اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

«الفولكلور» والتحولات عبر الزمن
في سبعينيات القرن الثامن عشر، قدم الفيلسوف الألماني يوهان جوتفريد هردر (Johann Gottfried Herder) طريقة جديدة للنظر إلى م...

في مبادرة لحفظ تراث البحرين الموسيقي الموسيقار البحريني مبارك نجم يطلق ألبوم «ألحان بحرينية أوركسترالية»
أطلق الموسيقار البحريني، وقائد فرقة الشرطة الموسيقية الدكتور مبارك نجم، ألبومه الموسيقي «ألحان بحرينية أوركسترالية...

الصقارة
أي تجانسٍ هذا الذي يتحكم في علاقة الإنسان بطائرٍ جارح، في صداقةٍ استثنائية بين الصقر والصقّار، وفي تفاعلهما وثقتهما معاً...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
التركيب العاملي في الحكاية الشعبية حكاية «عزة ومعيزيزة» نموذجا
العدد 41 - أدب شعبي

د. سعيد بوعيطة - كاتب من المغرب

 

على الرغم من تعدد التفسيرات والأبحاث التي تحاول رصد أصول الحكاية الشعبية، فإن حقيقة هذه الأخيرة (بحكم كونها شعبية) لا يمكنها أن تستوطن فضاءات التاريخ والجغرافيا. وإنما تستوطن اللازمان واللا مكان . لكونها وليدة تجربة كونية تصاغ وفق تصورات وقوانين تختلف عن تصورات وقواعد العالم الواقعي. إنها خطاب مشترك بين الشعوب بمختلف مستوياتها الاجتماعية: من الأمير إلى الإنسان العامي الفقير. إنها تمثل لقاء الماضي بالحاضر. تربط الإنسان بماضيه وجذوره في الأزل. وليس في التاريخ فحسب. وبهذا فالحكاية الشعبية تستوطن الذهن البشري ولا وعيه الجمعي. لأنها تعبر عن روح الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه أو أي انتماء ينمط الإنسان بشكل من الأشكال. وبهذا فهي تنتسب للزمن (للحياة برمتها). لأنها تعبير عن المشترك الذهني والمكون النفسي للإنسانية ولا يمكن أن تسكن إلا في رحم الزمن. وهذا الأخير ولود. ولذلك ستظل الحكايات تتوالد وتتناسل، أو تتوالد من تلقاء التجربة وصراع الإنسان مع شرطه الإنساني أو اللاإنساني في غالب الأحيان.
إن للحيوانات خاصة وباقي الكائنات، صلة وطيدة بالحكاية الشعبية باعتبارها الركيزة الأساسية عند الإنسان منذ القدم. حيث أصبح يطلق العنان لإبداعاته من أجل التعبير عن واقعه المعاش. فتميزت هذه الإبداعات بنوع من الهزل والسخرية وباستبدال الإنسان بالحيوان عند نسجه لهذه الحكايات الشعبية. كما هو شأن حكاية لونجة والغول والغولة وحكاية عزة ومعزوزة (معيزيزة) (في المغرب والجزائر) وغيرها من الحكايات. بحيث تجمع هذه الحكايات بين المرح والهزل من جهة وبين الموعظة من جهة أخرى. وبهذا فإن الحكاية الشعبية تتميز ببعدها الإنساني / الكوني. إذ نجد الحكاية نفسها عند شعوب مختلفة. على الرغم من بعض الفوارق البسيطة في بناء الشخصيات (الحيوانات) وتسمياتهم والأحداث. هذا البعد الكوني للحكاية الشعبية، جعلها تشترك في مجموعة من الخصائص سواء على مستوى البناء أو المضمون. ولعل هذا التقاطع، هو الذي شكل المنطلق الأساسي للكتاب الهام(v. Propp / لفلاديمير بروب) - «مورفولوجيا الحكاية» الصادر سنة 1928. فقد شكل هذا الكتاب تحولا حاسما في حقل دراسة وتأويل التقليد الشفهي بحكم حدوسه التنبؤية وجدارته الإستحقاقية الهائلة كما يقول ليفي شتراوس(1). باعتباره أول مؤلف نسقي في هذا المجال. وعلى الرغم من كون بروب قد بنى تصوراته المعرفية والمنهجية انطلاقا من موضوع مخصوص يتعلق بالحكاية الشعبية العجيبة الروسية، فإن الدراسات التي جاءت بعده قد عممت وعدلت منهجه وتصوراته المعرفية (ليفي شتراوس، غريماس، الخ...). لقد سعى بروب من خلال كتابه، إلى الكشف عن خاصيات الحكاية باعتبارها جنسا أدبيا. كما بحث في الأشكال والقوانين التي تتحكم في بنيتها. لهذا فهو يعمل على استبدال الرؤيا التكوينية بوجهة نظر بنيوية . لقد كان طموح بروب، الكشف عن مجموعة العناصر المشتركة المشكلة للمتن الذي تناوله (الحكايات العجيبة).بحيث عمل على عزل العناصر الدائمة والثابتة التي لا تشكل وفق تصوره، سوى تنويعات لبنية واحدة. ولهذا السبب، رفض بروب التصنيفات التي تستند إلى المواضيع والمضامين. كما تجاوز تلك المقاربة التاريخية التي تبحث في الجذور التاريخية لتلك الحكايات. لكون هذه المقاربة الخارجية، لا يمكن أن تكون نموذجا علميا يقوم بتحديد خصائص الحكاية. لذا يرى بضرورة تحديد الخصائص الشكلية لأن «التحليل البنيوي لكل مظهر من مظاهر الفولكلور هو الشرط الضروري لدراسة مظاهره التاريخية، ودراسة القواعد الشكلية هي المدخل لدراسة القواعد التاريخية»(2). يستند هذا التصنيف إلى قواعد علمية وليس اعتباطية. من خلال هذا التصور، عمل بروب على البحث عن عناصر أخرى (على مستوى آخر، هو مستوى الوظائف. وليس مستوى الشخصيات. وبهذا يمكن طـرح إمكانات توليدية جديدة. وبهذا فالتحليل الشكلي، يمكننا من الوصول إلى شيء آخر، يمكن تحديده في الشكل الأصلي للحكاية)(3). ومن أجل تحديد مجموعة من القواعد التي شكلت نموذجا عاما للتصور البروبي، انطلق هذا الأخير من مجموعة من الفرضيات. نحددها كالتالي :
كون العناصر الثابتة داخل هذه الحكايات، تكمن في وظائف هذه الشخصيات. والوظيفة حسب بروب ( فعل تقوم به شخصية معينة ، من زاوية دلالته داخل البناء العام للحكاية)(4). بمعنى أن الوظائف هي الخالقة للشخصيات وليس العكس.
