اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الثقافة المادية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية
قبل الحديث عن الثقافة المادية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أرى أولاً ضرورة تأسيس مفهوم يقوم على أن أي مشاري...

الحُمَيد بن منصور.. الأصالة والحكمة اليمانية
لا يزال اليمنيون بـمختلف مناطقهم ومحافظاتهم يرددون أشعار وأقوال الحكيم اليماني الكبير/ الحُمَيد بن منصور، سواءً في أثناء...

حكايات من النوبة والمحرق ودراسات حول العامية وصورة الحاكم.. وتجربة شبابية جديدة
نقدم في هذا الملف مجموعة متنوعة من الدراسات من كل من مصر والبحرين واليمن السعيد، فضلاً عن عرض لمحتويات مجلة الموروث الإم...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الثقافة المادية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية
العدد 38 - ثقافة مادية

د. يوسف حسن مدني
كاتب من السودان

 

قبل الحديث عن الثقافة المادية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أرى أولاً ضرورة تأسيس مفهوم يقوم على أن أي مشاريع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تقوم على فهم الواقع الثقافي للشعوب. أي محاولة للتنمية دون استنطاق السجل الثقافي تنتهي بالفشل التام. ولنا في ذلك أمثلة متعددة. إذ أن التنمية تعني التغيير إلى الأفضل ولكن واقعنا ينبئنا بغير ذلك. فالمقصود بالتنمية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي هو الإنسان فإذا لم تفهم النتاج الثقافي لهذا الإنسان في أي مكان كان لايستطيع التأسيس لتنمية مستدامة، لذا فخطط التنمية يجب ألا تكون متعجلة لأن عملية التنمية ضرورة تكون بطيئة ومتدرجة حتى لا نقع في هوة الفشل.
في أواخر عام 1951م دعت اليونسكو مجموعة من العلماء والخبراء للبحث في أوضاع ثقافات مختلف الأمم. وكان الغرض الأكثر أهمية هو البحث عن مناهج تؤدي إلى الملاءمة بين أصالة الثقافات التقليدية وظروف الحياة الحديثة وتأثيراتها وعندما نشرت اليونسكو تقريرها - يكتب(1) رشدي صالح في مقال له بعنوان الفولكلور والتنمية - "حرصت على التنويه بأنهم لم يبتغوا البحث العلمي البحت، بل قصدوا إلى أن يكون بحثهم موجهاً بصورة مباشرة وواضحة لعدد كبير من مشروعات اليونسكو ... سواء أكان الأمر متعلقاً بنشر التعليم، أو برفع مستوى التربية، أو بتحسين ظروف الحياة أو بالمساعدات الفنية من أجل التنمية الاقتصادية للشعوب النامية... إذ أن كل عمل دولي يوشك أن يكون عقيماً إذا لم يحسب حساب اختلاف الثقافات وأصالتها، كما أن جهل أو تجاهل القيم العقلية والأخلاقية والروحية الخاصة بكل ثقافة لن يفسد المرامي التنموية فقط بل يعرّض أنبل المشروعات للفشل وكوارث لا يمكن تجنبها".
