اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الحكاية الشعبية في البنية والدلالة
تشكل الحكاية الشعبية نمطا حكائيا متميزا إلى جانب الحكاية العجيبة والحكاية المرحة والحكاية الخرافية وليست نوعا عاما تدخل ...

الأدب الشّعبي حيّ؟
«الأدب الشعبي أدب حيّ». يندرج ضمن إطار هذه العبارة كلّ ما له علاقة بثقافة شعبية أنتجها الناس في زمان وم...

القلاع والقصبات في المغرب
للمعمار في المغرب خصوصيات تتميز بها كل جهة من جهاته شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وهو نتيجة اجتماعية، وتعايش يومي وعامل تلاح...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
مع ديوان
العدد 40 - أدب شعبي

د. شهاب غانم - كاتب من الإمارات

 

علي محمد علي إبراهيم لقمان شاعر يمني من عدن كان ملء السمع والبصر في المشهد الثقافي والمشهد السياسي والمشهد الصحفي في عدن بل ربما اليمن بشكل عام خصوصا في الفترة بين الحرب العالمية الثانية واستقلال عدن من بريطانيا في نوفمبر 1967. فقد كان واحدا من أهم شعراء العربية الفصحى ومن أبرز صحفيي وسياسيي عدن في تلك الفترة. ولكننا في هذا المقال سنتحدث بشكل خاص عن شعره بلهجة عدن المحلية.
وإذا كان بعض شعراء عدن المعروفين أمثال محمد عبده غانم ولطفي جعفر أمان رحمهما الله قد كتبوا باللهجة العدنية بجانب كتابتهم بالفصحى فقد كان ذلك في مجال كلمات الأغاني فقط بينما كتب علي لقمان باللهجة العدنية بجانب كلمات الأغاني قصائده المعروفة بالوراديات والتي كانت تعالج قضايا اجتماعية وسياسية وتنشر في الصحافة كما نشر مجموعة منها في ديوان بعنوان «ياهوه!.. الوراد!». والوراديات هي ما سنتناول في هذا المقال.
ولد علي محمد لقمان في مدينة عدن عام 1918 وتوفي في أمريكا يوم 24 ديسمبر 1979 ونقل جثمانه الى صنعاء حيث دفن في مقبرة خزيمة في صنعاء في يناير 1980. وينتمي إلى أسرة مثقفة يعود نسبها إلى قبيلة همدان، فجده علي ابراهيم لقمان كان موظفا إداريا كبيرا في الحكم البريطاني لمستعمرة عدن وكان يجيد اللغتين العربية والإنجليزية وكان يحمل لقب خان بهادر. أما والد علي لقمان فهو المحامي محمد علي لقمان (1898-1966) رحمه الله فيعد من أهم رجال النهضة في جنوب الجزيرة العربية وقد كان على اتصال برجال النهضة في عصره أمثال الأمير شكيب أرسلان الذي قدم لكتابه «بماذا تقدم الغربيون» الذي نشر في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، وعبدالعزيز الثعالبي الذي شجعه لإنشاء نوادي الإصلاح في عدن، وعلي أحمد باكثير الذي أهداه أحد دواوينه، والمهاتما غاندي الذي شجعه على دراسة المحاماة وبالفعل درسها بجامعة بمباي وكان أول عدني يتخرج في القانون كما شجعه على إنشاء صحيفة وبالفعل أنشأ أول صحيفة عربية مستقلة في عدن في أول يناير 1940 وكانت سياسية ثقافية واسمها «فتاة الجزيرة» وكان من أهم أهدافها المطالبة بالحكم الذاتي وقد استفاد لقمان من ظروف الحرب العالمية الثانية ليحصل على موافقة السلطات البريطانية التي كانت قبل ذلك رفضت الترخيص بإنشاء الصحيفة. وفي عام 1953 أنشأ والده محمد علي لقمان صحيفة باللغة الإنجليزية أيضا بعنوان «إيدن كرونكل» كما نشر أول رواية في اليمن وبعد ذلك عددا من الكتب السياسية والأدبية وأيضا كان أول من سجل مذكراته الشخصية باللغتين في اليمن.

