اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الأدب الشّعبي حيّ؟
«الأدب الشعبي أدب حيّ». يندرج ضمن إطار هذه العبارة كلّ ما له علاقة بثقافة شعبية أنتجها الناس في زمان وم...

الحكاية الشعبية في البنية والدلالة
تشكل الحكاية الشعبية نمطا حكائيا متميزا إلى جانب الحكاية العجيبة والحكاية المرحة والحكاية الخرافية وليست نوعا عاما تدخل ...

العواشر، الفأل، والعولة دراسة ميدانية في دلالة الأنشطة الفلاحية في منطقة تبسة الجزائر
إن الطقوس والممارسات والاحتفالات جزء من المعتقدات الشعبية وقسم لا يمكن عزله عن الموروث الثقافي للشعوب فالطقوس الممارسة ه...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
العواشر، الفأل، والعولة دراسة ميدانية في دلالة الأنشطة الفلاحية في منطقة تبسة الجزائر
العدد 40 - عادات وتقاليد

أ. إبراهيم بن عرفة - كاتب من الجزائر

إن الطقوس والممارسات والاحتفالات جزء من المعتقدات الشعبية وقسم لا يمكن عزله عن الموروث الثقافي للشعوب فالطقوس الممارسة هي عبارة عن عملية هدنة مع القوى الغيبية وما يصاحبها من احتفالات في مختلف المواسم هو عملية شكر على ما تم الحصول عليه من إنتاج وفير ومن بينها إهداء الفأل للجيران والمقربين أو إقامة احتفالات صغيرة وبسيطة بمناسة الغلة الوفيرة، وكلها عمليات متوارثة جيلا عن جيل بدأت في الاندثار، بفعل عدة عوامل ونسعى في بحثنا هذا إلى كشف النقاب عن هاته الممارسات وإيضاحها ومحاولة تفسيرها.
مقدمة:
تعد دراسة الطقوس ورموزها وممارساتها من أهم المجالات الخصبة التي تسمح بفهم ما يدور في أذهان أفراد المجتمع وما يخصه، كما تعد ميدانا ثريّا لكشف ما يتم إنتاجه من تصورات (l’imaginaire) وتمثلات، ورمزية تأويلية لبعض الأحداث والظواهر التي ينتجها المتخيل الشعبي والعقل المحرك الخفي للمجتمعات المحلية، الأمر الذي يجعل من دراسة هذه المنتجات في المتناول العلمي وميدانا خصبا ثريا للدراسة والتحليل الإثنولوجي والأنثروبولوجي هاته الممارسات تصنف جميعها  في إطار المقدس أو ما يسمى في الدول العربية عموما والجزائر خصوصا بالعواشير(1) وما يصاحبها من ممارسات ثقافية داخل العائلة وخارجها كالاحتفال بالختان، والزواج، ومراسم الجنازات، والمولد النبوي الشريف، وصيام أيام من شعبان، والتبرك بالأولياء وموعد زياراتهم واحتفالاتهم الشعبية خصوصا الاحتفالات والطقوس المرافقة للعمليات الزراعية والاعتناء بالمحصول من زرع وبذر وغرس وتقليم ونزع للحشائش الضارة وفأل وبكور (2) وحصاد وغيرها من العمليات التي تدخل ضمن دائرة طقوس التبرك، وغيرها من الممارسات مثل رقصة الحضرة في بعض المجتمعات المحلية والتي يقصد بها طرد الجن وإبعاد الأرواح الشريرة خصوصا في الفترة السابقة لشهر رمضان، لأن شهر رمضان تصفد فيه الشياطين ويعرف حراكا كثيفا في الليل، وإذا استمرت الشياطين في الحركة فإنها ستؤذي الناس، خصوصا في الأوقات الحساسة من الليل، مع تعود السكان على الصدقات وإخراج المعروف والتطبيب التقليدي حفظا وحماية من الأذى وخوفا من آهلي المنزل أو المنطقة من سكان العالم الآخر، هذا كله يتم وفق جدول زمني معين تتداخل فيه السنة القمرية مع السنة الشمسية ينظم هاته الممارسات سواء بطقوسها أو باحتفالاتها على مدار العام والغرض منه هو عقد هدنة مع القوى الغيبية والطبيعة والعيش في أمان مقابل تقديم هاته الطقوس، سنحاول من خلال هذا المقال الربط بين موضوعين من مواضيع البحث في الفلسفة والأنثروبولوجيا ألا وهما موضوع الزمن والثقافة الشعبية المتداخلان ضمن مصفوفة من الممارسات والطقوس والتصورات. وعليه يتبادر إلى أذهاننا التساؤل التالي:
ما ماهية الطقس؟ وما مدلولاته الرمزيّة؟
بم يتميز كممارسة اجتماعية أو فردية وعن غيره من الممارسات الاجتماعية؟
ما هي الوظائف الأساسية التي يؤديها في الأنشطة الفلاحية ؟
لماذا نخصص جزءا من الزمن في الاحتفال وإقامة الشعائر والطقوس سواء ما كان منه شرعيا أو دينيا أو بدعة في اعتقاد البعض الآخر؟

مفاهيم عامة
1 -الزمن والوقت :
قد انفردت العربية دون غيرها من اللغات السامية بكلمة (الزمان) (الأبد، الدهر، الحين، الوقت، الأجل، السرمد، الخلد، الأمد، المدة) ولكل منها معناه الخاص والدال على قسم ونوع من الزمن فـ(الآن) للدلالة على المدة أو الوقت واللحظة الحاضرة وقد تعني الوقت الطويل أو القصير، وأما (الأبد) فهو صيغة ظرف زمان أو هو الوصف الدال على الامتداد الزماني في المستقبل، وأما (الخلد) فتحمل المعنى نفسه، ولفظة (المدة) و(الأجل) بمعنى المدة المحددة أو نهايتها. وأما (الوقت) فهو جزء من الزمان ويرى الأشعري أن الوقت له عدة دلالات (ابن منظور، 2003، ص 61) منها:
  الوقت هو الفرق بين الأعمال، وهو مدى ما بين عمل إلى عمل،ويحدث مع كل وقت فعل.
 الوقت هو ما توقته للشيء، وزعموا أن الأوقات هي حركة الفلك، وساعات الليل والنهار.
ويعتمد مفهوم الزمن على التجربة المعاشة سواء أعطت هذه الأخيرة معنى لمصير الفرد أو تاريخ الجماعة، وقد وجدت الأنثربولوجيا في الزمن أحد الأبعاد الرئيسية لدراسة الظواهر كوجود ملموس لتشكيل الواقع الاجتماعي (بيار بونت ميشال إيزار، 2006، ص 531).
