اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

التراث الثقافي والمواريث الشعبية الموريتانية
تعيش موريتانيا معركة التنمية والتقدم بجل مصاعبها، ومعركة تأكيد الهوية معاً، بعد أن رسمت حدودها سكين الاستعمار الحادة. وا...

السلطة العرفية في المجتمعات التقليدية دراسة أنثروبولوجية
من أهم السمات المميزة لمنطقة الجلفة (1) الواقعة بالوسط الجزائري وجود ما يعرف بـ"جماعة الصلح" أو "الجْمَاعَة" كنوع من الق...

السيرة الهلالية والتلقي الشعبي دراسة في أشكال الاستجابة الجماهيرية
يمكن القول - من منظور علاقات القوة بين القارئ/ الجمهور والنص الأدبي المدون- "إن هناك علاقة سيطرة أو تبعية أو تكافؤ بين ا...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
حكايات من النوبة والمحرق ودراسات حول العامية وصورة الحاكم.. وتجربة شبابية جديدة
العدد 38 - جديد النشر

أ. أحلام أبو زيد
كاتبة من جمهورية مصر العربية

 

نقدم في هذا الملف مجموعة متنوعة من الدراسات من كل من مصر والبحرين واليمن السعيد، فضلاً عن عرض لمحتويات مجلة الموروث الإماراتية، وفنون شعبية الأردنية.. اشتملت الدراسات على معجم وضعه صاحبه في القرن التاسع عشر، وأُعيد تحقيقه ونشره في القرن الواحد والعشرين.. كما يشمل العدد تجربتين لجمع وتوثيق الحكايات الشعبية؛ الأولى من جنوب مصر (النوبة المصرية)، والثانية من منطقة "المحرق" بدولة البحرين، والتجربتان تمثلان منهجًا علميًا رصينًا في تقديم الحكاية الشعبية للجمهور والوسط البحثي العربي. ومن اليمن نعرض لكتاب احتوى مجموعة مميزة من الأبحاث تناولت صورة الحاكم في التراث الشعبي، لتنتهي جولتنا بعرض لتجربة شباب معهد الفنون الشعبية ومركز دراسات الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون بالقاهرة في عرض مجموعة من الدراسات الجديدة التي نشروها بمجهودهم الشخصي.
1. التحفة الوفائية في العامية المصرية
صدر العام الماضي 2016 عن مكتبة الإسكندرية  كتاب "معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية" لمؤلفه وفا أفندي محمد القوني (1849-1899م)، وقام بتحقيق الكتاب هشام عبد العزيز، وقدم له إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية. والمعجم يقع في 505 صفحة من القطع المتوسط. ومؤلف الكتاب عاش ما يقرب من الخمسين عامًا هي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحديدًا، والمعجم على هذا النحو قد أُلف منذ حوالي مائة وعشرين عامًا، وقد أنهى المؤلف مواد المعجم عند حرف الشين؛ حيث لم يكتمل تأليفه لوفاته. أما محقق المعجم هشام عبد العزيز فقد كانت له رحلته العلمية في تأليف وتحقيق المعاجم المرتبطة بالثقافة الشعبية العربية والمصرية، بدأها بتحقيق نص تراثي من عالم ألف ليلة وليلة عام 1995 بالاشتراك مع عادل العدوي، وكذا اقترابه من بعض الألفاظ التي وردت في سيرنا الشعبية العربية.. وكان تحقيق هذا المعجم "معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية" هو المرحلة الأخيرة - حتى الآن - في رحلته مع العاميات، عندما اطلع على هذا المخطوط أواخر التسعينات وانشغل عنه ثم عاد إليه بعد أن عقد العزم على تحقيقه.
وقد رتبت مواد المعجم تبعًا للترتيب المعجمي (الألفبائي) حسب نطقها على ألسنة العامة. وقد أشار إسماعيل سراج الدين في مقدمته أن المعجم- فضلاً عن كونه معجماً في العامية المصرية- هو موسوعة ثقافية عن المجتمع المصري في حقبة تاريخية هامة هي نهاية القرن التاسع عشر، ويرصد كلمات الناس آنذاك والكثير من ألفاظ العوام وأساليب كلامهم وعاداتهم وأمثالهم المألوفة على ألسنتهم، وكان ذلك لأهل القاهرة والوجه البحري. والمعجم حافل بألفاظ ودلالات وأمثال وتعبيرات شعبية وأقوال، فضلاً عن الكثير من العادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية. إذ يشمل كلمات عامية مصرية مشروحة باللغة العربية الفصحى، حيث مزج المؤلف بين العامية كمداخل وأمثلة وأمثال، والفصحى في شرحه وإثرائه لمواد المعجم بالآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو الأشعار أو الأقوال أو غيرها، لافتاً إلى دور التحقيق العلمي المنضبط الذي نهض به هشام عبد العزيز لهذا المعجم. ويتناول المعجم خمسمائة وثلاث وعشرين مادة أو مدخلاً معجميًّا، مرتبة ألفبائيًّا، في كلِّ مادة معنى اللفظ وسياقاته وأمثلة وأمثالاً حوله، ويورد كذلك الكلمات المرتبطة بكل مدخل، سواء مرتبطة باللفظ أو بالدلالة وذلك بقدر ما أمكن له.
وقد ارتبط منهج المؤلف- حسب ما أشار المحقق- في معجمه بعدة محاور من بينها بداية مواد المعجم من حرف الهمزة حتى آخر حرف الشين، ولكن هذا الترتيب اضطرب في بعض الأماكن فلم يكن متسقًا، طبقًا لرؤية المؤلف دائمًا. هذا بالإضافة إلى أن كل حرف الهمزة تقريبًا كانت مواده عبارة عن أفعال مضارعة، وكذلك حرف التاء. كما لم يلتزم المؤلف في ترتيب مواد معجمه على تجريد اللفظ إلى الماضي، فقد أورد مواد على صيغة الماضي (مثال: بربش)، وأخرى بالمضارع (مثال: أرُم - تِرِسْ)، وأحيانًا أسماء (مثال: زعبوط)، أو صفات (مثال: مسمسم) وإن كانت أقل. كما لم ترد في المعجم مواد في حرف الهمزة على صيغة الماضي إلا بعض الأفعال والصفات التي استدركها المؤلف بعد حرف الباء من أنه كان قد نسيها، وأخيراً اهتم المؤلف في رصده لدلالة اللفظ ودورانها في كلام العامة، بذكر أكبر قدر ممكن من الأمثال والتعبيرات الشعبية والأقوال التي ترد فيها اللفظة، بالإضافة إلى ذكر أكبر قدر ممكن من العادات والمعتقدات الشعبية التي تتصل باللفظة موضوع المادة، ومن ثم فقد أورد المؤلف في مواد معجمه 114 مثلاً، و3200 من التعبيرات والأقوال، كما شرح باستفاضة 101 بين عادة ومعتقد شعبي، ونعرض في الجزء التالي بعض النماذج من مواد المعجم:
شَرَعْ: يِشْرَعْ شُرُوعْ. أي بدأ يبدأ. و"المِشَرَّعْ": العالي من البناء؛ فيقولون: "بِنَايِهْ مِشّرَّعَهْ"، إذا كانت شاهقة في العلو. و"شَرَّعِ البنيان"، أي أعلاه، فيقولون: "بنى وشَرَّعْ البنيانْ". ويرادفه قولهم: "اللي بنى وعَلِّهْ"، أي الذي بنى وأعلى البنيان. ويستعملون هذه الجملة الأخيرة في من يذهب إلى جهة من الجهات مسرعًا، فيقولون: "فلان حَطْ دَيْلُو في اسْنَانُو وْقال ياللي بنى وْعَلّهْ"، أي أنه لما ذهب أسرع في الذهاب ولم يثنه عنه أمر من الأمور. ومعنى "حَطْ دَيْلُو في اسْنَانُو"، أي مسك ذيل ثوبه بأسنانه، وبادر إلى الذهاب مسرعًا، (فقد) جرت عادة من يمشي مسرعًا أن يضم ذيل ثوبه ويقبض عليه بأسنانه حتى يتمكن من الهرولة في المشي، فإنه لو ترك ذيل ثوبه مرسلاً لتعثر فيه وانكب على وجهه. وهذه الجملة برمتها لا يقصد منها حقيقتها، بل هي كناية عن كون فلان ذهب إلى وجهته مسرعًا بدون أن يتمهل أو يتأخر زمنا ما. ولو لم "يِحطْ دَيْلُو في اسْنَانُو"، بل ولو لم "يبن ويعل البنيان". و"التَّشْرِيْعَهْ": عادة يتخذها بعض الفلاحين في أفراحهم، وهي أن يجتمعوا في دار صاحب الفرح ويجلسوا دائرة ويحضر الطبالون والزَّمّارون في وسط هذه الدائرة، وبعد أن يطبلوا