نأتي لنناقش بعد هذه المقدمة مفهوم أو مصطلح الثقافة المادية. أرى أن ميادين الموروث الثقافي للشعوب حسبما ورد في تصنيفات بعض الباحثين في هذا المجال أن جميع الميادين وهي - الأدب الشفاهي - الثقافة المادية - فنون الأداء - العادات والمعتقدات والممارسات والمعارف الشعبية ما هي إلا حلقات يأخذ بعضها برقاب بعض. هل هناك فرق أساسي بينها؟ وهل تلعب هذه الميادين وظائف مختلفة في المجتمع الإجابة بالقطع..لا. كتبت في مقال سابق لي: "أن(2) الإنتاج اليدوي وتوثيقه مهم ولكن ألا تهمنا الفكرة من ورائه ومعرفة طريقة إنتاجه ومكانه في الحياة البشرية. في حقيقة الأمر فإن المعرفة والمفهوم والوظيفة مثلها مثل الميادين الأخري هي التي تتنقل من جيل إلى جيل وتنتشر في الثقافات الأخرى متأثرة ومؤثرة. هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن ميادين الثقافة الشعبية الأخرى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإنتاج اليدوي والعادات والممارسات وفنون الأداء والمعارف الشعبية كلها لها جوانبها المادية، فحياة الشعوب وثقافاتها لا تفصَّلها كما نشاء إلى ميادين متعددة لأنها هي حياة متكاملة لا ينفصل بعضها عن بعض. فمثلاً القصص الشعبي يحتوي على مخزون كبير من أدوات الثقافة المادية وكذلك الأمثال والألغاز في رأيي الخاص أرى أن التصنيف غير حقيقي وغير واقعي بين المادي وغير المادي، فمثلاً إذا أردنا دراسة بعض الحرف اليدوية فالتركيز لا يكون على شكل المنتوج وهذا بالطبع مهم ولكن بالإضافة إلى ذلك تهمنا معرفة تقنية الصناعة أو الحرفة واستخدامها ووظيفتها في الحياة اليومية بالإضافة إلى معرفة العادات والمعتقدات والروايات الشفاهية التي تتعلق بها".
في جامعة الخرطوم عقدت ندوة بعنوان: الفولكلور والتنمية في السودان (1981م) تناولت الأوراق قضايا التنمية مع إثبات دور الفولكلور في تأمين مسار التنمية من مداخل متعددة لضمان فرص النجاح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. نشرت أوراق هذه الندوة في كتاب الفولكلور والتنمية قام بالتحرير(3) أحمد عبد الرحيم نصر.
عودُُ على بدء ما ذكرت، فإن ثقافة الشعوب بتكاملها وتداخلها تلعب دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. همنا وشغلنا وشاغلنا من كل هذا هو الفهم الموضوعي والدراسة التي تقودنا لاستيعاب مخزون عقلية المجموعات البشرية واستنطاقها توطئة لتنميتها فأنت لا تستطيع أن تحدث التأثير المستدام ما لم تعرف هذه الثقافة مخزون ذاكرة وحاضرة . عليه يتوجب علينا توخي الحذر في التعامل مع عمليات التنمية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، والاستبصار بما تريده المجموعات البشرية من تنميتها والابتعاد عن القرارات الفوقية دون وعي بحقيقة أن تحقيق التنمية لا يتأتى دون فهم ثقافات الشعوب. هذا الفهم هو الذي يؤسس لتنمية اجتماعية واقتصادية مستدامة.
أسأل هنا ما قيمة التوثيق والجمع الميداني إذا لم يقدنا إلى هذا الفهم. الجمع الميداني وتحليل مادته المجموعة من أفواه الرواة تعود كما كتبت في خمس مقالات متسلسلة نشرت بصحيفة الأيام في العام 2001م: كتبت "علينا فهم الواقع الثقافي المستند على الجمع والتوثيق الميداني المباشر ثم من بعد ذلك تحليلها التحليل الذي يقودنا إلى الفهم، الفهم الذي يقود إلى وضع سياسات تنموية في مجالي التنمية الاقتصادية والاجتماعية"، يتماشى مع توسع دوائر التغيير(4).
بعد هذه المقدمة يمكننا تفصيل كيفية الاستفادة من الموروث الثقافي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. أولاً جميعنا يعي حقيقة أن الحياة الحديثة والمعاصرة أثرت وتؤثر يوماً بعد يوم على إرث الشعوب فماذا نحن فاعلون تجاه ذلك.
ترسخ عندي طوال سنوات عملي في هذا المجال لفترة تقارب الثلاثة عقود قناعة أن نعمل على تأسيس أقسام لدراسة التراث في الجامعات والمدارس معاً والاهتمام بالمتاحف، وتطوير السياحة الثقافية وتأسيس معاهد للتدريب الحرفي وجمع ما تبقى من موروث بفعل اتساع دوائر التحديث التي تحاصر الموروث وذلك بتوثيقه التوثيق العلمي الدقيق والعمل على نشر كتاب الموروث وإصدار المجلات المختصة في دراسته. في العالمين العربي والأفريقي بدأت حركة الاهتمام بتوثيق ودراسة التراث فتأسست بجامعة الخرطوم شعبة الفولكلور في عام 1974م تحت مظلة معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، وكذلك في نيجيريا وتنزانيا والمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والعراق ومصر وتونس والجزائر وأثيوبيا .. الخ.