حدد بروب عدد الوظائف داخل الحكاية في واحد وثلاثين وظيفة. ثم اختزالها فيما بعد إلى عدد أقل. لكن هذا لا يعني أن كل حكاية تتضمن هذه الوظائف كلها. فقد تصل إلى هذا العدد.وقد تكون أقل من ذلك. والجدير بالذكر أن تتابع الأحداث له قوانينه ومنطقه الخاص على حد تعبير كلود بريموند(5). لأن السرد الأدبي يملك قوانين متشابهة. لكن بروب، ينظر إلى المعطى الحكائي من خلال التجلي السطحي فقط . ويعتبر هذا التجلي حقيقة نصية خالصة . فما يقع على السطح (حسب بروب) هو وحده القابل للتصنيف والنمذجة على الرغم من تنوع المتن و تعدده . وهذا الذي سيبني عليه ليفي شتراوس وجريماس فيما بعد تصوراتهما المعرفية. يشير جريماس إلى أهمية التصور البروبي قائلا: ( إن قيمة النموذج البروبي لا تكمن في عمق التحاليل التي تسنده ولا دقة صياغته. وإنما تكمن في قدرته على الاستفزاز، وطاقته على إثارة الفرضيات: ذلك أن تجاوز خصوصية الحكاية العجيبة في كل الاتجاهات هو الذي طبع مسيرة السيميائية السردية منذ بداياتها)(6). هذا ما جعل جريماس يعمل على بناء تصور تحليلي خاص على أنقاض التصور البروبي. يقوم على النموذج العاملي في مقاربة النصوص السردية.

الدراســــة
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل نص حكائي شعبي. وذلك لمحاولة الاقتراب من المسار العام الذي يتخذه المعنى. لأن أثر المعنى الذي يمكن للمتلقي أن يبني عناصره، ينتج على مسار توليدي تشتغل داخله كل العناصر المكونة للنص (الخطاب، الشخصيات، الفضاء، ...). إلا أننا لن نقوم بتحليل كل مكونات النص . بمعنى أن هذه المقاربة لن تعتمد مجموعة من المستويات لتحليل كل المكونات. لكن ستهتم بالخصوص بتحليل المستوى العمودي. وذلك من خلال التركيز على التركيب العاملي الذي يتضمن عناصر البنية العاملية والأفعال التي تنجزها. حيث تنتج عنها مجموعة من التحولات والحالات التي تكون في تواليها، منظومة قادرة على كشف العلاقات بين عناصر البنية العاملية. لأن العلاقة بين العامل / الذات والمساعد والمعيق تبين شكل نمو البرنامج السردي الذي يسعى العامل / الذات إلى تحققه وموقف العوامل التي تحاول إفشال أو إنجاح البرنامج. تمكن هذه العلاقات من إبراز الوظيفة الدلالية للبنية العاملية على مستوى النص. أما النص الحكائي الذي سنعمل على مقاربته هو نص الحكاية الشعبية ـ«معزة ومعيزيزة» (حسب الرواية المغربية) .
وإذا كان لا يخفى على الباحث في حقل التراث الشعبي العربي، أن المناهج الدراسية في التراث الشعبي عامة والأدب الشعبي خاصة في عالمنا العربي لا تزال في بدايتها الأولى، فإن محاولة استلهام المقاربة السيميائية في هذا المبحث، يكشف عن أهمية هذا المنهج وتطويعه من أجل بناء منهج يقارب الحقل الإنتاجي الشفهي من جهة. ولفت الانتباه إلى العناية بالمحكي الشفهي العربي والعالمي وإعطائه المكانة التي يستحقها وسط الأجناس الأدبية الأخرى من جهة ثانية .