ويزمروا، يقوم واحد من هؤلاء الطبالين ويجمع من الحاضرين نقودًا برسم صاحب الفرح، وكلما أخذ من شخص نادى باسمه وأعلن مقدار ما دفعه من هذه النقود، فيسمي الذهب بالذهب والفضة بالفضة، فربما يجتمع من ذلك لصاحب الفرح مبلغ يزيد عن خمسين جنيهًا، وله دفتر يقيد فيه أسماء من دفعوا ومقدار ما دفعه كل واحد بحيث يصير دينًا عليه يدفعه في أفراحهم. فجمع هذه النقود والإعلان بها يسمى "تَشْرِيْعَهْ". ومثل هذه النقود التي تجمع من الحاضرين في الأفراح يسمونها "نُقُوطْ"؛ نَقَّطْ يِنَقَّطْ. و"الشَّرْعْ": يطلقونه على دار القاضي الشرعي التي يُصدر فيها الأحكام، فيقولون: "فلان راحْ للشَّرْعْ"، إذا ذهب إلى دار القضاء الشرعي. و"امْرَاةْ فلان وَدَّاتُو الشَّرْعْ"، إذا ذهبت به إلى دار القضاء الشرعي لتطالبه بحق شرعي. ويقولون: "فلان شَرَعْ بين الجماعَهْ"، إذا فصل بينهم الأمر الذي يختلفون فيه، أو حكم في القضية التي بينهم. ويطلقون على الطويل: "شِرِعْ"، فيقولون: "فلان شِرِعْ عن فلان"، إذا كان طويلاً عنه طولا يناسب قوامه. ويقولون لمن أخطأ الصواب في كلامه أو لم يأت بما ينطبق على الواقع: "شَرْعَ اللهْ عند غيركْ"، فهذه الجملة كناية عن كون المخاطب أخطأ في كلامه، فشابه القاضي إذا حكم بما لا يوافق أحكام الشريعة. (وهي) في ذاتها معروفة محفوظة، فإذا أخطأ فيها أحد من القضاة فغيره هو الذي عنده الحكم الشرعي محفوظ ومعمول به. و"الشّارِعْ": الطريق المتسع في البلد. ويقولون: "فلان شارِعْ في الأمرْ"، إذا كان مبتدئًا فيه أو متهيئًا للبدء فيه.
وعلى هذا النحو يقدم المعجم مادة ثرية حول كل مفردة، كما يقدم المحقق شروحات عديد في الهوامش تبين سياق ومفهوم بعض المفردات، واتبع منهج التحقيق في الإشارة إلى بعض الكلمات التي وردت بصورتها وقام بضبطها. وقد بدأ عبد العزيز نسخ النص مع مراجعة مقدمة المؤلف المطبوعة على المصادر التي نقل منها، حيث قام بضبط نصه بالحركات الضابطة لنطق الألفاظ العامية، وضبط الألفاظ والأمثال والأقوال وغيرها ليس في متن المعجم فحسب، بل وفي الهامش والكشافات كذلك، ثم قام بتخريج الآيات والأحاديث والأشعار والأعلام التي وردت في النص لتكتمل الفائدة. كما اعتمد المحقق على مجموعة من المصادر مثل: لسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروز آبادي، والمعجم الوسيط، والأعلام للزركلي وغيرها. وحرص على توثيق بعض الرسوم التوضيحية التي رسمها المؤلف بيده لمجموعة من الآنية وأدوات الزراعة، وقام بإعدادها على جهاز "الماسح الضوئي" دون المساس بطبيعتها ولا بحدودها كما رسمها المؤلف، وأعطى كل شكل رقمًا وربط هذا الرقم بمكانه في المتن، وقد أورد هذه الأشكال في نهاية المعجم وقد بلغ عددها 13 شكلاً.
وقد حرص هشام عبد العزيز على إظهار جميع بيانات المعجم من خلال العديد من الكشافات التي بلغت خمسة وثلاثين وضعت القارئ على أي من المعلومات التي يريدها بسهولة ويسر، وعلى هذا النحو اشتمل المعجم على الكشافات التالية: كشاف الآيات القرآنية - كشاف الأحاديث النبوية - كشاف الأشعار والأغاني - كشاف الأمثال والحكم المأثورة - كشاف التعبيرات الشعبية والأقوال والصفات - كشاف الأعلام - كشاف الأماكن والمعالم الجغرافية - كشاف الحيوانات والزواحف والطيور - كشاف الملابس والأقمشة والأثاث - كشاف النباتات والأعشاب والأدوية - كشاف الملل والنحل والأعراق والطوائف والمجتمعات النوعية - كشاف المعادن والعملات والحلي- كشاف الأدوات والآلات والآنية - كشاف الأطعمة والمشروبات - كشاف المهن والحرف والوظائف والأعمال- كشاف الأمراض والعاهات المستديمة - كشاف العادات والمعتقدات والكائنات الخرافية - كشاف المقاييس والمكاييل - كشاف الأدعية والنداءات وألفاظ السباب - كشاف الألعاب - كشاف الأسلحة والذخائر - كشاف الأسماء - كشاف الأصوات - كشاف الألوان- كشاف الأيام والأوقات والمناسبات والأعياد - كشاف الزينة وأدواتها وموادها - كشاف الرتب والألقاب - كشاف المشروبات الروحية والمواد المخدرة - كشاف المؤسسات العامة والخاصة - كشاف الكتب الواردة في المعجم- كشاف ألفاظ السياسة والحكم - كشاف ألفاظ مرتبطة بالدين الإسلامي - كشاف العلوم وألفاظها - كشاف مواد المعجم بترتيب المخطوط - كشاف مواد المعجم مرتبة ألفبائيًا.
وأكد سراج الدين في مقدمته لهذا المعجم أن مكتبة الإسكندرية تأمل أن يكون نشر هذا المعجم في السياق الذي تضطلع به المكتبة من مجهودات حثيثة في مشاريع عديدة لتوثيق التراث، وليخرج القارئ بعد قراءته للمعجم أو اطلاعه على مادة من مواده مستبصرًا بطبيعة حياة المصريين خلال تلك الحقبة، متمنيًا أن يسهم هذا الإصدار في سدّ النقص في المكتبة العربية في بعض الحقول المعرفية خاصة المعجمي منها، فضلاً عن الفقر الملحوظ في المعاجم العامية، وهو ما يرجع إلى جملة من الأسباب، من ضمنها تركيز الناشرين على نشر كتب في موضوعات محددة وفقًا لأمور تسويقية وأهداف مالية. فهذا المعجم، رغم قلة عدد مواده يعد كنزًا ثقافيًّا كاشفًا عن جانب من الجوانب المهمة والخفية للمجتمع المصري في القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين.

2. حواديت زينب كوتود
صدر عام 2016 عن "مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي" بمكتبة الأسكندرية كتاب "حواديت زينب كوتود" والكتاب يشمل مجموعة من الحكايات الشعبية النوبية في 150 صفحة من الحجم الكبير. ويعد جهدًا مشتركًا بين مجموعة من المهتمين بالتراث الشعبي النوبي، إذ قام بجمع هذه الحكايات حفيد الراوية "زينب كوتود" الشاعر إبراهيم شعراوي باللغة النوبية، وأعدها للنشر الباحث عادل موسى المتخصص في بحث التراث الشعبي النوبي بالمركز، على حين نهضت الفنانة سلمى كمال بعمل رسومات هذه الحواديت. ويشمل الكتاب خمسة عشر حكاية شعبية ترصد ثقافة المجتمع النوبي من خلال هذه الحكايات. و"زينب كوتود" - راوية هذه الحكايات - هي سيدة نوبية (اسمها الأصلي زينب فاتي) عاشت حياة مديدة لا تقل إثارة عن تلك الحكايات التي كانت ترويها، وقد ولدت بقرية "الجنينة والشباك" إحدى قرى النوبة القديمة، واشتهرت باسم "زينب كوتود". ويُقال إن "كو" هو كائن خرافي قوي له تاثير مغناطيسي، حتى أنه لو مر من خلف بيوت القرية يشعر الناس برعشة تسري في قلوبهم وعظامهم، كما تُطلق كلمة «كو» على الأسد أيضًا، أما «تود» فمعناه «ابن»، وقد اشتهر والدها بهذا الاسم لسرعة تنقله على الفرس ومهارته في الفروسية والقتال. وكانت «زينب كوتود» تحكى حكايات خرافية أبطالها من الأبقار والتماسيح والطيور والغيلان والشياطين وقصص اجتماعية تحفل بالصراع التقليدي بين الخير والشر، وتتناول جوانب هامة من حياة النوبيين قديمًا. وتشير "كوتود" إلى أنها ورثت هذه الحكايات عن جدتها، وكان لها مواعيد لتقديم حكاياتها وطريقة معينة للجلوس، كما عُرف عنها أيضًا أنها كانت تحكي الحكايات من غروب الشمس حتى ساعة متأخرة من الليل لا للأطفال فقط بل للكبار أيضًا. ويشير المعتقد الشعبي هنا إلى أن من يقوم برواية الحواديت قبل الغروب يُصاب بالعمى.