كما أشرت آنفاً في هذا الكلمة إلى لجنة خبراء اليونسكو في 1951م إلى الإعلان الصادر عن خبرائها، أنه يعبر عن اهتمام الفكر المعاصر بمصير التراث الشعبي، ذلك أن الثقافات جميعاً تأثرت تأثراً عميقاً بالتكنولوجيا والتبدلات السياسية والحروب والهجرات، فعادات ومعتقدات الشعوب التي كانت تعيش كأسلافها - تتغيّر الآن تغيُّراً سريعاً، تحت تأثير ما يقع في ظروف الحياة المادية من تعديلات وتغيُّرات نتيجة للتأثيرات القادمة إليها من خارج حدودها. إن الجهد المبذول لتعميم خبرات التصنيع والتقدم التكنولوجي على جميع الشعوب يصاحبه بالضرورة تفككات ثقافية عميقة. غير أن قضايا التنمية وما يصاحبها من آثار على الثقافات التقليدية ومناهج الحياة الموروثة ظلت تشغلنا وستظل محور شغلنا وشاغلنا كباحثين ودارسين في مجال الموروث الإنساني. أصبح كوكب الأرض الذي نعيش فيه الآن قرية صغيرة في مواجهة التقدم في الاستخدامات التقنية الحديثة في المجالات جميعاً، وأخطرها وسائل الاتصال الحديثة والمعاصرة ومواقعها والتي أثرت هي بالتالي على المواقع التقليدية من وسائل إعلامية كالإذاعة والتلفزيون والصحف الورقية. فماذا نحن فاعلون تجاه هذا التوسع في دوائر العولمة التي تحاصر الموروث التقليدي والسؤال الذي نثيره ثانية هنا لماذا الاهتمام بدراسة التراث القومي ولماذا الاهتمام بخطورة التحديث والعولمة في عالمنا المعاصر - هذه الدوائر الآن تتسع على حساب الثقافات المحلية في العالمين العربي والأفريقي على إطلاقها - فنحن لسنا بقادرين على إيقاف حركة التاريخ الثقافي والتغيير الثقافي الذي أصبح مده قوياً. في هذه الحالة علينا الاهتمام والوقوف على ما تبقى من موروث تقليدي في محاولة قد تنجح في المواءمة بين الموروث والمعاصر.
كيف؟ بدأت في الإجابة على هذا والسؤال سابقاً في هذا البحث وهو:
تأسيس أقسام لدراسة الموروث الثقافي على مستوى التعليم العام والجامعي وفوق الجامعي وهذا بالطبع يحدث الآن في كثير من جامعاتنا ومراكزنا وهذا فعل محمود وهم مشترك لكل المختصين في هذا المجال.
تأسيس المتاحف التي توثق للموروث الثقافي وتكوين فرق عمل للجمع الميداني، وعقد دورات تـــدريــبــيـــة للــعــامــلــين في المــجــال وكــذلك مجال التربية والإعلام.
تطوير السياحة الثقافية وتأسيس معاهد للتدريب الحرفي لاستيعاب الفاقد التربوي وجمع ما تبقى من موروث بفعل واتساع دوائر التحديث وبذا تستطيع تأسيس دار للنشر تهتم بنشر كتاب الموروث الثقافي وما تبقى ليس بالقليل. هذا إلى جانب تأسيس مجلة مختصة محكمة في مجال المـــوروث الـثـقـافـي المعاصر، على غرار مجلة الثقافة الشعبية في البحرين ومثيلاتها في كل من قطر والعراق.
