اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

مارسيل أولبرنـت الرحيل المفاجىء .. بصمت وهدوء
استرعى انتباهي للمرة الأولى وقوفه جانباً من قاعة اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة الدولية للفن الشعبي بمدينة براغ التشيكي...

الفولكلوركمصدر للتاريخ
ظلت معظم الدراسات الفولكلورية حتى نهاية القرن العشرين، ترى أن موضوع علم الفولكلور هو موضوع تقليدي يرتبط بروح وقيم الثقاف...

فن التطريز المغربي: مرآة الحضارة
فن العمارة يتألف من مكونين اثنين، وهما طراز البناء الذي يتحدد بأبعاد وتكوينات لأداء الوظيفة التي أنشئ من أجلها، والفن ال...
39
Issue 39
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الطقوس والممارسات العقائديـة في المجتمع الشعبي بولاية تبسة ودلالتها الاجتماعية
العدد 39 - عادات وتقاليد

 أ.صبرينة بوقفة - كاتبة من الجزائر

يعد الاهتمام بدراسة الطقوس والممارسات العقائدية من البحوث الأكثر شيوعا في حقل الدراسات الأدبية الشعبية وحتى الأنثروبولوجية وذلك نظرا لأهميتها باعتبارها مرآة عاكسة لقضايا المجتمع الشعبي في منطقة معينة، كما تعتبر أيضا حلقة وصل تربط بين تاريخنا الغابر في الزمن السحيق وبين حاضرنا ومستقبلنا، لذا كانت إشكالية البحث: ماهي الأصول التاريخية لمثل هذه الممارسات الاعتقادية؟، وما الدلالة الاجتماعية لها؟.
وللإجابة عن هذه الإشكاليات، ارتأينا أن يكون موضوع البحث تحت عنوان: الطقوس والممارسات العقائدية في المجتمع الشعبي بولاية تبسة ودلالتها الاجتماعية معالجين فيه العناصر التالية:
مـفـهـوم مـصـطـلـح الـطـقـس في اللـغـة والاصـطـلاح العـام.
أنواع الطقوس مركزين على طقوس العبور.
طقوس العبور مفهوم المصطلح وأصوله التاريخية.
أنواعها (الزواج - الختان-الموت)، متناولين في الأخير مفهوم المصطلحات وأهم المعتقدات التي لازالت تمارس في مثل هذه المناسبات ودلالاتها الاجتماعية.
وفد اتبعنا في ذلك المنهج التحليلي الوصفي المناسب لمثل هذه الدراسات والتي تتطلب الغوص في أعماق المجتمع الشعبي بالبحث والتقصي والملاحظة والوصف والتحليل وربط هذه الممارسات بأصولها الدينية الغابرة في الزمن السحيق.

مفهوم الطقوس
الطقوس في اللغة العربية جمع مفرده "طقس" وهو: "حالة الهواء باعتبار الصحو والمطر والحر والبرد إلى غير ذلك، ويطلق عند النصارى على شعائر الديانة واحتفالاتها"(1)، أما في الاصطلاح العام فهي عبارة عن: "مجموعة السلوكيات والأفعال والأقوال التي يقوم بها الإنسان بصفة متكررة يتفق عليها المجتمع، ذات علاقة بالدين والسحـر والمعـتـقـد الاجتمـاعـي، يحـدد العـرف الاجتماعي دوافعها وأغراضها"(2) وترجع أصول هذا المصطلح إلى الكلمة اليونانية "taksis" والتي تعني نظام أو ترتيب، أما عن أنواعها فتنقسم إلى : طقوس العبور والسحرية والزراعية.....الخ.
طقوس العبور:
وهي تلك الممارسات المرتبطة بدورة حياة الإنسان وتتعداها إلى حياة أخرى، وتظهر في صورة الاحتفالات المتعلقة بالزواج والوفاة والختان أو الميلاد والبلوغ...الخ، أي الانتقال من حياة أولية لتتعداها إلى حياة أخرى جديدة لها صلة متينة بعالم الغيب والدين والمجتمع.
