقر الشديد، وربما الهلاك، والحكم على حلالهم من الأغنام، والماعز، والإبل، والخيل، وغيرها بالجوع، والعطش، ومن ثم الفناء. لذا فقد قسمت المسئوليات بين رجال ونساء البادية بشكل واضح ومحدد، فكان على الرجال الاشتغال بالدفاع عن القبيلة وأهلها، وممتلكاتها، والبحث المستمر عن موارد الماء، والغذاء لأناسها، وحيواناتها، ورعى الحلال (الأغنام، والماعز، والإبل)، والإهتمام بسلامة الجميع. أما نساء البادية فكانت مسئوليتهن مرتبطة بشكل كامل، ومباشر بالبيت من حيث تربية الأبناء، والاهتمام بتلبية احتياجات الزوج، والأبناء من مأكل، ومشرب، وملبس، وحياكة المنسوجات المطلوبة لبناء بيت الشعر وتأثيثه. لذا نجد أن حرفة السدو في الكويت كانت ولا زالت تعتبر حرفة نسائية لا دور للرجال فيها إلا من خلال توفير خاماتها الأولية من صوف، وشعر، ووبر.
تبدأ النساء بالتعرف، ثم التدرب على حرفة حياكة السدو في سن مبكرة قبل البلوغ، وذلك من خلال التدرج في المشاهدة أولا، ثم المساعدة في الوظائف البسيطة والأولية في حرفة السدو كفصل الأصواف حسب ألوانها الطبيعية، وربما تنظيفها من بعض الشوائب الواضحة التى يمكن أن تكون قد إلتصقت بها. بعد ذلك يقمن البنات بالتدرج فى عمليتي الغزل، والنسج مبتدئات بالنسج البسيط، ثم يتمرن فيما بعد على أنواع المنسوجات ذات الألوان المتعددة، والنقوش المختلفة والمتدرجة في التعقيد حتى يصلن للعمل على نقشة الشجرة التي تحاك في قلب منسوجة السدو.تعتبر نقشة الشجرة بحق أكثر نقوش السدو تنوعا، وتعقيدا، وإبداعا. لهذا، فإن من تتقنها من الناسجات يقال لها «ضفرة» أي الفائزة أو المتمكنة من نسج نقشة الشجرة.
إن تدريب الأمهات لبناتهن على ممارسة حرفة السدو بكل براعة و إتقان هو إعداد عملي لهؤلاء اليافعات لتحمل مسئوليات بيت الزوجية، وزيادة لفرص نجاح ذلك الزواج. ففقر بيئة الصحراء، وحاجة أهلها اللامحدودة للاقتصاد، والاعتماد على النفس فى توفير احتياجاتهم الضرورية كان يدفعهم دوما للابتكار، والإبداع فى سبل توفير الاحتياجات الفردية، والعائلية الضرورية مما تجود به طبيعة الصحراء القاحلة. من هنا يمكن أن تعتبر منسوجات السدو أحد أهم مظاهرالاقتصاد، والابتكار، والاعتماد على النفس في محاولة دائمة للتغلب على شظف العيش، ومحدودية الموارد، والخدمات، ومصادر الخبرات العلمية والعملية في الصحراء.
إن ممارسة حرفة السدو تعتبر مهمة نسائية عينية، أي أن على كل إمرأة بدوية بعينها تعلم وإجادة حرفة السدو بالقدر الوافي لتلبية احتياجات أسرتها. تنسج المرأة البدوية، في أغلب الأحيان، على نول السدو بشكل منفرد، أي دون الحاجة إلى مساعدة، ما لم يتعد طول المنسوجة، وعرضها المسافات المعتادة، وهي 150 سنتيمترا للطول، 60 سنتيمترا للعرض. أما إذا بلغ الطول والعرض ضعف ذلك فتلزم الحاجة إلى مساعدة، وإذا زاد طول المنسوجة بمقدار كبير فإن الحاجة تكون ماسة إلى مساعدتين مع الناسجة. تجلس الناسجة عند مقدمة النول (القاع) أو المطوى الأمامى، بينما تجلس المساعدة الأولى عند مؤخرة النول (الراس) أو المطوى الخلفي، وتقوم المساعدة الثانية، وهي غالبا ما تكون طفلة صغيرة، بالتحرك ذهابا، وإيابا بين الناسجة، والمساعدة الأولى، وبيدها كرة (وشيعة) خيط السداة وذلك لتسدية النول. هذه العملية تجعل من حياكة السدو فى بعض مراحلها جماعية فتقوي العلاقات الاجتماعية بين نساء القبيلة اللاتي يلقبن «هابات الريح» أي صاحبات «الفزعة والمعونة» بزيادة التعاون بينهن فى بيئة تجعل من التعاون أساس للحياة، والأمان، والإزدهار. بإنتهاء عملية التسدية يمكن للناسجة أن تبدأ عملية النسج بمفردها دون الحاجة للمساعدة، وفي هذا مثال جيد على أهمية التمرن، والتأهب لمزاولة العمل الفردي بإتقان، ومرونة، وكفاءة عالية. إن بيئة الصحراء تفرض على كل فرد من أهلها، وسكانها أن يكون معتمدا على نفسه، وإمكانياته فهي قوام الحياة الفردية، والأسرية، والقبلية، وأساس رخاء، وبقاء ذلك المجتمع.