كما اشتهر عن "زينب كوتود" بعض المأثورات الشعبية التي تضعها في مصاف الأولياء أصحاب الكرامات، من بينها أن المرأة التي لا تأتي بطفلتها لزيارتها لا تتزوج ابنتها مدى الحياة، لذا كانت المراكب الشراعية تقف على شاطئ قريتها، وتنزل بجماعات كثيرة ومعهم الأطفال الصغار لزيارة "زينب كوتود" التي كانت أيضًا تحفظ بعض آيات القرآن الكريم، وتُحسن الوضوء والصلاة، وتعرف تاريخ القرية وبطولات رجالها والأعمال الطيبة لنسائها؛ فكانت موثقة بالدرجة الاولى لمجتمعها ولبيئتها المحيطة، كما أنها كانت تعرف حكايات شعبية أخرى كالسيرة الهلالية وبعض قصص الجان والعفاريت والأساطير القديمة، كما عُرف عنها أيضًا أن دعاءها كان مستجابًا.
ومجموعة الحكايات الموثقة بالكتاب تحمل عشرات العناصر الشعبية الكاشفة للتراث الشعبي النوبي، وقد سُجلت أسماء الحكايات منها ما ينطق بالنوبي، ومنها ما هو بالعربية، مثل: اقتلوا الذباب- كُري (اسم بطلة الحواديت الثلاث من الثانية حتى الرابعة: كُري بنت تمايا - كُري في بيت الأركبي - كُري في قصر الملك) - بروكي (اسم الفأر الذي حملت به امرأة) - الساحران (أحدهما خير والآخر شرير) - كلو (الشاب الفارس الذي يقرر الارتباط بابنة الملك) - سلطانة (الفتاة الصغيرة التي تحفظ سر ما رأته) - سفان أراجيد (تروي رحلة الشاب الذي رفض غواية زوجة الملك) - عشق الإركبي (الشرير الذي يعشق الفتاة الجميلة) - سماحة وقمّاحة (إحداهما مجتهدة والثانية مهملة) - علي كَديس (الفتى الذي شاركته أخته أحشاء أمه) - الشاوشاو (اسم العقد الذي نجى فتاة من الفضيحة) - جزيرة الإركبي (اسم القصر الذي يظهر في الحواديت) - أمن دقر (شرير النهر الذي نجت منه إحدى الفتيات).
ونعرض في الجزء التالي واحدة من الحكايات التي وردت بالكتاب تحت اسم "كُري في بيت الأركبي": كعادتها في المناسبات المختلفة سارت (كري) وصويحباتها الست في أماكن غريبة مزدحمة بالناس .. وكان الناس يقلون ويقلون كلما ابتعدت الفتيات عن الطريق المتسع إلي طريق متعرج ضيق، حتي لم يعد بالطريق إنسان .. وقالت (كري) للفتيات الست: "هل تعرفن لماذا يقل الناس؟ لأننا نقترب من بيت (الإركبي)". فصرخت البنات: الإركبي ! إنها ستأكلنا.. فلنبتعد.
فقالت (كري): إذا ابتعدنا سيقتلنا الجوع والعطش بالتأكيد.. هذا موت محقق.. أما إذا قابلنا (الإركبي)، فقد تأكلنا وقد ننجو منها.. ربما لا تكون جائعة فلا تأكلنا.. هيا إلي بيت الإركبي، وسارت البنات الخائفات خلف (كري)، وهن يبكين، ويمسحن بأكمامهن ما يسيل من العيون والأنوف. كان بيت الإركبي بيتا قذرا، و(الإركبي) ليست بالبيت.. وقد تركت به سبعة من أطفالها في حالة من القذارة لا تطاق.. وفي الحال قامت (كري) بالعمل، وأمرت البنات ببذل الجهد في تنظيف المكان كنسًا ورشًا ومسحًا وتهوية وغسلاً.. وكل بنات (الإركبي) استحممن وارتدين الملابس النظيفة المغسولة وقامت (كري) بحلب العنزات وصنع خبز الكابد. وبعد فترة كانت بنات (الإركبي) قد شبعن, واستغرقن في نوم عميق في مكان نظيف.. وبينما كان المكان برائحة البخور وأنفاس العطور جاءت (الإركبي) الأم، وكانت طويلة القامة، حمراء العينين، مشقوقة الفم من أعلى إلي أسفل، ناتئة الشفتين، أما ثدياها فكانا يصلان إلي ما بعد ركبتيها، فهي تقذفهما إلى خلف كتفيها.. الثدي الأيمن خلف الكتف الأيسر، والثدي الأيسر خلف الكتف الأيمن لتسهل عليها الحركة الحرة، ولكي لا يكنس الثديان الأرض حين تنحني الإركبي.
دخلت الإركبي وهي تشم الهواء, ولشهيقها صوت العاصفة وقالت: إنني أشم رائحة بشر، لهم عظام طرية، ولحوم شهية واستيقظت بنات الإركبي علي صوت الأم، وقلن لها لا تأكلي (كري) وصاحباتها، فقد قدمن لنا خدمات كثيرة، وكان الجوع يعذب الإركبي وهي لا تريد أن تغضب صغارها، لذلك تقرر أن تخرج من البيت إلي أن يغالب النوم عيون صغارها فتعود وتأكل (كري) وصاحباتها، ولا يعترض أحد من أطفالها. تخرج (الإركبي)، وتظل تدور حول البيت، وهي تحك أسنانها بصوت مثل احتكاك السكاكين (نيدتا كورمين) ثم تعود إلي بيتها فتجد (كري) مستيقظة، وعيناها جاحظتان من الخوف فتقول لها: هل أنت مريضة يا كري؟ بماذا تحسين؟.. فتقول كري لها: أحس بالعطش، فتقول الإركبي لها ولماذا لا تشربي والماء كثير بالبيت؟.. فتقول كري: لقد كانت أمي تحضر لي الماء من النيل، فلا شئ غير ماء النيل الطازج، يجلب النوم وحملت الإركبي معها وعاء (سكي) لجلب الماء، فقالت لها كري: لا يا خالة فقد كانت أمي تحضر لي الماء في غربال.