2 -الممارسات الطقوسية والاحتفالية:
عند ذكر مصطلح الممارسات تتبادر إلى أذهاننا عدة مصطلحات من طقوس وعادات وتقاليد وصولا إلى العرف ويمكن شر حها كما يلي:
أ. الطقوس:
اشتقت هذه الكلمة من اللغة السنسكريتية وهي تعني ما هو مطابق للنظام وهذا ما جاء على لسان جينون حينما أكد أن الطقس يدل على ما تم تحقيقه وفقا للنظام (لوك بنوا، 2001، ص 93).
يندرج الطقس ضمن خصائص ومكونات الحياة الإجتماعية للأفراد والمجتمعات كل حسب خصائصه التي جبل عليها ووجدها منذ الأزل ويتم بتكرار الظروف التي تستدعي إعادة القيام به وهو يتسم بأوليات يفترض تفعيلها لكي يفرض طابعه على الإطار الذي يساهم تدخله في تحديده.
ويعرفه معجم إثنولوجيا أنثربولوجيا «الطقس عمل يهدف إلى أداء مهمة أو الوصول إلى نتيجة ما عبر تلاعبه ببعض الممارسات لإجتذاب العقول وجعلها تؤمن به قبل التفكير بتحليل المعنى، وهو يجري للاحتفال بمناسبات وضعية، أو لاتقاء خطر محدق أو تقبل الأمور الحتمية كطقوس الموت وطقوس الولادة وطقوس المرور» ( بيار بونت، 2006، ص 634 ).
أما قاموس الأنثروبولوجيا فيعرفها بأنها فعاليات وأعمال تقليدية، لها في أغلب الأحيان علاقة بالدين والسحر، يحدد العرف أسبابها وأغراضها، وهي دوما مشتقة من حياة الشعب الذي يمارسها، ويعتقد البدائيون أن أدائها، يرضي الآلهة والقوى فوق الطبيعية، والمعبودات، وعدمه يسبب غضبهم، ويجلب نقمتهم وتجرى الطقوس في فعاليات مختلفة : كالرقص، وتقرب القرابين ونحر الأضاحي واداء الصلوات، وترديد التراتيل، والأعمال والأنشطة الاقتصادية وأحاسيس الإنسان (شاكر سليم، 1981، ص 826).
ولها عدة أصناف نذكر منها طقوس الزراعة التي يعرفها: بأنها طقوس تتعلق بتهيئة الأرض للزراعة، وبذر البذور، وحماية المحصول من المخاطر التي تهدده، والاستمطار، وطقوس البواكير، كما تتضمن طقوس الزراعة بين بعض الشعوب البدائية أضاح بشرية: فيقتل عدد من العبيد، وتخلط دماؤهم بطحين بواكير الحصاد ويصنع منها خبز يؤكل، ضمانا لوفرة المحصول، وكان أول من درس هذه الطقوس دراسة مفصلة مالينوفسكي في كتابه (Coral Gardens and Their Magic) (بيار بونت، 2006، ص 828).
التعريف الاجرائي : عملية ممارسة لجملة من الرموز والإشارات والإيماءات إما عن طريق التواصل اللغوي بالكلام مثل الخطاب والحديث والمجالسة أو الممارسات اليدوية في صيغة احتفالية أو فلكلورية تمكن الأفراد من التواصل مع القوى الغيبية التي يخافونها أو فيما بينهم البعض.
الأسطورة: بمجرد ذكرنا لكلمة طقس يتبادر إلى أذهاننا مباشرة علاقته بما يسمى بالأسطورة أو الخرافة، ترجع كلمة الأسطورة إلى الجذر موتوس Mutus الذي يعني أبكم وصامت، وترتبط فكرة الصمت بالأشياء التي لا يمكن التعبير عنها إلا بواسطة الرموز (لوك بنوا، 2001، ص 21).
وهي مقتبسة من الكلمة اليونانية أستوريا Historia وتعني حكاية وقصة غير حقيقية أو على العكس، بينما كلمة Historia تعني التاريخ كما يقول مالينوفسكي الذي يرى بأنها ركن أساسي من أركان الحضارة، تنظم المعتقدات وتعززها وتصون المبادئ الأخلاقية وتقومها، وتنطوي على قوانين لحماية الإنسان (قسم الدراسات، 2002، ص 28).
وكتعريف إجرائي: هي عملية نقل رواية عبر الزمن تحمل رسائل مليئة بالمعاني والدلالات الرمزية لنمط الحياة والتفكير الخاص بالإنسان في تلك الفترة، لهذا فهي تعتبر وسيلة من بين وسائل الاتصال مع الماضي كالرقصات والحكايات والخرافات وما يرتبط بها من هالة رمزية ومعنوية.
ب. العادات والتقاليد:
يتخطى مفهوم العادة الاجتماعية مسألة التكرار لعملية معينة، أو النشاط «اللاشعوري» واللاواعي لعملية ما، والناتج عن تكرار فعل حتى ولو كان فعلا اجتماعيا. مفهوم العادة أضيق من المفهوم الاجتماعي لهذه الكلمة وقد عبر «بيار بورديو» عن ضيق مفهوم العادة «habitude» في كتابه الحس العملي وقد عبر عنه بمفهوم «habitus» أي «النزوع الشخصي الاجتماعي» فهذا المفهوم يشير عملية إنتاج الأفكار الاجتماعية، ثم إعادة إنتاجها مع تغير الظروف الاجتماعية أيضا، واستمرارية هذا النشاط مع استمرارية تطور المجتمع (عاطف عطية، 1993، ص 48).
يعرّف معجم الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا العادات والتقاليد كما يلي: «العادات والتقاليد الشعبية ظاهرة تاريخية ومعاصرة، هي من حقائق الوجود الاجتماعي و نعني بها الممارسات والسلوكات التي درج الناس على عملها أو القيام بها وتكرر الفعل بها حتى أصبحت مألوفة، فالتقليد هو عرف يرتكز على الروتين، والواقع أن كل تقليد يميل إلى تمييز بعض التصرفات التي يشرعها ماض غالبا ما يكون عابرا» (بيار بونت، 2006، ص 386 ).
