اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

مهرجان الرماية التقليدية بالقوس يـيـشاون –كوريا الجنوبية
انتظم أيام 13-16 أكتوبر2017 بمدينة Yecheon ييشاون الكورية الجنوبية المهرجان العالمي للرماية التقليدية Yecheon World trad...

العواشر، الفأل، والعولة دراسة ميدانية في دلالة الأنشطة الفلاحية في منطقة تبسة الجزائر
إن الطقوس والممارسات والاحتفالات جزء من المعتقدات الشعبية وقسم لا يمكن عزله عن الموروث الثقافي للشعوب فالطقوس الممارسة ه...

صورة المرأة في الحكايات الشعبيّة
انبثقت الحكايات الشعبيّة، التي يُشار إليها أيضاً بالحكايات الخرافية أو العجائبية، من مجموعة واسعة من الحكايات البسيطة ال...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الحكاية الشعبية في البنية والدلالة
العدد 40 - أدب شعبي

د. رشيد وديجى – كاتبة من المغرب

تشكل الحكاية الشعبية نمطا حكائيا متميزا إلى جانب الحكاية العجيبة والحكاية المرحة والحكاية الخرافية وليست نوعا عاما تدخل تحت مظلته الأنواع السابقة الذكر كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين .فطبيعة الوقائع والأحداث ونوعية الأبطال والغايات هي التي تحدد نوع هذه الحكاية أو تلك.خلاصة تأثث لنا على خلفية اعتماد المنهج الوظيفي الذي يعرف بوظيفة الحكاية والغاية منها، إلى جانب المنهج الموضوعاتي الذي يرصد موضوعة الحكاية.
فضلا عن المنهج المورفولوجي الذي يركز على البناء الداخلي للحكاية.توليفة أسعفتنا على التصنيف والتوصيف.علما أن مسألة المصطلح نفسها لم تحسم بعد،فهناك من لازال يصر على تسميتها بالحكاية الشفوية بدل الحكاية الشعبية. وهناك من يلحقها بالأحجية والخرافة... وعموما يظل الأدب الشعبي والحكاية الشعبية جزءا منه أكثر ديمقراطية من الأدب المكتوب لأنه يشيع المعلومة والمعرفة والخبرة للعموم دون تخصيص بخلاف الأدب المكتوب الذي يشترط القراءة ولذلك فهو يستثني جزءا هاما من المجتمع. الكتابية بهذا المعنى مؤسسة بتعبير(J.DERRIDA). فصفة المكتوب الثبات وخاصية الشفاهي التحول.. إن الكائن البشري كائن حكاء ويعشق الحكي وهذه حقيقة انتربولوجية.بدأ بالحكاية وعرج على الشعر مادام البسيط يسبق المركب تاريخيا وهو ما لاحظناه بانتهائه للحكاية المقفاة. و بذات الخلفية تقريبا اشتغل الدكتور مصطفى يعلى حيث صنف الحكاية إلى أربعة أقسام في دراسته القيمة «القصص الشعبي بالمغرب»(1). وسم الحكاية العجيبة بحمل صفة العجب والغرابة وإثارة الإدهاش والخارق والبعيد عن المعقول ومنطق الواقع وكشف المجهول.بينما وصف الحكاية الشعبية بالبساطة والالتصاق بالواقع، بطلها إنسان عاد تماما وليس أميرا ولا بطلا مغوارا ينتصر في الغالب للقيم الإنسانية الأصيلة. أما الحكاية الخرافية فهي التي تقوم فيها الحيوانات غالبا بدور البطولة بغاية أخلاقية. بينما الحكاية المرحة هي التي تكون شخصياتها إما ساخرة أو مسخورا منها كالبخلاء أو المغفلين مستثمرة المفارقات المرحة والممزوجة بالنقد اللاذع لأوضاع الواقع الاجتماعي مصورة المواقف الدرامية بشكل كاريكاتوري بهدف التسلية والإمتاع. الحكاية الشعبية بالنتيجة نمط وليست نوعا، «والنمط هو النموذج الذي يختزن مجموعة من السمات الأسلوبية»(2)نمط ساد زمن هيمنة الكلمة كمصدر للمتعة والمعرفة وتحصيل الخبرة النافعة..والملاحظ راهنا أن الحكي انزوى في الأرياف والجبال والصحراء لاكتساح وسائل الإعلام الحواضر فبات من الضروري استثمار مخزون الحكاية الشعبية بطاقته الحلمية قبل ضياعه إلى الأبد.