وذهبت (الإركبي) إلي النهر، وظلت تملأ الغربال بالماء فيسيل من الثقوب فتعود لملء الغربال من جديد وظلت تكرر ذلك إلي الصباح، ثم تذكرت أن عليها أن تبحث عن طعام فانطلقت إلي الجبل، لتطارد الطيور والحيوانات، ونسيت (كري) وصاحباتها جميعا. وفي اليوم التالي قالت (كري) للإركبي: إنني لا أستطيع النوم لأن الكلاب تنبح بصوت مزعج فقالت (الإركبي)، وقد وجدت فرصة للخروج: اطمئني يا (كري)، فسوف أخرج وأقضي علي الكلاب. وخرجت الإركبي وظلت تحك أسنانها، و(كري) ترتعش، وبعد فترة عادت الإركبي، فوجدت صغيراتها مازلن مستيقظات كحارسات لكري، فقالت للفتاة: إنني قضيت على الكلاب لماذا لم تنامي، فقالت كري: إن الديوك تصيح فلا أستطيع النوم، وخرجت الإركبي لفترة وعادت لتقول أسكتُ الديوك، لماذا يا كري لم تنامي بعد؟. وفي كل مرة كانت (كري) تذكر إسم نوع من المخلوقات التي تحدث اصواتا عالية كالقطط والثعالب والذئاب والضباع، حتي تعبت الإركبي من الانتظار فقررت أمرا خطيرًا. قامت بعمل عصيدة (مديد)، وأضافت إليها مادة منومة، وقدمت الطعام ل (كري) وصويحباتها، وخرجت تحك أسنانها، وهنا همست (كرى) في آذان صويحباتها بعدم الاقتراب من الطعام، لأن فيه الهلاك، أما بنات ( الإركبي ) فقد قمن بالهجوم على الطعام، حتى لم يبق منه شيء. ونام الجميع، وعادت (الإركبي) في ظلام الليل، وظلت تحرك كل واحدة من النائمات، فإذا تحركت النائمة مع حركة يدي (الإركبي) فهذا دليل على أن النائمة خفيفة لم تتناول المخدر، أي أنها من بنات (الإركبي)، وهذه تتركها الإركبي في سلام، وتلتهم البنت ثقيلة الحركة، ولما كانت بنات (الإركبي) هن اللاتي أكلن الطعام الذي به المخدر، فقد أكلتهن أمهن، ومن الشبع والمخدر الذي كان في بطون بناتها، غابت (الإركبي) عن الوعي، ونامت نوما عميقا، وقامت (كرى) فأيقظت صاحباتها، وهربن من بيت الإركبي في سلام.
وخرجت الإركبي في رحلة الصيد، ثم عادت إلى بيتها فلم تجد (كرى) وصاحباتها، واكتشفت أنها لم تأكل إلا بناتها، فغضبت حتى أنها في شهيقها أخذت كل الهواء الذي في جو المكان، ثم أخرجت زفيرا أحمر من الدم والنار، ثم رفعت يديها ذات الأصابع المعقوفة إلى السماء وهتفت: (وو نور) يا إلهي اجعلني أحصل على (كرى)، بعد أن تغوص في قدمها شكوكة (جندي) لا يمكن إخراجها إلا بشعرة من فخذي، (وو نور) يا إلهي، اشغل (كرى) بجمع قطع الذهب والخرز اللامع ( تمنجي). وعند غروب الشمس، بينما كانت (كرى) وصويحباتها يصعدن الجبل، فوجئن - على جانب الطريق - بقطع الذهب والخرز اللامع، فمضت البنات يجمعن في طمع وسعادة، و(كرى) تمنعهن دون جدوى، فلما وجدت إصرارهن على الجمع، طلبت من كل واحدة ألا تحمل أكثر من ملء قبضة يدها فقط من الذهب والخرز اللامع، فقد تأتي ( الإركبي ) بعد قليل. وسمعت البنات كلامها وانطلقن إلى الجبل. ومضت (كرى) تجري خلفهن وتحثهن على الإسراع، وفجأة غاصت في قدمها شوكة، آلمتها ألما شديدا فلم تستطع السير، وحاولت البنات إخراج الشوكة دون جدوى. فقالت (كرى) لهن: لن تستطعن مساعدتي، هيا اهربن، وسوف ألحق بكن بعد أيام قليلة، وابتعدت البنات عن (كرى) وهن يبكين شفقة عليها، وظلت (كرى) تزحف على الأرض في اتجاه الضوء، وهناك وجدت شجرة فتسلقتها، ونامت على فرعها العريض، وكانت خصلات شعرها الحريرية تتدلى من فرع الشجرة إلى الأرض. وجاءت (الإركبي) فأمسكت بشعرة وتسلقتها وظلت تصعد وتصعد الشجرة المرتفعة للوصول إلى (كرى) وتصعد وتصعد، وقبل أن تصل (الإركبي) إلى الفرع استيقظت (كرى)، وقطعت الشعرة من رأسها، فوقعت (الإركبي) بدوي هائل على الأرض وتحطمت وماتت. ونزلت (كرى) من فرع الشجرة، وأخذت شعرة من بين فخذي (الإركبي)، وأخرجت الشوكة بها، ومضت تجري لناحية الجبل، وهناك التقت بصويحباتها في فرح وعناق.
وقد حرص عادل موسى معد الحكايات بشرح وتوثيق بعض المفردات المرتبطة بكل حكاية، ففي الحكاية السابقة يشرح معنى مفردتين بالحكاية على النحو التالي: (كُرى) معناه: عجوة ، وكان يستخدم اسمًا أو لقبًا للفتاة الجميلة التي تشبه العجوة حسب التعبير النوبي. (الإركبي) حيوان خرافي له سبعة رؤوس وشرير في أغلب أحواله، وهو أحيانا مذكر عاشق للفتيات، وأحيانا مؤنث وأم لأطفال من مثيلاتها، ويتشكل على أشكال متعددة فهو أحيانا نملة أو شجرة أو ثعبان أو طائر. والكتاب على هذا النحو هو نموذج لجمع وتوثيق الحكايات الشعبية، ولطالما نادينا بالنهوض لمشروع عربي موسع لجمع وتوثيق الحكايات الشعبية التي تكشف عن البيئات الثقافية العربية الثرية بتراثها الفريد.

3. حكايات شعبية من البحرين
والكتاب الثاني الذي نعرض له في إطار جمع وتوثيق الحكايات الشعبية، صدر عام 2017 وهو كتاب العدد الماضي (العدد 37) من مجلتنا "الثقافة الشعبية"، ويحمل اسم "حكايات شعبية من البحرين" جمع وتدوين فاطمة محمد الحوطي، والكتاب يقع في 209 صفحة. والمؤلفة كانت واحدة من فريق الجمع الميداني للحكايات الشعبية ضمن مشروع مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي عقد الثمانينيات، وقد أشرف على هذا الفريق بروين عارف.. وقد استطاعت فاطمة جمع وتوثيق مجموعة مهمة من الحكايات الشعبية باللهجة البحرينية المحلية، والتي قدمتها إلى علي عبد الله خليفة رئيس تحرير المجلة، ورئيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي (قبل إغلاقه عام 2005).. ويقول خليفة أنه لحسن حظ الحكاية الشعبية في البحرين، وبوازع شخصي، استمرت فاطمة الحوطي في الاستمتاع بمجالسة راويات الحكاية الشعبية والاهتمام بتسجيل ما يرد على شفاههن من الحكايات والأشعار. ويضيف خليفة: وحقيقة فوجئت وهي تقدم لي ما لديها من مادة مجموعة مذكرة إياي بمهمة الدكتورة بروين، وبأنها كانت من ضمن الفريق الذي تدرب على يديها للجمع وأنها واصلت العمل وتجمعت لديها حصيلة من الحكايات الشعبية، فكنت كمن عثر على كنز نفيس، خصوصًا وأن عملية الجمع قد تمت قبل ثلاثين عامًا، حيث عمدت لتدوين الحكايات الشعبية البحرينية من أفواهِ رواتها، منذُ العام (1986)، وقد تم نشر نصوص الحكايات كما هي، وكما وردت على لسان رواتها، مع سردِ لبعض المصطلحات المحلية المستغلقة على فهم القارئ.
والكتاب على هذا النحو هو مادة خام لم تُحقق ولم تُصنف ولم تُبوب ولم يُعالج كل معاني مفرداتها العامية، وقد بذلت الباحثة جهودًا لشرح بعض المفردات باقتضاب، إلا أنهُ في المجمل وثيقة أدبية وتاريخية لمسار الحكاية الشعبية في البحرين، وثبْت موثق للهجة البحرينية قبل ثلاثين عامًا. وقد اعتمدت الجامعة المصطلح المحلي "حزاوي" للإشارة إلى "الحكايات" المتضمنة الكتاب. ويشمل الكتاب عددًا من الحزاوي بلغت 34 حزاة لكل منها اسم دال عليها على النحو التالي: حزاة سرور، وحزاة فسيجرة، وحزاة مريم أم الدل والدلال، وحزاة علي العبهلي، وحزاة أم الهيلان، وحوار سعيدة بنت ناصر، وحزاة أم حمار، وحزاة سعيدة بنت ناصر وراعي النخل، وحزاة الشيخ وصاحبه لفداوي، وحزاة لفداوية السبعة، وحزاة مكسر اليوزية، وحزاة يا ساقي السدرة، وحزاة أحجية والسبع، وحزاة أخوان العمر، وحزاة الذيبة، وحزاة حطيبة الساي، وحزاة سليمان، وحزاة عزيز، وحزاة عمر وأقليم الشكر، وحزاة ميم، وحزاة وريد خنة، وحزاة السبع بنات، وحزاة بنت السحارة، وحزاة بنت الصندوق، وحزان بنت الغزلان، وحزاة الثلاث بنات، وحزاة الجلبة وبنت الحطاب، وحزاة الحبال وبنت مطلع الشمس، وحزاة بنت بنت السندي، وحزاة ظبي عمان وحسن حسان، وحزاة لبنى وأخوها، وحزاة محمد وبنت عمه، وحزاة راعية البيض، وحزاة ينية البستان.