فالجيل الحالي يقلد أساليب الجيل الذي سبقه ويسير عليها في مختلف الأعمال والممارسات الاجتماعية، إن كان ذلك في الملبس أو المسكن أو العقيدة أو غير ذلك. ممارسة أو طريقة أداء شيء ما، وانتقال هذه الممارسة من جيل إلى جيل. وهي جزء من الثقافة المشتركة بين أفراد مجموعة اجتماعية بعينها. وشأنها شأن كل السمات الثقافية، ضرب من ضروب السلوك المكتسب بالتعليم، يختلف باختلاف الشعوب، فالأكل على سبيل المثال حاجة بيولوجية لكل الناس، أما التصرفات في أثناء تناول الطعام، وعادات إعداد الطعام فتختلف من جماعة إلى أخرى.
جـ. العرف :
يعرفه قاموس الأنثربولوجيا بأنه مرادف لكلمة سنن وهو نمط من أنماط التفكير التي يعترف بها المجتمع ويتقبلها، وهي في الأغلب تقليدية، بطيئة التغير، يحس الأفراد بأنه ذات قوة ملزمة وأن الالتزام بها يؤدي إلى نفع المجتمع، والخروج عنها يستلزم العقاب، لأنه ينطوي على تهديد مباشر لسلامة المجتمع (شاكر سليم، 1986، ص 648).
نمط من أنماط التفكير الشعبي، وهو جملة العادات التي تعكس أفكار المجتمع عن الصواب والخطأ. ويواجه الأفراد الذين ينتهكون عُرف المجتمع الذي ينتمون إليه معارضة وعقابًا شديدين. وعادة ما يوافق العرف التشريعات السماوية في أي دين حق كالإسلام وديانات أهل الكتاب الأصلية غير المحرفة إلا ما رفضته هذه الديانات من أعراف معينة وأبطلتها. ويعتقد مُعظم الناس أن صلاح مجتمعهم يعتمد على تقوية عرفه. ومن أمثلة التفكير الشعبي، التي يعمل بها المجتمع، تقاليد الزفاف والجنائز وآداب المائدة. ويؤدي انتهاك مثل هذه الأنماط من التفكير الشعبي إلى رد فعل غير حاد، مثل الدهشة أو الازدراء (جلال مدبولي، 1979، ص 43).
يعد عالم الاجتماع الأمريكي وليم جراهام سمنر أول من صاغ اصطلاح العرف في اللغة الإنجليزية، وذلك في كتابه طُرق التفكير الشعبي 1940م وأشار سمنر إلى أن العرف قد يختلف من مجتمع إلى آخر (william graham simner, 1948, p 8-12).
وبوجه عام فإن كل مجتمع يعتقد أن عرفه الخاص هو أكثر الأعراف طبيعية وقيمة، إذن فالممارسات الفلاحية هي جميع الطقوس والممارسات السوسيوثقافية التي يقوم بها أفراد المجتمع والمرتبطة أساسا بالفلاحة وظواهر الطبيعة ويقصد بها التبرك أو الاحتفال. ..الخ كعمل طبق العصيدة لدى تساقط الثلوج استبشارا بالعام الفلاحي وزراعة الحقول والحصاد وجني المحاصيل الموسمية الأخرى والاعتماد على حركة القمر واتجاه الريح وحالة الحيوانات في تحديد الطقس والمناخ.
3 - النشاط الفلاحي :
هو جل العمليات التي يقوم بها الإنسان في خدمة الأرض من حرث وبذر وسقي وحصاد وتربية للحيوانات وتدجينها وصيدها بهدف التغذية وضمان البقاء، إضافة إلى الاستهلاك العلاجي في بعض النباتات التي يجمعها ويلتقطها، ويتبين لنا مرور الإنسان الواحد (الفلاحين) على جميع مراحل عملية التطور.
يشير ابن خلدون في مقدمته إلى أن الفلاحة تعرف بـ : «النظر في النبات من حيث تنميته، ونشوئه بالسقي والعلاج، وتعهده بمثل ذلك» وهي إما زرع أو غرس (ابن خلدون، 2010، ص 656 )
ويشير عبد الغني النابلسي في افتتاحية كتابه الملاحة في علوم الفلاحة إلى هذا المصطلح بقوله: «معنى فلاحة الأرض هو إصلاحها وغراسة الأشجار فيها وزراعة الحبوب المعتاد زراعتها، وإصلاح ذلك وإمداده بما ينفعه ويجوده، ويدفع الآفات عنه، ومعرفة جيد الأرض ووسطها والدون منها. ومعرفة ما يصلح أن يزرع أو يغرس في كل نوع منها، من الشجر والحبوب والفواكه والخضر. والوقت المناسب والمختص بزراعة كل صنف، والهواء الموافق لذلك وغراسة ما يغرس فيها، وكيفية العمل في الزراعة والغراسة. ومعرفة أنواع المياه التي تصلح للسقي، لكل نوع منها وقدره، ومعرفة الأزبال وإصلاحها، وما يصلح منها بكل نوع من أنواع الأشجار والخضر والزرع. وكيفية العمل في عمارة الأرض قبل زراعتها وبعد غراستها وتزبيلها، وتعديلها لجري الماء عليها بعد سقيها، وتقدير ما يحتمل من الأرض من أنواع البذر. وعلاج الخضر والأشجار من الآفات اللاحقة بها، وتدبير ذلك كله والقيام عليه بما يصلحه» (عبد الغني النابلسي، [د.س]، ص 3-8).
وترد الإشارة في المعاجم والقواميس إلى أن الزرع مقابل للغرس، فالزرع هو «طرح البذر في الأرض وعادة ما يكون هذا البذر هو القمح والشعير، أما الغرس فهو مختص بالشجر» وقد أشار إلى ذلك إخوان الصفا(4) بقولهم ترد الإشارة إلى أن النبات «إما أشجار تغرس قضباتها وعروقها أو زروع تبذر حبوبها وبذورها» (إخوان الصفا، [د.س]، ص 247).
وقد ظل هناك لبس في استعمال هذين المصطلحين إلى وقت طويل حتى ألف الإمام عبد الغني النابلسي كتابه: علم الملاحة في علم الفلاحة، وقد أشار هؤلاء جميعهم إلى أن المنطقة العربية تغلب عليها الصحاري والبوادي، فبعضها يصلح للفلاحة كالجزء الشمالي من بلاد المغرب واليمن وحوض النيل وبعض مناطق الحجاز، ونشأت في بعض هذه المناطق نظم للري ومنشآت له، وعرفت هاته المناطق بالمنتجات الفلاحية التي يشار إليها دوما في التبادل التجاري، أما الأعراب من سكان البادية، فنشأتهم ازدراء الفلاحة وانتقاص قدر أهلها، ذلك أن البادية يعوزها الماء الذي به حياة النبات وعماد الفلاحة، ولا يناسب البادية إلا أصناف قليلة من النباتات الشوكية والأعشاب البرية (زيد صالح، 1998، ص 29)، وازدراء عرب البادية للفلاحة لا ينفي وجودها لدى العرب عامة، وأشعارهم عن الأرض ونعوتها، وأبواب الأشجار المختلفة وكيفية زراعتها والاعتناء بها .