محاولة في تحديد خاصيات الحكاية الشعبية
تتصف الحكاية الشعبية:
بخاصية التداول الشفوي في الأوساط العامة. ولكونها غير مكتوبة فهذا يجعلها معرضة باستمرار للحذف والإضافة حسب السياق وخبرة الرواة. خاصية تجعلها غير مستقرة ولا ثابتة.
هـي حكـاية لراو لا نعرفه أو لنقل حكاية في ملكيـة الجميـع وملكية الـلاأحـد في ذات الآن.
الحكاية الشعبية ارتبطت بالكلمة أساسا ولذلك فهي إحدى الممارسات السردية التي أسست لفن الإصغاء والإنصات بخلاف زمن الصورة الراهن والمؤسس على فعل المشاهدة.
ارتباطها –في الغالب- بالجدات والأمهات وهذا يجعل منها متنا خصبا يترجم كيفية اشتغال العقل المؤنث. ففي حكاية «حديدان الحرامي» مثلا وجدنا نزوعا لقلب القيم الرائجة في الثقافة الشعبية حيث المكر والخديعة مرتبطة بالرجل(حديدان) والسذاجة مسندة للمرأة( الغولة) دون أن يعني هذا أن الحكاية الشعبية –بسبب ارتباطها بالنساء-تذكر الشر فيكفي الوقوف عند حكاية «عائشة قنديشة» لنلامس تأنيثه.
أنها قبلة الساهرين والمتسامرين وهذا يعني ارتباطها بالليل كزمن خاص نعيشه مع من نحب ونرغب بخلاف النهار كزمن عام ومخصوص للعمل والكدح اليومي. يقال عادة لمن يطلب الحكاية نهارا، إن هو سمعها فسيرزق بابن أصلع.. وهذا تخويف ذائع معروف بين الأطفال كي يتعودوا على طلبها ليلا .
تروى عادة للجماعة حيث التفاعل البيني يشكل الضمير الجمعي الذي يحرص على القيم والأخلاق ويصوغ وجدان الأفراد.
الحكاية الشعبية بعد كل هذا، مجال لتصريف المكبوت الشعبي من خلال النقد والدفاع عن الشرف والخير والحب والبطولات الوطنية.ولأنها مصاغة بالعامية فهي مصدر خصب للألفاظ الدارجة التي انمحت وتوارت عن التداول اليومي.. إضافة لكونها خزانا حقيقيا للأمثال والأشعار المروية.

في البينية والمضامين:
تفتتح الحكاية الشعبية عادة باسم الله والصلاة على الرسول(ﷺ) متلوة بعبارة مسكوكة«كان حتى كان، كان في قديم الزمان»عبارة يراد بها شد الانتباه وإضفاء نبرة من القدسية على الحكاية. والماضي الناقص هنا(كان) مصدر نقصانه هو إحالته على الزمن دون حدثه. ماض يترجم من جهة قطعية و صدقية ما سيروى. فضلا عن كونه ماضيا عاما وغائما وغير محدد يمنح - من جهة ثانية - الراوي فسحة اللعب بوقائع الحكاية بما يعنيه ذلك من حذف وإضافة وما شابه ذلك .إضافة لامتلاك الجملة المسجوعة «كان حتى كان، كان في قديم الزمان..» جرسا موسيقيا يضفي سلطة إضافية للراوي...وتختتم الحكاية الشعبية عادة بـ«مشات خبيرتي من واد لواد وبقيت أنا مع الجواد» و الواد كناية على جريان الزمن في سيولته.. زمن سيمنح الحكاية فرصة الانتشار والتلقي في آفاق غير محدودة.