اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

عصرنـة العمل الحرفي التقليدي: رصد بعض مظاهر التغير
تمثل دراسة الحرف التقليدية أحد أبرز المواضيع التي لقيت اهتماما عميقا وعريقا في حقل التراث الشعبي، السوسيولوجيا وكذا علم ...

دراسات حول فولكلور القبائل السودانـية وأمثالها الشعبية
كنا قد عرضنا في العدد رقم 15 من المجلة ملفًا بعنوان "إطلالة على فولكلور السودان"، ضمن مجموعة ملفات جديد النشر لبعض الدول...

مشروع تــوثـيق التراث الشعبي في المصادر العربية
إشكالية توثيق عناصر التراث الشعبي العربي الموجودة بالمصادر العربية، لا زالت قائمة في الأوساط العلمية المهتمة ببحث وتوثيق...
39
Issue 39
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الوشم : الرمز والمعنى
العدد 39 - عادات وتقاليد

أ. د. نورالهدى باديس - كاتبة من تونس

تعددت التصورات النظرية المتعلقة بظاهرة الوشم واختلفت باختلاف المناطق التي ظهر فيها والشعوب التي تبنته وحفلت به.
فهو ظاهرة إنسانية قديمة قدم التاريخ عرفتها شعوب كثيرة ومارستها بأشكال تعددت وجوهها واتفقت الدوافع إليها في الحضارات القديمة على وجه الخصوص حيث يبدو الوشم محملا باعتقادات الجماعة وتصورها لطبيعة الوجود والعلاقات بين الأفراد داخلها،في وحدة مصيرهم وعلاقتهم جميعا بما وراء الوجود .
ويبدو الوشم في منطلقه ظاهرة طبيعية تباشره عوادي الزمن حيث تفعل الطبيعة فعلها في وجوه الحياة المختلفة فتترك من آثارها ما يبدو شاهدا على هذا الفعل . وتبدو الطبيعة من هذه الناحية الواشم الأول الذي يبدع من فنون الندوب والخطوط وألوان الآثار ما يخلد فعلها فكأنها المبدع الذي يحرص على أن يؤبد أثره.ومن الطبيعة استوحى الإنسان الأول فكرة الوشم من حيث التصور والممارسة والغاية ومنها استنبط الأدوات التي جعلته يمارس رسومه الوشمية استجابة لنوازعه النفسية والاجتماعية المختلفة.لذلك نرى في نصوص كثيرة هذا الارتداد إلى الطبيعة في حديث الإنسان عن الوشم وفي تطرقه في غضون قوله للحديث عن فعل الطبيعة في الحياة.ومن هذه الناحية يمكن القول إن الوشم في أصله ظاهرة طبيعية وممارسة الإنسان له في محاكاته للطبيعة جعلته ممارسة اجتماعية وظاهرة انتربولوجية ونفسية محملة بالدلالات .دلالات لا يمكن أن نفصلها عن أبعادها تلك.فحديثنا عن الفرد هو حديث عن الجماعة . ومباشرتنا للحياة هي مباشرة لما وراءها. ومقاربتنا للظاهرة هي مقاربة لنسق تخاطبي يتجه من خلاله الفرد إلى ذاته أولا وإلى الجماعة من خلال ذاته.فكيف يمكن أن يقرأ هذا النسق؟كيف نؤول دلالاته؟وإذا كان الوشم نسقا تواصليا ورسما مخصوصا محملا بالدلالة فلماذا يناهضه الدين وتنبذه بعض الأعراف ؟ وهل يناهضه الدين من أجل أشكاله التي يجسدها أم من أجل المعاني المحمل بها؟
وقبل أن نجيب عن هذه التساؤلات هل يسعنا أن نتحدث عن ظاهرة واحدة في الوشم؟أم هي ظاهرة تتعدد وجوهها؟هل يمكن أن نصنفه إلى دائم ومؤقت؟أم هو صنف واحد لايتعدد وهو الذي نجد تعريفه في المعاجم القديمة والحديثة والموسوعات الثقافية والفلسفية والاجتماعية المختلفة؟ هل يمكن أن نعد بعض ألوان الصباغة الجسدية كالحناء والنقوش المختلفة شكلا من أشكال الوشم؟لماذا تقرالاعتقادات الدينية والتقاليد الاجتماعية بعض وجوهه وتقاوم وجوهه الأخرى؟

في الوشم
إن التعريف السائد في الموسوعات العلمية يشير إلى أنه الفن الذي يتمثل في وضع علامة ثابتة على الجسم تتم بغرز الجلد بالإبرة ثم وضع الصبغ عن طريق هذه الفتحات والجروح الناجمة عن الغرز ليبقى داخل الجلد الذي يتخذ لون الزرقة والاخضرارعلى مستوى الرسم(لاروس.Grand Larousse) Universel .Vol ;14.P .10064). ويعد الوشم على جسم الإنسان نوعا من التعديل الجسماني في المجال الطبي والزخرفة والتجميل في المجال الفني. وقد يوضع قديماعلى جسم الحيوان لتحديد هويته أو هوية مالكه. والوشم موجود منذ أبعد العهود في جميع أنحاء العالم في كل أنحاء الكرة الأرضية تقريبا لا نكاد نستثني منه مجتمعا من المجتمعات إسلامية كانت أو غير إسلامية قديمة أو حديثة."فهو ليس فقط زينة وحلية فيمكن أن يكون كذلك علامة تحدد الجنس والسن والانتماء لفئة معينة أو مجتمع سري أو مجموعة ما،لكنه يمتلك قيمة سحرية (...)وهو يعود إلى حقبة قديمة جدا"(Larousse .P.100645).