نيذة عن الشاعر علي محمد لقمان
علي لقمان كان أكبر أولاد محمد علي لقمان وقد أكمل تعليمة في مدارس عدن حيث كان أحد أساتذته في المرحلة الثانوية الشاعر محمد عبده غانم زوج أخته وقد أهدى علي لقمان غانما إحدى مسرحياته بعنوان «العدل المفقود» وعددا من القصائد منها قصيدة طويله عندما عيّن غانم مديرا للمعارف بعدن منها:
أبا قيس، «أبا ليلى القوافي»
أجرنا فالفواجع في زحام
بكيت بشعرك الأحباب هجراً
ولاقيت الأحبة في غرام
وذقت الشهد في أبيات شعر
وكم عسل شهي في كلام
وقفتُ كما وقفت قبيل عصر
كأن لم يمض عام إثر عام
أهنىء أمتي بمقام حر
أبيّ في المراقي والمرامي
وللألقاب في الأيام معنى
بأنك فوق ذي حسد مسامي
ولولا العبقرية في قليل
لضاع الكون في كثب الرغام
ذكرت صباي والدنيا نضال
وبين يديك في الدنيا زمامي
حصل علي لقمان في نهاية المرحلة الثانوية على شهادة كامبردج ثم واصل الدراسة في جامعة اليجره الاسلامية في الهند ثم في الجامعة الامريكية في القاهرة حيث حصل عام 1947 على بكالوريوس آداب (قسم الصحافة) بدرجة الشرف وتدرب على يدي مصطفى أمين وعلي أمين. وجميع إخوان علي لقمان الذكور من الخريجين الجامعيين وهم الأستاذ عبد الرحيم والأستاذ إبراهيم والصحفي حامد (وهؤلاء الثلاثة رحمهم الله زاملوه في الدراسة في القاهرة) والمهندس فضل والصحفي فاروق والمهندس شوقي رحمه الله ود.حافظ رحمه الله والمهندس ماهر. وكذلك أباؤه الذكور د. وجدان رحمه الله والجيولجى محبد جبر والمهندس عماد.
عمل بعد تخرجه مديرا لتحريرصحيفة والده «فتاة الجزيرة» في عدن حتى تحولها الى صحيفة يومية واستقال من ادارتها في يوليو 1962. وكان قد أصدر صحيفته الاسبوعية «القلم العدني» عام 1953 واستمر يرأس تحريرها إلى أن أنشأ داره المستقلة في 1963 فحولها الى صحيفة يومية باسم «الاخبار» التي ظلت تصدر عن «دار الأخبار» في عدن حتى يونيو 1967 قبيل استقلال عدن وقد أوقفها بسبب أعمال العنف الإرهابية ضد الصحفيين المستقلين من قبل بعض الجبهات المتناحرة.
نشر 8 دواوين شعرية و 5 مسرحيات شعرية وديواناً واحداً بلهجة عدن العامية عنوانه «يا هوه .. ألوراد» ورسالة سياسية عن الحكم الذاتي، وله عدد من الدواوين والمسرحيات المخطوطة. كما نشر كتيباً باللغة الانكليزية بعنوان «فتاة الجزيرة» وكتيباً يحوي ترجمات من الشعر الرومانسي الانجليزي نشره مكتب النشر البريطاني بعدن أثناء سنوات الحرب. كما نشر ابنه الاكبر الدكتور وجدان في أمريكا كتاباً باللغة الانجليزية بعنوان «قصائد من أرض سبأ» يحوي ترجمات للشاعر لبعض قصائده.
وقد لعب دوراً رئيسياً في السياسة في عدن في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي وكان الأمين العام للجمعية العدنية وخاض الانتخابات وفاز فيها، وكان في قيادة المعارضة في المجلس التشريعي و النيابي. وفي فترة قبل منصب وزير لبضعة أشهر لكنه سرعان ما عاد الى المعارضة.
كان توجه علي لقمان في ديوانه الأول «الوتر المغمور» الذي نشره عام 1944 رومانسيا تماما كصديقه وأستاذه محمد عبده غانم في ديوانه الأول «على الشاطئ المسحور» وكان الاثنان يطلعان بعضهما البعض على مسودات قصائدهما وينشرانها في صحيفة فتاة الجزيرة في أربعينيات القرن الماضي. وكان غانم قد تأثر بالموجة الرومانسية أثناء دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت بين 1932 و1936كما تأثر علي لقمان بتلك الموجة أثناء دراسته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة التي تخرج فيها عام 1947 كما تأثر بأستاذه غانم. ولكن خفت النزعة الرومانسية تدريجيا في شعر الاثنين في دواوينهما اللاحقة وبقيت تلك النزعة لدى لطفي جعفر أمان الذي توفي في الأربعينيات من عمره.
