اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الأدب الشّعبي حيّ؟
«الأدب الشعبي أدب حيّ». يندرج ضمن إطار هذه العبارة كلّ ما له علاقة بثقافة شعبية أنتجها الناس في زمان وم...

عشر سنوات وثلاثمائة دراسة
هذا العدد تتم فيه مجلتنا «الثقافة الشعبية» عامها العاشر وعددها الأربعين..عمر مديد للقائمين عليها، وتحية حب و...

المعارف والتقنيات التقليدية في زراعة النخلة بمنطقة مروي شمال السودان
ترتبط النخلة في منطقة مروي شمال السودان بكل مناحي الحياة، ابتداءً من زراعتها مروراً بنموها وحصد ثمارها وصولاً إلى الاستخ...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الفولكلور لغة لتواصل الحضارات
العدد 40 - آفاق

أ.د. سوزان يوسف – كاتبة من مصر

الفولكلور هو الموروث الثقافي الشفاهي الذي ينتقل من جيل إلى جيل عن طريق، النقل الشفاهي، أو النصوص المكتوبة، أو المسجلة. ويشتمل على الموسيقى والأدب، والدراما، والبصريات التي تظهر في الفنون والحرف، والتصورات الفكرية والتأملات، التي تظهر في الأدب الشعبى، وأيضا في الممارسات. وهذه العناصر الثقافة السمعية، والبصرية، والفكرية تندمج معا، ولكن إحدى هذه العناصر تغلب على بقية العناصر الأخرى.
والأدب الشعبي هو أحد الفروع الهامة من الفولكلور، ويسمى الأدب الشفوي Oral Literature، أو الفن اللفظي Verbal art، أو الأدب التعبيري Expressive Literature. فالراوي وأداؤه الدرامي يعد من أهم وسائل الاتصال بين المرسل والمتلقي.
وتعد دراسة النصوص الشعبية مصدرا لمعرفة التاريخ البشري، فهي تكشف عن المعتقدات، وأنماط السلوك العملية والفكرية.
فالفولكلور هو العلم الذي يكشف عن مجموع المعتقدات والعادات المأثورة لدى شعب من الشعوب، والتي توارثها من الماضي، ونقلها الى الأجيال التالية، التي اعادت تشكيل النصوص القديمة في أشكال تناسب حياتهم وعصرهم، فالمواد الفولكلورية مواد مرنة قابلة لإعادة التشكيل، ولذلك تنقل من جيل الى جيل، باعتبارها ذخيرة أساسية للحياة.
ورغم أن الفولكلور له طبيعة محلية، إلا أنه له طبيعة عالمية أيضا. فكما تنبع أهمية النصوص من محليتها، تنبع أهميتها أيضا من انتشارها وسهولة تداولها. فالأدب الشعبي جذوره قديمة ترجع إلى الحضارات القديمة، ولذلك فإن دراسة النصوص الشعبية في الحضارات الشرقية والغربية، له أهميته البالغة لفهم العلاقة بين الشرق والغرب.
سنحاول في هذا المقال اختبار وجهة النظر هذه بالتطبيق عل الحكاية الشعبية التي ترجمت من اللغات الشرقية الى اللغات الغربية أو من اللغات الغربية الى اللغات الشرقية.
*****
في عام 1809 قام تيدور بينفي Theodor Benefit بترجمة كتاب من الأدب السنسكريتي يتضمن كتاب حكايات خرافية عن الحيوان. كان بنفي يرى أن الموطن الأصلي للحكايات جميعها هو بلاد الهند، وأن هذه الحكايات كانت في الأصل حكايات بوذية تحكى لأغراض تعليمية، ثم انتشرت في أوروبا في شكل روايات مدونة، إما بواسطة العرب عن طريق البيزنطيين، وإما في شكل روايات شفوية مباشرة عن طريق المغول وشعوب شرق أوروبا.
و مما لاشك فيه أن هذه النظرية قد أرشدت الباحثين إلى أن بلاد الهند بصفة خاصة بلاد غنية بالحكايات، وإلى قيمة الرواية الشفوية والرواية المكتوبة.
وقد عاشت الحكاية آلاف السنين وازدهرت في القرن السادس قبل ميلاد السيد المسيح في كل من بلاد الهند والإغريق، أما عصر الازدهار الثاني فهو في عصر الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر. وظهرت المجموعات الكبيرة للحكايات في الشرق منها:
«ملتقى التيارات لمختلف الحكايات» للشاعر الكشميري (سوماديوا).
وفي العصر العباسي. ترجمت حكايات كليلة ودمنة من اللغة الفارسية الى العربية، وهي ترجع إلى القرن السادس أو العاشر أو الحادي عشر ترجمها إلى العربية عبد الله بن المقفع(1).
كما جمعت حكايات ألف ليلة وليلة وترجمت إلى العربية(2).
كما جمعت الروايات عن الإسكندر الأكبر وترجع إلى القرن السابع.
وقصص سندباد أو الحكماء السبع وترجع إلى القرن الثامن.
وقصة أحيقار الأشوري وترجع إلى القرن الخامس.
وحكـايات أسيـوبـوس التي تـرجمت مـن اليونـانية إلـى السريـانية فيمـا بين القـرنـين التاسع والحادي عشر(3).
وفي الغرب ظهرت مجموعات الأناشيد الدينية الكبيرة التي تضمنت الكثير من الحكايات مثل الأناشيد الشهيرة التي ترجع إلى القرن الثالث عشر تحت عنوان (أعمال الرومان) Gestate Romanian.
ومجموعة الأساطير المذهبة Legend Aurea وكانت هذه المجموعات باللغة اللاتينية.
ثم ظهرت مجموعات باللغات المحلية مثل مجموعة دي كاميرون De- Cameron a ليو كاشيو Bo Casio باللغة الإيطالية.
ومجموعة لحكايات البيت والأطفال للأخوين جــرم بـالألـمانية(4).
ومجمـوعة أي لـوي في فـرنسـا لتـشــارل بيرو Charles Perrault .
وفي القرن الثامن عشر جمعت الحكايات التي حكاها الصبية في مصانع الأعمال اليدوية وحكايات الأمسيات في مغازل القرى.

أهم المصادر المكتوبة للحكايات
1 - قصة أحيقار في المجموعات الشرقية والغربية:
لقد توفرت ثمان مخطوطات سريانية بأوروبا تضمنت حكايات أيسوبوس وقد ظهرت قصة أحيقار في بعض المخطوطات مثل(5):
أ. مخطوطة برلين B2:
وتتضمن 50 حكاية لأيسوبوس بالورقة 55 على الظهر حتى 76 على الظهر.