الوشم في الأفق العربي القديم:
إذا عدنا إلى المعاجم والأدبيات العربية يبدو الوشم أول ما يبدو ظاهرة طبيعية فأنت تقول: "أوشمت السماء:بدا منها برق، قال:
حتى إذا ما أوشم الرواعد
وأوشم البرق لمع لمعا خفيفا،قال أبو زيد :هو أول البرق حين يبرق، قال الشاعر:
"يا من يرى لبارق قد أوشما" (اللسان، وشم)
فالوشم من هذه الناحية يبدو ظاهرة طبيعية تتصل بما يعرض للسماء عندما تتهيأ للمطر فيلمع البرق فيها خفيفا أو غير خفيف. ولعلنا لا نحتاج الإشارة إلى إيجابية الظاهرة في المخيال العربي ودلالتها على الحياة والخصب يؤكد ذلك ما يذهب إليه ابن منظور عندما يقول: ومنه قيل :"أوشم النبت إذا أبصرت أوله"(اللسان، وشم). فالوشم تباشير الخصب الذي يبدو على الأرض وأمارات على الحياة المقبلة بنبتها وثمرها وديمومة امتداد الحياة فيها.يتأكد هذا المعنى عندما نلاحظ أن اللفظ لا يطلق على ما يتبادر ظهوره من ألوان انبعاث الحياة في النبت والشجر فحسب وإنما أيضا على الثمار أوائل تشكلها وعند نضجها. فعن ابن الأعرابي "وأوشم الكرم: ابتدأ يلون(...) وقال مرة: أوشم تم نضجه. وأوشمت الأعناب إذا لانت وطابت"(اللسان، وشم) وعلى هذا الأساس فإن "وشم" إذا ما تعلق بالطبيعة في حركتها الذاتية تنفتح على دلالات إيجابية قوامها الخصب والنماء والخير والعطاء.فلا عجب والأمر ما ذكرنا أن تتخلص في بعض السياقات الشعرية إلى دلالة مدحية خالصة ويصبح الوشم دالا على كرم الأرومة وطيب العنصر وحسن الخلق قال الشاعر راثيا:
أقول وفي الأكفان أبيض ماجد
كغصن الآراك وجهه حين وشم
ويروى البيت كما يقول ابن منظور"وشم ووسم، فوشم بدا ووسم حسن"(اللسان، وشم).
وقد يتعلق الوشم بالفتاة فيقال: "أوشمت المرأة بدأ ثديها ينتأ كما يوشم البرق"(اللسان، وشم). فهو يلوح بين أن يكون أو لا يكون شأن الأمر الذي لم يتخلص إلى الكيان الواضح للعيان وهو في كل الأحوال دال على النشأة والحياة والنماء.ولعل عبارة الوشم هنا لا تخرج عن سياق دلالتها عند تعلقها بالبرق أو النبت أو الثمر. فكـل تغير حاصل على أديم ما، سواء كانت السماء أو الأرض أو جسم الإنسان هو وشم.
وعلى هذا الأساس فنحن حين ننتقل من الوشم من حيث هو تفاعل الطبيعة مع ذاتها إلى مجال يباشره الإنسان إزاء نفسه وفعل يعمد إليه في تعامله مع جسده فإن الوشم يتحقق في مظهرين اثنين، أولهما مستمر دائم يصعب الخلاص منه وثانيهما عرضي عابر يمكن تجدده.
أما الأول فيمكن إدراكه بغرز الإبرة في الجسم غرزا يشمل مساحة محددة يتحقق من خلالها رسم معين يقصده الواشم ويرغب فيه المستوشم ثم تحشى المغارز بالنؤور وهو دخان الشحم فيخضر أو يزرق. ويتحقق الشكل المطلوب على نحو تكاد تستحيل إزالته.
ويبدو هذا السلوك مندرجا ضمن تصور معين للجمال والزينة عند المرأة العربية قبل الإسلام وبعده. فابن منظور يقصره عليها فقد قال عند تعريفه الوشم،عن ابن سيده "الوشم ما تجعله المرأة على ذراعها بالإبرة..."(اللسان، وشم).
وكانت الأمثلة التي ذكرها متعلقة بها ولم تتصل بالرجل ولو مرة واحدة.
أما مواضع الوشم التي ذكرها صاحب اللسان من جسد المرأة فهي تشمل مواطن الفتنة والإغراء الظاهرة منها والخفية، فقد ذكر قول لبيد العامري:
كفف تعرض فوقهن وشامها
وقد سبقه ذكر الذراع وعقبه ذكر المعصم. واستشهد أيضا بما أنشده ثعلب من قول الشاعر:
ذكرت من فاطمة التبسما
غداة تجلو واضحا موشما
عذبا لها تجري عليه البرسما
ومن مواضع الوشم التي ذكرها اللسان "الاست" يقول:
"والمتشمة امرأة وشمت استها ليكون
أحسن لها"(اللسان، وشم).