ويعود تاريخ المصطلح إلى سنة 1909 ميلادي حيث نشر الباحث الفرنسي أرنولد فان جنب (1873-1957)كتابه الشهير المعنـون بـ "les rites de passages" وترجمته:"طقوس العبور" عالج فيه مفهوم مصطلح المقدس والعلاقة الوطيدة بين الدين والسحر، ثم عرج في الفصول الأخرى إلى أنواع الطقوس وفق مراحل حياة الفرد بدءا بالولادة ثم الختان وصولا عند الزواج بمختلف مراحله من خطبة وعقد قران، ثم تحدث عن الموت وطقوسه معالجا في الأخير مجموعة متفرقة من الطقوس في مختلف بلاد العالم.
ويعود أصل ممارسة طقوس العبور إلى العصور البدائية الأولى والتي تعرف فيها الإنسان على ما يحيط به من قوى الطبيعة، كما تعرف على جسده وأعضائه التناسلية التي تدفعه إلى استمرار إنتاج النوع البشري والذي يمثل بدوره صورة من صور مثل هذه الطقوس، وقد وضح الباحث خزعل الماجدي في كتابه:"أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ" هذا النمط حيث "نرى مشهدين الأول لرجل وهو يطلق سهمه على طرائده، والثاني للمرأة وهي تمارس طقسا سحريا، وتظهر المرأة رافعة ذراعيها للأعلى لتطلق قوتها السحرية نحو الرجل عن طريق أعضائها الجنسية التي يربطها بأعضاء الرجل الجنسية خيط واضح"(4).
وتبقى هذه الممارسات ذات صلة وثيقة بديانات بائدة وأخرى سائدة اعتنقها الإنسان الأول وحافظ عليها عن طريق ممارسة مختلف أشكال طقوس العبور وهو ما أكده الباحث ميرسيا إيلياد الذي يرى بدوره أن:"طقوس العبور تعود إلى أصل ديني عند الإنسان البدائي، فالإنسان المتدين يريد لنفسه وجودا غير متكون على مستوى طبيعي"(5).
وكمثال عن هذه الممارسات العقائدية أردنا - في هذا المقام - معالجة طقوس العبور متمثلة في "الـزواج والـخـتـان والمـوت" وذلـك بـالغـوص في عمق المجتمع الشعبي بولاية تبسة وبالبحث عن الدلالات الاجتماعية وأصول مثل هذه المعتقدات والطقوس.
الــــــــزواج:
يعرف الزواج في معاجم اللغة العربية على أنه:"الزوج خلاف الفرد، والزوج للمرأة البعل"(6).
أما في الاصطلاح العام فهو تلك الرابطة المتينة التي تجمع بين الرجل والمرأة ،تحكمها مجموعة من الأعراف والعادات والتقاليد،والهدف من هذه الرابطة هو تنظيم النسل واستمراره،كما يعرف أيضا على أنه: "علاقة مستمرة مقبولة اجتماعيا بين رجل وامرأة أو أكثر، وهي تسمح بالعلاقات الجنسية بينهما بغرض الأبوة"(7).
ولقد حث ديننا الحنيف على ضرورة الزواج الشرعي نظرا لأهميته على جميع الأصعدة الاجتماعية والصحية والفطرية...الخ، يقول تعالى في ذلك:"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"(8).
كما نادى رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم في سنته الشريفة بضرورة زواج الشباب وذلك في أكثر من حديث وفي ذلك يقول: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج"(9)، ويقول في حديث آخر: "تناكحوا تناسلوا فاني مباه بكم الأمم يوم القيامة"(10).
أما في مجتمعنا المحلي في منطقة تبسة وما جاورها فيعتبر الزواج رابطة مقدسة تجمع بين الأفراد والعائلات يتم فيه الاحتفال على مدى مراحل وأيام متتالية، وأولى هذه المراحل "الخطبة" بـ كسر الخاء ـ والتي تعتبر "عقدا تمهيديا لعقد الزواج يحدد فيها المهر ويتفق فيها على الشروط التي يتضمنها العقد"(11).