ب. مخطط كمبردج C:
وهذه المخطوطة يرد وصفها في فهرس المخطوطات السريانية لوليام رايت وهي مؤرخة بالثامن عشر من أكتوبر سنة 1997.
جـ. المخطوطة P:
تشتمل على 64 حكاية (والورقات من 71-94). والمخطوطة بحوزة السير بيير M.Biers أستاذ السريانية بالمعهد الكاثوليكي بباريس.
2 - مجموعة لقمان العربية:
تعود مجموعة لقمان إلى فترة حديثة نسبيا وهي من تأليف مترجم مسيحي يرجع إلى القرن الثالث عشر، وقد نشرت حكايات لقمان في عدة طبعات وعددها الأصلي 41 حكاية إلا أن لدينا نسخا أخرى في مخطوطة باريس تحتوي على 144 حكاية، ومخطوطة في لندن تحتوي على 164 حكاية(6).
3 -كتاب كليلة ودمنة(7):
كتاب كليلة ودمنة ألفه الفيلسوف الهندي «بيدبا» رأس البراهمة لبدشليم ملك الهند وجعل الكتاب على ألسن الحيوان والطير بعد أن هزمت الهند أمام الإسكندر ذو القرنين واستبد الملوك وطغوا على الشعوب. وقد تم ترجمة الكتاب إلى الفارسية واليونانية والسريانية والعربية. فقام ابن المقفع بالترجمة من الفارسية إلى العربية في بداية العصر العباسي.
أ. الترجمة السريانية(8):
كان المظنون قبلا أن النسخة العربية هي أول من نقل من الفهلوية، ولكنهم عثروا على نسخة سريانية تحققوا من قرائن مختلفة وشواهد عديدة أنها نقلت من الفهلوية رأسا بعد ذهاب برزويه لنقلها من السنسكريتية.
ذكر عبد يشوع أصقف نصبين، في قائمة كتبه السريانية، رجلا اسمه »بود» قال: أنه كان من أهل العلم وأنه ألف كتبا ضد المانية والمارقونية، وكانت له رياسة على نصارى الهند وفارس نحو سنة 570م. إلى أن قال: وهو الذي ترجم كتاب كليلة ودمنة إلى السريانية، وقد سماه (فيلنج ودمنج) وهذا أقرب إلى الأصل الفهلوي. واسمها أقرب إلى اللفظ السرياني منه إلى العربي لأن الأصل السنسكريتي (كرانكا ودمناكا) فالغالب أن مرزويه نقلها إلى الفهلوية بلفظ بنفسه في آخره الجيم، فحفظه المترجم السرياني وأطلقه المترجم العربي على عادة العرب في نقل بعض الألفاظ السريانية الأولى، ونشرها مع ترجمتها الألمانية لسيبيك سنة 1871 وهي مؤلفة من عشرة أبواب فقط.
ب. الترجمة الثانية:
وهي غير الترجمة الأولى المنقولة عن الفهلوية سنة 570م فهذه الترجمة نقلت عن العربية بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلادي ونقلها كاهن مسيحي لم يعرف اسمه ولا السنة التي ترجم فيها وقد نقل هذه الترجمة إلى الإنجليزية المستشرق كيت فالكوثر. ونشرها سنة 185 وصدرها بمقدمة مهمة في تاريخ الكتاب وترجمته.
جـ. الترجمة العبرانية:
في العبرانية ترجمتان نقلتا من العربية رأسا. تنسب إحداهما إلى يوئيل وقد نقلها «جون كابوا» إلى اللاتينية 1227م وعرفت ترجمته باسم Directories Humana Rita، ومنها نقل كتاب كليلة ودمنة إلى معظم لغات أوروبا الحديثة. فالترجمة العبرانية المذكورة عظيمة الأهمية في تاريخ هذا الكتاب ولم يعثر على تاريخ الترجمة ولكنها تقدر بحوالي 1250م، وقد عثر على نسخة وحيدة لها في مكتبة باريس فوصفها «دي ساس» مطولا في مفكرته عن المخطوطات ونشر تيو داور قسما منها مع ترجمة ألمانية في مجلة الشرق والغرب.
ونشر النسخة برمتها »يوسف ديرنبرج» في باريس سنة 1881 مع ترجمة فرنسية قابلها بالترجمة اللاتينية.
د. الترجمة العبرانية الأخرى:
فهي مخطوطة في مكتبة كمبريدج نقلها من العربية يعقوب بن العازر أحد كتاب القرن الثالث عشر تقريبا، وقد نشرها »ديزنبرج» مع النسخة الأخرى وعلق عليها بعض الملاحظات والانتقادات.
ه. الترجمة اليونانية(9):
نقلها من العربية سمعان بن شيث سنة 1080 وكانت ضائعة، فعثر عليها الأب بطرس يوسيفوس اليسوعي في أثناء بحثه عن أوراق فيها تاريخ ميشال اليرغوسي، فوجدها في مكتبة وترجمها إلى اللاتينية ثم نشرت الترجمة اليونانية سنة 1697 مع نسخة أخرى وجدوها في همبورج، نشرها ستارك مع ترجمة لاتينية جديدة لاعتباره ترجمة يوسفوس مغلوطة. وقد طبعت غير مرة وتفرع منها ترجمتان الإيطالية والسلاقونية، فالترجمة الإيطالية تعرف القديمة تميزا لها عن الترجمات الحديثة وقد نشرت عام 1583م ثم عام 1872، والترجمة السلافونية تعرف الترجمة الروسية القديمة تميزا لها عن الترجمة الروسية الحديثة نشرت في بطرسبورج 1788م.
4 - مجموعة حكايات ألف ليلة وليلة:
تعد مجموعة حكايات ألف ليلة وليلة الشهيرة شاهدا آخر يستحق التقدير والتأمل على قوة الحكاية الهندية الخرافية ومدى تلك القوة. وفي عصر الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر وما تلا ذلك من القرون تطورت في هذا العصر في مصر مجموعة حكايات ألف ليلة وليلة حتى استقرت على الصورة التي هي عليها الآن.