وبين الافتتاح والاختتام تروى الحكاية الشعبية في الغالب وفق منطق السببية ونادرا ما تأتي غير ذلك.. أما بنيتها الدرامية فترد محكومة بالتعارض بين الخير والشر، الحب والكره، الود والضغينة... بينما تتوسل الأحداث الحكائية من حيث ورودها الثغرة والملخص(أي منطق انتخاب الأهم من الوقائع) ثم المشهد والتبطيء المصحوب عادة بالوصف.. إن بنية الحكاية الشعبية بسبب بساطتها في اللغة والأحداث تلتزم في الغالب بالخطية أو الحلزونية أو التناوبية ونادرا ما تأتي مثلا في شكل تضمين(قصة نواة وفي فلكها تدور حكايا مجاورة فرعية). وهذه البساطة في العرض خاصية الحكاية الشعبية في كل الثقافات.. علما أن الحكاية الشعبية رغم اختلاف لغة الحكي من بلد لآخر فان نواة الحكاية تبقى هي هي.. أمر يطرح علينا إشكالا فلسفيا مركبا وعميقا: ترى هل مصدر التشابه بين مختلف الحكايات الشعبية عالميا هو انطلاق الراوة/الإنسان من نفس الرقعة الجغرافية في لحظة معطاة من التاريخ القديم وانتشاره مع الزمان في الجهات الأربع من الكرة الأرضية ، أم أن الأمر يعود للعقل البشري الذي يتشابه في تركيبته العاطفية والمعرفية؟ ولنا في حكاية «عائشة قنديشة» بالمغرب خير مثال إذ نجد لها مثيلة بمصر تحت عنوان حكاية «النداهة» وفي الخليج العربي « أم الدويس» وفي اليابان«ذات الفم الممزق» وقس على ذلك قصص أخرى ببلدان أخرى وبأسماء أخرى قاسمها المشترك هو عنصر الإغواء الأنثوي والرغبة في القتل والجنس وخلو المكان من الناس واشتراط عتمته المطلقة...
وبالعودة إلى ما بين الافتتاح والاختتام نجد مضامينها في غاية التنوع و الثراء إذ يصعب حصر أهدافها فمنها ما يروم التربية الوجدانية وتهذيب السلوك ومنها ما يروم التربية على الفروسية والشهامة والكرم والإغاثة كحكايات أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد ومغامرات السندباد وما شابه ذلك.. دون أن نغفل حكايات المكيدة والحيل مثل حكاية «حديدان الحرامي والغولة» و«هاينة والغول» و«عائشة قنديشة» و«جرادة مالحة» على سبيل المثال لا الحصر. علما أننا ونحن نتناول نماذج أكثر شيوعا بالمغرب لا نستثني خصوصية الحكاية الشعبية الأمازيغية واليهودية والصحراوية بانشدادها لخلفيات محلية متميزة .

نماذج مغربية من الحكاية الشعبية
-1حكاية«عائشة قنديشة»:
إلى حدود ستينات وسبيعينات القرن العشرين كانت معظم الأسر الشعبية المغربية مفتقدة لجهاز التلفاز وبسبب ذلك كانت تلتف ليلا في جو حميمي قصد الإنصات لحكايات شعبية من قبيل حديدان الحرامي وعائشة قنديشة وما شابه ذلك.. وحكاية عائشة قنديشة،حكاية بسيطة وفي غاية البساطة تروي مقتل زوج عائشة وعائلتها من طرف جنود الاستعمار البرتغالي.. وعلى خلفية حرقة الفقدان خرجت عائشة لتوها قصد القصاص من الخصم دون احترام أيام العدة ولذلك أصابتها اللعنة الإلهية حيث أضحت لها حوافر بغل، ساكنة المقابر للتواجد بجوار زوجها القتيل علها تطفئ حرقة اغتياله. وكانت كلما ضاجعت عدوا قامت بقتله شر قتلة وبهذا تحولت من شخصية واقعية لكائن أسطوري. وفعل القتل هذا بعد ممارسة الجنس، يذكرنا بطقس درامي للعنكبوت التي تأكل ذكرها مباشرة بعد كل وصال جنسي.