1 - تأطير نص حكاية «معزة ومعيزيزة»:
تروي هذه الحكاية «أن عنزة قبل أن تخرج للبحث عن الكلإ والماء ودر الحليب لصغارها، تقوم بتحذيرهم من فتح الباب لأي كان إلا لها. لكن الذئب سمع أهزوجتها المحذرة. فاحتال على صغارها مدعيا أنه أمهم الحقيقية. وعندما فتحوا الباب التهمهم باستثناء أصغرهم. لأنه اختبأ إلى أن جاءت العنزة (الأم). فأطلعها على جلية الأمر. وكان أن قصدت الذئب فصارعته بقوة وبقرت بطنه. فخرج صغارها وهم يصارعون الموت . ثم حذرتهم مجددا من الثقة في أي كان. وعاشوا جميعا في هناء». تجدر الإشارة إلى أن أغلب الحكايات الشعبية «شأن نص حكاية معزة ومعيزيزة»، تتميز ببعدها العالمي (الإنساني). بحيث تشكل جزءا من الذاكرة الشعبية لأغلب الشعوب. تروى بصيغ وأساليب سردية مختلفة من بلد لآخر. سواء فيما يتعلق بأسماء ونوع شخصياتها (الحيوانات)، أو المسافة النصية للحكاية . وذلك من حيث الطول أو القصر وبناء الأحداث. إن حكاية«عزة ومعيزيزة» حاضرة في مجموعة من البلدان: المغرب، الجزائر، تونس، فلسطين، العراق وفرنسا. لكن على الرغم من اختلاف طرق سردها، فإنها تجعل بطليها الرئيسيين منحصرين في العنزة و الذئب أو غيرهما من الحيوانات. بحيث تتميز بمواصفات متضادة : العنزة (كادحة، مسالمة، شديدة الحذر، حكيمة، ...الخ)، الذئب (كسول، محتال، معتد، متهور ...الخ). بل إن عناوين الروايات المتعددة للحكاية، لا تخرج عن الإشارة إليها إلا نادرا. كما أن هذه الروايات تتحد في تحميل صغار العنزة (شخصية الضحية) تحقق الاحتيال من طرف الذئب. بينما يمثل الذئب فيها الشخصية المعتدية. وإن كان الغول في الرواية الفلسطينية، والغولة في الرواية العراقية هما اللذان يضطلعان بمهمة هذه الشخصية وليس الذئب. ففي الرواية المغربية والجزائرية، يلتهم الذئب معزة ومعيزيزة دون خنفسة الرماد وبلعوان. فقد اختبأت الأولى في الرماد والثاني تستر بين الأعواد . وفي الرواية التونسية، أكل الغول كل أولاد العنزة. وفي الرواية الفلسطينية، يلتهم الغول حمحم ومعمع وحماحم. ولم يفلت إلا سعسع الذي اختفى تحت القش. وفي الرواية العراقية تبلع الغولة جنجل ورباب دون مضغهما استجابة لرغبتهما. أما في الرواية الفرنسية، فإن الذئب لا يتمكن من أكل الجديان أو خطفهما. لكونه اشتغل بأكل المجبنة داخل المعجن أولا. فأغلق عليه الصغار الغطاء ومنعوه من الخروج إليهم. وغالبا ما يتمكن الناجون من إبلاغ الأم بحقيقة ما وقع. علما بأن المعتدي يتوسل لفتح الباب بالحيلة (الشفرة المزيفة). إذ ينتحل شخصية الأم بتقليد صوتها. وقد يصطنع قرونا من الطين كما في بعض الروايات. أو يطلي رجليه بالدقيق وغيره ليزيل لونه الأسود. فيصير في لون رجل الأم في بعضها الآخر. كل ذلك ليوهم الصغار أنه أمهم الحقيقية فيندفعوا لفتح الباب. وباستثناء الروايتين التونسية والفلسطينية، فإن باقي الروايات المقارنة هنا تثبت التحذير الذي تلقيه العنزة على صغارها في شكل وصية مصيرية يجب العمل بها وذلك قبل انصرافها إلى التزود بالماء و الكلإ و الحليب لجلبها إلى صغارها. ما عدا الرواية الفرنسية التي تغادر العنزة صغارها قصد إشفاء أرجلها . بيد أن جميع هذه الروايات دون استثناء، تشترك في توظيف شفرة معينة. لكن مع اختلاف بسيط في صيغها ، وتلك هي الشفرة المتفق عليها بين الأم وصغارها لفتح الباب. إن هذا التماثل في كل هذه الروايات المقارنة لحكاية«معزة ومعيزيزة»، يبلغ أقصى مداه على مستوى المظهر التركيبي. إذ على الرغم من ذلك الاختلاف في طرق سردها، فأنها تتمفصل عبر ثلاث بنيات صغرى (بنية التحذير، بنية الاحتيال، بنية الانتقام). ولا تحيد عن إحداهما إلا نادرا.

تقطيع النص الحكائي
سنقوم بخطوة إجرائية أولى تهدف إلى تحديد المقاطع التي يتمفصل وفقها هذا النص الحكائي. لكون عملية التقطيع على المستوى المنهجي، أساسية. لأنها تمكننا من تحديده إطاره العام أثناء التحليل. بحيث نستطيع تحديد مكونات النص الحكائي من خلال مجموعة من المقاطع المختلفة. ولا نقوم بتصميمات أو نفترض وجود بعض المكونات بشكل مسبق. ثم نختار بعض العلاقات بين الشخصيات (الحيوانات) لتبيان صحة هذه الافتراضات. غير أن تقطيع النص ليس عملية بسيطة(7)، بل تعتمد معيارا معينا يكون ملائما. سننطلق من التحديد النظري الذي اقترحه جريماس لمفهوم المقطع حيث اعتبر أن «كل مقطع حكائي قادر على أن يكون لوحده حكاية مستقلة وأن تكون له غايته الخاصة به . لكن يمكن أن يدرج ضمن حكاية أعم وأن يؤدي وظيفة خاصة»(8). يعطي هذا التعريف للمقطع إمكانية الاستقلالية والاندماج في الوقت نفسه. بحيث يمكن أن يكون وحدة مستقلة بذاتها ، كما يمكن أن يندمج ضمن نص حكائي ليشكل وحدة تؤدي إلى تكامل النص. بناء على هذا التحديد، سنقوم بتقطيع هذا النص الحكائي وفق معيار دلالي وذلك من خلال مجموعة من البنى .