الدراسة الميدانية:
النشاط الفلاحي في منطقة تبسة
نرمي من خلال هاته الدراسة إلى الكشف عن جزء من الموروث الثقافي الخاص بالمنطقة ممثلا في النشاط الفلاحي الموسمي والعلاقة الوثيقة التي تربطه بالمعيش اليومي للفلاح في منطقة تبسة هاته المنطقة التي تداولت عليها عدة حضارات منذ ما قبل التاريخ:
1 -لمحة عن منطقة الدراسة:
تبسة لیست مدینة رومانیة و لا بونیقیة كما یعتقد ویروج لها الكثیرون تبسة مدینة نومیدیة عریقة تضرب، بجذورها في أعماق التاریخ ورغم أننا نجهل تاریخ بنائها و الاسم الذي أطلقه عليها بناتها الأولون إلا أن بعض المصادر ترجع تاریخ بنائها إلى القرن الخامس ق.م أتى على ذكرها مؤرخون قدامى مثل تیودور الصقلي وبولیب الیوناني تحت اسم هیكتامبول أي المدينة ذات المائة (serre de roche, 1952 p 10) باب وذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان حيث يقول بأنها مدینة قدیمة أزلیة، فيها آثار كثیرة للأول، عجیبة ما بإفریقیة بعد قرطاجة، وأعظم منها، فيها دار ملعب قد تهدم أكثره أغرب ما یكون من البناء، ولو غرست الإبرة بین حجرین من حجره لما وجدت منفذا، وفي داخلها أقباء معودة بعضها فوق البعض، وبیوت تحت الأرض، وأزواج كثیرة، ولها منظر هائل. والمسكون الیوم من تبسة إنما ھو قصرها، وعلیها سور من الحجر جلیل متقن العمل، كأنما فرغ منه بالأمس، وھو حصن عظیم، وفي مدینة تبسة قباء تدخلها الرفاق بدوابهم في أیام الشتاء، یسع القبو منها ألفي دابة وأكثر، ویقرب تبسة واد بينها وبين قفصة (تونس) ستة مراحل يقع في قفر سبیبة و بینها وبین سطیف (وسط الجزائر) ستة مراحل في بادیة تسكنها العرب، ولمدينة تبسة بساتين كثيرة وفواكه عجيبة ويجود فيها الجوز حتى يضرب به المثل في إفريقية (ياقوت الحموي، 1993،ص 993) وقد مرت عليها عدة حضارات مثل الحضارة الرومانية والوندالية والبيزنطية والفتح الإسلامي وتعتبر بوابة الإسلام في الجزائر ويوجد بمدينة نقرين الصحراوية المتاخمة للحدود التونسية آثار وقبور المسلمين الفاتحين وبها مقر وقبر الكاهنة داهية التي خاضت حرب الخمس سنين مع حسان بن النعمان (ابن خلدون، المقدمة، ج 7 ص 10).
ولها تاريخ نضالي كبير إبان الفترة الإمبريالية والثورة التحريرية بلغت من أبنائها الغالي والنفيس وضحت بثرواتها ضد المستدمر الذي لم يترك الأخضر ولا اليابس فيها إلا وبلغته يد الخراب والدمار وكان لها دور بارز في تحوير مسار الثورة الجزائرية بواسطة معركة الجرف الكبرى التي أثبتت فيها ولاية تبسة أنها أنجبت مقاتلين بخبرة هندسة قتالية بالغة الأهمية ، ليأتي عليها فجر الإستقلال وتركب قطار التنمية فهي ولاية فلاحية بالدرجة الأولى ولها من الآثار ما يحولها قبلة سياحية بامتياز.
2 -رزنامة الأنشطة الفلاحية
- الاستعداد للعام الفلاحي:
ينطلق موسم الحرث يوم 15 أكتوبر من كل عام، وفيه كانت المرأة تأخذ أنية مليئة بالزبدة الحيوانية أو ما يسمى الدهان ويربط المحراث إما على بقرتين أو حمار وتأخذ حبة رمان كبيرة، «وموسم الحرث عادة ما ينطلق مع البكور الأول لثمرة الرمان» وتفلق على سكة المحراث وتعطى تلك البذور للأولاد الصغار في شكل فأل لأن الأولاد يرمزون للنقاء والعفة والفأل الذي يقدم لهم أملا في أن يجازيهم الله على حسن صنيعهم بمحصول وفير ويدهن المحراث ورأس الدابة التي تقوده بذلك الدهان، ويكون العشاء في تلك الليلة كسكس باللحم، تبركا بالعام حتى ينزل الله خيراته والعشاء عادة ما يكون وليمة جماعية، لأهل الدوار أو القرية ويعزم فيه أضعف الناس من الناحية المادية حتى تمحى روابط وقيود الماديات.
- إستقبال الشتاء:
يدخل فصل الشتاء بالخيرات والأمطار الفصل الذي يكتسي الحلل البيضاء والشفافة بالمياه والثلوج والبرد، الفصل الذي كان الفلاح قد أعد له العدة خلال فصل الصيف، من مؤونة ولباس ووسائل مساعدة على تحمل البرد وهذا لا يعني أنه فصل السبات، بل بالعكس يمكن أن يكون العمل المضني الذي يقوم به الأفراد خلاله أكثر من أي فصل آخر من السنة. وهو مكون من عدة مراحل ويبدأ تقريبا من أواخر شهر نوفمبر الميلادي وصولا إلى بداية شهر مارس.
- عيد رأس العام الفلاحي:
يتم الاحتفال بعيد رأس العام الفلاحي في منطقة بئر الذهب ولاية تبسة كغيرها من مناطق الجزائر وتعتبر هاته المناسبة المهمة من بين العواشير التي لا يتنازل عنها سكان الجزائر بالرغم من إيمانهم بوجود عيدين دينيين فقط وهو كناية عن تمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم، حيث أن جميع المخبرين أجمعوا على أن الاحتفال يتم في يوم الثاني عشر إلى الثالث عشر من شهر جانفي وهنا نلمس الجانب العقائدي في رمزية الاحتفال، حيث يكون رأس السنة الفلاحية مناسبة لتبادل الزيارات العائلية وإنهاء الخصومات وإقامة الصلح ومناسبة كذلك للتضامن الاجتماعي عبر تجميع الصدقات وتوزيعها على المحتاجين.