وقد قام بترجمة هذه الحكايات كل من «اينو ليتمان» و«كارل ديروف» وتدين أوروبا بمعرفتها لهذه الليالي إلى المستشرق الفرنسي الشهير «اتنوان جالان» الذي ترجم هذه الحكايات من العربية منذ عام 1704 إلى اللغة الفرنسية واجتهد لكي يلائم بين الأصل الشرقي وبين الذوق الغربي. وقد نشأت عن هذة الحكايات عدد لا حصر له من حكايات الجان في كل من فرنسا وألمانيا. اتخذت ترجمة «جالان» لليالي نموذجا لها في مجموعتها. ويرى اويسترب أن آخر صورة الليالي أخرجت بعد عصر صلاح الدين الأيوبي، ويأتي نص المقريزي فيضع حدا فاصلا فإن سعيد هذا الذي تحدث عنه أتى من غرناطة إلى القاهرة سنة 1241 وباختصار يحدد أو يرتب التواريخ الآية: القرن الثامن الميلادي للترجمة من الهزارنسان، القرن العاشر أو الحادي عشر للمجموعة البغدادية، أوائل دولة المماليك للمجموعة المصرية، ويمكن أن تكون قصص أخرى قد أضيفت في القرن الرابع عشر والخامس عشر. أما ما بين أيدينا من نسخ فكلها حديثة يرجع أقدمها إلى سنة 943ه(10). أما المخطوط العربي الذي اعتمد عليه جالان بصفة أساسية فيرجع إلى القرن الرابع عشر ويتكون من أربعة أجزاء، وقد عثر على ثلاثة أجزاء أما الجزء الرابع فلا أثر له.
والمترجم الفرنسي ربما استمد حكايات الجزء الرابع من راو مسيحي فقد كان جالان يستمع إلى كثير من الحكايات من مسيحي سوريا خصوصا حنا الماروني.
وقد ظهر الأثر البابلي في المجموعة ممثلا في الشياطين التي يكون نصفها إنسان ونصفها الآخر حيوانا. وكذلك موضوع الحصول على ماء الحياة يبدو أنه يرجع إلى الملحمة البابلية جلجامش.
وبعض الحكايات نقلت عن طريق حكايات الإسكندر، ومن المؤكد وفقا لرأي ليتمان أن حكاية هيكار الحكيم التي ذكرت في بعض المخطوطات ذات أصل بابلي.
أما شهرة سليمان وخاتمه السحري وبساطة الطائر وسيطرته على النار وصنوف الحيوانات والشياطين فقد أكدها العرب بعد ان انتقلت إليهم عن طريق أتراك وسط آسيا.
وقد كانت ألف ليلة وليلة مركز اهتمام الترجمات العبرية، فهذه الحكايات رغم أنها تقدم صورة واضحة ومفصلة عن الحياة الاجتماعية للمجتمعات العربية في العصور الوسطى، إلا أنها زاخرة بالثقافة العالمية في رموزها وعلاماتها الأسطورية تستعيد دلالتها ضمن الإطار العام للثقافة الإنسانية في مراحلها الأولى. كما أن طرائقها التعبيرية تدمج الإفصاح عن المكبوت والمخالف للأعراف والمتمرد على القوانين، فهي نص متعدد على مستوى التأليف أو على مستوى اللغة والرموز ويشكل نصها حدثا لافتا باعتباره يحطم الحدود بين العالم الواقعي ومجال الرغبة أي الممكن عيشه مستقبلا(11).
وقد أثار هذا النص من الجدل حول أصله، فقد أورد المسعودي في الجزء الرابع من مروج الذهب أن كتابا اسمه ألف ليلة وليلة ترجم منذ أيام المأمون أو المنصور عن الفارسية. والواقع أن نص المسعودي لا يمكن فهمه إلا إذا أرجعنا إلى نص آخر في كتاب عربي مهم هو «الفهرست» لابن النديم فقد ذكر ابن اسحق النديم كتاب ألف ليلة وذكر أيضا كتبا (هذارأفسانه) أي ألف خرافة. وقد انتبه المستشرقون إلى نص ابن النديم ولكنهم لم يعتدوا به(12).
وأهم طبعة لهذا الكتاب هي طبعة بولاق التي طبعت في مصر التي اعتمدت على نسخه هندية طبعت في كلكتا سنة 1813 ومن نسخة بولاق تلك خرجت مختلف الطبعات المصرية المتعددة التي بين أيدينا.
والأثر المصري يظهر في الحكايات التي تروى عن سليمان. ونجد في مخطوط قبطي عن سليمان وملكة سبأ تقول الحكاية المصرية أن سليمان حاول دون جدوى أن يحقق لنفسه سطوة عن طريق خاتمه السحري على الملكة الذكية. وقد وعدته الملكة بأن تمنحه عمود المعرفة، إذا ما استطاعت شياطينه أن تحملها إليه في سرعة فائقة، وقد عرف الشيطان الأول أن يحضرها في يوم كامل حتى المساء، أما الثاني فقد عرض أن يحضرها في ساعة من الزمن، وأما الثالث الذي كان نصفه إنسانا ونصفه طائرا فقد عرض أن يحملها إليه في الزمن ما بين شهيق سليمان وزفيره، وقد حقق هذا الشيطان هذه الأعجوبة فتمثلت حقا كل معرفة الأرض مكتوبة على عمود، حتى أسرار الشمس والقمر.
5 -قصص سفر طوبيا:
أ. في الترجمة اليونانية(13):
قصة سفر طوبيا هي إحدي القصص التي تم ترجمتها فأضيفت إلى التوراة السبعينية أو العهد القديم المترجم إلى اليونانية، وهذه الترجمة ترجع الى حوالي 200-100 قبل ميلاد السيد المسيح.
وانتشر نص هذه الترجمة بين اليهود والذين يخافون الله من غير اليهود الذين انجذبوا إلى التعاليم الأخلاقية السامية للعهد القديم رغم أنهم لم يعتنقوا الديانة اليهودية.
وقد استخدم المسيحيون هذه الترجمة اليونانية سواء الذين كانوا يعيشون بين اليهود أو الناطقين باليونانية أو في البلاد الأخرى. وفي الحقيقة أن معظم العبارات التي يقتبسها العهد الجديد من العهد القديم من هذه الترجمة.
ولكن هناك اتفاقا عاما حول أهمة هذه الترجمة لأنها تقدم الكثير من المعلومات عن تاريخ اليهود و حياتهم وثقافتهم وعبادتهم وممارساتهم الدينية، في القرون التي سبقت ظهور السيد المسيح مباشرة. ولهذا فهي توفر فرصة للوقوف على الوضع التاريخي والاجتماعي والحضاري الذي عاش فيه السيد المسيح.