1 ــ المقطع الأول «بنية التحذير»:
توصي العنزة صغارها صراحة أو ضمنا بعدم فتح الباب إلا لها بواسطة الشفرة السرية. بعد الاتفاق على هذه الشفرة السرية، تخرج العنزة لجلب الماء والكلإ و الحليب لهم . إن الاتفاق هنا مشترك على احترام الوصية بين الأم و الأبناء .
2 ــ المقطع الثاني «بنية الاحتيال»:
يحتال المعتدي لأكل كل الضحايا أو بعضهم بانتحال شخصية الأم . مقلدا صوتها في ترديد شفرة مزيفة . وقد لون رجليه بلون رجل الأم . حتى يتأكد الصغار من رؤيتها من خلال شق الباب أنه الأم الحقيقية. فيفتحوا الباب ليلاقوا مصيرهم المحتوم .وهنا أيضا الاتفاق وارد على إجازة الحيلة بين المعتدي والضحايا: الأول بالفعل والآخرون بالاستجابة .
3 ــ المقطع الثالث ( بنية الانتقام ):
تتكون من الصراع المميت الذي قام بين الذئب المعتدي و الأم المنتقمة. يغذيه غضب الثانية الشديد. وتشفي الأول واغتراره بقوته. ينتهي الصراع ببقر بطنه وقتله. مع ملاحظة أن عناصر موت المعتدي مشتركة بينه وبين العنزة المنتقمة أيضا.
إن كل بنية من هذه البنى المتتابعة سياقيا في متتالية جدلية، ترتبط بوظائف معينة: الأولى بالمنع (الناتج عن الخوف على الأبناء)، وبخروج العنزة من البيت (بسبب معاناة النقص في المؤونة)، الثانية بتلقي المعتدي (الذئب) خبرا عن ضحاياه، وحصوله على شفرة مزيفة، ثم خداعه الضحايا المستجيبين للخدعة، فأكله لهم أو لبعضهم. والثالثة بانتصار البطلة (الأم / العنزة) وانهزام المعتدي (الذئب)، مع إصلاح الإساءة في معظم الروايات حيث ينزل الضحايا سالمين من بطن المعتدي المبقور .

البنيات السيميائية للنص الحكائي
لقد ركز جريماس اهتمامه في تناول النصوص السردية على بنيتها العاملية باعتبارها سلسلة من الحالات Etats والتحولات transformations. مما جعله يقر بأن السردية Narrativité تحضر في كل الأنساق الدالة. بحيث ترتبط الحالات بالكينونة. أما التحولات، فترتبط بالفعل والظهور. يركز جريماس في هذا الإطار على مستويين رئيسيين هما: المكون السردي السطحي، والمكون السردي العميق(9).
1 ــ المكون السردي السطحي :
إن الانتقال من البنية الخطابية المتجلية خطابيا إلى ما بين المحايثة و التجلي . يتطلب إجراء يحدد هذا التمفصل بين الخطابي و السردي . يمر هذا الإجراء عبر الدورين المختلفين اللذين يلعبهما الممثل . وهما : الدور العاملي (بوصفه عاملا على المستوى السردي السطحي). والدور الثيماتي في علاقته بالبنية الخطابية. ففي الأولى ينظر إليه بوصفه عاملا. وفي الثانية، ينظر إليه باعتباره ممثلا. مما يفرض وجود ملفوظين مختلفين: ملفوظ حالة Enoncé d’état. يقوم هذا الأخير بتحديد العلاقة بين الذات Sujet والموضوع Objet. ونرمز له بـ : ذ-م. وملفوظ الفعل Enoncé de faire. ترتبط هذه الأخيرة بالتحول في العلاقة، إما اتصالا أو انفصالا . لكن ذلك يستوجب ملفوظين للحالة:
أ - ملفوظ حالة اتصال Conjunction:
يكون العامل الذات متصلا بالعامل الموضوع. يرمز لهذه العلاقة في أغلب الدراسات بما يلي: يرمز للاتصال برمز: «∩» حيث نجد العلاقة التالية:«ع - ذ ∩ ع - م». وتعرف هذا العلاقات نوعا من التحول. سواء بتحوله من حالة انفصال إلى حالة اتصال أو العكس (من الاتصال إلى الانفصال).
يعتبر نص حكاية «معزة ومعيزيزة»، حكاية الشخصية ( الحيوان) بامتياز. لأن ما يحكم بنيتها الحكائية أساسا هو العلاقات بين الشخصيات (الحيوانات). فقد ركز هذا النص الحكائي الشعبي في محوره العام حول الصراع من أجل البقاء. وموقع كل شخصية من شخصيات الحكاية داخل هذا الصراع . مما جعل الحكاية تعرف نوعا من التحول العلائقي بين الشخصيات. فقد بدأت من علاقة مهادنة بين العنزة وشخصية الذئب.
شخصية الذئب«∩»شخصية العنزة + شخصية أبناء العنزة.
لكن هذه العلاقة سرعان ما ستعرف تحولا من الاتصال إلى الانفصال نظرا للصراع القائم بين الشخصيات حول موضوع القيمة (أبناء العنزة).
ب - ملفوظ حالة انفصال disjunction:
حيث يكون العامل الذات منفصلا عن العامل الموضوع . ويرمز لحالة الانفصال بالتالي : «U» حيث نرمز لهذا الانفصال بالترسيمة التالية:« ع . ذ U ع .م».