يقوم خلالها أهل العريس بزيارة إلى بيت الفتاة التي اختارها أن تكون شريكة له طوال حياته،وبعد القبول وتحديد قيمة المهر يحدد موعد العرس، ويكون في العادة بعد سنة أو أقل من الخطبة، حيث يتم التحضير لهذه المناسبة السعيدة على قدم وساق من كلا الطرفين وعادة ما تكون مدة الاحتفال ثلاثة أيام.
ففي اليوم الأول ـ الثلاثاء ـ يحضر أهل العريس الكباش وكل ما يتعلق بلوازم الغداء أو العشاء إلى أهل العروس، وكما جرت العادة وكما هو متفق عليه عند الكثير من المناطق المجاورة، وبعد صلاة العصر يقوم الرجال بالاتفاق على ذبح الأضاحي، وفي اليوم الموالي ـ الأربعاء ـ يتجمع أهل العريس مرة أخرى في بيت العروس مع إحضار مختلف الهدايا والحلويات والعطور والحلي ويسمى هذا اليوم ب: "يوم الحنة" وبعد الاحتفال والرقص بمصاحبة الضرب على الدف وحركات تتجاوب وأنغام الآلات الموسيقية تقوم والدة العريس أو إحدى قريباته بتخضيب يدي العروس بالحناء مع ترديد بعض الأغاني المتعلقة بهذه المناسبة السعيدة تقول(12):
حني حني يا الحنايا والحنا جبــناها حنا
والحنا جبناها حنا
يربطها سيدي وخويا بالصحا عليك وبالهنا
ما تبكيش يا لبـنية ما تبكيش قبــالي
ما تبكيش قبـــالي
وأنت لويزة وصافية وأداك ولاد حــــلالي
مشينا طريق طويلة وبكرا نصرتنا على العدو
هذا عرسك يا لبنية وعشرة في عينين لعــدو
وفي اليوم الموالي - ويكون عادة الخميس - تزف العروس في موكب إلى بيت الزوج، وعند دخولها المنزل ترش بمختلف أنواع العطور وماء الزهر ثم تشرب كأسا من الحليب، وفي عرس الشاوية بمنطقة "العوينات" وتقع على تخوم الحدود الشمالية لولاية تبسة تستقبل العروس بوضع "الدهان" على يدها اليمنى ثم تمسحه عند مدخل البيت وتستقبلها حماتها بقولها: "بالمال والذرية مرت ولدي عزيزة عليا"، وعند جلوسها في غرفة الاستقبال يوضع في حجرها طبق من الحبوب كالقمح أو الشعير أو فتات الخبر أو عجينة التمر.
أما في منطقتي بئر العاتر والشريعة وتقعان جنوب الولاية فيوضع فوق رأس العروس طبق يحوي رأس أضحية العرس مطهوا ومقطعا إلى أجزاء وهي تختار جزءا دون النظر إليه، فإذا أخذت العين بقيت عزيزة عليه كعينه، أما إذا أخذت الأذن فلابد لها من سماع كلامه...الخ، وفي مساء ذلك اليوم يأخذ الزوج عروسه ليختلي بها الخلوة الشرعية، وتسمى في المجتمع الشعبي بـ"ليلة الدخول" أو "ليلة الدخلة"، وأما عن هذه الليلة فتحيطها هالة كبرى وتعد طقس عبور بامتياز، ينتقل فيه الطرفان من عالم الشباب والصبا إلى عالم الأزواج والإنجاب عن طريق أول اتصال جنسي لهما يثبت فيها العريس رجولته من جهة وتثبت خلالها الفتاة عذريتها من جهة أخرى.
وفي صباح اليوم الموالي - عادة يكون الجمعة - ويسمى أيضا بـ"الصباحة" يحضر أهل العروس "الرفيس والحلويات" تجلس الفتاة في غرفة الاستقبال مرتدية أجمل ما لديها من ملابس تقليدية وحلي، ثم يتقدم اخ زوجها الأصغر ويقوم بشد نطاقها بحزام من ذهب ثم ينثر الكمون حولها.