وتشير الحوطي إلى أن جميع الراويات في مملكة البحرين بلا استثناء يفتتحن الحزاة الشعبية بقولهن: صلوا على النبي، ما ياكم إلا خير لفانه ولفاكم وشر تعدانه وتعداكم، وما فايدتنا من الحزاة إلا الصلاة على النبي، والبعض منهن يفتتح حزاته بقوله: شعر يلامس القلب. ويحلق بالسامع إلى الماضي الجميل بنكهته وأصالته تختزل فيه معاناتها وأحاسيسها بصوت رقيق حنون معظمه خارج عن مضمون النص. أما ختام الحكاية فهي بمثابة إعلان من انتهاء الحزاة بعد توضيح النهاية بمعنى أخلاقي، كعقاب إلهي للمسيء والظالم، ونهاية سعيدة للصابر والمظلوم. وتختتم الراويات الحزاوي بقولهن: كملت وحملت، رحنا عنهم ويينه وما عطونا ولا حاجة، وما فايدتنا من الحزاة إلا الصلاة على النبي.
وقد تم جمع هذه الحزاوي من منطقة "الحالة" جنوب المحرق، ومصدر الحزاوي مجموعة من الراويات المسنات التي تصفهن الجامعة بالصحة الجيدة والذاكرة المتوقدة، وكن متفقات على نص الشعر الوارد بالحزاوي دون زيادة أو نقصان، رغم أنهن لم يجتمعن ببعض، وقد نقلن هذه الحزاوي عن أمهاتهن أو قريباتهن. ومستوى تعليم الراويات لا يتجاوز حفظ القرآن الكريم مع المطوعة (الكتاتيب).
وقدمت الباحثة دراسة متعمقة حول منطقة البحث «مدينة المحرق»، ومدى تأثير البيئة على مضمون الحزاة البحرينية وسردها، كتأثير البيئة الجزرية الساحلية كما ورد في حزاة "أم الهيلان" وحزاة "محمد وبنت عمه" والتي ورد فيهما ذكر المحمل والمركب للسفر. كما عكست بعض الحكايات حرفة صيد الأسماك مثل حزاة "فسيجرة"، وحرف النجارة كما تعكسها حزاة "بنت السحارة"، و"الجلبة وبنت الحطاب". كما تأثرت بعض الحزاوي بالبيئة الصحراوية التي تحوي عناصر مثل السدرة عند العين أو الجليب (البئر) لشرب الماء، وكذا رعاية الجمال والأغنام كما ورد في حزاة "مريم أم الدل والدلال" وحزاة "بو سليمان". أما البيئة الاجتماعية فقد كشف السرد عن أن المجتمع يعاني من الطبقية، فهناك طبقة الشيوخ والتجار والخدم (لفداوية) المجلوبين من سواحل أفريقيا. كما تميزت شخصية المرأة بالدهاء والذكاء والفطنة في تدارك الأمور وخلق المشاكل واستغلال الفرص دون الخوف أو التردد حتى في القتل مثل حزاوة "سرور"، والتخلص من غريمها مثل حزاوة "بنت الصندوق". أما الرجل فهو قوي الشخصية كريم نبيل شهم لا يعرف الدهاء والخديعة، وإن كان عاشقًا محبًا مخلصًا لا يلجأ للخيانة بل للزواج، ويذلل كل الصعوبات للنيل بحبيبته كما ورد في حزاة "مريم أم الدل والدلال" وحزاة "مكسر اليوزية"، أو سلبي لا يجرؤ على الدفاع عن ابنته كما ورد في حزاة "فسيجرة".
وتضيف فاطمة الحوطي في تحليلها الاجتماعي حول هذه الحزاوي أن المناسبات الاجتماعية بهذه الحزاوي كانت تُختصر في الأعراس والبذخ في الإعداد لها، بتجهيز غرفة العروس بإحضار مختصين لها لفرشها وإعطاء المهور الغالية، وتلبية طلبات العرس، وإسعاد جميع أفراد الدايرة بإقامة الولائم والعزايم للأغنياء والفقراء. ومن المجوهرات التي ورد ذكرها الذهب واللؤلؤ والمرجان مثل حزاة "فسيجرة" وحزاة "مريم أم الدل والدلال". كما تكشف الحزاوي عن أن بيوت الشيوخ والتجار قصور متعددة الغرف، أهمها المجالس للضيوف، إضافة إلى اسطبلات للخيول وأماكن أخرى للأغنام والجمال، وحول البيوت النخيل والزرع كما ورد في حزاة "لبنى وأخوها" وحزاة "علي العبهلي". كما استخلصت الباحثة بعض القيم الاجتماعية والإنسانية التي تضمنتها الحكايات كالوفاء بالوعد، والإخلاص، والوفاء للصديق، والشهامة والهمة ونصرة الأهل، والشرف والوفاء بالنذر، والحب. كما رصدت بعض الملاحظات المرتبطة بالسرد الشفاهي للحزاوي، كالشعر الذي يروى في جميع الحزاوي على لسان امرأة تعبر عما يجيش في صدرها من ألم لفراق حبيبها أو ابنها، وأحيانًا ما نجد بعض الراويات يذكرن شعرًا من مخزون الذاكرة لا علاقة له بموضوع الحزاة كأشعار حول تنويم الطفل "هلولو" وغيرها. كما لاحظت الباحثة بعض التشابه في بعض الحكايات مثل حزاة "بنت الصندوق" و"بنت السحارة" والتي ترى أنها ربما تكون قصة واحدة حُرفت لقصتين مختلفتين. كما قد يدور الحوار بين حيوانات وطيور وسمك وأغنام، والحوار دائمًا ما يأتي معبرًا عن الموقف ببلاغة وإبداع. كما لاحظت أن الراويات قليلاً ما يذكرن أسماء الشخصيات التي قامت بالأدوار كلها، فيكتفين بقولهن: البنت - ابن الشيخ - ابنة السلطان - أبوها - أمها..إلخ. كما اشتملت الحزاوي على شخصيات من الجان الذي قد يتمثل على هيئة إنسان أو الحمام أو الكلبة. كما رصدت الباحثة دور الخيال والوازع الديني في مجموعة الحكايات.
ولعل أهمية هذه الحكايات كون مصدرها من النساء، إذ تكشف عن المخيلة الشعبية للمرأة البحرينية، وقد جمعتها أيضًا سيدة احترفت الجمع الميداني والبحث الفولكلوري، فتوفر لديها العديد من الحظوظ بداية من حريتها في التعامل مع المجتمع، وإعدادها العلمي الممنهج، وأخيرًا أسلوبها وتمكنها من امتلاك أدوات البحث والكتابة والتحليل العلمي الدقيق.

4. صورة الحاكم في التراث الشعبي
صدر عن بيت الموروث الشعبي عام 2006 كتابًا شمل أبحاث الندوة العلمية تحت عنوان "صورة الحاكم في الثقافة الشعبية" لمجموعة من الباحثين. والكتاب يقع في 318 صفحة اشتمل الأوراق التي نوقشت بمركز الدراسات والبحوث بصنعاء، وبيت الموروث الشعبي هو مؤسسة غير حكومية تأسست عام 2004م أشرفت عليه الباحثة الدكتورة أروى عثمان، وقد استطاعت أن تنفذ عددًا من الأنشطة ذات الصلة بتوثيق التراث الشعبي وإحياء الاهتمام به والمحافظة عليه والتعريف بما ينطوي عليه من قيم، كما عكفت على إصدار مجلة فكرية أنثربولوجية فلكلورية تختص بالشأن التراثي بعنوان "ذاكرة". فضلاً عن إصدار بعض الكتب حول التراث الشعبي اليمني منها: كتاب "المدرهة" عن تقاليد الحجيج في صنعاء، وكتاب "السردية الشعبية مع 70 حكاية"، و"أوراق فلكلوريات عدن"، و"ألبوم فلكلوريات عدن المصور خلال القرن العشرين"، و"موسوعة الحكايات الشعبية اليمنية"..إلخ.