لكن تهيمن حالات الانفصال في نص «عزة معيزيزة» بين العامل الذات (شخصية الذئب) وباقي العوامل الأخرى (العنزة، أبناء العنزة). وتحكمها العلاقة الانفصالية إلى حد الصراع . بحيث يتم الانتقال من حالة اتصال إلى حالة انفصال تام. والتي يرمز لها بما يلي:
«شخصية الذئب + باقي الحيوانات المفترسة U العنزة + أبناء العنزة» .
هذا التحول العلائقي، سيجعل شخصية العنزة تعيش إحساسا بالخطر . وسيتسع هذا الأخير، كلما اتسعت رقعة أحداث ووقائع الحكاية. يتسع لدى شخصية العنزة الإحساس بالفقد: فقد الأبناء، فقد الأمن. فتتسع رقعة حالة الانفصال، حتى تقتصر العلاقة التواصلية على شخصيتين هما: شخصية العنزة (الأم )، وشخصية الأبناء. إن هذه الحالات من العلاقات والتحول الذي تعرفه شخصيات الحكاية، سيقودنا لتناول النموذج العاملي كما حدده جريماس . ينقسم هذا النموذج بدوره إلى: النموذج العاملي باعتباره نسقا والنموذج العاملي باعتباره إجراءا. كما أن البرنامج العاملي، سيعرف نوعا من التحول على مستوى أدوار الشخصيات وعلاقاتها.
أ - النموذج العاملي بوصفه نسقا :
نتناول هذا النموذج باعتباره أزواجا: مرسل - مرسل إليه، ذات - موضوع، مساعد - معيق (باعتبارها أهم الأزواج في المقاربة العاملية) .
المرسل / المرسل إليه :
تابع بدوره لمحور الإبلاغ . المرسل في حكاية ــ عزة ومعيزيزة ــ هو شخصية العنزة (وما يرتبط بحقلها المعجمي). بحيث يكمن دورها في إقناع العامل الذات / أبناء العنزة لتحقيق موضوع القيمة (عدم فتح الباب). أما المرسل إليه (أبناء العنزة ) فيشكل العامل المستفيد من موضوع القيمة (عدم فتح الباب). ليتحقق ذلك بعد إقناع العامل الذات (أبناء العنزة) من قبل العامل المرسل (الأم). لذا فعندما سيفقد العامل المرسل العامل الذات. سيخرج (في المقطع الثالث) يتلمس الانتقام. ليجد نفسه في مواجهة وصراع آخر . وتتحكم فيه فكرة الانتقام (الانتقام من الذئب، الخ ...).
الذات /الموضوع:
تابع لمحور الرغبة. يشكل هذا الزوج قطب الرحى في النموذج العاملي. إن الذات (المتجلية في شخصية الذئب)، ترغب في موضوع القيمة (شفرة فتح الباب). وقد يتحقق هذا بعد إقناع العامل الذات (أبناء العنزة) من قبل العامل المرسل(هنا يتم تبادل الأدوار بين شخصية الأم وشخصية الذئب). لذا فإنه يأتي في نهاية الحكاية (نهاية المسار الحكائي).
المساعد adjuvant و المعيق opposant:
تندرج هذه الثنائية ضمن علاقة يحددها جريماس في مقولة الصراع(10). تعكس هذه الثنائية، خاصية الصراع التي تهيمن في حكاية «عنزة ومعيزيزة». لأنها (كما أشرنا ) حكاية شخصيات بامتياز. كما نلاحظ بأن هناك نوعا من التوازي بين العوامل المعيقة والعوامل المساعدة في هذا النص الحكائي . إن أغلب المعطيات (شفرة فتح الباب، وصية الأم، الحذر الشديد، عدم الثقة، الخ...)، تقوم ببرنامج سردي مضاد للبرنامج السردي المحوري الذي يسعى إليه العامل الذات (شخصية الذئب). بحيث تعمل على عرقلة مسار بحثه عن موضوع القيمة الخاص به (أبناء العنزة). ومما يزيد من هذه العرقلة ( يقوي المعيق ) كون العامل الذات (شخصية الذئب) . يحمل في نفسه عاملا معاكسا لنقصان أهليته ( شفرة الباب المزيفة، التنكر في صفة الأم). فمن الواضح أن المعيق لم يعد صورة خارجية . فقد يشكل الشخصية المحورية، من خلال مجموع الصور المرافقة لتشكله، معيقا لنفسه في نهاية الحكاية. مما يجعل مساره الحكائي فاشلا منذ بداية الحكاية. نظرا لهيمنة العوامل المعاكسة الأصلية (الباب المغلق، الشفرة السرية، قوة العنزة ). وفي جميع الحالات، كما يشير سعيد بنكراد، فإن تأويلات هذه البنيات التركيبية في تنوعها، تشير إلى الانفصال الذي تقدمه هذه الخطاطات الأولية. تبدو عامة بما فيه الكفاية لكي توفر أسس تمفصل أولي للمتخيل(11).
ب - النموذج العاملي بوصفه إجراء :
إذا كان النموذج العاملي بوصفه نسقا، بنية ساكنة ، فإن ديناميته لا تبرز إلا من خلال الانطلاق من النسق إلى الإجراء. وذلك من خلال ترسيمة سردية من أربعة مواقع نحددها كالتالي:
1 - التحفيز manipulation / (ويسمى كذلك بفعل الفعل): يعمل من خلاله المرسل المتجلي في افتراس أبناء العنزة (غريزة الأكل) . بإقناع معنوي للعامل الذات /شخصية الذئب. بالبحث عن موضوع القيمة / أبناء العنزة. غير أن عنصر الإقناع في هذا المستوى جاء معنويا. ومادام الأمر يتعلق بالافتراس (غريزة الأكل)، فإن العامل الذات / شخصية الذئب محفز بالغريزة.