وليس خافيا أنه موضع تتجه من خلاله المرأة إلى راغب فيها حتى تزيده رغبة وتحاور مقبلا عليها حتى تجعل إقباله يتقد شهوة فالرمزية الجنسية التي ينطق بها هذا الوشم لا تحتاج دليلا.
وأما الطريق الثانية للوشم فإنها تتحقق من خلال النقش بالحناء وقد جاء في اللسان:"وفي حديث أبي بكر لما استخلف عمر رضي الله عنهما أشرف من كنيف وأسماء بنت عميس موشومة اليد ممسكته أي منقوشة اليد بالحناء(اللسان .وشم). وعلق الآمدي على قول طرفة :
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
إنه الحناء"(الآمدي، الموازنة).
وسواء كان الوشم غرزا بالإبر أو نقشا بالحناء فقد كان باعثا لخيلاء المرأة واهتبالها بنفسها ودافعا لعجبها بجمالها وثقتها بفتنتها حتى ضربوا الأمثال وقالوا:"فلان أعظم في نفسه من المتشمة"وقال الباهلي:"لهو أخيل في نفسه من الواشمة"(اللسان، وشم). ولعلنا نرى أن الوشم حيثما كان فهو متصل بالحسن الذي تهفو إليه النفوس. تطمئن إليه صاحبته حتى تميس ميسا. ولا يمكن لذلك أن يكون لولم يكن الوشم ظاهرة تمثل قيمة في ذاتها. يقرها المجتمع ويسلم برمزيتها الجمالية. ولو لم يكن الأمر كذلك لما ضرب المثل في إعجاب الرجل بنفسه بالمتشمة كأن الأمر بالنسبة إليها يستند إلى سبب لا مراء في منزلته وبالنسبة إليه لا يحتكم إلا لأمر محمول عليها.
الطلل من حيث هو وشم
وقفنا في ما سبق عند ظاهرة الوشم من حيث هو دلالة على الحياة وانبعاثها وتجددها في حركة فعل تبدو معها الطبيعة واشمة سرمدية. لكن الوشم في مجال ممارستها متعدد الأدوار فهو عامل اندراس ومحو. يحول العيان الماثل إلى أثر دارس. لكنه وهو ينقض الحي ويحيل وجوده رسما، يبدع خط الشواهد التي تدل عليه .كأن غاية الطبيعة أن تشد عاطفة الإنسان من ناحيتين: تذهب بما يريد وتحرص على أن تؤبد ما يذكره به. منازل تعفو آثارها ورسوم تخلدها أبدا تأبيدا لعاطفة تهفو إليها. ولا تفلح عوادي الزمن ولا تقلبات الطبيعة في إزالتها. ومن هذه الناحية يبدو الطلل نتاج عاملين أولهما اجتماعي يتمثل في حياة الحل والترحال التي تسلكها الطبيعة وثانيهما فعل الطبيعة التي تتفنن في العبث بمنازل الأحبة تخلدها من حيث تذهب برسومها وتبعث الحياة فيها من حيث تجددها شاهدا على لقاء ودليلا على فراق وأمارة على دفق العاطفة واسترسالها.
وقد سبق أن أشرنا إلى بيت طرفة بن العبد وهو مطلع معلقته الذائعة الصيت:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فقد ذكر الشراح والنقاد أن الوشم في هذا السياق هو نقش الحناء. وأنه خص ظاهر اليد لأن ذهاب الوشم منه أسرع.(الزوزني ، شرح المعلقات،ص.47). وهذا مذهب في الشرح معقول لأن خضاب الحناء يكون أول ما يكون جليا ظاهرا لا يخطئه البصر .ثم يأخذ في الامحاء إلى أن يزول تماما .ولقد اختار الشاعر من صيرورة زواله اللحظة السابقة لانعدامه تلك التي يلوح فيها الوشم كما يلوح البرق الخفي. فأنت تراه بعينك لكنه يفلت منك فلا تكاد تثبت حقيقته فهو بين الوجود والعدم بين أن يكون أو لا يكون.وهذا يتحقق من الحناء وما شاكلها .أما الوشم الذي يكون من أثر الإبرة والنؤور فهو ثابت لا يمحى ولا يزول. وهو ما تفيده سياقات شعرية أخرى بصريح عبارتها وذلك مثل قول لبيد العامري :
وجلا السيول عن الطلول كأنها
زبر تجد متونها أقلامها
أو رجع واشمة أسف نؤورها
كففا تعرض فوقهن وشامها
(الزوزني، المعلقات، ص 91)
فقول لبيد هذا يبرز أثر السيول في إظهار معالم الطلل كأنها أقلام تجدد متون كتبها أو كأنه وشم يردده صاحبه ويجدده حتى يكون جليا كأوضح ما يكون .فالأطلال تبدو ماثلة تكاد تنطق بالحياة لذلك تغري الشاعر بمخاطبتها كأنه يخاطب حيا. وغير خاف تشبيه عمل السيول بالطلول لتجددها بعمل الأقلام في تجديد الكتابة أو عمل الواشمة في تجديد الوشم. وذلك جميعا يغري الشاعر بالكلام. فنحن في سياق تتساوى على صعيده وسائل في العبارة مختلفة، القلم والوشم ومشافهة الشاعر وكلامه وذلك عند قوله مباشرة:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا؟
صما خوالد ما يبين كلامها
(الزوزني، شرح المعلقات، ص92)
فالوشم من هذه الناحية وسيلة تعبير أو بعبارة جاحظية وسيلة بيان. وليس خطاب الشاعر لها إلا استجابة للدور البياني الذي يضطلع به الوشم.ويؤكد هذا المنحى في التأويل ما تذهب إليه المعاجم العربية من أن "الوشمة" تعني الكلمة. وفي حـديث علي كرم الله وجهه "ما كتمت وشمة أي كلمة"(اللسان، وشم).