وتبقى دلالة هذه الطقوس ذات رموز دينية غابرة في الزمن السحيق، فطقس نثر الكمون والملح درء للإصابة بالعين والحسد، أما شرب الحليب والدهان والقمح والشعير والتمر فهي رمز للخير وتعبير عن الخصوبة.
وبالنسبة للحناء فلطالما كانت ولازالت هذه المادة في مجتمعنا الشعبي وحتى العربي رفيقة للأفراح والاحتفالات فبالإضافة إلى فوائدها الطبية كعلاج الأمراض الجلدية والفطرية، تعتبر الحناء في يد العروس نوعا من الزينة تضفي عليها نوعا من الإشراق والجمال وذلك من خلال مختلف النقوش الموجودة على كفيها وأرجلها.
ولقد وضع خزعل الماجدي نوعا من المقاربة بين مجموعة من العناصر (النار، الحيوان، المعبد الكهفي، الصبغة الحمراء، الرسوم) وربطها برحم المرأة يقول في ذلك "فإذا تأملنا فيها لرأينا أن هذه العناصر تبدو وكما لو أنها تشكل عالم الرحم عند المرأة"(13) حيث يرى أن:
النار تقابل دفء الرحم.
الحيوان يقابل الجنين.
الكهف والمعبد الكهفي يقابل الرحم.
الصبغة الحمراء تقابل الدم.
الرسوم تقابل تشكل الجنين.
وفي مقـاربة مـنا أردنا فيها الاقتراب مـن هذه العـناصـر التي تشكل مخـتلف مراحـل الزواج السابقة الـذكر، وبـاعتبار أن الهـدف الأساسي من الأخير هو الإنجاب وتنظيم النسل، لذا كانت المقاربة كالتالي:
الختان:
جاء في معجم الصحاح للجوهري أن لفظة الختان مصدر مشتق من الفعل الثلاثي "ختن" و"ختنت الصبي من باب ضرب ونصر، والاسم ختان والختانة أيضا موضع القطع من الذكر"(14).
كما ذكر الباحث محمد فريد وجدي نفس المفهوم في دائرة المعارف ورأى أن الختان: "اسم من ختن الصبي وختن الشيء يختنه أي قطعه، أي قطع قلفته وهو عندنا من السنن"(15).
أما في الاصطلاح العام فالختان هو عملية إزالة الجزء الأمامي من العضو الذكري للطفل أو ما يسمى بـ"القلفة" وهي الجلدة الصغيرة الموجودة على مقدمة الذكر، ويعتبر الختان من السنة التي أوصى الرسولﷺ باتباعها حيث روي عن سفيان قال الزهري: حدثنا سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال:
قال الرسولﷺ: "الفطرة خمس: الختان والاسـتـحـداد ونـتـف الإبـط وتقليم الأظافر وقص الشارب"(16).
ويعود تاريخ هذا الطقس إلى العصور البدائية الأولى حيث عرفته هذه الشعوب ومارسته في حياتها، وقد كان الشامان وهو من رجال الدين والكهنة قديما من يقوم بالإشراف على عملية الختان، كما لعب هذا الأخير "دورا أساسيا في طقوس التنشئة أو طقوس شعائر العبور، حيث يخضع فيها الصبيان الذين يصلون إلى عتبة الشباب إلى طقوس وشعائر قاسية يقومون بها الشامانان ويشرفون عليها"(17).
أما في الديانات الموحدة فيتعلق مفهوم الختان عند المسيح بطهارة الروح من كل شر وسوء، أما عند اليهود فيعتبر الختان حلقة وصل بين الإنسان والرب، وقد مارست هذه الطائفة الختان منذ بداية وجودها على وجه الأرض حيث ورد في الكتاب المقدس في الإصحاح السابع عشر أن:"أبرام - إبراهيم عليه السلام - اختتن وهو ابن تسعة وتسعين سنة، وفي حوار مع الإله يقول: "هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، يختتن منكم كل ذكر، فتختنون في لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بيني وبينكم"(18).