2 - القدرة competence/(ويسمى كذلك كينونة الفعل): إن الإقناع المرتبط (من خلال الحكاية) بما هو غريزي والمرتبط بالحيوان، غير كاف لتحقيق الرغبة (الوصول إلى موضوع القيمة). بل لابد من تحقق القدرة لدى العامل الذات. وذلك من خلال مجموعة من الشروط الضرورية. تساهم بدورها في تحقيق الإنجاز. وتتجلى فيما يلي: إرادة الفعل، القدرة على الفعل، معرفة الفعل، وجوب الفعل.
إرادة الفعل: تتجلى هذه الإرادة في كون شخصية الذئب، تمتلك الإرادة للوصول إلى موضوع القيمة / الخدعة. لكون هذا الأخير مسألة شخصية بالنسبة إليه.
القدرة على الفعل: في هذا المستوى، نلاحظ بأن العامل الذات / الذئب يتميز بالذكاء والحيلة. وذلك من خلال توظيفه للشفرة المزيفة . وهو ما سينعكس على المسار الحكائي في نهاية النص.
وجوب الفعل: يستند إلى الفعل. لأن الأمر يعلق بمسألة لا يمكن تحملها بالنسبة للعامل الذات والمتجلية في الجوع (الغريزة).
3 - الإنجاز performance/ ( ويسمى كذلك فعل الكينونة): ويشكل المرحلة النهائية في الترسيمة السردية للنص الحكائي . إن الإنجاز في التصور العاملي ، عبارة عن مرحلة تحول من حالة لأخرى. تقتضي هذه العملية عاملا agent/ وهو الفاعل الإجرائي sujet opérateur. ننتقل معه مما هو قيد التحقق، إلى ما هو محقق. ويهدف هذا التحقيق إلى الحصول على موضوع القيمة . غير أن هذا التحقيق رهين بالبنية الجدلية التي تتحكم في النموذج العاملي. بحيث نجد برنامجا سرديا مضادا يقوم به فاعل إجرائي مضاد. إن هذا الأخير ، هو الذي جعل شخصية الذئب تعيش نوعا من الصراع طيلة مراحل الحكاية. لكون العوامل المعيقة (كما أشرنا في زوج المساعد و المعيق) حاضرة بشكل مكثف في الحكاية. هذه الكثافة هي التي تبعده عن كل تنظيم منذ بداية المسار الحكائي على الرغم من وجود بعض العوامل المساعدة (الشيفرة المزيفة، طلاء الأقدام). مما يجعل البرنامج السردي منذ بدايته محكوما بتطور الأحداث وتسارعها.
4 - الجزاء sanction / (كينونة الكينونة): إنه بمثابة الحكم على الإنجاز. فإذا كان المرسل هو الذي يحكم على نجاح البرنامج السردي أو فشله، فإنه (في هذا الإطار) مغيب في الحكاية. مادامت معرفة نجاح البرنامج الحكائي أمرا مفروغا منه. لكون الفاعل الإجرائي حين سعى للبحث عن موضوع القيمة (الافتراس) كان ذكيا. فكان الجزاء والتحفيز سيان. لكن ظهور الفاعل الإجرائي الثاني (العنزة )، جعل الفاعل الإجرائي الأول (شخصية الذئب) يعود إلى نقطة البداية (الصفر). حيث بدأ منفصلا عن موضوع القيمة في المقطع الأساسي من الحكاية. ويختم بالانفصال أيضا في مقطعها الختامي (بنية الانتقام). وبهذا انتهت شخصية الذئب بالاستسلام (الصراع حتى الموت). ويمكن تحديد هذه المراحل الأساسية من خلال الجدول السابق:
لكن يجب التعامل مع هذا التحول باعتباره عنصرا مبرمجا بشكل سابق داخل خطاطة سردية ضمنية . إذ يشكل هذا التحول العلائقي مجموعة من اللحظات السردية المرتبطة فيما بينها. وفق منطق ترابطي خاص. ومن هذا المنطلق ، ستتحدد عملية قلب المضامين كمعادلة بين العمليات والفعل(12).
2 ــ المكون السردي العميق :
إن الانتقال من المستوى السردي السطحي إلى المستوى العميق، يتم من خلال الفعل التركيبي. بحيث يتم الانتقال من عمليات عميقة ذات حمولة دلالية إلى مستوى تركيبي. إذ يتم الانتقال بين دورين. الأول عاملي والثاني تيمي. لكون استيعاب الأدوار العاملية للأدوار التيمية، يؤسس حسب الباحث سعيد بنكراد(13) المحفل التوسيطي الذي يسمح لنا بالمرور من البنيات السردية إلى البنيات الخطابية.
لقد تناولنا سابقا الصيغة البسيطة للبرنامج السردي القائمة على فعل إنجازي واحد. كما لاحظنا بأن هذه الصيغة بصفتها مفهوما إجرائيا مجردا فهي قابلة للتمطيط والتعقد بأشكال مختلفة. يرتبط بعضها بموضوعات القيمة. كما أن بعضها الآخر، يرتبط بالفاعلين الإجرائيين. وهذا ما سنعمل على تبيانه من خلال ما ينعت بالمواجهة confrontation. لكونها تتأسس على فاعلين اثنين. لهما رغبة مشتركة في موضوع قيمة واحد. يرمز لها غالبا بـ:(مــو). الأول ويتجلى في (فا 1) على اتصال به. أما الثاني في (فا 1) على علاقة انفصال. هذا العملية تدخل في علاقة مع التصور السابق المرتبط بالنموذج العاملي بوصفه نسقا.