ولعل الوقفة الطللية في أطوار الشعر العربي كله لاتخرج عن هذا الضرب من المحاورة الذي عبر عنه لبيد. محاورة بين طرفين متكلم وصامت أو فصيح وآخر لا يبين له كلام. إن هو إلا خطاب يتبادر من خلال الطلل وشما جددته عوامل الطبيعة ورددته كأنها ترفع اللبس عن الدلالات التي ينطق بها، يلتقطها الشاعر ويدرك فحواها .فقد نسجتها السيول وعوامل الطبيعة الأخرى ووشتها فجعلتها كبرد منمنم كل حركة فيه تذكر العاشق بما مضى مع الأيام ولم يعد يتسع له إلا أن يستعيدها ذكرى:
فلم تدع الأرواح والماء والبلى
من الدارإلاما يشوق ويشغف

لذلك كان بكاء الشاعر في الوقفة الطللية جزءا من المحاورة وأداة أخرى في التواصل كأن القول وحده لم يكن كافيا:
هب الدارردت رجع ما أنت قائله
وأبدى الجواب الربع عما تسائله
أفي ذلك برء من جوى ألهب الحشا
توقده واستغزر الدمع جائله
هو الدمع موقوفا على كل دمنة
تعرج فيها أو خليط تزايله
(البحتري ،الديوان ،ج.3ص.632).

الوشم: سمة جماعة
يذهب بعض الباحثين إلى أن الوشم مرتبط بمعتقدات جاهلية قديمة.
فهو كما يقول "يعود إلى تاريخ موغل في القدم فيرى الأنتروبولوجيون أن الوشم الذي يزين به الريفيون أيديهم وصدورهم وشفاههم ووجوههم...،يعود إلى التاريخ القديم عندما كان الناس يعيشون في حياة بدائية يقدسون فيها بعض الحيوانات ويخشون فيها من بعض مظاهر الطبيعة كالموج والرياح والمطر والرعد.ويقودناهذا كله إلى أن الوشم ظهر في المجتمعات الطوطمية التي تتألف من قبائل وعشائر صغيرة لكل منها طوطمه الخاص وهو عبارة عن نوع حيواني أو نباتي أو أحد مظاهر الطبيعة التي ترتبط بها هذه العشيرة وتتخذها رمزا لها"(مراد، فن الوشم، الثقافة الشعبية، العدد3، 2008).
وقد ربط الكاتب صورة الطوطم بالرمز الذي تتخذه العشائر والقبائل القديمة دلالة على نسبها وعراقتها: "ومن ثم نرى الرمز الطوطمي للعشيرة مثبتا على أجسام أفرادها وملابسهم وأغطية رؤوسهم وأسلحتهم وخيامهم وتوابيت موتاهم وماتملكه من حيوان ومتاع... هذا ولا يزال للطوطم الفردي رواسب كثيرة في الأمم المسيحية. يتخذ الفرد حاميا له من بين الحواريين أو القديسين وقد جرت العادة في بعض الأمم الأوروبية أن تغرس الأسرة شجرة يوم أن يولد لها وليد وتحيط هذه الشجرة بعناية كبيرة وتعتقد أن مصيرالطفل معلق بمصيرها.كذلك كان العرب أيام الجاهلية آمنوا بأن لكل إنسان طيرا يعيش ما عاش ويموت بموته فإذا قتل الإنسان دون أجله ظل الطير شريدا باكيا معولا حتى يؤخذ بثأر صاحبه ويطل دمه وهذا الطير يسمى بالهامة وتذهب الأساطير إلى أن الهامة لا تستريح حتى تسقى من دم قاتل صاحبها ولهذا قال شاعرهم:
حتى تقول الهامة اسقوني
(مراد، 2008،الثقافة الشعبية،العدد 3،ص.68).
أشار الدارس إلى أن تصور العرب لطائر الهامة مرتبط في مخيالهم بفكرة الوشم تصورا وممارسة. ولئن أشارت بحوث عديدة إلى أسطورة الهامة وكانت في مجملها عالة على الأستاذ محمد عجينة فإنها لم توضح طبيعة هذا الارتباط بين الوشم والهامة .وهي فكرة تظل في تقديرنا في حاجة إلى مزيد الدرس حتى يقوم الدليل عليها.
ولعله من المهم أن نشير في هذا السياق إلى أن القبائل القديمة قد انتبهت إلى ظاهرة الوشم عند خروج الدماء من جسد الإنسان وامتزاجها ببعض عناصر الطبيعة الأخرى لتستقر على الجسد سمات وأوشاما لا تزول.ولعل بعض الرسوم التي تتشكل على الجسد من الدم المسفوح رسخت الاعتقاد لدى العرب القدامى بأنها أمارة على الصدى أو الهامة التي تظل أبدا ظمأى لا تستريح إلا بعد أن يؤخذ بثأر الميت. فيكون دم بدم.ومن هذا المنطلق فإن الخطاب الشعري يتحول في بعض الأحيان ليس إلى وعيد المخاطب بالموت وتهديده فحسب وإنما يتجاوزه إلى ما بعد موته فيكون القتل أبديا متجددا لأن الهامة تظل صادية أبدا عطشى لا تعرف الراحة.فكأن الهامة من هذه الناحية وشم استقل عن جسد صاحبه يخلد لحظة الموت ويؤبدها.