ننتقل من أثر الصحراء على السدو كحرفة إلى أثرها على السدو كآلة نسج، وأدوات، وخامات فنلاحظ أن طبيعة حياة الصحراء، وقلة مواردها قد أثرت بشكل واضح على هذا الجانب من حرفة، ومنتجات السدو. إن حياة الصحراء المعروفة بكثرة التنقل، والترحال قد فرضت على نول السدو بساطة التصميم، وخفة الوزن، وسهولة الفك والتركيب، وقابلية النصب والعمل عليه في معظم الأماكن. ولو نظرنا إلى نول السدو التقليدي لوجدناه أفقي التركيب وشبه ملاصق للأرض (الصورة رقم 10).
يتكون نول السدو كما جاء فى كتاب ه. ر.ب.ديكسون H.R.P. Dickson (1969) «عرب الصحراء» (The Arab of the Desert) من «القاع» أو المطوى الأمامي، وهي عبارة عن عصاة إسطوانية تثبت خلف قطعتين من الأوتاد الخشبية، وقد يستعاض عنهما اليوم بأسياخ من الحديد كالتي تستعمل لتثبيت حبال الخيمة، أو بيت الشعر بالأرض على أن تكون المسافة بين الوتدين كافية لحياكة قطعة سدو بعرض مقداره من 60-70 سنتيمترا. تلف حول عصاة «القاع» جميع خيوط السدو الممتدة من ذلك الجزء الأمامي من النول وتشد الأطراف الثانية لتلك الخيوط على عصاة أخرى تقع في الطرف الخلفي من النول المسمى «الراس» أو المطوى الخلفي. يوضع حجران «مركبان» على جانبي النول بين القاع والراس على مسافة أكبر من مد ذراع الناسجة من ناحية قاع النول، وتوضع فوق المركبين إسطوانة خشبية ثالثة يقال لها النيرة. تستخدم النيرة في رفع خيوط السداة الفردية أو الزوجية المكونة لعرض منسوجة السدو المرغوب في حياكتها، وبذلك يتكون النفس الأول حيث تبدأ معه عصاة الميشع (المكوك) بنقل خيط اللحمة من الطرف الأيمن بالنول إلى الطرف الأيسر، ثم ترص خيوط اللحمة بواسطة المنشزة، ثم يشد عليها من خلال جذبها بالقرن المأخوذ من الغزال أو الماعز، أما الحفة، والقلادة فمكانهما قرب راس النول للمحافظة على فصل خيوط السداة الفردية عن الزوجية.
من أهم ما يميز نول السدو الأرضي التقليدي بساطة تصميمه، وتوفر مواد بنائه في البيئة الصحراوية المحيطة للمرأة البدوية، وسهولة نصبه للعمل عليه، أو رفعه والانتقال به عند الرحيل من مكان لآخر. بهذا نرى أن الصحراء قد فرضت نفسها، وتأثيرها مرة ثانية على السدو من جهة آلة الحياكة. أما الأدوات المساعدة للنول في عملية تجهيز خيوط السدو للغزل كالأمشاط، والمغازل، والتغزالة (ثلاثة عصى تربط على شكل هرم يوضع عليها الصوف تمهيدا لغزله) وقدر أو آنية تلوين الصوف فقد كانت بسيطة، ومتوفرة بشكل سهل عملية حياكة السدو وشجع العديد من نساء البادية على ممارستهن لهذه الحرفة دون إرهاق لميزانياتهن أو موارد أسرهن المادية.