ويستغرب المرء أن ينشر الشاعر والأديب اليمني الكبير عبد الله البردوني رحمه الله كتابه رحلة في الشعر اليمني ويستعرض شعراء اليمن البارزين وبعض غير البارزين الذين ظهروا في مختلف مناطق اليمن ثم لا يشير الى علي لقمان. ولا شك لدي أن ذلك كان جهلاً به وليس تجاهلاً له مجاراة للحكم الشمولي في عدن الذي كان يحاول طمس الشخصيات الوطنية من الذاكرة، فالبردوني كان رجلا شجاعا وموضوعيا. وهذا الجهل في زمن التشطير عند أدباء الشمال بأدباء الجنوب يزداد اتضاحاً عندما نقرأ في كتاب «شعراء العامية في اليمن» وهو أطروحة دكتوراه للأديب والناقد المعروف د. عبد العزيز المقالح في صفحة 412 «كما لم أتمكن من العثور على ديواني (يا هوه) و (الولاد) للشاعر علي محمد لقمان وكلها دواوين منظومة بالعامية». والحقيقة أن علي لقمان كان قد نشر ديواناً واحداً فقط بالعامية وعنوانه (يا هوه!.. الوراد!)، والوراد - وليس الولاد. وبما أن كتابه كان عن الشعر العامي في اليمن فيتوقع المرء أن يحاول الباحث الحصول على ذلك الديوان اليتيم من شعر العامية في عدن ليكتمل بحثه. والحقيقة أن د.عبد العزيز المقالح قد نشر فيما بعد أكثر من دراسة قيِّمة عن علي لقمان شاعراً وناقداً ثم جعل تلك الدراسات فصولاً في بعض كتبه وإن كانت تلك الدراسات عن شعر لقمان بالفصحى.
كان علي لقمان يكن إعجابا لشعر أحمد شوقي وأيضا للمتنبي وتظهر آثار هذا الإعجاب الكبير في بعض أبيات شعره. ولكن علي لقمان أثناء فترة دراسته في القاهرة تأثر أيضا كما يبدو بشاعر العامية بيرم التونسي وهذا التأثر يبدو في ديوان «يا هوه .. الوراد!» الذي نشره لقمان بلهجة عدن العامية عام 1958 بمقدمة من والده المحامي الصحفي علي محمد لقمان وكان علي لقمان قد نشر قصائد ذلك الديوان في صحيفة والده «فتاة الجزيرة» وصحيفته هو «القلم العدني». وكان قد أعد الجزء الثاني من «ياهوه! .. الوراد!» للنشر ولكن ظروف عدن السياسية وهجرة علي لقمان عام 1971 إلى تعز في الجمهورية العربية اليمنية ثم وفاته عام 1979بعد معاناة طويلة مع مرض السل ثم السرطان لم تمكنه من نشر عدد من مخطوطاته. وقد صدرت مجموعة أعماله المنشورة سابقا في مجلدين عام 2006. احتوى المجلد الأول وهو الأضخم بين الاثنين على كل دواوين لقمان المنشورة وهي: الوتر المغمور، أشجان في الليل، على رمال صيرة، يا هوه .. الوراد (بالعامية)، أنات شعب، هدير القافلة، ليالي غريب، الدروب السبعة، عنب من اليمن، وشعر من أرض سبأ (بالإنجليزية) ويحوي ترجمات بعض قصائد لقمان ترجمها بنفسه ونشرها بعد وفاته إبنه الطبيب الأخصائي الراحل وجدان لقمان رحمه الله في كتاب في أمريكا، وأخيرا يحوي المجلد ديوان «ياليل في عصيفرة» الذي قدمت أنا مسودته إلى جامع الكتاب د.أحمد الهمداني الذي قام بالمشروع بطلب من المهندس ماهر لقمان أصغر إخوان الشاعر. وكنت قد أعطيت قبل ذلك الجزئين من «ياهوه! .. الورّاد!» للأديب السعودي أحمد المهندس رحمه الله لنشرهما معا في مجلد واحد ولكن وافته المنية قبل أن يتمكن من ذلك. أما المجلد الثاني من أعمال لقمان الذي أعده د.أحمد الهمداني فقد حوى خمس مسرحيات للقمان سبق نشرها وهي: بجماليون، الظل المنشود، العدل المفقود، قيس ليلى، وسمراء العرب.