لم تكن لغة الترجمة السبعينية هي اللغة اليونانية الأدبية، بل هي لغة الحديث السائدة في تلك الفترة والملونة بألوان سامية ساعد عليها بلاشك الهدف الأساسي الذي قامت من أجله الترجمة، وتوصيل معاني النصوص الدينية وتيسير العبارات وتقريب المعاني قدر الإمكان إلى أذهان تلك المجموعات اليهودية التي نسيت لغتها العبرية الأصلية(14).
ب. القصة في مخطوطات جزيرة فيلة في أسوان:
»فيلاي» هو الاسم اليوناني الذي أطلقه اليونان على الجزيرة بديلا من الاسم المصري (با- أو رك)، وفي اللغة القبطية (بيلا) فكلمة فيله وآخرها هاء مربوطة ليست جمع كلمة «فيل». وينبغي أن نميز بينها وبين جزيرة أخرى تقع أيضا في أسوان وهي جزيرة الفنتين أي جزيرة الفيلة بالتاء المربوطة، وهذا الاسم يطلق على جزيرة تقع جنوب الجندل الأول بين خزان أسوان والسد العالي(15).
وكانت الإلهة إيزيس هي إلهة هذه الجزيرة، وقد لقيت عبادتها رواجا كبيرا في الأسرة الثلاثين، وكان أقوام من الجنوب يزورون الجزيرة للتعبد للآلهة، كما زارها الإغريق وتركوا العديد من المخربشات على جدران المعبد.
ومن المعابد التي أقيمت في الجزيرة معبد لإله نوبي (ارنفسوفيس) Aernsiophs وهو الاسم اليوناني للاسم المصري (أرى- حمس- نفر)، ومعبد للإله أمنحوتب إله الطب، ومعبد الآلهة حتحور محاطة بصور الإله بس وعازفات الموسيقى.
في سنة 1907-1908 اكتشف الكثير من البرديات المكتوبة باللغة الآرامية التي كتبت من قبل الجماعة اليهودية في القرن الخامس قبل الميلاد ما بين عامي 492-40 ق.م(16).
وكانت تلك البرديات في أغلبها مستندات تجارية، قروض نقل ملكية ومراسلات بين اليهود والحاكم السامري. منها خطاب أوشكوى تفيد أن الحاكم المحلي والكهنة قاموا بهدم مكان العبادة الذي بناه اليهود في جزيرة فيلة، وطلبا المساعدة لإعادة بناء المعبد(17)، ويؤرخ الخطاب بالسنة الرابعة عشر من حكم داريوس.
ومن بين الوثائق التي تم العثور عليها حكم أحيقار وهي تحكي قصة أحيقار الذي عمل كاتبا للملكين: سنحريب، وأسرحدون ملكا آشور. وكانت هذه النصوص متداولة زمنا طويلا في المدارس الآرامية في العصر الفارسي، وقد ترجمت إلى الأدب السرياني واللهجات الآرامية الغربية(18).
وقد ورد اسم أحيقار في لوح مسماري من العصر الهلنسي أدرجت فيه قائمة بأسماء عدد من المشهورين ومنهم خوتار وهو أحيقار وقد عاش في مطلع القرن السابع ق.م. أو 500 ق.م. وهناك نسخة أخرى عن هذه الحكم كتبت بلهجة شرقية اللهجة السورية. وهذه الوثيقة تقدم لنا صورة عن العلاقات بين مصر وفلسطين والجزء الأول يتضمن حكما وأمثالا، والجزء الثاني يحكي قصة أحيقار مع ابن أخيه نادان.
6 - أدب الحكمة القديم:
العادة أن تسمى مصادر الشرق الأدنى القديم المتخصصة في الأمور الفكرية أو التعليمية بأدب الحكمة. وتشمل مادة الحكمة النابعة من الشرق الأدنى بعض المؤلفات المستقلة، وعدد من الموضوعات العارضة التي تؤثر بطريقة أو بأخرى في الموضوع.
أ. أدب الحكمة المصري:
تدل نتيجة البحوث التي قام بها علماء الآثار في تاريخ أدب العالم القديم أن مصر كان لها السبق في الإنتاج الأدبي في باب الحكم والتأملات(19).
فالتعاليم جنس أدبي شديد الأصالة في مصر، وقد ضاعت معظم هذه التعاليم وفيما يلي ما تبقى منها مرتبا ترتيبا زمنيا:
تعاليم بتاح حوتب الأسرة الخامسة (2560-2420 ق.م.).
تعاليم آني الأسرة الثامنة عشر (1570-1307 ق.م.).
تعاليم آمن أوبه الأسرة الثامنة والثلاثون (العصر البطلمي) (332-30 ق.م.).
تعاليم عنخ شاشاني (30-395 ق.م.).
العصر الروماني بردبه أينسنجر IN singer
كما يمكن أن نضيف إلى هذه المجموعة مؤلفين ملكين هما:
تعالم الملك خيتي الثالث إلى ابنه (مري كارع) (الأسرة الثامنة).
تعاليم الملك أمنمحات الأول إلى ابنه سنوست (الأسرة الثانية عشر 1991-1962).
وهذان المؤلفان كتبا خصيصا لأحد الملوك ولهما طابعهما الخاص ولكنهما ينتميان إلى مدرسة بيت الحياة من حيث مضمونهما الفكري(20).
إن المصريين كغيرهم من الشعوب لم يفهموا التاريخ كما نفهمه الآن أو حتى كما فهمه اليونان، إذ كانت فكرة التاريخ كما نعرفها الآن لم تكن لها وجود في تلك العصور القديمة، ولكن كان لديهم ما يمكن أن نسميه إحساسا بالتاريخ، فإنهم لم يفهموا حاضرهم إلا في ضوء ماضيهم، كما انتشرت بينهم فكرة عامة وهي الإعلاء من شأن ما مضى من أيام، واستلهام حضارتهم، ومحاولة إرساء تقاليدهم من آن لآخر(21).
وكان الكاتب المصري يمثل مكانة مرموقة في المجتمع ويخضع باستمرار لرقابة الدولة، فكان لا غنى عنه في الجهاز الإداري والمدني، وما من شخصية كبيرة إلا بدأت حياتها في تعلم مهنة نسخ النصوص، وقد تمتعوا بمكانة عظيمة في الدولة الوسطى. وفي الدولة الحديثة كان الأمراء يحملون لقب الكاتب الملكي ومن خلال عملهم اكتسب الكثير منهم حب الثقافة بل والحكمة أيضا، ومن بين صفوفهم خرج المؤلفون الذين نالوا الشهرة. وفي العصر المتأخر أصبح كاتب الأسفار الإلهية له مكانة مميزة في سلك الكهنوت، وكان جميع الكهنة يجيدون القراءة والكتابة(22).