عند دراسة المواد، والخامات المستخدمة في حياكة السدو نجد أن نساء البادية قد استفدن بكل براعة، وإبداع، وحس إقتصادي متميز مما كان موجودا في الصحراء من حيوانات، ونباتات. فمن الماعز أخذ الشعر لحياكة سقف بيت الشعر، ومن صوف الأغنام، ووبر الجمال حيكت بقية منسوجات السدو. ومما جبلت عليه العادة في السدو أن لا يلون إلا الصوف الأبيض، أما الأصواف من بقية الألوان فكانت تستعمل بألوانها الطبيعية. ثم استخدم في وقت متأخر من القرن الماضي خيوط القطن البيضاء عند حياكة السدو لما لتلك الخيوط من بياض واضح يستفاد منه في إظهار جمال تفاصيل زخارف نقشة الشجرة، لاسيما إذا كانت منسوجة بالصوف أو الشعر الأسود.
أما بالنسبة لصباغة، وتلوين السدو فقد استخدمت في البداية الأصباغ الطبيعية المأخوذة من نبات الفوه، وأراق السدر، والحناء، وقشور الرمان، وخيوط الزعفران، ثم تثبت تلك الصبغات باستخدام الشبة أو الخل. فيما بعد، إستخدمت نساء البادية الأصباغ الكيميائية بعد نزولها إلى أسواق المدينة، إلا أن تلك الأصباغ على الرغم من توفرها بأسعار مناسبة، وسهولة إستخدامها فقد كانت غير ثابتة. من الألوان التى أحبها ويحبها أهل البادية الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأزرق، والعنابي، والأخضر لأنها كانت تضفى على محدودية الألوان المتاحة في الصحراء الحياة، والتنوع، والتشويق. كذلك فإن نساء البادية كن يتفنن فى تلوين خيوط نسج القاطع الذي يفصل بين ربعة الرجال، وشق النساء أو الحريم، وينوعن فى تلوين البسط والزل، والمساند، وقطع تزين الرواحل، وقطع التخزين، والتحميل لإظهار مهاراتهن فى الحياكة، وقدرتهن على تجميل بيوتهن، وللتباهى أمام أفراد القبيلة والضيوف بمهاراتهن في الحياكة، والتصميم.
و أخيرا ، فقد كان للصحراء أثر بالغ الأهمية على التنوع الشكلى (Form) والوظيفي (Function) لمنتجات السدو لتتلاءم مع متطلبات الحياة في بيئة الصحراء القاحلة الصعبة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمتاز كافة قطع السدو المستخدمة في تغطية الأرض كالبسط، والزل بجمال شكلها الذي تزينه خيوط وزخارف السدو الملونة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه القطع تعتبر قمة في الأداء الوظيفي فهي ذات قدرة جيدة على العزل الحراري لتقليل التأثر بارتفاع أو انخفاض حرارة أرض أو جو الصحراء الحار صيفا، والقارس شتاء من الإضرار بأجسام سكان البادية. كذلك فإن أكياس التخزين كالمزاود، والعدول، وأكياس التحميل كالخروج تعتبر من علامات الجمال المميزة عند العائلة البدوية خاصة عندما تزين تلك القطع بالأهداب أوالكراكيش المختلفة في أطرافها السفلية أو الجوانب. إن تلك الحقائب بألوانها الزاهية تجذب الأنظار، وتعمل الفكر في بساطة تصاميمها، وعلو قيمتها الوظيفية. فأكياس العدول المعلقة تحفظ للبدوي مواد غذائه من أرز، وسكر، وحبوب من عبث الأطفال، وتلف البهائم. أما المزاود فتستعمل لتخزين الملابس وأدوات الزينة والأمتعة الشخصية، وكذلك تخدم الخروج صاحبها حيث تسهل عليه عملية تحميل الدواب والبهائم أغراضه الشخصية، والعائلية متى ما دعت الضرورة للرحيل دون أن تشكل أيا من تلك القطع عبئا كبيرا من حيث وزنها، أو طريقة استعمالها، أو حتى صيانتها إذا ما تعرضت للتلف.