قال ذو الإصبع العدواني :
ولي ابن عم على ما كان من خلق
مختلفان فأقليه ويقليني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي
فإن ذلك مما ليس يشجيني
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
(الديوان، 1973ص.ص.89،92) وهو تهديد بعقاب يتجاوز الموت إلى ما بعده.

الوشم بين الكتابية والشفاهية
الرمز وتأويله:
ولئن كان الوشم قديما يتراوح بين القيمة الجمالية والتعبير عن الانتماء القبلي فإنه اليوم يتراوح بين التعبير عن الحرية والبحث عن الهوية في مجتمعات يعيش الفرد فيها أزمة هوية. فقد عرفت المجتمعات الحديثة في الغرب على وجه الخصوص انطلاقة جديدة لهذا الضرب من السلوك التعبيري وراج بين أوساط الشباب والكهول باعتباره ليس فقط موضة ونزعة شبه جماعية في العبارة عن الحرية وإنما باعتباره خطابا تعجز الخطابات التقليدية عن الإيفاء بدلالته. وبصرف النظر عن الدوافع الشخصية لهذا السلوك، باعتباره سبيلا إلى تخليد ذكرى حبيبة أو اسم حادثة هامة عاشوها أو مروا بها أوتمردا على أوضاع معينة أوانبهارا بفنان وضع نوعا معينا من الوشم فأرادوا تقليده، وبصرف النظر عن كل ذلك فإن الوشم في المجتمعات الحديثة يبقى نزعة فردية أو جماعية ضيقة في العبارة تتجاوز حدود الدول والأقاليم و الثقافات الخاصة . لذلك نرى أوشاما بعينها تنتشر في أوساط معينة في مناطق مختلفة من العالم. ويمكن أن نذكرمثلا بالضجة التي صاحبت وشم أحد مشاهير لاعبي كرة القدم وهوالبرتغالي رونالدو نجم ريال مدريد الإسباني وما أثاره من جدل كبير بين عشاق هذا النجم لمعرفة مايرمز إليه ذلك الوشم الذي التقطته عدسات المصورين وانتشر في كل مكان. وقد أثار الكثير من التأويلات. وبعد أن قلده الكثيرون في مناطق مختلفة من العالم تبين أن تلك الوشمة ليست سوى وشم للأطفال تتم إزالته بالماء والصابون. وبصرف النظر عن الاعتبارات الأخلاقية التي تعد هذا النوع من السلوك شكلا من أشكال ضعف الشخصية التي تدفع أفرادا إلى التشبه بالنجوم وتقليد حركاتهم المختلفة فإن الظاهرة حرية بالدرس من حيث هي ظاهرة تخاطبية متعددة الدلالة لأن حركة التقليد والمحاكاة انطلقت من تأويلات مختلفة للوشم فكل واشم قرأه بطريقة مخصوصة وانطلق من إدراك معين لدلالة الوشم باعتبار ثقافته الشعبية ومخياله الجمعي ومراعاة للنزعة الجماعية المعاصرة على نحو ما .فالوشم واحد والتأويلات لا تحصى كـأنه كتابة تتولد معانيها بتعدد قراءاتها وليس بالضرورة أن تلتقي تلك التأويلات مع قصد صاحب الوشم .تماما كما أنه من الحتمي أن لا تلتقي قراءة نص إبداعي ما مع مقاصد صاحبه. ومن هذه الناحية يمكن اعتبار الوشم ظاهرة من مظاهر الكتابة ،لكنها ظاهرة مخصوصة تمتد على جسد حي .فهو نص باق مع الأيام ما بقي الجسد نابضا بالحياة. فإن أدركه الموت مات معه خطابه وهنا تلتحق الكتابة بالمشافهة حيث تنعدم اللغة بمجرد التلفظ بها تماما كما يندثر الوشم بمجرد أن يبلى الجسد ويندثر. وإن كان الخطاب الشفوي يمكن أن يتناقل ويخزن في الذاكرة بواسطة الحفظ فإن غياب الخطيب بشخصيته وثقافته يغيب الكثير من سحر النص ومزيته كذلك الوشم يرتبط بصاحبه ويتماهى وشخصيته ولكنه مهما حاول أحد تقليده فإنه سيظل باهتا غريبا فاقدا لخصوصيته التعبيرية وشخصيته الدلالية. وهو قابل لأن يكون خطابا دلاليا يقرأ وفق النظرية الإشارية أو السلوكية تلك القائمة على المثير والاستجابة أوالسياقية فيصبح الوشم من هذه الناحية محفزا على سلوك معين قد يختلف باختلاف العلاقة بين الحامل للوشم والمبهور به أو المزدري له.والثابت أن تناول الوشم في بعده التخاطبي اللساني قد يكون من مقاربات عدة رأى بعض الدارسين : "أن دراسة البعد التخاطبي للوشم لسانيا يكون أكثر جدوى باعتماد إحدى هاتين المقاربتين :
المقاربة النحوية بالمفهوم الواسع للنحو لا بالمفهوم الضيق الذي يقصر النحو على الإعراب. والنحو في هذه المقاربة نظام شامل متعال على الإنجاز باعتباره تجريدا له.