لقد كان الكاتب يشعر أنه إذا أجاد في نشر تعاليمه القيمة خلد اسمه وعاشت حكمته على مر الأيام والدهور، فالكاتب لم يكن غرضه الوظيفة أو جمع ثروة في الحياة فقط، بل كان يرمي إلى معانى أسمى من ذلك ومقاصد أنبل تخلد اسمه وترفع من شأن قومه. وكذلك كانت النصوص يتم نسخها باستمرار ويعاد تداولها بين التلاميذ وتحفظ شفاهة.
وكان لا يذهب إلى المدرسة إلا أولئك الذين كانوا يعدون أنفسهم ليصبحوا كهنة وكتبة. وكانت المدرسة تقام على مقربة من المقر الملكي، أو المعابد الرئيسية. وبينما وجدت بيوت الحياة التي كانت بمثابة مدارس عليا يتم فيها نسخ النصوص. ولكن المدرسة كانت جزء من مؤسسة أكثر شمولا، بل حدث في الدولة الحديثة على أقل تقدير أن أصبح تعلم لغة سكان جزر بحر إيجة اللغة الآكادية ضرورة لإعداد الكتبة قبل إلحاقهم بالشؤون الخارجية، وقد أعدت مجموعة مختارة من النصوص الأدبية لتدريب الطلبة على مختلف الأساليب(23).
ب. أدب الحكمة البابلي:
إن إقليم بلاد ما بين النهرين له مصادر تاريخية كثيرة مثل: قوائم بأسماء الملوك وعهودهم والأحداث التاريخية، بالإضافة إلى الكتابات الأدبية التي قد يستخلص منها الحقائق التاريخية، ولكن أصداء الأزمنة السحيقة يمكن الرجوع إليها في حقل النبوءات، ومن تقاليد هندسية المعمارية، والأدلة التي تحتويها السجلات في المكتبات العظيمة. أن الماضي يرتبط بالأمور الدينية وتاريخ إنشاء المعابد الكبرى التي تجسد العهد بين الإله ورعيته وكان من الأهمية أن تحفظ الأجيال التالية العهد وما ينطوي عليه ألا تهمل ترميم هذه المعابد ولا تنقلها من أماكنها الأصلية(24).
وقد انعكس أثر هذا الفكر على الفكر اليهودي في الملوك الثاني 17 : 4 فقد أمر الفاتح الغازي الشعب الذي نقله الأشوريون إلى إسرائيل بعد سقوط سماريا بعقد صلح مع إله الشعب المهزوم لإزالة غضبه.
لقد رأينا أن المواطن في إقليم ما بين النهرين القديم كان دائما قلقا بشأن علاقة مجتمعه بالطبيعة. ولأنه أغدق على الطبيعة معظم عيوب الجنس البشري فقد أعوزته الثقة الكاملة في آلهته، فقد كان يستحيل التنبؤ بشأنهم ولذا كان الجنس البشري محكوما عليه بالاضطراب وعدم الشعور بالأمان، وكان الشيء الوحيد الذي كشف الماضي عنه أكثر من أي شئ آخر هو عدم دوام أي شئ، ونلاحظ هذه النغمة بوضوح فريد في شعر جلجامش القصصي.
ويجب على الملك بوصفه راعيا أمينا أن يحاول جاهدا العمل على حفظ التوازن الراهن بأي ثمن، فقد يكون أي خطإ دليلا على سخط الآلهة.
وفي العادة يمكن إعادة التوازن بالجهود المكثفة التي تبذل في سبيل الطهارة والتكفير عن الذنوب، وقد يكون من الأصوب أحيانا تنصيب ملك بديل ليحول الغضب الإلهي عن الحاكم الأصلي، ومع ذلك فثمة مناسبات لا تنجح فيها أي من العقاقير الطبية. ولا تحقق الأثر المطلوب.
أما مصادر الحكمة فتعالج الموضوع تحت شعار «المتألم التقي» إننا نعرف الآن هذه الفكرة الهامة في ثلاثة نصوص رئيسية وأحد هذه النصوص:
»إني سأمدح إله الحكمة»وهذا النص يوجد في نسخ ترجع إلى ألف عام ق.م.
ونص آخر يسمى: «المحادثة ذات الكلمات المتقاطعة» أو «أثر الرعاية الإلهية لدى البابليين» وهو يرجع إلى نهاية الألف عام الثانية ق.م.
والنص الثالث الذي نشر أخيرا يرجع بنا إلى العهود البابلية القديمة.
وتساعد النصوص الثلاثة معا على إيضاح مشكلة المعاناة بسبب الظلم الذي كان موجودا على الدوام في إقليم بلاد ما بين النهرين، وبرغم كل ما بين هذه العبارات من فروق في الشكل والطريقة والتعبير فإنها تشترك من حيث النهاية وهي:
«برغم أن الشخص التقي قد يتعرض للمعاناة فمن المؤكد أنه ينجو في النهاية. إن طريق الآلهة في الواقع بعيدة عن الاستقصاء غير أن الأتقياء لا ينبغي أن ييأسوا من الخلاص في النهاية»(25).
بالاختصار لا يتركز الاهتمام في النهاية في التجارب التي يتعرض لها المتألم بقدر ما يتركز في معجزة النجاة النهائية. والتراجم الثلاثة الخاصة بالنصوص الأكادية هي نموذج «لأيوب أقليم ما بين النهرين» وبرغم انتشارها على مدى أكثر من ألف عام تتفق تماما من حيث هذا التأكيد الهام.
فثمة علاقة بين فكرة أيوب وفكرة التاريخ، فالانتشار الواسع لهذا الموضوع في أدب إقليم ما بين النهرين، بالإضافة إلى أصواته في الخارج، يوحي بأن الشخصية الهامة قد يكون لها نظر تاريخي، وعلى أي حال فإن قصة أيوب واحدة من أقوى الحجج التي من أجلها يجب دراسة التاريخ، لقد وجد في الماضي ملوك تخلت عنهم الآلهة، ولم يشف بعضهم إطلاقا، ولكن غيرهم عادوا إلى النعمة بمرور الزمن. وكانت أسرة أكاد المالكة رائدة في هذا الشأن إلى حد كبير، فقد كان سرجون العجوز كما تلخص النبوءات شخصا واجه الظلام ولكن النور ظهر من أجله(26).