إن فعل القتل بعد الجنس يحيل في البنية العميقة لمسلكيات الإنسان على بقايا الحيوان فيه.. الحكاية بنائيا في غاية البساطة-مرة أخرى- تسير وفق السهم الحكائي التالي«استعمار، قتل، انتقام».لكن على الرغم من بساطة وقائعها المتخيلة فهي تحيل على وقائع تاريخية معروفة في تاريخ المغرب حيث وصف القاضي السملالي «عائشة قنديشة» في كتاب«الأعلام، الجزء9»بالولية الصالحة والتي جايلت سيدي محمد بن عبد الرحمان المتوفى سنة1873. حيث كانت تقرض الزجل منتقدة غلاء المعيشة، متسائلة عن انحباس المطر وذهاب الأخيار وظهور الأشرار... دفنت بمقبرة أغمات... غير أن إحالات اسم عائشة نفسه يمتد لما قبل القرن(19) بكثير.. يكفي استحضار أنها تشترك في الاسم مع إحدى زوجات الرسول محمد(ﷺ)[السيدة عائشة المرأة التي كانت تدعى امرأة الحقيقة والجرأة وصاحبة المواقف الشجاعة حيث تعرضت لسياسة عثمان بالنقد، وخرجت تقود جيشا لمواجهة علي بن أبي طالب في معركة الجمل..] وهذا يمنح الاسم ذاكرة قدسية. وبالموازاة لهذه التوصيفات الايجابية لعائشة قنديشة (المجاهدة والمناضلة والمرأة الفاتنة) تقدم غالبا ككائن ممسوخ وجنية كاسحة لكل ما يعترض سبيلها. فقط تلزم الإشارة هنا لتصديق هذه المفارقات كان لابد من استعداد نفسي لا يتوفر إلا في الأوساط الشعبية تحديدا لأنها لا تمتلك وعيا نقديا حادا. فالوعي واللاوعي الشعبي بسبب طبيعته المصدقة للخوارق حول مجاهدة إلى رمز خالد اخترق كل العصور.كما أن المتخيل الذكوري المعطوب للقرن (19)كان ولازال مصابا بحرمان قاتل جراء افتقاده لامرأة نموذج(modèle)(أنثى تجمع بين الحسن والفتنة والنضال وهزم الخصم). افتقاد جعله يبحث عن تعويض لسد النقص الذي اعترى الواقع.وبصرف النظر عن كون هذا المخيال الذكوري كان يعوض هزيمة فعلية على أرض الواقع بنصر تخييلي. كان على المستوى النفسي البيني(امرأة / رجل) يريد تعويض خيباته وجراحه المتكررة جراء رؤيته اليومية للمرأة الأوربية تحديدا دون أن يتوفق في حيازة مثيلٍ لها في الواقع. علما أن اقتران الفتنة بالمسخ في شخصية «عائشة قنديشة» جعل رجل القرن(19) مشوش الذهن ومقسوم على نفسه، يطرح ما لا نهاية من الأسئلة على ذاته عله يتوفر على لحظة صفاء ولو عابرة حيث كان يقول الرجل لنفسه: هل أقبل عليها بالمطلق أم أتجنبها تفاديا للمس؟ إن إحدى الصفات الملازمة لعائشة قنديشة أنها شخصية مفارقة بامتياز... فهي مرشدة للنضال وغاوية للرجال، ملائكية الأخلاق جنية الأفعال. تاريخية وأسطورية.مرتبطة بالماء البارد وحرقة القتل. ترتدي لباسا أبيضا ناصعا في ليل قاتم الحلكة... والليل في بعض التمثلات الإسلامية رمز للكفر، وفي هذا السياق يمكن قراءة الحكاية على خلفية صراع المستعمر المسيحي والجهاد الإسلامي.