المقاربة الثانية وهي مقاربة عرفانية نعتمد فيها نظرية "الإفادة " la PERTINENCE لصاحبيها سباربار وولسنSperber&Wilson وهي نظرية لسانية عرفانية ملائمة لجميع أشكال التخاطب اللفظية وغير اللفظية تسعى لوضع أسس نظرية لعملية التأويل الدلالي"(باديس، الأسس التخاطبية في الوشم، مقاربة لسانية، الثقافة الشعبية 2013ص.120).
والثابت أن معظم المقاربات التي تناولت الوشم بالدراسة والتحليل لسانيا نفسيا أو تاريخيا أو أنتروبولوجيا أو جماليا فنيا تشترك جميعا وتتفق في كونه ظاهرة حرية بالدرس وقابلة للتحليل من زوايا عدة مازالت إلى اليوم تتفاعل ويثري بعضها البعض.
لكن السؤال هل الوشم العام الذي تمارسه القبيلة كأن يكون طوطما أو الرموز التي تتخذها البلدان تمييزا لهويتها الوطنية كالديك بالنسبة لفرنسا والصقر بالنسبة لعدد من الدول ،هذه الرموز العامة إذا ما تبناها الشخص الفرد هل تكون مجرد كلام (Parole) داخل نسق عام يوازي اللغة (Langue) في الخطاب البشري ومن ثم تكون الممارسة الجماعية هي بمثابة اللغة في حين أن الممارسة الفردية هي بمثابة الكلام؟ (بارت ،مبادئ في علم الدلالة،1986.ص.35). نحن نميل إلى أن كل ممارسة فردية من هذا القبيل إنما هي نهج فردي يندرج ضمن نسق عام ومن هذه الناحية يمكن القول إن الوشم شأنه شأن كل نظام علامي يمتاز بمظهر خاص يعبر عن الفرد ومظهر عام يعبر عن الجماعة وعلى هذا الأساس ومن هذا المنطلق نجد جهودا معينة في قراءة النماذج المختلفة للأوشام التي تتخذها فئات مختلفة من الناس ونجد مواقع مختصة تقدم قـراءات مختلفة للرموز التي تتخذها هذه الأوشام.
ومن هنا نعود للسؤال من جديد: هل هو ظاهرة عابرة للأماكن والأزمنة؟ أهو ظاهرة كتابية باعتباره علامة قابلة للقراءة ككل لغة وككل نظام علامي محدد؟ أم هو ظاهرة شفوية تحمل داخلها موروث شعوب وخصائص فئات ومخيال أمم وذاكرة أفراد؟
ويعنينا من كل ذلك أن ننظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة تجمع في الآن ذاته خصائص المشافهة وخصائص الكتابة. هي ظاهرة قديمة حديثة لم تندثر على مر الأزمان وإنما هي ظاهرة تتطور وتظهر في أشكال عدة وبمواصفات جديدة تجعلها قابلة لقراءة متجددة تتجاذبها آراء مختلفة ومتناقضة أحيانا (Bourdieu.Ce que parler veut dire1982.P.103.105).
ويعنينا في هذا المقام على وجه الخصوص أن ندرس الأسباب التي جعلت الوشم ظاهرة اجتماعية حاضرة في الممارسات الشعبية لم يستطع المقدس أن يخرجها من الضمير الجمعي. فظلت ماثلة حاضرة بقوة تتوارثها الأجيال بعضها عن بعض رغم النص الديني الذي يدعو صراحة لتحريمها في المجال الإسلامي على وجه الخصوص.
فهل القدرة التعبيرية للوشم وإيفاؤه بدلالة لا تقدر عليها الأنظمة العلامية الأخرى هي التي جعلته ظاهرة شعبية متعالية على المقدس. كأنها هي نفسها باتت ظاهرة مقدسة عابرة للزمان والمكان، ثابتة رغم تحول العقليات وتعاقب الحضارات؟
الوشم رسما مقدسا
سبق أن أشرنا إلى أن الوشم يتخذ رمزية تخاطبية في مقامات عديدة ذكرنا منها الرمزية الجنسية باعتبار الوشم مثيرا ومحفزا كذلك في المقام الطللي أشرنا إلى البعد التواصلي بين الواقف على الطلل ورسوم الطلل نفسها فكلاهما "يقول" وإن كان أحدهما يفقه قول الآخر أما الطلل فهو قائل لا يدرك دلالة ما يسمع. فهي كما قال لبيد:
صما خوالد لا يبين كلامها
ورغم الأهمية الجمالية للوشم في القبيلة العربية أو غيرها فإن الأهمية التواصلية تبدو في تقديرنا مقوما جوهريا من مقوماته يؤكد ذلك ما نجده في القبائل الإفريقية من أهمية ليس في التخاطب فحسب وإنما أيضا في العهود التي تقوم بين العشائر والأفراد.
فالوشم يقوم مقام الكتابة في تحرير العهود وفي الـتواصل بين عـالم الـقبيـلة الحي والـعـالم الروحاني المـاورائي.
وإنه لمن المهم أن نذكر بالترابط العميق في الحياة العاطفية والروحية للقبيلة الإفريقية بين الوشم والقناع .