- المراعي ومصادر المياه:
إن المراعي ومصادر المياه من أهم الأشياء ضرورة في حياة الفلاح بهاته المنطقة حيث أنه مستقر تماما وليس متنقلا مثلما كان عليه الحال إلى الأمس القريب، فالمراعي التي توفر الكلأ للمواشي بأنواعها ضرورة قصوى على أساس أنها مصدر رزق الفلاح أيضا ولا سبيل له إلى التنقل بها لأماكن أخرى، إضافة إلى ذلك يحتاج الفلاح مصادر المياه الصالحة للشرب له وللمواشي التي يربيها فمصادر المياه غاية أساسية في حياة الفلاح اليوم ،وهاته المصادر يمكن حصرها في مياه الأمطار والمياه الراكدة إن وجدت، إضافة إلى مياه الآبار الجوفية ومياه السدود وذاك ما هو متوفر في المنطقة، وإلا يلجأ إلى جلب الماء عن طريق شراء صهاريج مياه ذات سعة كبيرة يستعملها للاستهلاك الشخصي ولشرب المواشي.
- استقبال الربيع:
يعتبر فصل الربيع فضاء يبرز فيه الغنى الثقافي لهذه المنطقة وعمق تراثها الشعبي، بحيث تتخلله عدة نشاطات ابتداءا من الانتباه للأعشاب الضارة في الأرض «ما يوصل مارس غير نقي زرعك وفارص» ويتم العمل في شكل مجموعات من أجل تنقية أكبر عدد ممكن من المساحات المزروعة من الحشائش التي تفسد المحصول في انتظار أيام الحسوم «أيام شديدة البرودة تدخل قبل فصل الربيع بقليل» تقوم النسوة بإعداد الحلويات التقليدية الخاصة والمسماة المبرجات أو الأبراج فرحا بعيد الربيع وتوزع على الأطفال الصغار وترسل إلى الجيران والعمال في الحقول مع اللبن أو الحليب على أساس أن اللون الأبيض يرمز إلى الصفاء وحسن النية مع جميع المتعاونين في أرض أحد الفلاحين ليأتي عليه أيضا الدور في العمل في حقولهم إضافة، إلى القوة التي تمنحها مادتا الحليب والتمر لجسم الإنسان.
- الاستعداد لموسم الحصاد:
مع دخول موسم الحصاد أو بداية الاستعداد له تأتي مرحلة جديدة من مراحل هذا التقويم وهي مرحلة الفطيرة حيث يقال «ما تفوت الفطيرة إلا وما تبقى في السماء طيرة» وهي أواخر شهر أفريل الميلادي وبداية شهر مارس حيث أثناء هاته الفترة لا تلاحظ الطيور في السماء فجميع الطيور تلتقط الثمار وتعمل على تخزينها وتقوم ببناء الأعشاش الجديدة والتزاوج والإباضة والتفقيس، وعند الاستفسار عن سبب التسمية أي الفطيرة لاحظنا وجود روايتين أولاهما تقول بأن هذه الفترة هي التي فطر فيها الله السموات والأرض أي خلقهما ولذلك سميت بالفطيرة أما الرواية الثانية فتقول بأن اليهود المعايشين للمسلمين في شمال إفريقيا، رأوا بأنهم يتعبون أثناء هذه الفترة من العام بخسارتهم لمحاصيلهم الزراعية نتيجة تساقط كثيف للبرد، فاقترحوا أن يمدوهم بفطيرة الدم التي يصنعونها لتفتيتها على المحاصيل كي يتفاداها البرد، ولكن الرواية الأولى هي الأقرب لدى كل المخبرين كما تكون هاته الفترة هي فترة الاستعداد لفصل الخير والعمل لجميع الكائنات الحية فصل الصيف، وتجز الأغنام ويتم فطام الخراف و مع أخر ماي يحصد فال المرمز(3).
- إستقبال الصيف:
يقال عادة قبل كل دخول فصل الصيف في هذه المنطقة بأن (الصيف أب الزوالي)(4) أو ثلاثة أشهر صيف يخدمو على العام كامل، ويتم الاستشهاد بقصة النملة والصرصور على أساس أن العمل أثناء هاته الأشهر لا يقتصر على الرجال أو العمال بل تدخله جميع فئات المجتمع كافة شيوخ عجائز،نساء رجال، شباب وأطفال وكل حسب قدرته وكل حسب مجهوده ففصل الصيف فصل البركة وفصل حصد الخيرات وتعميمها على كافة أهل الريف أو القرية.
- إستقبال الخريف:
يتم إستقبال فصل الخريف بالفرح والسرور ودعوة الله عز وجل بتعميم الخيرات وجلبها وذلك أيضا من خلال مجموعة من الطقوس حيث يقال إن أتت صابة أو محصول وفير في ثمار التين الشوكي فإن العام لا يكون جيدا والعكس صحيح إن كانت غلتها غير جيدة ولم تنتج إلا قليلا فالعام يأتي عام خيرات زد على ذلك أن هذه الفترة تتميز بهبوب الرياح القوية .
3 - الموروث الثقافي الفلاحي:
من خلال معايشة مجتمع الدراسة والبحث في موضوع الأنشطة الفلاحية عبر الزمن، وما يتعلق بها من معيش يومي للأفراد نجد أن الذاكرة الجماعية لهؤلاء الأفراد مازالت خصبة وغنية بجملة من الدلالات الرمزية ويمكن إدراجها كما يلي :
- الأساطير والأمثلة الشعبية الفلاحية:
تتميز المخيلة الشعبية بثراء نادر في كل ما يتعلّق بالأساطير والخرافات والأمثلة الشعبية الفلاحية والتي هي مرتبطة تقريبا بكل شهر من شهور التقويم الزمني الفلاحي والتي ترتبط بدورها ارتباطا وثيقا بالدورة السنوية للكائن الحيواني والنباتي بصفة عامة و الشجرة بصفة خاصة على أساس سهولة التعبير بها وتحررها من القيود واشتراك جميع فئات الشعب فيها وبالتالي فهي غنية بالرموز المعبرة عن العقائد والأحداث وعن تجربة الإنسان في بعده المكاني والزماني في عيشه اليومي من ناحية ومع الطبيعة والكون وقواهما الخفية من ناحية أخرى.