وبالموازاة للبعد التاريخي لشخصية عائشة قنديشة لها بعد أسطوري لارتباط شخصيتها العامة بطقس تعبدي قديم لسكان البحر البيض المتوسط وبلاد الرافدين حيث يمكن ربطها بإلهة الحب القديمة عشتار كما يمكن ربطها بملكة السماء عند الساميين القدامى الذين اعتقدوا أنها كانت تسكن العيون والأنهار والبحار والمناطق الرطبة بشكل عام(3) ولذات الاعتبارات ولنفس الخلفية تسمى «مولاة المرجة/مولاة الواد» في الأغاني الشعبية ولارتباطها بالماء والجن «تخصص لها نوبات موسيقية وإيقاعية في الطقس الكناوي، فعندما تتغير الخرق التي تختلف ألوانها، يأتي دور لبس الخرقة الزرقاء وهي بلون الماء الذي تعكس عليه فضاءات السحاب والسماء الزرقاء، وهذه الخرقة مرتبطة بحضور عائشة البحرية،وتدعى أيضا(مولاة الما)أي صاحبة الماء»(4). يبقى أن نشير إلى أن شخصية عائشة قنديشة شخصية مفردة بصيغة الجمع. فهي تارة عائشة البحرية وتارة عائشة الكناوية وتارة أخرى عائشة السودانية وما شابه ذلك.
3 -حكاية حديدان الحرامي:
تروي حكاية حديدان الحرامي شوق رجل لمعانقة الكعبة وحج بيت الله، غير أنه كان ملزما بتدبير إقامة سبعة أبناء خلفه حتى يعود. وزيادة في الحرص على أمنهم شيد لكل منهم منزلا بالمادة التي طلب (تراب، رماد، زجاج، خشب، حجر..)لكن لحظة غيابه توفقت الغولة في كسر بيوتهم جميعا. وافتراسهم إلا حديدان الحرامي الذي ارتضى بيتا من الحديد، معدن صلب ومنه اشتق اسم «حديدان» الذي وان نجح في الإفلات بجلده من الغولة إلا أنها بواسطة الحيلة استطاعت القبض عليه.. غير أن بقاءه على قيد الحياة يرجع لهزاله الذي لم يغر الغولة بالأكل فتركته يتقوى ويسمن بأحد الأقفاص إلى حين. ولما نضج تماما ارتأت استدعاء أفراد أسرتها وتركت أمر ذبحه لابنتها الشعتاء.. فاقترح عليها حديدان أمر تسريح شعرها لكنه استغل سذاجتها وقام بذبحها وطبخها مع ارتداء ملابسها وجعل الغولة تأكل لحم ابنتها ضانة أنه حديدان...ليسقيها من نفس الكأس الذي سبق وسقته منه(قتل اخوته). بل انه أضرم النار في منزلها ذي الباب الحديدي المغلق حيث لقي الجميع حتفهم.
الحكاية عموما حكمتها ثلاث بنيات رئيسية: بنية التحذير من الغولة، بنية البطش والعنف، بنية الانتقام والتشفي. حكاية تمجد الذكاء وتشجب البطش وتعلي في العمق من شأن الحيلة في مواجهة القوة العمياء التي جسدتها الغولة. أما حديدان الحرامي الذي قلنا وإن كان اسمه الأول اشتق من الحديد فصفة الحرامي لا تفيد معنى اللقيط وابن العلاقات غير الشرعية، وإنما تدل على اليقظة والفطنة والشطارة حسب الدارجة المغربية. لكن لنعد أولا لمساءلة العديد من الرسائل المشفرة بالحكاية. أولا حديدان الحرامي هو سابع إخوته والرقم سبعة حسب معجم الرموز(5) يحيل على اكتمال دورة الزمن(سبعة أيام في الأسبوع) واكتمال دورة الألوان (سبعة ألوان في قوس قزح) كما أن حج بيت الله يلزمه سبع دورات على الكعبة. فضلا عن طيور فريد الدين العطار السبع