ومن ناحية أخرى تعرض بقية أفراد الأسرة إلى العديد من الكوارث فبعضهم تم اغتياله أو عاشوا ليروا سلطاتهم وقد تقوضت.
وقد تساعد دراسة الماضي المرء على أن يناقش الناجين، وأن يتجنب أخطاء سلب الحظ. فإن الهدف الرئيسي لمثل هذه القصص ومعرفتها هو تعلم القوانين الخاصة بالخلاص، إذ لا يعرف المرء مطلقا متى تكون مثل هذه المعرفة ذات قيمة وحيوية له.
إن رمز أيوب لم يكن الشعار الوحيد الذي وضع كمصدر للتعزية فقد كان بطل الطوفان مثلا معزيا آخر، إذ لم يخرج أحد في كل تاريخ البشرية منتصرا من خطر أعظم مما تعرض هو له، ومع ذلك ففي هذه الحالة يرجع أدب الحكمة في إقليم بلاد ما بين النهرين قواه إلى والده: «أتنابشتم» وهو نوح المحلي، إذا كان من الواضح أن الحكمة الأبوية هي التي تساعد اتنابشتم على النجاه فقد كان »شوروياك» بطل مدينة الطوفان كبديل لوالد اتنابشتم وهو الذي يظهر كمصدر رئيسي للحكمة التي تضرب بها الأمثال في كل من الأدبين السومري والأكادي.
وتتحد حلقات الصلة بين أبطال الطوفان والأدب المثالي، وبين صورة أيوب وموضوع الخلاص من ناحية أخرى،لإعطاء معنى جديد في سفر حزقيال 14: 4 الذي يذكر أن نوحا ودنيال وأيوب هم الرجال الوحيدون الذين خرجوا دون أن يوجه إليهم النقد الجارح بسبب تقواهم من الاضطرابات العالمية العارمة. فنوح وأيوب في ردائهما الإقليمي في بلاد ما بين النهرين يعرفان كشخصين حكيمين واسعي الشهرة.
ونظير دانيال في المصادر السومارية والأكادية، مازال من الواجب بحثه وإثباته. ولكن بروز هذه الفكرة الخاصة يبدو واضحا بطريقة مستقلة في المصادر الأوجاريتية،فضلا عن أن كتاب دانيال له خلفية ما بابلية، بصرف النظر عن حزقيال الذي يذكر هذه الأسماء الثلاثة حصل على ثقافة بابلية بطريقة مباشرة. بعبارة أخرى إن النشأة الأصلية لإبطال حزقيال الثلاثة في بلاد ما بين النهرين كما يرى حزقيال مؤكدة دون أي شك، ويدل قول النبي على الشعبيةالعظيمة للتقليد الذي تبنى عليه، والتفسير السائد يستدل عليه في نبوءة قديمة تقول: «إذا كان قد نبذ الخطيئة فإن إلهه سوف يؤازره».
وعلى أية حالة فإن استخدام هذه الأفكار في أدب الحكمة موح بأنها قد أصبحت ترمز إلى درس الماضي على المستوى الفكري الرفيع.
جـ. أدب الحكمة في أرض كنعان :
كنعان هي القطاع السوري الفلسطيني من الهلال الخصيب، بين البحر المتوسط والصحراء. وكان المتكلمون باللهجات الكنعانية يشملون العبرانيين والفينيقيين، فضلا عن طائفة من أمم صغيرة تربطها صلة الدم كالأدوميين، والموآبيين، والعمونيين.
ويرجع التراث اليهودي والمسيحي إلى أساسه الكنعاني ان أهم المصادر عن الأدب الكنعاني هي ألواح أوجاريت، وتشرح الأساطير الأوجاريتية الطبيعة، بحيث تكفي رغبة الإنسان في التعرف على الكون وتضمن انتظام الإجراءات التي تدفع الخصوبة، خصوبة الإنسان وخصوبة الحيوان والنبات.
وقد تواترت محتويات الأساطير عن طريق الروايات. فلم يكن الأقدمون مهتمين بالمجردات وإنما كان تفكيرهم واقعيا، وكانت آلهتهم تصور منكبة في علاقات حيوية وأعمال هامة. نضرب مثلا ببعل رب الخصوبة والحياة. وموت رب العقم والموت حيث يقتتلان. فإن الفعل غير هام في ذاته ولكنه له منزلته في أن النتيجة إنما تحدد ما سوف تكون عليه الأرض خصبة أو مجدبة لفترة طويلة(27).
وتعد حفائر رأس الشمرة »أوجاريت» التي تم اكتشافها 1928، والتي ورد اسمها في النصوص المصرية والنصوص الأكادية منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد من أهم مصادر التاريخ الكنعاني. وقد عثر في الحفائر على كثير من التماثيل والحلي والفخار، وعدد كبير من اللوحات الطينية الصغيرة المكتوبة بالمسمارية. وكانت النقوش التي عثر عليها نقوشا مكتوبة بكتابات ولغات مختلفة، بعضها بالأكادية، وبعضها بالحيثية، وبعضها بالمصرية. ولكن عددا كبيرا يبلغ بضع مئات من اللوحات كان مكتوبا بكتابات لم تتضح في بداية الأمر، ولكن سرعان ما توصل أكثر من باحث واحد في عام 1930 إلى حل شفرتها، منهم فيرولود Virolleaud وباور Bauer، ودروم Durum عند مقارنتها بالأبجدية الكنعانية. وكانت تلك الكتابات جزءا من مكتبة القصر الملكي وقد ألقت دراستها ضوءا كبيرا عن الحياة الدينية والاجتماعية في مدينة أوجاريت القديمة. وكان أكثر ما عبر عليه في بادئ الأمر أساطير وقصصا بطولية عن الإله بعل واخته عنات، وبعض هذه اللوحات تتعلق بمراسلات سياسية وإدارية. وحفائر أوجاريت كشفت عن محاولة إيجاد أبجدية حروف هجائية عدد حروفها محدود وقد تأثرت أبجدية أوجاريت باللغة الأكادية(28).
والكثير من القصص الشعبي المصري يكشف عن العلاقات الثقافية والسياسية بين مصر وأرض كنعان.فقد بسط المصريون سيطرتهم على الساحل الفينيقي وكنعان قبل 250 ق.م. ووصلوا إلى نهر الفرات خلال القرن السادس عشر ق.م. وبقيت كنعان تحت السيطرة المصرية أكثر من أربعة قرون (29).