- الطقوس والمعتقدات:
المعتقد هو تلك المعلومة المكتسبة الراسخة في الفكر. ولا ترسخ المعلومة إلا بعد تفاعل للحواس والعقل والوجدان فيما بينها، خلال زمن معين. إذن المعتقد معلومة مبنية وفق منهج وخطوات، خلال زمن معين.
والمعتقدات هنا هي جملة الطقوس المكررة التي يقوم بها أفراد هذا المجتمع. كما أن كلمة طقس «Rite» مشتقة من الكلمة اللاتينية «Ritus» وهي عبارة تعني عادات و تقاليد مجتمع معين و يعرفها علماء الانثروبولوجيا الاجتماعية هي: «مجموعة حركات سلوكية متكررة يتفق عليها أبناء المجتمع وتكون على أنواع وأشكال مختلفة تتناسب والغاية التي دفعت الفاعل الاجتماعي أو الجماعة للقيام بها».
كما تشير لفظة «طقس» إلى الكيفية التي يتمّ بها أداء الأنشطة المقدّسة وتنظيمها في إطار احتفالي، ويشار بها في الديانة المسيحية إلى «النظام الذي تتمّ به الشعائر والاحتفالات الدينية المقدّسة». ومن حيث الأصل اللغوي تتأتّي لفظة «Rite» في اللاتينية من «Ritus» ويعنى مجموع «الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها»، فالطقس يعني من خلال كلّ هذه التعريفات مجموعة من «القواعد» التي تنتظم بها ممارسات الجماعة، إمّا خلال أداء شعائرها التي تعدّها مقدّسة أو من خلال تنظيم أنشطتها الاجتماعية والرمزيّة وضبطها وفق «شعائر» منتظمة في الزمان والمكان (منصف المحواشي، 2007، ص 15-43).
والتي تعتبر معالم ومؤشرات التركيبة والبنية الاجتماعية السائدة في الوسط الريفي والتي تتمثل في جملة من الممارسات والنشاطات التي تجرى في هذا الوسط من أجل تحقيق غرض معين وتعكس كل ممارسة أو نشاط قيمة ودور الفاعل في ذلك المجتمع وطبيعة البناء الذي ينتمي إليه، لدرجة أن هاته الطقوس أصبحت عبارة عن معتقدات ترسخت في أذهان هؤلاء الأفراد الذين قاموا بدورهم بتشريبها لأبنائهم جيلا بعد جيل.
- طقوس التبرك والخصوبة :
كل مجتمع ينزع نحو الانغلاق مدعو للمحافظة على الأسرار، لاسيما إذا تعلق الأمر بالأمور الشخصية أو بعض طقوس التبرك التي تمارس في السر، مثل التبرك بالعام الجديد عن طريق تقديم الأطعمة وإقامة الولائم أو عن طريق التبرك بماء المطر كتعريض جزء من الجسم لماء المطر والقول المصاحب لها بأنه رحمة من الله عز وجل. وهنا سنستشهد بمقولة راد كليف براون حول الطقوس، إذ يقول «إن إحدى وظائف الطقوس هي التعبير عن مشاعر معينة أو التمسك بقيم محددة مما يعتمد عليه المجتمع في مسيرة حياته بغرض تقويتها، وقد وضحت لنا الآن الحقيقة الهامة التي يقوم عليها هذا الرأي، فالطقوس والسحر وتحريم بعض الأشياء، كلها أمور رمزية في جوهرها ومن ثمة فهي تعبر عن معان خاصة، وكثيرا ما يظن الناس أن لها تأثيرا، ولا ريب أنه قد تكون لهؤلاء الذين يمارسونها نتائج هامة على الصعيد الإجتماعي. والأداء الإجماعي للطقوس قد يعبر عن قيم لها دورها في الحفاظ على التضامن الإجتماعي ويقوي من فاعليتها».
كما أن للطقس مميّزات يمكن تحديدها في ثلاثة مظاهر:
القواعد العامة المنظمة للطقوس أو الطقس: حيث يتم خضوع الأفراد إلى قواعد معينة تتمظهر في أشياء واضحة على سبيل المثال نذكر منها خلع الحذاء عند دخول المسجد، عدم الأكل من القدر مباشرة ،تقبيل يد المرأة بالنسبة لبعض الثقافات، الذبح تجاه القبلة، الركوع عند الدعاء أمام إحدى الآلهة في بعض الديانات. إلخ  بحيث يخضع الطقس لقواعد منتظمة متعارف عليها لدى أفراد الجماعة لا يمكن أبدا الدوس عليها.
التكرار حيث يعاد القيام بممارسة الطقس أو الإحتفال به في مناسبات زمنية معينة على مر الأيام، وحسب «توزيعيّة» زمنية calendrier horaire، مضبوطة. لا تعتبر الممارسة الطقوسية أو الطقوس طقوسا إن لم تتكرر في دورة زمنية ثابتة على الأقل مرة في السنة، وهو ما يسمح بتسليط الضوء عليها والتعمق في دراستها واكتشافها.  
الشحنة الرمزيّة التي تتّخذها فعند تسليط الضوء على طقس معين مثل طقوس التبرك سنجد هناك شحنة دلالية قوية، تعطي الممارسات دفقها وفعاليتها الرمزيّة الخاصّة هاته الشحنة تتمثل في الشعور بالرضا عن ذلك الفعل أو عدم الشعور وعلى سبيل الذكر منها ذهاب النسوة إلى حمام سيدي يحي بن طالب «حمام مياه كبريتية» من منا لا يعرف فائدة المياه الكبريتية في العلاج من الأمراض الجلدية والروماتيزيمية تذهب أغلب المخبرات إلا الإجماع بالقول أن من تدخل الحمام ونيتها نية خبيثة وليست طاهرة تجف مياه الحوض من عند دخولها إليه ومن تنوي نية طاهرة وتدفع ثمن ما نوت دفعه أو تجلب ما نوت جلبه وتستحم في الحوض الكبريتي وتطلق العنان للزغاريد فإن الحوض سيتدفق بالمياه ثانية وسيمتلأ عن أخره وهنا نستشف الشحنة الدلالية الرمزية القوية لهذا الفعل فشرط الإخلاص في النية واجب ولا بد منه والشعور بالرضا عن إرتفاع منسوب المياه أو حصاد محصول جيد دليل على نجاح الطقس الذي قام به المزارع أو الفلاح والعكس صحيح وهو ما يميز الطقس.