أما في الإسلام فيرجع تاريخ الختان إلى حنيفية إبراهيم - عليه السلام - وتذكر بعض الأحاديث أنه اختتن بالقدوم(19) يقول عبد الرحمان:"حدثنا موسى بن علي قال: سمعت أبي يقول أن إبراهيم الخليل أمر أن يختتن وهو ابن الثمانين سنة فعجل فاختتن بقدوم، فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوحى الله إليه انك عجلت قبل أن نأمرك بالة، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك، قال: وختن إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أعوام"(20).
وفضلا عن فوائد هذا الطقس الروحية، فله فوائد أخرى صحية تنحصر في الوقاية من سرطان القضيب، ولقد أثبتت العديد من الأبحاث أن "الأطفال غير المختونين يتعرضون لزيادة كبيرة في التهابات المجاري البولية"(21).
الختان في منطقة تبسة ودلالته الاجتماعية:
يطلق المجتمع الشعبي في منطقة تبسة لفظة "الطهور" أيضا على طقس الختان، وذلك على غرار كل ولايات الوطن الجزائري، بل وعلى غرار معظم الدول العربية ك سوريا ومصر، تونس والأردن...الخ.
والطهور مصدر الفعل الثلاثي "طهر" ويعني النقاء والنظافة فالمصطلح يحمل دلالتين: الأولى مادية وتعني نظافة الجسد مما يتعلق به من وسخ ودرن، والثانية معنوية وتعني طهارة الروح أو النفس من سوء الأخلاق.
ويعتبر الختان في منطقة تبسة بمثابة عرس أولي للطفل، حيث تقام الولائم وذلك بتحديد يوم الخميس كموعد للحفل، وفي البدء يقوم الرجال بذبح عدد من الأضاحي كل حسب قدرته المادية، أمـا النـسـوة فتقمن بتحضير أشهى المأكولات الشـعـبية المـعـروفـة في المـنـطـقـة كـالـرفيس والكسكسي أو الشخشوخة.
وفي الليل تقوم والدة الطفل أو جدته بتجهيزه وتخضيب يديه بالحناء المرتبطة دلاليا بالفرح والاحتفال مع ترديد بعض الأغاني:
ديرولوا الحـــنة ديرولــوا الحـــنة
آي ديرولوا الحنة لحبيــب وليدنا
ديرولـــوا الحنة اليوم الليلة طهارتوا
واللبسة شحال واتاتوا خالاتوا وعمـاتوا
ديرولوا الحـنة ديرولوا الحـنة (22)
أما يوم الجمعة فيكون الموعد الأساسي للعملية، وقديما كان يستدعى "الطهار" وهو من يقوم بقطع القلفة من العضو الذكري للطفل، وفي غرفة خاصة يجهز الأخير كل أدواته ثم يؤخذ إليه الطفل مرتديا أبهى الملابس المتعلقة بهذه المناسبة السعيدة برفقة والده وأعمامه أو أخواله...الخ.
وفي هذه الأثناء ترتدي الوالدة حليها وخلخالها الفضي وتضرب بقدمها على الأرض محدثة بعض الرنات وذلك بغرض عدم سماع صوت صراخ طفلها جراء قطع القلفة مع ترديد بعض الأغاني حيث تقول:
طهر يا المطهر صح الله يديك
لا تجرح وليدي لا نغضب عليك
طهر يا لمطهر طهر في حجري
لا تجرح وليدي ودموعي تجـــري
طهر يا المطهر صح الله يديك
لا تجرح وليدي لا نغضب عليك
السنة غير طهارة
العام الجاي عريس
طهر يا لمطهر طهر بالمقص
يكبرلي وليدي ويركب على الفرس
طهر يا لمطهر طهر فوق القصعة
سايس لي وليدي وإذا كان نسعى
طهر يا لمطهر وجري الدم
وتزغرد لميمة ويتلموا بنات العم.