التي بدونها لا يمكن الوصول للمعرفة العرفانية. أما في الثقافة الشعبية فالرقم سبعة يفيد التعلق بالحياة(قط بسبعة أرواح) والمرأة العانس عليها اعتراض سبع موجات إن هي أرادت فك «عقدتها». كما أن المرأة العاقر تلف بطنها بشريط سبع مرات إن هي أرادت «الإنجاب» وعموما الرقم سبعة مثقل بالإحالات الضاربة في عمق التاريخ وتربة الثقافة... أمر يعطي إسناد هذا الرقم لحديدان جدوى وهو اليافع الذي راكم خبرة في الحياة وفطنة في التعاطي مع قضاياها. معطى ثان تمثل في غياب الأم دون مبرر وهو ما اعتبرناه قتلا رمزيا لها موازاة حضور الأب المسكون بأداء فريضة الحج. ومن ثم تأشير الحكاية على بعد تعليمي باعتبار الحج ركنا من أركان الإسلام وجب ممارسته. ثالث معطى هو تأنيث الشر والعنف في هذه الحكاية حيث أسند للغولة وابنتها وهو أمر حاضر في مجمل الثقافات ذات البنية الأبوية... ولهذا يكبر الطفل الذكر وبداخله خوف من المرأة لأنها اقترنت لديه بالإخصاء جراء رغبتها الدفينة في امتلاك القضيب بأي ثمن لتعويض جرح الذكورة. عند هذا المستوى يحق لنا التسأول حول هذه المفارقة: لماذا هذه الازدواجية التي تسم الأنثى بكونها تعطي الحياة وتنذر بالموت؟ وهل هذا يعني أن صداقة المرأة للرجل شيء مستحيل؟ وهل حقا أن العداء بينهما مصدره ضياع الفردوس وجنة عدن على هامش أكلها من الشجرة المحرمة وبالتالي إحساس الرجل بالغبن وبالتالي بحته عن مسؤول عن ضياعه حيث لم يجد أمامه أفضل من المرأة كمشجب لتبرير فعل الطرد والضياع؟ أسئلة نتركها مفتوحة تماما كما هي جراح المرأة في مجتمع ذكوري.
-3 حكاية هاينة والغول:
تروي حكاية هاينة والغول قصة فتاة مخطوبة لابن عمها خرجت رفقة صديقاتها للغابة قصد إحضار الحطب، فإذا بها تعثر على «مغزل» من ذهب كان يسقط منها في لحظات متكررة... فتأخرت بسبب التقاطه كل مرة حتى كبرت المسافة بينها وبين صديقاتها فكانت الفرصة مواتية للغول كي يختطفها. ولما عاد ابن العم قيل له أنها ماتت لكن بعد إلحاحه علم بجرم الاختطاف فهب لنجدتها حيث لقي الصعاب تلو الصعاب في سبيل ذلك. وكان لعدم يقظة هاينة أنها صبغت كل مشمولات منزل الغول بالحناء لضمان صمتها لكنها نسيت «المهراز» والقط اللذين أيقضا الغول مخبرانه بفرار هاينة رفقة خطيبها.. فطار عقله وهو الذي اعتاد المبيت في صدرها فتبعهما قصد الانتقام، غير أن هاينة كان بحوزتها جراب يحتوي على مسامير وملح وشفرات حلاقة ترمي بها كلما اقترب الغول منهما.. مسامير جعلت رجليه تتورمان تماما وبذلك توفقا في الخلاص منه.
تستبطن هذه الحكاية رسائل مشفرة في غاية الدقة والأهمية على مستوى صوغ الوجود الأنثوي... حيث يمكننا بكل بساطة طرح السؤال التالي لمعرفتها: لماذا وقع كل ما وقع لهاينة؟ السبب لأنها خرجت من البيت وهي مخطوبة لابن عمها. وعن هذه الحكاية تحديدا صيغ مثال دال بعمق على إدانة ثقافة خروج المرأة حيث يقول: «الرجال فالحركة غايبا والنسا فالخلا سايبا».