ديوان «ياهوه! .. الوراد!»
نُشر الجزءُ الأول عام 1958بمقدمة لوالده منها: كانت قصائد الوراد وأغانيه في بابه الخاص (ياهوه!.. الوراد!) تلاقي إقبالا من جميع قراء صحيفة فتاة الجزيرةعلى اختلاف طبقاتهم وتباين ميولهم الأدبية والسياسية على السواء. وكانت (فتاة الجزيرة) تعتقد دائما أن هذه القصائد والأغاني تصور المجتمع في عدن في فترة تعتبر نقطة تحول في تاريخ البلاد، فهي لا تمتاز بالكلمات والعبارات والصور الشعرية التي يكاد يلمسها كل قارئ نشأ وترعرع في عدن.. ولكنها إلى ذلك تمتاز بمعان فيها تعبير عما اختلج في عواطف المجتمع في مناسبات مختلفة. وهي أيضا معان، بعضها خبيث، ولكن صورها الشعرية تبعث على الضحك، والضحك أحيانا تعبير عن ألم شديد وشكوى مريرة.
عبارة «ياهوه!» تستعمل في عدن للنداء أو التنبيه، كما كانت أيضا شائعة الاستعمال في مناداة الرجل لزوجته خصوصا في حضور أجانب لأنه يتحرج من ذكر اسمها، ولم يكن استعمال الكنية للرجل أو المرأة شائعا في عدن في زمن الشاعر. و«الورّاد» هو الشخص الذي يجلب الماء الى المنازل في قربة جلدية أو في برميل على عربة يجرها جمل أو حمار وذلك قبل دخول شبكة المياه إلى منازل عدن في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي وكان ذلك في طفولة الشاعر وكانت عدن من أوائل المدن في الجزيرة العربية إن لم تكن الأولى التي تحظى بمثل تلك الخدمة الحديثة. كان الوراد ينادي عند مدخل المنزل في مدينة (أو حي) «كريتر» حيث نشأ الشاعر أو مدينة (أو حي) «التواهي» حيث يقع ميناء عدن، ثم مدن أو أحياء عدن الأخرى كالمعلا وخور مَكْسَر والشيخ عثمان والبريقة، بنداء «ياهوه!.. الوراد!» لتنبيه أهل المنزل لشراء الماء الذي كان في العادة يحفظ في إناء فخاري يدعى محليا «الجحلة» أي الزير أو الدن قبل انتشار الآنية البلاستيكية.
كان علي لقمان باستعماله هذا العنوان لقصائده الوراديات في الصحافة ثم في الديوان يحاول أن يخلق ألفة بينه وبين سكان عدن الأصليين من العرب بعد أن كثرت هجرة الهنود والصومال وغيرهم إليها في ظل قوانين الهجرة التي سنها الاستعمار البريطاني مما غير التركيبة السكانية لأن هؤلاء المهاجرين إلى عدن كان يحق لهم الحصول على جنسية البلد بشيء من السهولة لأن القاسم المشترك بينهم جميعا كان خضوع بلدانهم الأصلية للحكم البريطاني. وكان هؤلاء المهاجرون عموما أكثر تقبلا للحكم البريطاني في عدن من سكانها العرب الأصليين الذين كانوا قد بدأوا بالمطالبة بالحكم الذاتي ومنهم علي لقمان نفسه الذي كان ناشطا في السياسة والصحافة.