السنة غير طهارة
العام الجاي عريس(23)
وبذلك فالطهور "الختان" يعني وعلى المستوى المجتمعي ارتقاء الطفل من مرحلة أولية (الطفولة) إلى مرحلة رئيسية مدرج ضمنها وهي مرحلة (الرجولة)، والختان بذلك أيضا يعد طقسا تأسيسيا بامتياز ينفصل فيه الطفل عن عالمه مولجا عالم الرجولة الذي يضفي له الشرعية والقدرة الكاملة على الاتصال الجنسي بالمرأة عن طريق الزواج باعتباره طابو محرما بالنسبة إليه في المرحلة الأولية (الطفولة).
ويمكن إجراء مقارنة بسيطة بين هذا الطقس وعالم الحكاية العجيبة، وكما رأينا سابقا ففي الأخيرة ووفق منهج بروب المورفولوجي تصور لنا الحكاية رحلة بحث البطل عن ضالته المنشودة مارا بمجموعة من الاختبارات والصعوبات والوظائف إلى أن يصل إلى آخر وظيفة في النظام وهي وظيفة الزواج ، كذلك يعتبر الختان بمثابة أول اختبار للطفل والذي يثبت من خلاله قدرته الكاملة على تحمل الآلام ليدرج بعدها آليا ضمن ما يسمى بـالرجل الذكر، كما يعتبر في نفس الوقت بمثابة اختبار له ليصل إلى مرحلة الزواج وهي آخر وظيفة من الترتيب الوظائفي البروبوي.
المــــوت:
في تصورنا الديني الإسلامي تعتبر فكرة الموت المرحلة النهائية أو خاتمة كل مخلوق على وجه الأرض يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: {كل نفس ذائقة الموت}(24)، {إنك ميت وإنّهم ميتون}(25).
ولقد شكلت هذه الفكرة منذ بدايات الخليقة قلقا واستفهاما كبيرين لذا صاغ الإنسان الشعبي حولها وحول كل ما يتعلق بها ألغازا من مثل: "على حكة فيها خوك وفيها بوك وفيها سلطان الملوك" - المقبرة - أو"اللي محدر في الحدور لا يفرز انثى من الذكور"ـ المقبرة - أو"اللي باعوا ربح فيه واللي شراه ماهو ليه، واللي ليه ماشافوش حتى بعينيه" ـ الكفن -كما صاغوا حولها أقوالا سائرة من مثل: "رانا والموت ورانا" وأساطير وملاحم شعبية ضاربة في جذور التاريخ، وتستحضرنا في هذا المقام"ملحمة جلجامش" السومرية والتي صورت وعلى طول ألواحها الإثني عشر وأحداثها سعي الإنسان الدؤوب للوصول إلى الخلود، لكن في النهاية ينتهي به المطاف إلى المصير الحتمي على كل دابة على الأرض ألا وهو الموت.
وعلى مر العصور واختلاف الحضارات اشترك تصور الإنسان حول هذه الفكرة، فصور عالما خاصا بها أطلق عليه تسمية "العالم العلوي" أو"العالم الاخر" أو "حياة ما بعد الموت"، ففي العصر البدائي كانت الشعوب تعتقد أيضا بعودة الميت بعد وفاته، لذلك مارسوا مجموعة من الطقوس المتعلقة بهذه الفكرة ومنها أنهم "كانوا يكدسون من الحجارة على جسد الميت أو يربطونه بحبال متينة، وأحيانا كانوا يغرزون وتدا إلى صدره لكي يقيدوا الجسد إلى الأرض فلا يكون له فكاك منها"(26).
أما في الحضارة الفرعونية التي اشتهرت ببناياتها الشامخة الأهرامات الموجودة في منطقة الجيزة الواقعة جنوب جمهورية مصر العربية وهي في حقيقتها مقابر لأشهر ملوك الفراعنة (خوفو، خفرع، منقرع) حيث كانوا يدفنون مع الملك المتوفى كل ما يتعلق به من أغراضه الشخصية ظنا منهم انه بأمس الحاجة لاستعمالها في حياة ما بعد الموت.