إن خرق قانون الإقامة «الجبرية» بالبيت بمجرد ارتباط المرأة بالرجل لابد أن يدان ويعاقب بالاختطاف واستباحة الجسد والقمع. إن هذه الحكاية في العمق إدانة لثقافة الخروج النسوي دون إذن أو رغبة الرجل... والأدهى من ذلك أن المرأة (هاينة) ظلت تنتظر خلاصها على يد رجل آخر (ابن العم). المرأة إذن وجود مسبق الصنع إن على مستوى الكلام أو الرغبات أو الوجود بشكل عام.فالرجل هو واضع شروط لعبة كينونتها. هي شيء للتملك ليس إلا... وبامتلاكها يعبر الرجل عن مشروعيته وشرعنة سلطته. إن المرأة بهذا، تعيش مفارقة مزدوجة فهي كذات بمعزل عن الرجل بدون قيمة (يقال في الثقافة الشعبية: ديال راسها بخلفية انتقاصية) لكنها مع ذلك في اقترانها بالرجل تمنحه وضعا اعتباريا جديدا.ورغم ذلك فكينونتها المانحة تعيش سلبا على مدار العمر فهي إما ابنة فلان أو خطيبة فلان أو زوجة فلان أو أم فلان... وهذه صفات تعمل على قتلها الرمزي بتغييب استقلاليتها عن الرجل... علما أنها بوعي أو بدونه تتبنى هذه الصفات مقوية غربتها ومنفاها الاجتماعي وتعلن عن حضورها الكاذب من خلاله. إن رفض وإدانة هذه الحكاية لثقافة مغادرة البيت بما يعنيه ذلك فرصة احتكاكها بعالم الرجال تدل في تصور الحكاية أن المرأة لازالت غير مهيأة لذلك وما رمزية عثورها على «مغزل ذهبي» إلا تأكيدا ضمنيا على أن وضعها الطبيعي هو الإقامة بالبيت لغزل الصوف وحياكة الزرابي وإنجاب الأطفال وما شابه ذلك. وبالتالي فالمرأة حتى وهي خارج البيت تبقى سجينة تصورها لوظيفتها.إن وعي المرأة بالنتيجة هو جحيمها.
4 - حكاية جرادة مالحة:
تروي هذه الحكاية قصة«عاقسة» الساحرة التي ملكت الأرض والدنيا بسحرها. وتشاء الصدف أن تعيش في زمنها امرأة تدعى«الصالحة» امرأة في حوزتها بستان تجود بخيراته على الكل وبسخاء حاثمي. وكان هذا الأمر يغيض عاقسة لكن ما استفزها أكثر هو أن الصالحة رزقت بتوأم ذكر... في تلك الليلة جمعت عاقسة كل شياطينها قصد حرق بستان الصالحة لكن الشياطين عادوا خائبين وعقلهم الباطن يردد البستان محروس بالرعاية الربانية. بعد حين اهتدت عاقسة لسرقة إبنا الصالحة فارة لقبيلة مجاورة حتى لا يفتضح أمرها. قبيلة بمجرد حلول عاقسة برحابها أضحى سمكها يفسد بسرعة. وكثر الخصام بين الأهالي فقررت قبيلة القاضي «بومفتاح» تقصي الأمر من خلال طير اسمه «الزرزور» كان يأتي القاضي بمجمل الأخبار مثل سيدنا سليمان. طير فضح أمرها فحكم عليها بالمسخ مع الخيار بين ضفدعة أو جرادة. فاختارت الجرادة مع إرجاع الطفلين للأم. في صباح اليوم التالي جمعت سرب جراد اسود بنية التهام أشجار بستان الصالحة غير أنهم لما وصلوا للبستان وجدوا كل أشجارها مالحة تماما وغير صالحة للأكل. فصار الجراد صيدا سهلا للأهالي إلا جرادة واحدة كانت ملوحتها فائقة(عاقسة) وباتت لعبة الأطفال من خلال مردداتهم الأثيرة:
أجرادة مالحة فين كنت سارحة
في جنان الصالحة أش كلتي واش شربت
غير التفاح والنفاح والحكمة بيديك
يا القاضي يا بومفتاح .