ومن ما سبق نؤكد على التركيز على ميزتي التكرار والشحنة الرمزية أساسا، فإذ تمعنا في الطقوس وممارساتها المختلفة في الحياة الإجتماعية، نستحضر واقعا مجتمعيا محليّا يتّسم بالتغيّر السريع ويشهد في نفس الوقت كثافة للممارسات الطقوسية. وبخاصّة الدينية والاحتفالية منها. ثمّ إنّ الزمن الاجتماعي يعاش بحسب إيقاعات وأشكال من التحقيب (périodisation) تختلف من الفردي (عيد الميلاد، الزواج...) إلى الجماعي (الأعياد الدينية والوطنية)، وتتخذ دلالات مشتركة أحيانا ومختلفة لدى الجماعات هنا وهناك وخاصّة في وظيفتها أحيانا أخرى. ومن خلال هذا المدخل ربّما سيتاح لنا أن ندرك أكثر مبرّرات «استمرار» هذه الظواهر التي تبدو في الظاهر لا معقولة، وأن نتبيّن مبرّرات ميل النّاس في الانخراط بكثافة في هذه الممارسات الطقسية.
فعندما تحاور مخبرا ويبدأ في سرد بعض الأحداث وكأنه يروي لك وجوده في زمنين مترادفين معا الزمن الفيزيقي المعاش والزمن الأسطوري الميثي (ميرسيا إلياد، 1986، ص 364)، فيشحن الزمن الذي يرويه لك بالقداسة ويستجلب عبارات الأيام الخوالي والزمن الجميل، وأيام النية والطيبة والغفلة (منصف المحواشي، 2007، ص 15-43) (كي كان الذيب يسرح مع الغنم)(5) فتقشعر الأبدان من ما يروي ويبدو للمرء وكأنه بصدد دخول عالم مثالي فيه كل شيء معلوم ومحبك وفق خيال المخبر، فتجد نفسك مشحونا تجاه ما يروى و يأخذك الفضول إلى الانتباه هنا يوق مرسيا إلياد يتوقف الزمن الحقيقي ويبدأ الزمن الخيالي في العمل، ولذلك تحس بتجربة تشبه إلى حد بعيد رحلة عبر الزمن أو قصة ميلاد جديدة مما يتحتم عليك إرجاع العداد إلى الصفر mettre le compteur du temps à zéro، لكي تعيش تلك الحالة الطقسية في إطارها الزمني الحقيقي في تلك الحكاية أو ذلك السرد وهو ما يثبت أن ممارسة الطقوس مرتبطة بمناسبات محدّدة مثل بدايات المواسم ونهايتها، أو بالأعياد الدينية، أو بأحداث تحوّلية مثل الانتقال من وضع اجتماعي (العزوبة) إلى وضع آخر(الزواج) أو من مرحلة عمريّة إلى أخرى (الطفولة إلى الشباب). وجميع هذه المحطّات الزمنية تتصاحب في عرف الجماعة المحلّية بإدراك خاصّ للزمن وبالتحوّل النوعي الواقع في مراحل العمر وفي حياة الجماعة.

دور المعتقدات الفلاحية في المجتمع
المجتمع الريفي مجتمع تقليدي يتصف بفاعلية البنية القبلية وتركيبته الاجتماعية تعكس ثقافة المجتمع السائدة، ونوع القيم السائدة وطبيعة الأدوار الممارسة بين مختلف الأفراد، فالمجتمع الريفي يعبر عن النشاط الإنتاجي الرعوي، وتعتبر العائلة أو الأسرة هي الوحدة المحورية في تنظيم العمل والإنتاج، وتتحدد أدوار ونشاطات المرأة وأدوار الرجال، فأهم خصائص الأسرة الريفية أنها تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية، والاقتصادية التقليدية، خاصة بقوة التضامن الاجتماعي (التضامن الآلي) وتنميط السلوك الاجتماعي، وفق العادات والأعراف التقليدية.وهو ما يمثل نوعا من الجبرية على الأفراد الذين يتوجب عليهم الانصهار في الجماعة مما يجعلهم لا يستطيعون التعبير عن إرادتهم الخاصة فالفرد عن طريق التعاون ومد يد المساعدة يمارس فعلا اجتماعيا نابعا من محيط الجماعة والأسرة التي نشأ فيها ومن بين تلك الأفعال السوسيوثقافية نسلط الضوء على ظاهرة العولة:
1 - العولة كنشاط فلاحي سوسيوثقافي بامتياز:
كل هاته المراحل التي قطعناها في الروزنامة الزراعية للفلاحين في منطقة تبسة كانت تمهد لوفرة الإنتاج بمختلف مواده وأشكاله كي تأتي المرحلة الأخيرة من العمليات الزراعية الاقتصادية ألا وهي تخزين الحاجة من المنتوج سواء البقول الجافة او الخضروات أو العصائر لتحقيق الاكتفاء الذاتي فمنذ القدم كانت العائلات في منطقة تبسة معروفة بتخزينهـا لما يسمى بـ : المونة   هذا المصطلح رافق إلى وقت قريب جل العائلات التبسية التي كانت تقوم بتدبير أمور حياتها اليومية من خلال هذا النشاط الإنساني الاقتصادي بامتياز حيث يرادف هذا المفهوم كلمة المؤونة أو التموين في القواميس والمعاجم ويتم الاستزادة بمكونات العولة السنوية (كسكسي وبركوكش وهريسة وطماطم وفريك ومرمز وبعض البقول الأخرى) وكان هذا النشاط منتشرا بكثرة في المنطقة نظرا لطبيعتها الجغرافية التي تفرض على قاطنيها ممارسة النشاطات الفلاحية من زرع وغرس ورعي للأغنام لأنها الحرفة التي كان يقوم بها حوالي 90 % من السكان إن لم نقل أغلبيتهم والمجال المكاني لدراستنا هذه ليس منطقة تبسة كاملة وإنما منطقة بئر الذهب وهذا راجع إلى طبيعتها الفلاحية في تركيبتها السكانية ومورفولوجيتها الاجتماعية التي تعرف ممارسة سكانها لنشاطي الزراعة والرعي كسلوك اقتصادي ومعيشي يومي لأنها لا تحتوي على كماليات الحياة من مصانع وشركات ومؤسسات كبرى للعمل وبالتالي يعتبر نمط معيشتها أقرب للأشكال الأولية لأنظمة الإنتاج التي عبر عنها لويس هنري مورغان في تفسيره التطوري ويقوم السكان هنا بعمليات الحرث والزرع والبذر خصوصا للحبوب كالقمح والشعير الموجهين للاستهلاك البشري والحيواني وقلع النباتات الضارة والري إن وجد والحصاد والدرس لتبدأ عملية العولة في التنفيذ وهذا لمجابهة أيام الشدة كالقحط والجفاف وعدم توفر الأموال وتواتر المناسبات المختلفة من ناحية والتحكم في التصرف الغذائي اليومي لتخفيف وطأة المصاريف على رب العائلة لكن الملاحظ هو بدأ زوال هاته التقاليد التي تعرفها العائلات في معظم مدن تبسة وفي منطقة بئر الذهب منذ القدم.