والحضارة الكنعانية حضارة مركبة، وهي مزيج من الثقافة الأكادية والمصرية، ولكن الدور الأساسي الذي لعبه الكنعانيون هو نقل الثقافة الشرقية الى الغرب باعتبارهم تجار حاذقون.
د. أدب الحكمة العبري:
إن مصادرنا عن الفكر العبري ليست مصادر أصلية. أي سجلات مدونة كالنصوص الموجودة على الألواح الطينية، أو النقوش والصور المحفورة على جدران المعابد والقصور. وإنما هي وثائق أدبية قد دخلت هي نفسها مراحل تاريخية طويلة من الجمع والتحرير والنسخ.
وفي هذا الأدب تلعب فكرة التاريخ دورا غير عادي فهو بطبيعة الحال أدب ديني، ولكن التاريخ ذو أهمية أساسية بالنسبة للعبريين. وتتكون النصوص من حكايات تاريخية كلها معروضة تحت مفهوم قوي عن التاريخ، ومع ذلك فهي ليست فكرة واحدة متناسقة، بل إن لدينا أفكارا كثيرة عن التاريخ في العهد القديم.
لقد حفظ الأدب العبري لأنه مقبول كأدب مقدس لدى اليهود والمسيحيين وأصبح جزءا من التراث الثقافي لدى المسلمين.
ومن المحتمل أن القبائل العبرية عاشت في مصر كرعاة وأيضا في الصحراء بعد الخروج من مصر. ولكن الوثائق عن هذه الفترة قليلة وناقصة، فليس لدينا عن هذه الفترة سوى سفر الخروج، و سفر اللاوين، وسفر يوشع. وسفر القضاة يقدم صورة عن التغيرات الاجتماعية والدينية والأخلاقية وتحول القبائل العبرية إلى حياة الاستقرار والزراعة والتجارة والصناعة بعد الدخول الى أرض كنعان. وتمدنا المصادر الأدبية ببعض المعلومات عن الحياة الاجتماعية والدينة مثل: قصة آهود بن حيرا (القضاة: 3: 15-28)، وأغنية ديوره (يوشع 9)، والقصة الشعبية عن جبعون (القضاة 6-8)، وقصة أبي مالك مع جال بن عوبيد (9: 26-41)، وقصة يفتاح (11، 12)، وقصة شمشون (13، 16)، وقصة أوثان ميكا وهجرة العرافين (17، 18)، وقصة جبعة (19-21). وهناك قصص أخرى تظهر صموئيل كقاضي وقائد، وقصص أخرى عن شاول (صموئيل 9: 1-10، 11، 13، 14، 16).
فقد ظلت العشيرة هي الشكل الأول البدائي في التنظيم الاجتماعي وتأثيرها على حياة العبريين ملحوظ، ولكن تزايدت أهمية الأسرة بالتدريج وأصبح العبريون يعملون بالتجارة والصناعة، وقد ساعدت عقيدة القبائل عن وحدة الإله يهوه إلى الاتجاه إلى الوحدة القومية في نهاية هذه الفترة(30).
إن الكثير من النصوص الأدبية في العهد القديم يمكن أن تصنف كمصادر مباشرة لأدب الحكمة مثل: سفر أيوب وسفر الأمثال، والجامعة، وسفر المزامير. بالإضافة إلى أسفار الأوبكرفا مثل سفر يوشع بن سيراخ، وحكمة سليمان، وسفر طوبيا.
ولكن العديد من القصص الذي ذكر في نصوص العهد القديم كان يهدف إلى أغراض تعليمية مثل: قصة قابيل وهابيل التي تعكس الصراع القديم بين المجتمعات الرعوية والزراعية، نجد أن الكاتب يستبدل هذا الهدف إلى الخطيئة والحكم.
وقصة برج بابل كانت في الأصل أسطورة مبنية على الفلسفة التعليمية وتهدف إلى تبرير تنوع اللغات، كما أنها تتضمن الفكرة البدائية الساذجة عن غيرة الآلهة من البشر. ولكن المؤرخ العبري يحول القصة إلى هدف آخر في تاريخ الخطيئة والحكم. ويظهر أثر الفلسفة التعليمية في الاستخدام المتكررة لعبارة »حتى يومنا هذا» وفي سفر يوشع: »قال يهوه ليوشع اليوم قد أبعدت عنك جلال مصر ولذلك يدعي هذا المكان جلال حتى اليوم» (يوشع 9: 5).
ويمكن أن تسمى سفر أستير أسطورة ذات فلسفة تعليمية حيث تهدف إلى إضفاء الشرعية على عيد البوريم وهو عيد حديث لم تتضمنه قوائم القانون(31).
وتمثل قصص الأجداد اهتماما بنمو الأمة وتبرير سيادتها على الشعوب المجاورة مثل القصة التي تحكي عن ميلاد يعقوب وقصة حصول يعقوب على بركة أبيه وتفوقه على عيسو الذي هو أدوم. ويمكن أن نرى نفس الأفكار في القصص التي تروى عن العهد بين الرب والآباء العبريين إبراهيم، وداود(32).
وفي أسفار الأنبياء تروى القصص والقصائد عن أن العهد بين الشعب والرب كان يعني أيضا تحذيرا ووعيدا وكانت بركاته تتوقف على طاعة الرب، لقد تركت اسرائل العهد وجلبت على نفسها العقاب المخيف يذكر (عموس 7: 2) »أنتم الوحيدون الذين عرفتهم من بين أسرات الأرض، ولذا سأعاقبكم بسبب خطاياكم كلها».
ويستخدم هوشع شخص الولد والابن في التعبير عن العلاقة بين يهو وإسرائيل «عندما كانت إسرائيل طفلة أجيبتية، ومن مصر دعوت ابني» (اشعياه: 1 - 7) فتاريخ المصدر «اليهوه» هو تاريخ الخطيئة والحكم ويمكن أن نلخصه في العبار ة «إن القضاء على الأمة سوف يكون تاما، ولكن سوف يكون هناك قليل من الناجين كما في أيام نوح» ( يذكر عاموس 3: 22).
«كما ينقذ الراعي من فم الأسد ساقين أو جزء من أذن، يقول (أشعيا 1: 20) «إني سأجمع بقايا قطيعي من الأقطار التي طردتهم إليها... وسوف إقيم رعاة عليهم وهؤلاء سوف يرعونهم». يرى مؤرخو الأسفار الخمسة بالاشتراك مع الأنبياء كوارث الأمة كوفاء للتحذير الإلهي من العصيان».