ولو نظرنا فقط إلى الموضوعات التي كان يتناولها لقمان في ورادياته لعرفنا هذا الاهتمام بالسياسة والقضايا الاجتماعية ومنها: قضايا التقسيم السياسي لمناطق عدن، والمجلس التشريعي، والانتخابات، والأراضي والبقاع، والبلدية، ودوائر الأشغال والكهرباء والماء والتلفون ومصافي بترول شركة بي بي في مدينة البريقة، وقضايا الفساد عموما. والواقع أنه كان فسادا محدودا إذا ما قورن بالفساد الذي أغرق اليمن في أوحاله وغرقت عدن ضمنها بعد أن صارت جزءا من اليمن وتعرضت لموجات من الظلم والقهر أولا على يد الجبهة القومية والحكم الشمولي الرهيب بعد الاستقلال ثم تحت حكم الفساد بعد الوحدة وحاليا في ظل التدمير وانقطاع الكهرباء والخدمات وتفشي الفساد والظلم والعنف والإرهاب في ظل الصراع الحالي على السلطة. ولو عاش لقمان حتى هذه الأيام لربما سخر من نفسه على كتابة الوراديات ولتمنى عودة الفساد المحدود وما كان يسميه المفكر اليمني العدني الراحل الدكتور المحامي عصام محمد غانم «بالظلم العاقل» الذي عرفته عدن في تلك الفترة. وعلي لقمان بالفعل بعد أن أضطر إلى مغادرة عدن عام 1971 هربا من الحكم الشمولي الكئيب والغاشم كتب عدة قصائد يمجد عدن ويصفها قبل مجيء ذلك الحكم الرهيب بـ«المدينة الفاضلة».
يقول لقمان في المقطوعة الأولى من القصيدة الأولى في الجزء الأول من «ياهوه!..الوراد!» وهي بعنوان «البقاع»:
رحت الحراج شفت لك في كلْ مكان بقعة
بقعةْ ميادينْ وبقعةْ تستوي رقعة
سمعت سعر الحراج حسيتْ كما الزلعة
تاجرْ يماري بهتِّي يقزعِهْا قزعة
وأنا أهبْ للبقعْ في كل يومْ مرعة
جالسْ مبَهوِرْ وفيبي في الحراجْ فجعة
والحراج هو البيع بالمزاد والزلعة هي اللسعة. ويماري في العربية تعني يجادل وفي لهجة عدن الشيء يماري يعني يلتمع كالمرآة. أما الهتِّي فهو بِلية زجاجية يلعب بها الأطفال في لعبة الِبلْيات أو أو مايسمى بعدن بـ«الفتاتير» وتستعمل ليضرب بها اللاعب بِليات الأطفال اللآخرين. ولعل هَتِّي تحريف للكلمة الإنجليزية هِت Hit أي يضرب. ومَرْعَة تعني إصابة بالعين ومبهور تعني مبحلق وفيبي مكونة من في وبي وتعني بي والفجعة أي الإصابة بالخوف أو الصدمة.
ويقول في المقطع الثاني:
واحد يقول ألف والثاني يقول ألفين
من فين أجيب نصْ شلن من فين أجيب من فين
ما فيش معي بيتْ كيف أقدر أجيب بيتين
بيل التَرِكْ والقصبْ يقصمْ فؤادي اثنين
رحت الحراج شفت عيني تقتلب عينين
وشفت ناس يلعبوا فينا «يابين يابين»
ونص تعني نصف وفين تعني أين، وفيش تعني في أي شيء وهذه الكلمات كما في عامية مصر أيضا. أما بيل فهي من الكلمة الإنجليزية Bill التي تعني فاتورة والتِرِك هو الكهرباء وهي مأخوذة من الكلمة الإنجليزية إلكترك Electric والقصب يعني الماء لأنه يجري في أنابيب تشبه عيدان القصب. ويبدو أن علي لقمان الخريج الجامعي مدير تحرير فتاة الجزيرة وعضو المجلس التشريعي لم يكن يملك ما يكفي لشراء قطعة أرض لبناء منزله فبنى منزله في جزء من ساحة منزل والده الكبيرة. وعندما تمكن فيما بعد من شراء قطعة أرض وبنى فيها مبنى متواضعا لمطبعة صحيفته «الأخبار» واستورد لها آلة طباعة كان ذلك من سوء حظه قبيل الاستقلال عام 1967 بقليل فقبل أن يستعملها استولى عليها مع الدار والأرض الحكم الشمولي. ثم صارت الوحدة اليمنية عام 1990 بعد سقوط جدار برلين التي سرعان ما تبعتها حرب 1994 ضد محاولة الانفصال واستولى على أرض تلك المطبعة بما عليها واحد من كبار المشائخ وتجار الحروب ورفض إعادتها لورثة صاحبها الأصلي فقد برر ذلك كما قيل بأنه «سارق يسرق سارق». وهو يذكرنا بالقرصان البريطاني الشهير مورجان الذي بنى ثروة طائلة في القرن السابع عشر معظمها من نهب مراكب قراصنة آخرين وأسس بعد ذلك شركات مازالت مزدهرة في بريطانيا إلى اليوم باسمه. ومن المضحك أن الشخص الذي اغتصب أرض المطبعة بنى على جزء منها مسجداً يتقرب به إلى الله على أرض مغتصبة!