فقد عرفتهما الكثير من القبائل الإفريقية واعتبرتهما وسائل تواصل وتفاهم ترسل إشارات إلى كل من ينتمي إلى ذلك المجتمع أو تلك القبيلة ليقرأ من خلالها أفكاره ومواقفه. فأنواع الخدوش هي التي تميز قبيلة عن أخرى وعرق عن آخر وتختلف الندوب من قبيلة إلى أخرى فقد تكون طويلة أفقية في وجه المرأة أو الرجل وتعد سمة جمالية للمرأة ومن علامات القوة والرجولة بالنسبة للرجل. فقد اعتقدت القبائل البدائية الإفريقية طويلافي عالم الأرواح وكان سبيلها لإرضاء هذا العالم هو هذا الألم الذي تكابده وهذا الدم الذي ينزف في سبيل تجاوز كل ما هو مادي بشري إلى عالم مقدس روحاني. وكل دم ينزف في عملية الخدش أو الوشم هو نوع من العهد بين كل أفراد القبيلة الواحدة على الاتحاد والانتماء.(Larousse; Vol; 14; P, 10064) وفي ذلك اعتقاد بأن هذا الألم هو الذي يخرج الأرواح الشريرة من الجسم ويقضي على المدنس والسحروكل ما يرتبط بالزائل العابر: "فالدم له صفة العهد الذي لا يجب نقضه. وهذا نجده في قبيلة "الأزاندي"التي تقع في قلب إفريقيا و تمتد على رقعة ثلاثة أقاليم سياسية. هي جمهورية السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى. فإذا اتفق شخصان من "الأزاندي" على أن يتعاهدا على الصداقة بينهما عن طريق الدم، ينتزع كل واحد منهما سكينه يجرح به صاحبه في بطنه فوق الصرة لأن الروح قريبة من هذا المكان لذلك فإن عقاب الدم حينئذ يكون أقسى على الخائن منهما"(عباسي ،الوشم لدى قبائل إفرقيا الوسطى ،الثقافة الشعبية 2011عدد13،ص.85) ومن هنا نفهم أيضا دور الأقنعة الإفريقية التي كانت بوابة الإنسان الحي إلى عالم الروح والعوالم الخفية التي تسكنها الآلهة أو أرواح الأسلاف وهي حارس القبيلة الأكبر تحميها من كل شر يمكن أن يحدق بها. وتمثل مصدرا للقوة والشفاء .ويرى فيها المريض علاجا للأدواء التي قد تصيبه فمن يرتديها فهو سيد وقادر على شفاء المريض بالخدوش والوشم .وكل شكل من أشكال الألم الذي قد يصيب الجسد يكون ضمانا له للقضاء على المرض والشر الكامن فيه."ففي قبائل أثيوبيا يمتحن سيد القبيلة بامتحان قاس. فهو بعد أن ينصب سيدا للقبيلة فإن مهمته هي أن يجلب إلى القبيلة الأمطار لتهطل فوق حقولها ،إذ يتوجب عليه أن يتقدم لاختبارات جسمانية قاسية كإحداث رموز ونقوش في جسده عن طريق الوشم والخدش ،هذه العلامات والرموز هي بالنسبة لهم تجلب الخير والحظ للقبيلة"(عباسي ،الوشم لدى قبائل إفريقيا ،الثقافة الشعبية ربيع 2011ص.93).وكلما تحمل الشخص الألم أكثر فأكثر كان أكفأ للاتصاف بكلمة السيد وحتى عندما يموت فإن كل الأوشام والخدوش التي كانت على جسده تنقل للقناع ويتم تقديسها في مقامات احتفالية تستدعي بفضل القوى السحرية الكامنة فيها حسب اعتقادهم الجانب الروحاني الغائب.
ولا يمكن الحديث عن الوشم دون ذكر الألم الناجم عنه لعدم استعمال مواد مخدرة تسكن تلك الآلام فالألم "هو الغاية المنشودة التي تتحول في لحظة معينة إلى لذة ونشوة ،لذة الانتصار على هذا الألم والنشوة بإظهار الشجاعة والقوة والرجولة أمام الآخر وخاصة الجنس المقابل"(عباسي 2008 ص.90).
بعد أن كان الوشم خطاب جماعة عرقية أو قبلية منغلقة بشكل أو بآخر على نفسها فقد يبدو اليوم نزعة فردية في العبارة ولكنه مع ذلك ظل يحافظ على هذا البعد الفئوي الذي يجعله خاصا بفئات معينة دون غيرها وإن كانت هذه الفئات يمكن أن توجد في أماكن مختلفة من الكرة الأرضية ورغم بعد الشقة بينها فإن العوامل الاقتصادية المتشابهة تجعلها منخرطة في سياق تواصلي يعتمد الوشم أداته.
ارتبط مثلا بفئات معينة من المجتمع كالفنانين مثل مغني الراب أو المساجين أو البحارة أو المراهقين تأثرا بحب جارف أو اقتداء ببطل أو فنان وما إلى ذلك وكثيرا ما ينتبهون مع التقدم في السن أنهم تسرعوا في وضع هذا الوشم أو ذاك فيهرعون لمحاولة نزعه لكن الأمر ليس هينا وحتى إن استطاعوا ذلك بعد جلسات عدة من الليزر فإن آثار الندوب تظل للأبد لا تمحى أبدا.