(يقول أرميا 11: 7) «لأني حذرت أباءكم جيدا عندما أخرجتهم من أرض مصر، محذرا إياهم بإصرار وحتى هذا اليوم قائلا: أطيعوا صوتي، ولكنهم لم يطيعوا ولم يميلوا أذنهم».
25: 3 «لقد حذرتكم بإصرار ولكنكم لم تصغوا، إنكم لا أصغيتم ولا أملتم آذانكم لتسمعوا، برغم أن يهو أرسل إليكم كل خدمه الأنبياء».
فقصص العهد القديم حاولت أن تفسر الحاضر بواسطة الماضي متخذة موقفا حرا إزاء الماضي وقد تضمنت بصفة خاصة وبطريقة متكررة إلى حد أنه يمكن بسهولة التعبير عنها بالعبارة الفنية «الرجوع إلى الوراء» أي نسبة الأفكار أو المواقف أو العادات الحاضرة إلى الأزمنة الماضية بطريقة بعيدة عن المنطق أو المعقول.
ويكمن وراء العرض المضلل للتاريخ في العهد القديم، التقاليد والأساطير السالفة القديمة- وقد نقل بعضها على شكل بقايا متناثرة أو أصداء خافتة. ويمكن بسهولة التمييز بين التقليد القديم والتفسير الأحدث وأحيانا يكون من الصعب أو المستحيل علينا أن نفك الاشتباك بينهما وفي بعض الأحيان يمكن أن نرى من خلال الظلام. دافعا قديما وراء الغرض الخاص الذي يستخدم المؤرخ القصة من أجله(33).
بالرغم من أن الكثير من آداب الحكمة يرجع إلى عصور بالغة القدم ولعبت منطقة الحضارات القديمة في شرق الأبيض المتوسط دورا كبير في إنتاج العديد من الآراء الأسطورية والقصصية ولكن الخيال الحر التكوين الذي لا ضابط له قد لعب دورا كبيرا في هذه الحكايات.
وقد عبر يونج عن آرائه في كتاب «مدخل إلى طبيعة الميثولوجيا» الذي نشره بالاشتراك مع عالم الأديان كرني Karenin «من بين نتائج النشاط الخيالي اللاشعوري توجد خيالات وأحلام شاملة ذات طابع غير شخصي. على أن هذه الخيالات لا يمكن إرجاعها إلى تجارب الأفراد فيما قبل التاريخ كما لا يمكن في مقابل ذلك تفسيرها في ضوء ما حصله الأفراد من خبرات. هذه الصورة الخيالية ظهر منها فيما بعد بدون شك ما يشابهها في الأنماط الميثولوجية، ولذلك فنحن نرى أنها تمثل بصفة عامة عناصر تركيبية جمعية مؤكدة وليست شخصية للروح الإنساني. وهذه العناصر تورث شأنها شأن العناصر المرفولوجية في جسم الإنسان. وعلى الرغم من أن الانتشار عن طريق الهجرة مسلم بهما، هناك حالات تتجاوز الحصر لا يمكن تفسيرها على أساس الأصل وإنما تتطلب قبول مبدأ قيام السكان مرة أخرى بالتكوين الأسطوري والخيالي شأن الصور التي تظهر في الأحلام وتنشأ من نفس المستوى الروحي واللاشعور الجمعي»(34).
7 -كتب التفسير:
المدراش:
(قصص العهد القديم ذات الغرض التعليمي)
القصص الشعبي. أدرج في المـدراش (120 ق.م.) من أجل التحرير من قيود التفسير الأصولي. فالمدراش يتكون من تعليقات واسعة وضعها عدد من المفسرين اليهود ويخلطون هذه التفسيرات بالروايات والحكايات الشعبية. كما يطلق لفظ المدراش على قصص العهد القديم ذات الغرض التعليمي التي تساعد على جلاء الحقائق الدينية.
والمفسرون ينتقلون بحرية بين عدد من النصوص الأصلية والمتشابهة ، وحتى تفسيرات الخصوم. وهذا المنهج يختلف عن منهج أرسطو في كتابة «فن الشعر» حيث تبنى منهجا منطقيا ينطلق من ملاحظة العناصر المتناغمة في بنية نصوص مختلفة ومنتمية إلى جنس أدبي معين، ثم يمضي في استخلاص المعايير والقواعد التي تحكم هذا الجنس(35).
ويبدو أن فريزر في كتابه الغصن الذهبي وكتابه الفولكلور في العهد القديم قد تأثر بمنهج المدراش في مقارناته الواسعة لدراسة نصوص الحكايات على مستوى العالم.
وفي التلمود ذكرت العديد من القصص خاصة التي كانت يرويها الحاخامات على مائدة السيدر. فيقصون عن ثورة يركوفيا 135 ق.م، حيث اختبأ الحاخامات في مغارة كانوا يحتفلون بالعيد بداخلها بعيدا عن أعين الرومان(36).
وبعد تحطم المعبد 70 ق.م. أصبح على الحاخامات مهمة المحافظة على العقيدة والخدمة الدينية، وقد اهتموا بالأفكار عن الغفران والتكفير وقد ظهر هذا التأثير في النص التالي:
«الآن حيث أصبحنا بدون أنبياء أو كهنة أو قرابين ما الذي سوف يغفر لنا. الشيء الوحيد الذي بقي لنا الصلاة».
فأصبحت الصلاة بديلا للقرابين وقد ظهر هذا في أقوال النبي أشعيا «دعنا نبقي أسوارنا المقدمة على شفاهنا».
وقد أضاف الحاخامات العديد من النصوص إلى جانب النصوص القديمة التي كانت تتلى شفاهة مع آلة موسيقية(37).
وفي أثناء الشتات اليهودي في ألمانيا في عهد النازي كان الحاخامات يروون أسطورة الفصح معتمدين على أربعة موضوعات من العهد القديم ويقدمونها على هيئة أسئلة مختلفة عن: الابن الحكيم والابن الضعيف، الابن البسيط، والابن الذي يستطيع أن يسأل، تطابق محتوى الموضوعات التي في الأسفار الخمس وهذه كانت طريقة تعليمية تتبع لدى الحاخامات(38).
إن دراسة النصوص في الحضارات المتنوعة يقدم الفهم الدقيق للشعوب فرغم الاشتراك في المكون الأساسي للحكاية فإن ترجمة النص من ثقافة إلى أخرى يقدم وجهة نظر جديدة تتفق مع الثقافة التي ترجم اليها النص وتتفق مع ثقافة المتلقي الجديد، فالنص الشعبي يقبل القراءة المتعددة ولذلك يكون مقبولا رغم اختلاف المكان والزمان.