2 -حار ودسم :
بعض العائلات مازالت تحافظ على هذا التقليد (هريسة الفلفل الأحمر الحار) والذي يتم وفق عمليات عديدة ومتعبة تتمثل في القطف أو الشراء والنشر للشمس، والتشريح لمدة زمنية معينة ثم الرحي والمزج بزيت الزيتون، للحفاظ على الاحمرار ومن ثمة التخزين في أنيات فخارية أو زجاجية والتي استبدلت في أيامنا هذه بالحافظات البلاستيكية، هذا إضافة إلى فتل كسكسي القمح المحصود آنيا الذي كانت تقوم به بعض الحرائر وكسكس القمح الصلب المفتول من الطحين والبركوكش مثل الكسكس ويسمى في بعض المناطق في الجزائر العيش أو المردود أو البربوشة أو المحمصة يتميز بحبات خشنة عن الكسكس، هاته المواد تقريبا كانت لا تنفد من البيوت الجزائرية وبالأخص ناحية تبسة فعند فتح غرفة المؤونة والتي عبارة عن مكان مقدس لا تلمسه كل يد ويكون دوما نظيفا خاليا من الرطوبة والغبار وكل عوامل التلف وإن كانت غرفة فمفتاحها لدى ربة البيت فبمجرد فتحها تتسلل إلى أنفك رائحة الفلفل المخلل وزيت الزيتون ومشتقات العجائن بأنواعها وعبق البهارات التي تحيلك إلى عالم الروايات مع الأطعمة الشرقية اللذيذة.
ولكن عند غياب ربات البيوت كبيرات السن، فإن هاته الأعمال تبدأ في الزوال والاندثار لأن نسوة الوقت الحاضر يفضلن الراحة والاستجمام، على مثل هاته الأعمال نظرا لانتشار التكنولوجيا والمطاعم العصرية، في الوقت الذي كان الرجال في السابق يشدون الرحال للبحث عن لقمة العيش أو الترحال بحثا عن المراعي للماشية فتجدهم مطمئني البال لأن المخزون الغذائي العائلي يفي بالغرض والحاجة لمدة قد تزيد عن موعد الحصاد والجمع والالتقاط في الموسوم الموالي مدة غيابه.
3 -نظام مقنن بامتياز :
يتميز نظام العمل بالعولة بمنهجية زمنية دقيقة تتقيد بها ربات البيوت والفلاحون وهذا لتفادي أي طارئ قد يحصل مثل القحط والجفاف أو الحر والبرد أو الفيضانات المدمرة فعند القيام بجولة خفيفة في المناطق الريفية ترتسم لك ألوان عديدة أمام المنازل أو فوق السطوح الأبيض والأخضر والأصفر والأحمر وكل لون من هاته الألوان يدل على نوع الطعام المعد للتخزين وتجد دوما شبكة متناوبة من الأطفال والنساء للحراسة والوقاية من الطيور وبالأخص الفتيات الصغيرات اللاتي يجري تدريبهن وإعدادهن للعمل في هذا الميدان ومن أجل توريث هاته الأعمال باعتبارها كنزا أسريا وجب نقله جيلا بعد جيل من إمرأة إلى أخرى، فإن كان اللون أبيضا فهو موعد الكسكسي (العيش أو الطعام) كما يسمى في بعض المناطق، وإن كان أخضرا فهو وقت الفريك (قمح نصف ناضج) أو زيتون، وإن كان أصفرا فهو مرمز (شعير نصف ناضج)، وإن كان اللون احمر فهو موسم الطماطم أو الفلفل بعمل مصبرات للطماطم والهريسة، أما عن عملية أفواج الحراسة التناوبية فهي لصد محاولات التسلل للعصافير والحيوانات الدخيلة التي يمكن أن تفسد المنتوج كما يتم تقليبه على أشعة الشمس كي لا (يغرش) مصطلح يدل على فساد المنتوج إثر تعرضه للرطوبة أو المياه دون قصد، كما يتم تخزين بعض المنتوجات الفلاحية الأخر دخل القلال أو القلل من زيتون وزيت زيتون وسمن وعسل ومخلل الفلفل والخردل والجزر. ..إلخ ورغم أن العولة عبارة عن سلوك اقتصادي يجابه به الانسان ما يعترضه من اضطرابات جوية على طول العام الفلاحي وطريقة حفظها صحية لا غبار عليها في ظل عدم وجود أجهزة تبريد إلى وقت ما.
فهي لا تزال من اختصاص البوادي والأرياف عموما وتتراجع بصفة ملحوظة في نقاط التجمع الحضرية ذات الكثافة المرتفعة مثل القرى والمدن لأسباب اجتماعية وثقافية .

الخاتمة
تزخر الجزائر كبلد عربي إسلامي بجملة من المكونات والعناصر الثقافية المتماسكة والتي تتعايش وفق مصفوفة جغرافية واحدة تجمعها وكيان تنتمي إليه ألا وهو الجزائر، وهو ما يجعلها ثرية من الناحية الفلكلورية بشقيها المادي واللامادي ولكن الملاحظ وفي جميع البلدان أن التراث المادي موجود ومحفوظ ويتم الكتابة والتأريخ له أما الغير المادي فالكتابة عنه مازالت شحيحة، ويحتاج إلى التوثيق والأرشفة في جميع البلدان العربية وخاصة الجزائر لأنها رقعة جغرافية ثقافية بامتياز تجمع الثقافات الشاوية والقبائلية والتارقية والشلحية والمزابية كدوائر ثقافية كبرى لها خصائصها ومميزاتها إلى غيرها من الدوائر الثقافية الصغرى التي تذوب ضمن هاته الثقافات المتعايشة داخل إطار عربه الإسلام.