وفي قصيدة «طلع طلع» يقول الشاعر في المقطوعة الأولى:
طَلَعْ طلع جني اصطرع
بيري يبس دلوي انقطع
حبلي ابتزق حقوي انتصع
ريقي نشف ما حد سمع
فالبيت الأول مطلع أغنية شعبية معروفة ثم يشكو الوراد في الأبيات ذهاب زمن الحاجة إليه فبئره جفت وحبله أبتزق أي انقطع وحقوه أي خصره انتصع (ويقال بلهجة عدن عادة افتصع) أي التوى ولم يعد مستويا.
وفي مقطع آخر من القصيدة يتحسر الوراد على زمن إيصال الماء بالقرب فيقول:
قالوا لنا جبنا القصب
والبيل أجا ما حد حسب
واتبندت بعد التعب
وانا فدى عهد القرب
دنيا ضبل كركر جمل
تبندت أي أغلقت، والضبل هو تحمل المسؤولية وعبارة كركر جمل هي مثل عدني يعبر عن الجهد من غير طائل، كما يفشل الإنسان في محاولة إضحاك الجمل بدغدغة بطنه بأصبعه.
وفي قصيدة «المجلس التشريعي» يقول لقمان في المقطع الرابع مخاطبا النواب:
أنتو عيال الوطن؟ والا عيال الجن؟
إن كان عيال الوطن شوفا الوطن يعجن
قولو لهم «نو» فما نشتيش «يس يس من»
واللي يحب الوطن يعرف يقول «لكن»
والشاعر هنا يحرض الأعضاء المنتخبين في مجلس نصفه من المعينين ونصفه من المنتخبين على أن يطالبوا بحقوق أبناء الوطن، وأن يتجرؤا ليقولوا للحاكم البريطاني «نو» أي لا No و«لكن«. والوطن ما يشتيش أي لا يشتهي من يقول فقط «يس» أي نعم Yes ويجاري ضغوط المستعمر.
وفي المقطع الأخير من القصيدة يحذر عضو المجلس التشريعي في التهاون بالدفاع عن حقوق المواطن فيقول:
يا ضارب «السوت والنكتاي» في الكرسي
شوف خلي بالك ففي الكرسي أنا نفسي
معي أنا الصوت أغلى المال مش هلسي
باجي بِهُوري وباجلس به أنا نفسي
وضارب السوت والنكتاي أي لابس البدلة Suit وربطة العنق Necktie وهي إشارة إلى اللباس الغربي الذي كان يلبسه معظم أعضاء المجلس التشريعي. ويحذر الأعضاء من التقاعس فيقول باجي أي سآتي بهوري أي بزورق (من زوارق الصيادين العدنيين) وسوف أنافسك على الكرسي.

ديوان «ياهوه! .. الوراد!» الجزء الثاني
هذا الجزء ما زال مخطوطا لم تنشر في كتاب وإن كانت القصائد قد نشرت في صحيفة محمد علي لقمان «فتاة الجزيرة» أوصحف علي لقمان نفسه «القلم العدني» و«الأخبار». وفي هذا الجزء نجد معظم القصائد تتناول قضايا السياسة مثل قصائده: «قصة للناخبين» و«الأحزاب السياسية» و«سوء الانتخاب» و«المجلس التشريعي»، أو قضايا نقد للدوائر الحكومية مثل «ترخيصات سياقة السيارات»، «إلى المسؤولين»، «لحم الدجاج»، «الكهرباء»، «يا بلدية عدن»، «غلاء الفواكه» و«القرنقاح» (وهو مرض وبائي) كما يتحدث في كثير من قصائده كما في الجزء الأول عن الأكلات الشعبية كالخمير واللحوح والخبز الطاوة والمطبق والمقرمش في معرض حديثه عن الغلاء والفقر. وهناك مواضيع شعبية أخرى.