ترتبط البنية الدلالية أساسا بالعلاقات بين شخصيات الحكاية. كما أن تناول المربع السيميائي كما حدده جريماس، سيجعلنا ننتقل من العلاقات الدلالية إلى العملية التركيبية. فقد صاغ جريماس هذا المربع من خلال عمليتين(14):
عملية نفي تنهض على علاقة تضاد. ولا يمكن بمقتضاها لمحتوى دلالة معين أن يوضع إلا إذا وضع في الوقت نفسه في مقابل نقيضه.
عملية إثبات ذات طابع اتصالي هذه المرة. توحد بين الحد الجديد وحده المفترض. وعلى هذا الأساس، فإن المربع السيميائي يتأسس على عمليات النفي والإثبات ويصور (من خلال شخصيات حكاية «عزة ومعيزيزة») على الشكل التالي:
ينبني هذا المربع السيميائي (كما حدده جريماس) على علاقة تواصل من جهة . وعلى علاقة الانقطاع من جهة أخرى. أما العلاقة الثالثة ( لا تواصل / لا انقطاع)، فتخرج عن منطق هذه العلاقة. لأن طرفيها لا تجمعهما علاقة على مستوى النص الحكائي.
شخصية الذئب - انقطاع - شخصية العنزة - أبناء العنزة.
شخصية العنزة - تواصل - أبناء العنزة .
شخصية أبناء العنزة - لا تواصل ولا انقطاع - الحيوانات الأخرى (لكن ينطبق عليها تحذير العنزة الأم).
يمكننا المربع السيميائي من الوقوف على البنية العميقة التي سبقت التحقق السردي للنص الحكائي. كما نستشف من خلال هذا المربع ، بأن حكاية «معزة ومعيزيزة»، هي حكاية الشخصية ( الحيوان) بامتياز (كما أشرنا سابقا). لذا فقد اشتملت هذا الحكاية على شخصيات اختلفت أهدافها ورغباتها . فعرفت علاقاتها تناقضا شديدا حتى ليشتد الصراع الحاد والقوي فيما بينها . وصل إلى درجة الصدام و الاقتتال ( شخصية العنزة ، شخصية الذئب ). وقد حرصت الحكاية من خلال هذه العلاقات، أن تبرز بجلاء مواقف حية ناطقة. تجسد صراع الأضداد كما تشكل ذلك المعادل الموضوعي للأبعاد الاجتماعية والمؤثرات السياسية والعقائدية و القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية.
3 ــ لعبة الظاهر والكينونة:
تمكن هذه العلاقات بين شخصيات الحكاية من استنتاج مجموعة من التيمات التي تم اختزالها في أدوار تيماتيكية يؤديها ممثلون . كما ساهمت هذه الأدوار التيماتيكية في تحديد أولي لنوعية العلاقة بين الممثلين المتجلية في علاقة الرغبة . بحيث يمكن اعتمادا على مقاربة تتدرج من العام إلى الخاص ، تحديد هذه العلاقة على مستوى التركيب السردي الذي يتحكم في المحور العمودي للنص الحكائي: العوامل باعتبارها وحدات تركيبية. تمكن وظائفها من تحدد البرنامج السردي العام في النص الحكائي. كما يمكن انطلاقا من بنية الممثلين (شخصيات الحكاية) المحددة سلفا: شخصية العنزة، شخصية الأبناء، شخصية الذئب، الوصول إلى تحديد العوامل المتحكمة في النص. لكون بنية الممثلين بنية وسائطية. تنقلنا على مستوى تحليل الحكاية، من الشخصيات إلى العوامل. وذلك لأن الممثل يبني فضاء للقاء والاتصال بين البنيات الحكائية والبنيات الخطابية. فهو يؤدي دورين على الأقل: دور عاملي ودور تيماتيكي. لقد مكننا تجميع الممثلين ومقارنة الأدوار التيماتيكية التي يؤدونها من استنتاج نوعية العلاقة التي تربط بين الممثلين الأساسيين: شخصية العنزة وشخصية الأبناء . هذه العلاقة مبنية أساسا على مقوم دلالي هو الرغبة المشتركة (الحماية من الآخر / الذئب). إذ يرتبط كل واحد بالآخر من خلال محور يتميز بمقوم: الرغبة . و بموجب هذا المقوم الأساسي ، يقوم ممثل معين بوظيفة العامل / الذات الأساسية. بمعنى حين تصبح له رغبة في تحقيق موضوع ضمن برنامج سردي داخل النص، فلا (يوجد هناك تحديد ممكن للعامل الذات دون علاقته بالموضوع و العكس أيضا صائب)(15). غير أن الملاحظة المحورية المرتبطة بتحليل العلاقة بين الممثلين في هذه الحكاية، أن مقوم الرغبة مشترك يربط بين كل ممثل في علاقته بالآخر. وهذا النمط من العلاقة يجعلنا نستنتج أن كل واحد من الممثلين يؤدي وظيفة العامل / الذات ويحدد لنفسه موضوعا هو العامل الآخر. مما يبين أننا أمام وضعية مزدوجة. إذ يكشف التحليل عن وجود عاملين وموضوعين أو أكثر . فكل عامل بناء على علاقة الرغبة المتبادلة والمزدوجة، يمثل موضوعا بالنسبة للآخر. بمعنى