ولا يمكن تجاهل دور الوشم كمحاولة لتثبيت ما هو عابر زائل ومحاولة لتخليد حالة ما كحالة الحب فالذي يرسم قلبا يخترقه سهم يحرص على تخليد شيء يشعر في أعماقه أنه زائل فكأنما هو محاولة للتثبيت ولجعل المتغير ثابتا والمتحول دائما.

الوشم بين العرف القبلي والتحريم الديني
بالرغم من تصريح النص الديني في الإسلام بمنع ظاهرة الوشم وتحريمها واعتبارها من مظاهر عصيان الخالق والمحرمات التي لايجوز للمسلم أن يقترب منها فإن ذلك لم يمنع أوساطا اجتماعية كثيرة في بلاد عربية مختلفة من أن تعمد رغم تشبثها الشديد بإسلامها إلى الوشم لأنها تعود في ذلك إلى مرجعية سابقة على الإسلام ولم يستطع هذا الأخير أن يمحوها وهي مرجعية قبلية تجد لها في الوشم أصولا عقائدية موغلة في القدم تعتبر الوشم تعويذة ضد الأرواح الشريرة وكل ما يمكن أن ينال من سلامة الجسد وخلـود الروح كما سبق أن رأينا.
فالنص الديني لايتردد في لعن المستوشمة فقط وإنما يتخطاها إلى الواشمة أيضا إيغالا في إنكار الظاهرة واستنكارها والحث في الابتعاد عنها فقد جاء في الحديث: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة المغيرات خلق الله". فالوشم من هذه الناحية يبدو تغييرا لخلق الله وتشويها للصورة التي عليها خلق الله الإنسان. لذلك منعه الدين فكأن التصرف في خلق الله هو نوع من الشرك وانصياع لأوامر الشيطان .
إن كل أشكال التواصل مع الجسد سواء كان بتجميله بمواد سرعان ما تزول أو بخدوش ووشم أوأقنعة مختلفة يعكس هذه العناية الفائقة بمصدر الحياة فينا المتمثل في الجسد والحرص الشديد حتى في حالة غيابه وزواله على إيجاد صلة تذكرنا به يمثل القناع أو الوشم ذلك أكبر تمثيل وجميعها لغة غايتها إثبات الذات وتحقيق الوجود وتجاوز الموت والألم وكل شر يمكن أن يلحق به ويشوه نضارته وخصوبته ورمزية الحياة والبقاء فيه.
وهي لغة يمكن أن توجه للأحياء ولغة مع الكون الماورائي كأنها تعويذات لدفع الشرور الممكنة وهي مخاطبة للكون.
"والتواصل هو بشكل أو بآخر يكون باتجاه الآخر ومن منظار حسي بالأساس، فنحن لا يمكننا التواصل إلا بإحداث علامات يمكن أن تخاطب إحدى حواسنا الخمس.ولهذا فحتى عندما لا نستعمل اللغة المنطوقة فإننا نفكر دوما انطلاقا من حاستين أساسيتين هما العين والأذن...فقلما يقدم الانسان العادي الذي يتمتع بحواسه الخمس اللمس أو الشم أو الذوق على النظر والسمع"(A .Kibédi Varga.1989 ;P .89).
"فالنص دوما محكوم بهاتين الحاستين’ففي المقام الشفوي هومرتبط بمتكلم بجسده و بحركاته التي يصعب الفصل بينها وبين ما يقول وفي المكتوب يتجلى في الخط وفي الورق"(A.Kibedi Varga.1989 ;P .90) (باديس،2005). من هذه الناحية يبدو الوشم كتابة شفرة تواصلية قابلة للقراءة وقابلة للتأويل ومحملة بالدلالات .دلالات قد تحملها قبيلة بأسرها وقد يحملها فرد واحد تماما كاللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية والكلام باعتباره ظاهرة فردية. وهي كتابة باعتبارها رسوما وخطوطا قابلة للقراءة على أساس التأويل انطلاقا من أبعادها الانتروبولوجية والنفسية والثقافية التاريخية ،إنها كتابة على جسد وقد يبالغ الواشم أحيانا فيجعل الرسوم ممتدة على كامل الجسم مما يوحي بالاشمئزاز والاستغراب عند البعض وأحيانا يكون رسما بسيطا صغيرا في مكان ما من الجسد ولكنه يعد راقيا عند البعض ومميزا لبعض المشاهيرفيتسارع المعجبون لتقليده فكأننا مع ثنائية الإطناب والإيجاز في الخطاب اللغوي لم نخرج عما رأيناه في دراستنا لهذا المبحث (باديس، بلاغة الوفرة وبلاغة الندرة ،2008) . والوشم من ناحية أخرى مشافهة باعتباره ظاهرة تختزل الذاكرة الشعبية لفئة ما أو قبيلة ما وباعتبارها مندمجة ضمن التعبير الجمعي للمجموعة يعتريها ما يعتري الخطاب الشفوي من عفوية وارتجال وإنجازية فإذا حدثت لا يمكن العودة فيها كالعبارة إذا أطلقت في جمع لا يمكن ردها.ففي أحيان كثيرة يحسن الصمت وفي أحيان كثيرة ينبغي تجنب الوشم.فأحيانا يتمنى المتكلم لو التزم الصمت تماما كما يتمنى الواشم ألا يكون خط وشما في فترة معينة من شبابه يستحيل محوه في فترة لاحقة كالعبارة وقد قيلت يستحيل ردها.