ويبرز الكتاب الذي نعرض له صورة الحاكم في الثقافة الشعبية من خلال التعرف على مفاهيم الحاكم ورموزه في الوعي الشعبي، وتجليات صورة الحاكم في الأمثال والحكايات والأساطير والمعتقدات الشعبية، في إطار ما تنطوي عليه الثقافة الشعبية اليمنية من قيم ورؤى على مختلف المستويات الاجتماعية والسياسية.. بما من شأنه الكشف عن بنيات ومكنونات الطبيعة العامة للفكر والثقافة في اليمن. وقد تناول الكتاب مجموعة من الدراسات بدأت ببحث حول "الدولة في الأمثال الشعبية" لعبد الكريم القاسم، ودراسة بعنوان "صورة الحاكم في الأغنية الشعبية (وادي حضرموت نموذجًا)".. وقد تميز الكتاب باحتوائه أبحاثًا أخرى تناقش ما ورد به من دراسات. فنجد ورقة بعنوان "تعقيب حول ورقة الدولة في الأمثال الشعبية اليمنية" وورقة "صورة الحاكم في الأغنية الشعبية (وادي حضرموت نموذجًا)" لهاجع الجحافي، وتعقيب آخر لعبد القادر الشيباني حول ورقة الأغنية الشعبية.
أما عبد الباري طاهر فقد قدم دراسة حول "طاعة ولي الأمر"، وشاركت أروى عثمان بدراسة بعنوان "مقاربة صورة الحاكم في الحكاية الشعبية"، أما محمد عبد الله باسلامة فقد تناول موضوع "القرابي.. قراءة في ثقافة سلطنة الآلهة"، وقد عقبت عليها عميدة محمد شعلان. ثم قدم عبد الرحمن عبد الخالق دراسة حول "صورة الحاكم في كتاب التيجان"، وفي الإطار نفسه كتب عبد القوي غالب دراسة بعنوان "قراءة في كتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منبه".. وتتوالى دراسات الكتاب ليقدم منصور الحاج دراسة بعنوان "جينيالوجيا: تفكيك الخطاب الأبوي".. صور ومقاطع من مرويات اللغة الأبوية القروسطية. أما خالد يحيى الأهدل فقد كتب حول "الحاكم والمرأة في الموروث الحكائي الشعبي".. والدراسة الأخيرة كانت لمحمد الحداد حول "السلطة والزعامة في المنظور الثقافي التراتبي اليمني".
ويطرق هذا الكتاب كما تشير المقدمة لأول مرة موضوعًا مميزًا "الحاكم" رغم المحاذير والملابسات والمخاوف من اختراق بعض المناطق الحساسة، وقد لامس صورة الحاكم في الذهنية الثقافية والشعبية والموروث، وتجلياتها في الإبداعات الشعبية كالأغنية والحكاية والمثل، كما سلطت الدراسات الضوء على الشبكة الواسعة لسلطة الحاكم الممتدة إلى مختلف الزوايا، وثنايا طبقات الوعي الشعبي والمتقاطعة، بل الحاضرة بقوة في كل مجال، وفي المخيال الجمعي الاجتماعي اليمني. ولم ينحصر مفهوم "الحاكم" هنا في السلطة السياسية فحسب بل امتد للحاكم بما هو القضاء، القدر، الرب، الأب، ولي الأمر، الدهر، الزمن التاريخ..إلخ. ثم علاقة الحاكم بالمرأة، وبالقرابين، وملامحه داخل كتب السير والتراث، فضلاً عن الحاكم في مستوى الزعامة والتراب.

5. دراسات في الثقافة الشعبية
كتاب جديد يحوي مجموعة متنوعة من الدراسات المتعلقة بالثقافة الشعبية، صدر بالقاهرة عام 2016، ويمثل تجربة مهمة قام بها مجموعة من أعضاء هيئة التدريس بالمعهد العالي للفنون الشعبية، والباحثين بمركز دراسات الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون بالقاهرة. ولعل أهمية هذه التجربة خروجها في صورة جماعية دون النظر في أهمية ترتيب الأسماء، بل إن مقدمة الكتاب كانت بتوقيع "الباحثون". وقد استطاعوا أن يتكاتفوا ليقدموا هذا العمل بمجهودهم ونفقتهم الشخصية، لتكون البداية لسلسلة متعاقبة من الدراسات في المستقبل.
يحتوى الكتاب على سبع دراسات علمية تعرضت لظواهر الثقافة الشعبية بأقسامها المختلفة: فنون التشكيل الشعبي - فنون الأداء الشعبي - العادات والمعتقدات والمعارف الشعبية - الأدب الشعبي. وقد كشفت المقدمة عن عرض مميز لمحتوى دراسات الكتاب الذي يبدأ بدراسة لنيفين خليل الأستاذ المساعد بقسم فنون التشكيل الشعبي والثقافة المادية بالمعهد بعنوان "أثر الخط العربي في جماليات العمارة الإسلامية: كسوة الكعبة المشرفة" تناولت فيه الخط العربى وقيمه الجمالية والعلمية والروحية بوصفه أحد الجذور الأساسية الثلاثة التى تفرعت منها الفنون الإسلامية، وصار متصلاً بالعاطفة الدينية لدى المسلمين، وذلك بالإضافة إلى المسجد والمصحف الشريف، وهو في الوقت نفسه أهم العوامل المحققة لوحدتها على اختلاف العصور والأقطار. كما تستعرض الباحثه مراحل تصنيع كسوة الكعبة المشرفة في مصر والاحتفال بها كزفة المحمل قديمًا وانتقالها بعد ذلك إلى السعودية. واختتمت بحثها بعرض بعض النماذج لأهم أعمال الرسامين الشعبيين بصعيد مصر، الذين تأثروا بالكعبة المشرفة والخط العربى في أعمالهم الفنية.
والدراسة الثانية لسمر سعيد الأستاذ المساعد بقسم فنون الأداء الشعبي بالمعهد بعنوان "دور المرأة المصرية في الرقصات الشعبية بين التراث والتغريب الثقافي" استعرضت فيها دور الثقافة الشعبية فى الحفاظ على الموروث الثقافي، الذي يميز المجتمعات المصرية بما فيها من تنوع ثقافي (عادات وتقاليد - فنون - تشكيل) يجعل منها مادة ثرية للباحثين. حيث تناولت بالشرح والتفصيل تعريف الأصالة والتجديد وارتباطهما الشديد بالتراث والبيئة، وكيفية الانفتاح على ما يجري من تطور في الفنون الشعبية، خاصةً فيما يتعلق بفنون الأداء الشعبي "الرقص الشعبي" ودور الثقافة الشعبية للتصدي للتغريب الثقافى، عارضةً لإحدى التجارب الفنية الرائدة التي ساهمت فيها المرأة المصرية بدورٍ كبير في نشر الوعي بالثقافة الشعبية والحفاظ على الرقص الشعبي المصري تطبيقًا على أعمال الفنانة "فريدة فهمى".
أما الدراسة الثالثة فكانت لعبد الحكيم خليل الأستاذ المساعد بقسم العادات والتقاليد والمعارف الشعبية بالمعهد، والتي حملت عنوان «اللغة الصوفية وإعادة الإنتاج: مقاربة توصيفية لإشكالية التلقي والتأويل.. الطريقة النقشبندية نموذجًا»، في محاولة منه للدخول إلى استراتيجيات نص محاط بالأساطير التاريخية والرفض الأيديولوجي، مثلما هو مؤطر بالتعقيد والشطط اللغوي، وهو ما يعتبره عملاً مجهدًا، خاصةً إن كان هذا النص في لغة المتصوفة الخاصة بهم بشكل عام، أو تعبيرات فنية استقلوا بها في الإفصاح عن آرائهم وأغراضهم، والتي يعتبرها المتصوفة من الأسرار المكتومة، والبوح بها خرقًا لقواعد وقوانين التصوف يستلزم الإبعاد وحجب الثقة. مستهدفًا الوقوف على تلك الظاهرة التأويلية في لغة الصوفية التي أعادوا إنتاجها متمركزة على ثلاثة ركائز(مرسل - نص أو رسالة - متلقي) احتوت إشكالات منذ الماضي وحتى الآن، وذلك بالتطبيق على إحدى الطرق الصوفية في المجتمع المصري وهي الطريقة النقشبندية، التي لا تدل دلالتها الحرفية على المقصود منها، إضافةً إلى إبراز عمق الأبعاد الفلسفية والمنطقية والرمزية والفكرية التي تنضوي عليها الشعائر والطقوس الصوفية حدودًا وممارسة. معتمدًا في دراسته نظرية إعادة الإنتاج للوقوف على أشكال ومظاهر التغير في اللغة الصوفية التي تحمل أفكار المتصوفة وأرائهم تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.