أن كل واحد من العاملين هو عامل وموضوع في الوقت نفسه. وهو عامل له موضوع يرغب فيه. ويمثل في الوقت نفسه موضوعا مرغوبا فيه من قبل العامل الآخر. فالعامل شخصية الذئب يحدد لنفسه موضوعا يرغب فيه (السيطرة عليه) هو أبناء العنزة. وهذه الأخيرة (باعتبارها الوجه الآخر للعنزة)، عامل يرغب موضوع هو: شخصية الذئب (قصد الانتقام منه). إن هذه العلاقة التركيبية المزدوجة تتحدد من خلال الموضوع الذي لا يكون في البداية إلا فضاء تركيبيا. ولا يكتسي أهميته إلا حين يشحن دلاليا . بمعنى يكتسب قيمة معينة: فالموضوع له أهمية بالنسبة للعامل أساسا من حيث هو موضوع قيمة objet de valeur. وبهذا يأخذ الموضوع أهميته انطلاقا مما يتضمنه من قيم : فأبناء العنزة (في الحكاية) هي موضوع بالنسبة للعامل الأول (العنزة / الأم) يتضمن قيما أساسية إليه. وهي التي حددها التحليل من خلال التيمات (الأبناء، العائلة، الاستقرار، الخ ...) . أما العنزة الأم، فتتضمن كموضوع بالنسبة للعامل الثاني (أبناء العنزة ) مجموعة قيم حددها التحليل (الحماية، القوة، الخ ...). وهي قيم ترتبط بالظاهر ولا ترتبط بالكينونة. تبين هذه العناصر التحليلية أن النص يتمفصل وفق برنامجين سرديين. بحيث يسعى كل عامل إلى إنجاز برنامجه السردي. ويمكن صياغة هذه الوضعية التركيبية على شكل رموز تبين ازدواجية البرنامج السردي في النص الحكائي:
المقطع الأولي / الحالة الأولى (بنية التحذير حسب تقطيع النص الحكائي):
( عا1 ∩ موعا 2 ) عـــا1 ═ العنزة ( الأم)، موعا 2═ عـا2 كموضوع ل: عـا 1 ( عا 2 ∩ موعا 1) عــا2 ═ أولاد العنزة، موعــا 1 ═ عـا1 كموضوع ل: عـا2 يمكن القول إننا أمام قول سردي يقدم الحالة الأولى التي توجد عليها البنية التركيبية في المقطع الأولي من الحكاية . فالمقطع الأول يبين وجود عاملين ، كل واحد يحدد لنفسه على محور الرغبة. موضوع - قيمة يريد الوصول إليه وهو - الحماية من الغير-. وفي الوقت نفسه، يظل كل عامل من العاملين، في انفصال عن الرغبة المرتبة بالعامل السلبي (الذئب). غير أن علاقة الرغبة المتحكمة في المسار الحكائي في المقطع الأول / الحالة الأولى، ستؤدي إلى حالة مغايرة في المقطع الموالي (مقطع الانتقام). سيؤدي هذا التحول من الظاهر إلى الكينونة على المستوى التركيبي، إلى تحول من حالة الاتصال مع الموضوع - القيمة (أولاد العنزة ) إلى انفصام بالنسبة للعاملين . ذلك أن فقدان العامل الأول (العنزة الأم) لوضعيته الظاهرة (امتلاك شفرة باب البيت)، جعلته يفقد الموضوع - القيمة ( الأبناء). لأن شروط امتلاكه للموضوع قد ألغيت بعد مرحلة الاكتشاف (الشفرة المزيفة). ونفس الأمر بالنسبة للعامل الثاني (الذئب). الذي أصبح في حالة انفصال عن الموضوع - القيمة لأن الشروط النهائية لحصوله عليه قد تراجعت بعد صراعه مع العامل الأول / العنزة. وفقدانه قوته وهيمنته. وهنا تنكشف حقيقة كل من العاملين (الأول / العنزة ( الأم) و الثاني / الذئب). وبهذا يعود كل من العامل الأول و العامل الثاني إلى الحالة الأصلية التي كانا عليها في المقطع الأول من الحكاية. وهو ما يفضي إلى قصدية الحكاية وبعدها الرمزي(16).
الخاتمة
غالبا يفضي هذا التركيب العاملي إلى بناء القصدية المشتركة بين جل الحكايات الشعبية (استنادا إلى هذا التحليل). ذلك أن البنى الثلاث الصغرى في حكاية - عنزة ومعيزيزة - والوظائف المرتبطة بها والثنائية البنيوية الملازمة للحكاية الشعبية، كلها تندمج في بنية جوهرية واحدة متكاملة تعد نقطة ارتكاز بالنسبة إليها. وهي بنية الطاعة ( بين العنزة الأم و أولادها). فطاعة الأبناء للآباء هي الرسالة الجوهرية التي تحملها هذه الحكاية إلى الأبناء . إذ بالطاعة يستطيع الأبناء تحاشي السقوط في المخاطر .وهكذا تقرر حكاية «عنزة ومعيزيزة»، درسا اختياريا هادفا تتضافر من خلاله بنيات التحذير والاحتيال والانتقام. وهنا تتكشف الطاقة التي تختزنها الحكاية الشعبية في سعيها لضبط جوهر الواقع البشري المنفلت على مر العصور. كما عملت مكونات الحكاية على توليد مقومات سياقية. كونت في تركيبها، تشاكلا دلاليا متجانسا ومنسجما.