تمتلك هذه الحكاية الشعبية إحالة تاريخية عميقة جدا وأبعاد رمزية متعددة. «فجنان الصالحة» على المستوى التاريخي يوجد الآن بمدينة مراكش تحت اسم «حدائق أكدال». ويعود هذا البستان للفترة الموحدية (القرن 12م)ومن المرجح جدا أن الصالحة هي زوجة الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي الكومي. أما حدائق الصالحة فبانيها هو أبو يعقوب يوسف بن عبد المومن بن علي الكومي. وهو نفسه الذي شيد مسجد الكتبية بمراكش وصومعة حسان بالرباط ومسجد الخيرالدا باشبيلية. الصالحة إذن، ليست خرافة بل هي امرأة أمازيغية مصمودية عاشت في مهد الدولة الموحدية. و«حدائق الصالحة» تدخل في التراث الإنساني العالمي لأنها من أقدم حدائق العالم حيث تجاوزت الآن تسعة قرون... الحكاية الشعبية في هذا المستوى تتماس مع التاريخ ووقائعه مع تعديلات يقتضيها المخيال والحكي الشعبيين.
على المستوى التخييلي ثمة مرة ثانية تأنيث الشر بإسناد السحر لامرأة (العاقسة). وان كانت قد انمسخت في نهاية الحكاية مع انتصار الصالحة. أمر يجعل البنيات الدلالية العميقة للحكاية الشعبية قصص معيارية لانتهائها دائما بنهايات سعيدة ينتصر فيها الخير والحب والعطاء على الشر والكره والبخل. دون نسيان رسالة مشفرة بالجوار، والتي يقول منطوقها: إصلاح ذات البين بين النساء (العاقسة والصالحة..)لا يمكنه التحقق إلا على يد الرجل(القاضي بومفتاح/الحارس الأمين للخير المطلق) حيث قدم عالم النساء باعتباره مصدرا للصراع والعنف والتصادم والخصام مع احتفاظ عالم الرجال بالقيم الايجابية المانحة للفرد وضعا اعتباريا مائزة. فالصالحة مثلا لما رزقت بتوأم ذكر أضحت محط أنظار واهتمام القبيلة لدرجة أن العاقسة ذات المجد والثراء فكرت في سرقتهما بل وممارسة فعل السرقة والتخلي عن مجدها لمجرد أنهما ذكران وبفعلها ذلك ستنتقص من قيمة الصالحة... في الواقع خلفية هذه الحكاية تعمل على استنساخ قصة المرأة الضلع العوج وأنها مصدر مجمل المشاكل بما في ذلك الإغراء الجنسي. وكأني بلاوعي الحكاية يعاود معاقبة المرأة رمز الشر من جديد... وكأن تاريخ المرأة الكوني لا يمتلك التماعات مضيئة (زنوبيا تدمر، بلقيس سبأ واللائحة طويلة.)
إن الثقافة الشعبية بالنتيجة رغم مرور مئات ومئات السنين لم تغفر للمرأة «أخطاءها التاريخية» ويتضح ذلك في الألغاز والنوادر والحكايات والأمثال. أمثال تقرن المرأة دوما بالشر والخطيئة والضياع والرغبة في الخيانة. يقول أحدها:«هاك عالغرايب المرا مكحلة والراجل غايب».
يبقى أن نتساءل في ختام هذه المقاربة عن جذور الحكاية الشعبية. هل هي أساطير حورت مع الزمن أم أنها اقتباس وإعادة تشكيل لما روي من النصوص المؤسسة للأدب الشعبي كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وقصة بن يقضان وسيف بن ذي يزن وما شابه ذلك؟ أم أنها – بكل بساطة - قصص نسجها الخيال الشعبي حول حدث أو قيمة وعمل الأجداد على توريثها للجيل اللاحق؟ وماذا عن معياريتها ألا تبعد متلقيها عن الواقع وتخدره إذ أن الضعيف دائما فيها منتصر على القوي والخير هازم الشرير..؟ وإذا كانت الحكاية الشعبية تشكل مصدرا هاما لأدب الأطفال، لماذا هي مغيبة تماما عن المقررات الدراسية؟هل هو تغييب مقصود أم عفوي، علما أن الحكاية تمنح مالكها القدرة على الاسترسال في الكلام ومعرفة عيون الحكي المغربي والعالمي ولغته وتلطف من حدة الاكتساح الهائل الذي أحدثته العولمة..فورة من الأسئلة سنعمل على معالجتها في مقاربة قادمة.