والدراسة الرابعة لولاء محمد محمود المدرس بقسم مناهج الفولكلور وتقنيات الحفظ بالمعهد، وعنوانها "دور الصورة الفوتوغرافية في توثيق الحرف الشعبية" بمختلف أنواعها وتعدد أشكالها، ودور المأثورات الشعبية المؤثر في الثقافة الإنسانية، الذي يُعد عنصرًا أساسيًا في هيكلة وتشكيل البناء الثقافي والاجتماعي، بما يوجب توثيق تلك المأثورات توثيقًا علميًا باستخدام الصورة الفوتوغرافية وخاصةً الحرف الشعبية التي تحتاج لرصد أدواتها ومراحلها المختلفة بمنهج يساير التطورات الحديثة في هذا المجال. عارضةً الأساليب الحديثة والمبتكرة لعلماء التصوير ومن بينها قدرة العدسة غير المحدودة والتقنيات العالية للكاميرات والأنواع المختلفة منها، التي ساعدت على التعبير عن المأثور الشعبي بالشكل الأمثل في إطار نقل الحضارات عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة، مما كان له من أثر على التنوع الثقافي بين مختلف الشعوب.
ثم يقدم محمد أبو العلا الباحث بقسم الأدب الشعبي بمركز دراسات الفنون الشعبية الدراسة الخامسة بعنوان "الأجناس السردية الشعبية ودورها فى تربية النشء" حول أهمية مرحلة الطفولة كأساس لمراحل حياة الإنسان، التي تُعد بمثابة مرحلة غرْس القيم والأسس المنهجية والعقائدية التي يتبعها الفرد طوال حياته والتي يحرص فيها على نقلها وغرسها في أبنائه جيلاً بعد جيل، عارضًا لأهم التعريفات التي تناولت الحدوتة والحكاية الشعبية والحدود الفاصلة بينهما. وكيفية الاستفادة من الحواديت في تهذيب الأطفال ف مَرْحلتي رياض الأطفال والمرحلة الإبتدائية نظرًا لما للحدوتة من أهمية بالغة كوسيلة من وسائل التربية. إلى جانب عرضه لدور السرد القصصي في غرس القيم، وكذا دور الأجناس السردية بوصفها وسيلة اتصال وشرْح عناصر هذه العملية الاتصالية. مستشهدًا بعدد من الحواديت التي تناسب مرحلة الطفولة المبكرة كنماذج يمكن استخدامها في غرس قيم متنوعة لدى الطفل في مرحلة الروضة والمرحلة الابتدائية.
والدراسة السادسة لخالد متولي الباحث بقسم فنون التشكيل الشعبي بالمركز بعنوان "النخلة في الموروث الشعبي" حيث يرصد علاقة النخلة بموروثنا الشعبي بوصفها صديقةً للبيئة يعود نفعها على الإنسان بما لها من فوائد متعددة تدخل في الطب والصناعات الحديثة, بالإضافة إلى كونها عنصرًا أساسيًا في بعض الصناعات التقليدية المحلية كصناعات الأثاث المنزلي مثل: تسقيف المنازل الريفية، الكراسي - الأَسِّرة التقليدية - "وكذا بعض المنتجات السياحية كالقفف والقبعات والسلال، وكذا أوعية نقل الفواكة والخضراوات، إلى جانب ما يستخرج من نوى التمر من زيوت، واستخدام ما تبقى منها كعلف للحيوانات. راصدًا لدور النخلة في الثقافة الشعبية من العادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف الشعبية وكذلك الأدب الشعبي والفنون.
والدراسة الأخيرة لعلاء حسب الله الباحث في مجال فنون التشكيل الشعبي، بعنوان "الإنتماء للشخصية القومية من خلال عينة من أعمال الفنانين الفطريين المصريين: الفنان محمود عيد نموذجاً" يتناول فيها بعض سمات الشخصية القومية المصرية من خلال موضوعات علم النفس الإبداعي، هذه السمات التي تعتبر مصدرًا يبعث إلى السمو والروح المعنوية العالية التي تبعث روح الفكاهة والنكته والحالة الإبداعية كحلقة وصل بين السمات الأصيلة للطابع القومي المصري. مبتدءً بناءه على الارتباط والانتماء للبيئة الطبيعية المصرية باختلاف مظاهرها بين الريف والصحراء والحضر والواحات، تتسم بنوع من الإستقرار مما يساعد على تكوين ثقافة شعبية متميزة. أثرت خيال الفنانين الفطريين ودفعتهم إلى قوة التعبير من خلال الخامات البيئية المتنوعة التي ساهمت في نشأة الفنانين الفطريين ومنهم الفنان الفطري الراحل محمود عيد من الواحات البحرية، والذي يعرض فيه الباحث لبعض أعماله التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الطبيعية المعبرة عن السمات الأصيلة للشخصية المصرية والطابع القومي بوصفهما كلا لا يتجزء.

6. جديد النشر بالدوريات العربية
صدر خلال عام 2016 عددان جديدان من مجلة "موروث" وهي فصلية علمية محكمة، تعنى بشؤون التراث الإماراتي خاصة والخليجي والعربي عامة. صدر العدد الأول منها عام 2016 عن معهد الشارقة للتراث. وتضمن مواد العدد الثاني عدة موضوعات بدأت بافتتاحية العدد لرئيس التحرير عبد العزيز المسلم بعنوان "رسالة الموروث". وفي باب الدراسات دراسة لمصطفى الكيلاني بعنوان "تمثلات الشخصية التونسية عبر عدد من أقوالها في أدب الأمثال" تطرق فيها إلى بيان الصلة بين الهوية التونسية والأمثال الشعبية، واشتغال المثل كملفوظ ناطق باسم المجموعة، ثم دراسة لمحمد حسن عبد الحافظ بعنوان "فضاءات التناص: حكاية اليازية والعقيلي وحكايات السيرة الهلالية"، حيث عمل على اقتناص أدلة التناص والتعالق النصي بين الموتيفات أو الحوافز في الحكايتين معًاحيث رصد إحدى عشرة موتيفة مشتركة في خطاب الحكاية وخطاب السيرة، وهي: اسم العلم، المرض عشقًا، الرحلة الغرامية، وصايا الرحلة، بطولة الحيوان، العدد المتكرر، التشكيل اللوني، اللعبة الشعبية، المثل الشعبي، تقنية السرد الشعري، والزمكان المفتوح. كما تناول خالد أبو الليل في دراسته "الأسود مهمشاً: قراءة ثقافية في السير الشعبية العربية" ثلاث سير شعبية عربية: سيرة الأميرة ذات الهمة، وسيرة عنترة بن شداد، وسيرة بني هلال، وهي السير الثلاث الوحيدة التي كان بطلها أسود، واقترن سواد لون البشرة بالعبودية والشك في النسب، حيث توقف عند الصورة التي تجلى بها الأسود بوصفه مهمشًا في هذه السير الشعبية. كما قدم عزيز العرباوي دراسة بعنوان "الخطاب الحجاجي في الأمثال الشعبية" مشيرًا إلى مقاربة موضوع المثل الشعبي من خلال تقريب مفهومه والتعريف به، ثم الحديث عن بعض خصائصه المتعددة، مروراً بالحديث عن حضور المرأة فيه واستحضارها كذات ناقصة وذليلة في أغلب الأمثال المغربية من دون إغفال المثل الأمازيغي الذي يمتاز بتنوعه موضوعياً وثقافياً. ثم تقدم مريم خير الدين الغابري دراسة تحمل عنوان "ما بقي من الحكاية" حيث تطرقت فيها إلى أهمية الموروث الشعبي بالاستناد إلى أصله اللغوي المنقول من المكتسبات والمنجزات من جيل سابق إلى جيل لاحق، في إطار وحدة الانتماء وضمن صيرورة ثقافة حياة الجماعة المجبولة على التناقل والتجدد حسب السياقات المتبدلة. وفي باب المقالات تناول ناصر العبودي في مقالته "الفن الإسلامي وجهود الإمارات في إبرازه في المدن الحديثة" موضوع المدينة العربية الإسلامية التي اختفت ملامحها الأصلية، بتبني العمارة الغربية الأجنبية اليوم. كما تناول عبد اللطيف محفوظ في مقالته "آليات تمثل وتأويل الخطيبي الأدلة الشعبية" إظهار شكل تفكير عبد الكبير الخطيبي بأهم أجناس التعبير الشعبي الأيقوني ومنه الوشم أو اللفظي كالمثل. ثم تطرق هشام بنشاوي لموضوع "تجليات البطولة في الأدب الشعبي" تيمة البطولة والشغف الإنساني المبكر بها بداية من التعبير عن البطولة في العالم الأرضي وتصويرها في العالم السماوي في أوساط الآلهة، كما تجلى في الأساطير القديمة، واهتمام العلماء في التحليل النفسي بالبطولة... كما تناول محمد رمصيص "الحكاية الشعبية: البنية والدلالة" مشيرًا إلى الحكاية الشعبية كجنس سردي متحرك بداياته البنيوية تأخذ عادة جملة نمطية "كان حتى كان" وتنتهي بجملة نمطية كذلك "ذهبت حكايتي مع الواد وبقيت أنا مع الجواد" وبين البداية والنهاية يتأسس تطور مسار الحكاية الدرامي على السببية. وفي باب الندوات قدم عادل الكسادي تقريراً مفصلاً عن ندوة معهد الشارقة للتراث «صون التراث الثقافي» أشار فيها إلى بعض التوصيات التي خرجت بها الندوة ومنها: تشجيع وتعزيز تدابير الصون في مجالات التراث الثقافي غير المادي، تبادل وتشاطر الخبرات والتجارب الناجحة في مجال صون التراث الثقافي، تعزيز إدماج التراث الثقافي غير المادي في المنظومة التعليمية، إدماجه في الحياة الاقتصادية من دون المساس بأهميته الاجتماعية والثقافية، تشجيع برامج توثيق التراث الثقافي غير المادي بوصفها من أنجح ممارسات الصون. أما في باب عروض الكتب فقد تناول محمد حسين طلبي في عرضه لكتاب الباحث عمار السنجري "أخلاق وعادات الإماراتيين في كتابات الرحالة الغربيين" الصادر عن معهد الشارقة للتراث العديد من الأفكار والقضايا التي تطرق لها الكتاب المذكور حيث مرَّ على فصوله الأربعة بالتحليل والوصف والتعريف.