يقول في قصيدة «سوء الانتخاب» التي كتب تحت عنوانها: بمناسبة رشوة الناخبين:
شوفوا انتخاب الرجال
مش جاه وصاحب مال
كم من عقارب بجاه
كم من غني محتال
ما هيش عونطه ولا
هي كومنه تختال
شوفوا المجالس تشا
يا ناس رجال ورجال
عشرين شلن با تروح
با تندموا بعدين
اللي يهب لك يشلك
عبد بالسِنتين
تجي تقول له أشا
يضحك عليك يومين
تبكي تقول «آح» يقول
لك ليش مش» آحين»
والعونطة هي شبيهة بالأونطة في العامية المصرية التي تعني الاحتيال وهي من أصل يوناني. والكومنة هي الاستعراض والتباهي. ويبدو أن المرشحين كانوا يشترون أصوات الناخبين بثمن زهيد يرمز إليه الشاعر بعشرين من الشلنات بل يشير إلى أن المرشح يستعبد من يشتري صوته بسنتين والسنت جزء من مئة من الشلن (وهو أيضا جزء من المئة من الدولار). وتشا تعني تشاء.
وفي قصيدة «زنبيل الصيد» ينسج على منوال أغنية مصرية لكارم محمود عنوانها «منديلي الحلو .. يا منديلو» كانت منتشرة في زمن نشر القصيدة التي يقول في بدايتها:
زنبيل الصيد وازنبيله من شدة جوعي باغني له
يا سيد الزنابيل فوق عودي طويل
على كتف نحيل وانا أمشي وأميل
والناس ألحان يا سلام سلم
والصيد ألوان يا سلام سلم
من شدة جوعي بأجري له زنبيل الصيد يا زنبيله
والزنبيل جراب أو وعاء يحمل فيه، وفي عدن يصنع عادة من أوراق سعف النخل. وفي زمننا هذا يبدو أن الحوثيين في شمال اليمن يسمون أتباعهم من الهاشمين والسادة بـ«القناديل» بينما يسمون الآخرين من أتباعهم بـ«الزنابيل» لامتهان بعضهم حمل الزنابيل في الأسواق لمن يدفع لهم بسبب الفقر والحاجة، وقد دفع بآلاف منهم وقود حرب. وكثير من هؤلاء رأينا جثثهم تترك ملقاة حتى تتعفن لعدم الاهتمام الكبير من قادتها باستردادها على عكس جثث «القناديل».
وفي قصيدة «يا بلدية عدن» يتحدث عن حملة لتطهير البلاد من الذباب والبعوض وبالفعل تمكنت عدن في أوائل الستينيات من القرن الماضي من القضاء على البعوض تماما وكان المرء ينام دون الحاجة إلى شبكة تحميه أو رش مواد لطرد البعوض الى أن جاءت ظروف الثورة وبدء انتشار البعوض يعود قبيل الاستقلال. أما الآن فحدث ولاحرج.
ياللي ضمارك دباب
واللا الضمار نامس
شوف الدباب دا ضمار
اللي يكون يابس
ما عاد يجينا الرقاد
وان جا يجي تاعس
هدا دبابي يحنحن
ما ينام جالس
ودي شطيطة تقبصنا وانا لابس
الى أن يقول:
بابكي عليك ياعدن كم
من عجايب فيك
كتن يطيروا ونامس
طار سع الديك
واللي يشوف الدباب فيبك
هنا يبكيك
هل انت بخار تمر
والقوصرة تحليك
يا بوي أنا ياعدن
من كل ما يبليك
والضمار هنا السهم أو النصيب والنامس هو البعوض (وسكان عدن لا يستعملون كلمة بعوض بل كلمة نامس أو ناموس). والدباب هي الذباب ولكن في لهجة عدن الذال عادة ينطق دالا. تاعس أي بصعوبة ويحنحن أي له جنين أو طنين. والكتن نوع من الحشرات صغيرة الحجم تقرص وتمتص الدم. وسَع أي بوسع أو بحجم, والبخار هو المخزن أو المستودع التابع عادة للدكان. والقوصرة كيس مصنوع من أوراق سعف النخل أو القصب يحفظ فيه التمر.
وأخيرا هل يمكن أن نتخيل كم كان ابن عدن العاشق لعدن الشاعر علي محمد لقمان سيبكي لو عاش ليرى ما حل بها من عجائب مأساوية بحق، عادت بها من محل الصدارة في الجزيرة العربية إلى ما آلت إليه من التردي؟ علي لقمان وأعاد لعدن واليمن الأمن والاستقرار.