أما في حضارة بلاد الرافدين - العراق - فلم يكن لهذه الشعوب تصور واضح حول فكرة الموت فقد كان يلف مصير الروح الغموض لذلك اعتقدوا أن الروح بعد مغادرتها الجسد تتيه في الأجواء ناقمة على الأحياء تحاول الإيقاع بهم.
وقد اتفق تصور المجتمع الشعبي بمنطقة تبسة مع البعض من هذه الأفكار والطقوس المتوارثة على مدى العصور والحضارات المتعلقة أساسا بالموت ومواكب الجنائز ونذكر منها: أن شرب الماء الذي غسل به المتوفى أو وضع القليل من تراب قبره على رأس احد أبنائه أو أفراد عائلته المقربين قد يهون عليهم الفاجعة، كما أن المرأة المتوفى زوجها تشق ثيابها من فرط حزنها عليه، وكان في ذلك للعرب عادة مثل هذه حيث كانوا "يزعمون أن المتحابين إذا شق كل واحد منهم ثوب صاحبه دامت مودتهما"(27).
وقد لاحظنا في بعض المناطق التابعة للولاية كبئر مقدم والماء الأبيض مثلا أنه في حالة خروج موكب الجنازة من البيت يوضع في مكان نعش الميت شمعتان وكأس من الماء اعتقادا منهم بعودة روح ذلك المتوفى إلى البيت لزيارة أهله.
ومن الملاحظ أن البعض من الممارسات الشعبية والمتعلقة بفكرة الموت قد ارتبطت في شقها الآخر بالدين الإسلامي وذلك بعد شيوعه واتساع رقعته الجغرافية، فبعد أداء صلاة الجنازة ودفن الشخص المتوفى يوضع على قبره كأس من الماء ليشرب منه كل حيوان مار به، وتعتبر بمثابة صدقة جارية تضاف إلى رصيده من الحسنات.يقول رسول اللهﷺ: "إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"(28).
ولطالما كان الماء في مخيلتنا الشعبية وفي ثقافتنا العربية وحتى الغربية والدينية رمزا للحياة والانبعاث من جديد، ففي الدين الإسلامي يقول عز وجل: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}(29)، أما في معتقداتنا الشعبية العربية فلطالما كانت النساء قديما (زوجة، أم، أخت، حبيبة) وأثناء توديعها للرجل المسافر ترمي وراء خطواته كوبا من الماء وهو طقس تنصهر منه بؤرة من الدلالات الرمزية ومنها: أن يسلك طريقه بخير وسلام وتكون رحلته موفقة، أو الذهاب والعودة إلى المنزل آمنا.
الماء دلالة على الأمان:
ويحمل الماء في الثقافة الغربية نفس الدلالة فلطالما كان الغاليون(30) يستخدمون الماء المقدس لطرد السحرة "وإذا كان ثمة ميت وضع في بابه وعاء كبير مملوء بماء، وكل من يأتي للتسليم على العائلة الحزينة يرش نفسه بشيء من هذا الماء أثناء خروجه من بيت هذا الميت"(31).
أما في وقتنا الراهن فلقد تغيرت الذهنية وتغيرت معها البعض من هذه الأفكار التقليدية الساذجة نظرا للانفتاح المعرفي والحضاري، وفي هذا المقام يقول مالك بن نبي: "ببعض العادات التي كانت على شيء من البربرية بدأت تتغير فقد كان يدعو الشيخ سليمان في خطب الجمعة إلى نبذ الندب والعويل في الجنازات"(32).
ثم أردف قائلا: "وحتى مواكب الجنازات أضحت في أغلب الأحيان صامتة فلم يعد الناس ينشدون قصيدة البردة وراء نعش الميت"(33).
وفي الأخير يمكن القول أنه برغم التطور الحضاري والتكنولوجي الذي يعرفه العالم الغربي وحتى العربي في الوقت الحالي، لا زالت البعض من هذه المعتقدات راسخة في أذهان المجتمع الشعبي في منطقة تبسة حيث لا ينفك إلى ممارسة مثل هذه الطقوس وفي مناسباتها دون دراية بأصولها الدينية الغابرة في الزمن السحيق.