أما عند الحديث عن بيت الشعر كمنتج آخر للسدو أثرت في تشكيله الصحراء، فإنه يعتبر قمة في الإبداع البدوي من حيث التصميم، ومن حيث التميز الشكلي، والأداء الوظيفى، والبناء المعماري. فقد إستطاع إبداع المرأة البدوية أن يحسن إختيارالمواد الأولية لصناعة بيت الشعر، وهو شعر الماعز المقاوم للأمطار، وحرارة شمس الصحراء، كما أحسنت فطرتهن فى ربط مميزات الخامات المتوفرة للسدو بشكل فعال مع طبيعة المناخ الحار، وبيئة الصحراء الجرداء القاحلة، وطبيعة الحياة الصحراوية القائمة على كثرة التنقل والإرتحال.
كتب مود دي ششوينزي في مجلة «إكسبيديشن» في عدد الربيع لعام 1968م مقالة عن بيت الشعر كمثال ممتاز لمنزل عملي ومتنقل تماما، حيث ذكر أن الخيمة البدوية (بيت الشعر) هي منزل عملي، ومتنقل تماما، توجد فيه جميع العناصر الأساسية للهندسة المعمارية الدائمة. فالسقف مدعم بالأعمدة الخشبية الرفيعة في زواياه الأربعة، وعلى مسافات محددة على طول جوانبه وصولا حتى المركز، كما أن له ستائر تعمل كجدران غير محملة. هذه الستائر، أو الجدران لديها خاصية مميزة كونها قابلة للإزالة تماما عند الرغبة في ذلك، أو عند الحاجة بسبب تغيرات الطقس الصحراوي. يتكون السقف من غطاء من الشرائط السوداء الخفيفة المنسوجة من شعر الماعز، والمخيط معا للوصول إلى الطول المطلوب، والعرض المناسب لمساحة السقف. الجدران، مصنوعة بنفس الطريقة ومعلقة على أعمدة رفع السقف من جوانبه الأربعة. غالبا ما تكون الجدران مصنوعة من نفس النسيج. وعلي الرغم من أن الجدران أو الستائر كبيرة في حجمها إلا أنه يمكن رفعها أو خفضها بسهولة، وفي وقت قصير، اعتمادا على مستوى الحاجة للحفاظ على داخل البيت من حرارة الشمس أوالرياح والغبار، وأحيانا المطر، أو للخصوصية.
و مما ذكره ششوينزي في مقالته أن بيت الشعر هو خيمة بسيطة جدا في التصميم، وغالبا ما تنقسم إلى جزئين أو ثلاثة. يستخدم القسم الرئيسي من بيت الشعر كربعة لاستقبال الرجال وللترفيه عن الزوار، والضيوف. أما الجزء الآخر فهو شق النساء أو مكان الحريم، الذي له جدران من الستائر التي قليلا ما تفتح، وعادة ما يتم فصل هذا الجزء عن ربعة الرجال بواسطة ستارة (قاطع) مكونة من أربعة أو خمسة أشرطة منسوجة ومخيطة مع بعضها البعض بإحكام ولها تصميم هندسي زاهي الألوان. غالبا ما يرتفع هذا القاطع إلى ما دون سقف بيت الشعر لكي يحمي شق الحريم من نظر الضيوف الداخلين لربعة الرجال. وهكذا فإن شق النساء يتم تشكيله لكي يستخدم في الأعمال المنزلية، والنوم، ويكون المكان الذي تجلس فيه النساء، والأطفال في حالة وصول الضيوف أو الزوار من الرجال.

الواقع الحالي ومستقبل حرفة ومنتجات السدو في الكويت
مما لا شك فيه أن ممارسة حرفة السدو في الكويت قد انحسرت إلى مستوى منخفض في السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من الاهتمام الفعلي، والعملي منذ عام 1979م لجمعية السدو، ومن بعدها للجمعية التعاونية الحرفية للسدو حتى وقتنا الحالي، إلا أن أعداد الناسجات المتمرسات في تناقص ملحوظ. من أهم أسباب تراجع الإقبال على هذه الحرفة اليدوية التقليدية التراثية الهامة ما يلي:
انتقال سكان البادية للعيش في المدن والضواحي الكويتية المختلفة وهجران حياة البادية. هذا الابتعاد الطبيعي عن بيئة الصحراء والعيش في البيئة الحضرية أفقد حرفة السدو ومنتجاتها أهميتهما، وموقعهما التقليدي في حياة أبناء القبائل البدوية. إذ لم تعد الحاجة ماسة وملحة مثل ذي قبل لبناء بيت الشعر، وتجهيزه بمختلف عناصر التأثيث الضرورية.