أما مواد العدد الثالث من مجلة "موروث"، فقد تضمن في باب الدراسات دراسة لمصطفى جاد حول "المعارف التقليدية: قراءة في حدود المصطلح"، وتناولت عائشة الدرمكي موضوع "التواصل في الرؤية المغاربية"، وكتب مبروك دريدي حول "الدين والمسرح"، واستعرض حمد بن صراي "أحمد راشد ثاني ودوره البحثي في التراث المحلي"، ويختم أحمد خواجة باب الدراسات بدراسة بعنوان "التراث رافدًا من روافد التنمية". وقد تضمن ملف العدد مجموعة من الدراسات بدأت بدراسة لماجد البصري بعنوان "عتبة الباب في المعتقدات الشعبية"، ثم دراسة فارس خضر حول "زيارة الأضرحة في مصر"، كما تناول الجيلالي الغرابي "الضريح.. فضاء البركة والقداسة"، وأخيرًا كتب عبد الحكيم خليل حول "تجليات المعتقدات الشعبية في الفنون التشكيلية". وفي باب "المقالات" مقال لعبد المقصود محمد حول "حلم الخلود"، ومقال لسمير المنزلاوي حول حفلات الختان الكاذب". وأخيرًا في باب عروض الكتب قدم مِني بو نعيمة دراسة حول "الثقافة الشعبية في الإمارات" لعبد العزيز المسلم.
يُذكر أن هناك مجلة عربية أخرى تحمل اسم «الموروث» صدر عنها ما يقرب من مائة عدد وهي مجلة ألكترونية شهرية تعنى بالموروث الثقافي المادي وغير المادي للعراق، وتتضمن كتابات تنشر للمرة الأولى على شبكة الانترنت معتمدةً على مصنفات ثقافية محفوظة في دار الكتب والوثائق، فضلاً عما يردها من الكتاب والأكاديميين من مقالات ودراسات قيّمة. صدرت للمرة الاولى في الرابع والعشرين من يناير 2008.
وفي الأردن صدر العدد الحادي والعشرين من مجلة "فنون شعبية الأردنية"، والذي خُصص لمناقشة موضوع الأغاني التراثية وما يرتبط بها من موسيقى وممارسات وطقوس، ويشير هاني هياجنه رئيس التحرير في افتتاحية العدد إلى أن هذا الموضوع يُعد من النواحي المهمة لفهم البناء الرمزي للتاريخ والخبرات الاجتماعية المتراكمة عبر الزمن؛ فالتقاليد الغنائية والموسيقية، والتي ترتبط بالدين لدى بعض الثقافات، ما هي إلا جزء من التعابير عن العلاقات الاقتصادية والسياسية، وتمثل جانبًا من العمليات الذهنية للحياة اليومية لدى الشعوب، وترتبط الفنون الأدائية بالغناء والموسيقى ارتباطاً وثيقاً، إذ تمثل تعابير رمزية لقيم ثقافية مشتركة تمسّ المعتقدات والجماليات والإبداع، وتلعب دوراً في الحياة الاجتماعية والطقسية، لأنها تؤدَّى في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات المقامة بتواريخ معينة في السنة، وغير ذلك. وانسجامًا مع المفاهيم السالفة، وقد نُشِرت في هذا العدد مقاربات مختلفة دار أغلبها حول التراث الغنائي وما يتصل به من ممارسات في الأردن والعالم العربي، إذ أن هذا النمط من التراث في الأردن وغيره الكثير، لا يمكن - كما يشير هياجنة - فصل تجلياته عن سائر الثقافات السائدة في المنطقة. وكان للأغاني التراثية في الأردن نصيب الأسد من مواد العدد، فجاءت أولاها تتحدث عن أهازيج الثورة العربية الكبرى لمصطفى الخشمان، وتبعها الحديث عن الأغنية الشّعبية، بما في ذلك الأغاني الدرزية والشركسية، وخصائصها، وروادها، وبعض أنماطها، كأغاني الزفة والحصيد وقد تناول هذا المحور مجموعة مميزة من الباحثين هم: يحيى البشناوي، ونضال عبيدات، وأنس ملكاوي، ونضال نصيرات، وأحمد الزعي، وعماد الضمور، ومحمد عبابنة، ومحمد غوانمة. وتأمل هيئة التحرير مستقبلاً تلقّي مساهمات أخرى حول سائر التقاليد الغنائية لدى أطياف المجتمع الأردني المتنوعة. وسيلاحظ القارىء، أن هذا العدد يتعدى نطاق المحليّة ليخرج بتطلعاته إلى الأنماط التراثية للغناء الشعبي وممارساته ذات الصلة في بعض الدول العربية، نحو أغاني الصهبة والموشحات الأندلسية في مكة المكرمة لعبد الله محمد أبكر، والطنبورة في دولة الكويت لوليد السيف، وأغاني الضمة البورسعيدية لمحمد شبانه، والأغنية النوبية في جنوب مصر لعادل موسى. وتضمّن العدد طروحات حول أغاني الأمومة في تونس لنزار شكرون، والأدب الكردي ليوسف يوسف، وتقاليد الزواج المسيحيّة في الأردن وما يتصل بها من تراث شفوي وممارسات لأليدا مضاعين. كما احتضن العدد عرضًا لمنجزات "جمعية الحنّونه" كمثال على أفضل ممارسات صون التراث غير المادي لموسى صالح، وآراء حول دور الفنان الأردني الراحل توفيق النمري في حفظ الموروث الأردني ليوسف العزو، والعباءة ومدلولاتها الثقافية، وحوارًا مع رائد من رواد التراث الغنائي الأردني وحافظيه وممارسيه هو غازي مياس، ونصًا شعريًا مُبرزًا فيه صاحبه عناصر الأصالة والضيافة في الأردن، ونصًا أدبيًا إبداعيًا آخر يستنجد فيه كاتبه بالتراث الغنائي العربي لاستشراف مستقبل مشرق. علاوة على عرض لبعض الكتب الصادرة حديثاً في هذا الحقل.