تدني الحاجة لمنتجات السدو التقليدية، وعناصر التأثيث المنزلي التي تدخل فيها منسوجات السدو بسبب تغير الذوق العام لسكان البادية ممن سكنوا المناطق الحضرية. فقد استبدلت بيوت الشعر بمباني خرسانية، واستبدل الأثاث المصنوع من منسوجات السدو التقليدية بعناصر التأثيث الحديثة الجذابة، والمريحة. واقتصر استخدام بيوت الشعر وعناصر التأثيث التقليدية له على مواسم التخييم في الصحراء في أيام الشتاء والربيع التي تمتد فترتها الرسمية من شهر نوفمبر حتى شهر أبريل من كل عام. كذلك اتجه البعض لاستخدام هذه المنتجات التقليدية في تشييد الديوانيات التي يجتمع فيها الرجال للتواصل الاجتماعي وللسمر.
انصراف بنات القبائل البدوية ممن سكنن المناطق الحضرية إلى تحصيل العلم، وطلب العمل في المؤسسات الحكومية، والخاصة، والأهلية المختلفة، والاستمتاع برفاهية العيش في المدن والضواحي. هذا الانصراف أضعف الاهتمام بتعليم وممارسة حرفة السدو، وأدى بعد ذلك لتقلص منتجات السدو المختلفة، وتدني جودة ما ينفذ منها بشكل عام.
دخول منسوجات السدو المصنعة ميكانيكيا والمستوردة من خارج دولة الكويت خط المنافسة مع منسوجات السدو التقليدية بسبب انخفاض أسعارها، وثبات ألوانها، وتنوع نقوشها، ونعومة ملمسها.
من هنا يمكن القول أن مستقبل حرفة ومنتجات السدو التقليدية في الكويت مهدد بالانقراض مثل العديد من الحرف اليدوية التقليدية التي أصبحت في خبر كان، ما لم تزدد وتتضافر الجهود الرسمية والأهلية لتطوير ودعم هذه الحرفة التراثية، ومنتجاتها التقليدية. إن الجهود الحالية المبذولة من قبل الجمعية التعاونية الحرفية للسدو هي جهود تطوعية محدودة تشكر القائمات عليها، إلا أنه مالم تستحدث مجموعة جديدة من البرامج التدريسية والتدريبية المكثفة، والمتنوعة، والعملية، وتوفير الحوافز الضرورية لحماية ولضمان استمرارية انتقال علوم ومهارات هذه الحرفة من جيل لآخر، فلا يتوقع لهذه الحرفة البقاء، ولا يؤمن على منتجاتها من الانقراض أسوة بالحرف اليدوية التي انقرضت ومنتجاتها التي اندثرت واختفت حياة الناس ومن التأثير الواضح على اقتصاد الكويت.
الخاتمة
خلصت نتائج هذه الدراسة في الإجابة على أسئلة البحث، إلى أن كلا من البيئة الصحراوية والثقافة البدوية السائدة كان لهما في الأصل دور كبير ومؤثر في صياغة كل من حرفة، ومنتجات السدو. إلا أنه بعد تحول البدو للعيشة في البيئة الحضرية فقد تغيرت طبيعة، ونوعية الحاجة لمنتجات السدو المختلفة. كذلك، فإن ممارسة حياكة السدو كحرفة تقليدية قد تراجع إلى مستوى غير مسبوق على أثر تراجع الحاجة لمنتجاتها بسبب السكن في بيوت عصرية، واستخدام عناصر التأثيث الحديثة.
إن السدو بما يحمله من قيم فنية، ووظيفية عالية الأهمية، وعلى الرغم من بساطته فإنه يعتبر أحد الشواهد الواضحة على ارتباط الإنسان الكويتى البدوى ببيئة الصحراوية، وأثر تلك البيئة عليه. فحياة أهل البادية في الصحراء كانت مفعمة بالتفاعل الإيجابى الذى أثمر تراثا وطنيا رائعا. هذا التراث تنوع في أشكاله، ووظائفه، ومدلولاته. فحياة الصحراء القاحلة فرضت على نساء البدو الإبداع في الاستفادة، والتعامل مع الخامات المتوفر محليا سواء على مستوي التشكيل الوظيفى، أو الفنى لمنسوجات السدو، وذلك لسد احتياجات أسرية ضرورية بشكل جمالي راق خفف من حدة جمود الصحراء وشحوبها. وهكذا نرى من خلال السدو صورة أخرى واقعية من صور التفاعل والتكامل بين الإنسان وبيئته التي يعيش فيها بشكل فنى، وعملي راقيين.