بلاد بعينها قامت بتأسيس أقسام في جامعاتها - أقسام للفولكلور أو الموروث الثقافي أو الثقافة الشعبية أو المأثورات الشعبية، ولنسميها ما شئنا لأن مشكلة المصطلح العلمي الذي نطلقه على مادة دراستنا ما زال مثار خلاف بين الدارسين والباحثين والعلماء. حتى في أوروبا منذ أن صك وليام تومز مصطلح فولكلور في العام 1846م قبله البعض ورفضه البعض الآخر مثل سيقرد إريكسون في السويد عام 1937م حين اقترح استخدام مصطلح الحياة الشعبية وأسس مجلة بهذا الاسم. على كل هذه إشارة لنقاش قد يطول الحديث حوله اختلافاً واتفاقاً ومن المهم الإشارة إليه ولكنه يتعدى حدود بحثنا الحالي. ربما تتوفر الظروف لعقد ندوة حول المصطلح العلمي الذي يناسب المادة التي ندرسها. ثانياً نأتي للتفصيل في مجال تأسيس متاحف الموروث الثقافي بغرض وهدف التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
السياحة هي إحدى الوظائف التي تؤسس من أجلها المتاحف وسوف يأتي الحديث عنها عند مناقشة مسألة السياحة الثقافية. ولنفصل هنا الحديث عن متاحف الموروث الثقافي. متاحف الموروث الثقافي عرفت بأنها مؤسسات للتعليم وتنمية المجتمع، والترفيه والسياحة وحفظ وتوثيق الموروث الثقافي.
متحف الموروث الثقافي أو متحف الفولكلور كما عرف أولاً عرفه لوريرث بيت في العام 1949م وكان وقتها أمين متحف الفولكلور في ويلز ببريطانيا كان اسم المتحف The Welsh Folk museum الآن عدّل إسمه ليصبح The Museum of Welsh life هذا يتعلق بما ذكرناه عن مشكلة المصطلح أعلاه التي تظل تفرض نفسها علىّ دائماً ولكني أكتفي هنا بتعريف لورويرث بيت لمتحف الفولكلور:
يعرفه كالآتي:
What is a folk Museum?
In simple straight for word terms it is a museum of life and culture of the people or the community which it serves. It does not confine its attention to any section of the community and this needs to be emphasized. The folk museum therefore, is a museum of life and culture and consists in its most Satisfactory form, of two sections a museum block of galleries and an area of park land. The museum building houses a series of galleries in which specimens illustrating material culture are systematically exhibited. Here the visitor can study the typology, chronology and distribution of cultural material. The open air section on the other hand provides what may be termed the ecological setting, where specimens are exhibited in the houses, while the houses are set out in their true environment suitably planned and planted(5).
من هذا التعريف للمتحف الفولكلوري يتضح لنا أن إنشاءه ليس بالأمر الهيَّن. متحف الفولكلور في ويلز هذا تدربت فيه في بداية حياتي الأكاديمية كارديف، ويلز إحدى مقاطعات الجنوب البريطاني تبلغ مساحة هذا المتحف ثمانين فداناً. هذه المساحة الكبيرة خصصت لمتحف مقاطعة ويلز في بريطانيا ولكي أتدرب على العمل المتحفي تدريباً عملياً استغرق ذلك عاماً كاملاً في كل أقسامه. يقدم السيد قيرانيت جينكنز أمين المتحف في تلك الفترة التي كنت فيها متدرباً.
يكتب قائلاً: يحتوي المتحف على صالات عرض معروض فيها مقتنيات متحفية تعكس وتوضح جوانب الحياة في ويلز. بجانب صالات العرض توجد غرف للمكاتب وقاعة للمحاضرات والمكتبة ويلحق بالمتحف الأرشيف الذي يحتوي على المادة الصوتية والمرئية، والمتحف المفتوح وغرف الصيانة ومطعم لخدمة الزوار ويستحسن هنا أن ننقل ما كتبه قيراينت جينكيز وهو أستاذي أدين له بالكثير مما عرفت عن علم المتاحف: يكتب جينكيز:
"The eighty acres of park land for the open air museum in the valley of Glamorgan, here are set up various, buildings, removed from different parts of Wales e.g. Valley farms, their outbuilding containing the ploughs and, harrows and crafts characteristic of Wales and surrounded by few small fields which are grazed by the welsh black cattle and sheep"(6).
يضاف إلى ذلك الوحدات الإنتاجية التي يوظف فيها حرفيون مختصون كل في مجال حرفته مثل خراطة الخشب، الغزل والنسيج والأزياء والنجارة بأنواعها، الحدادة، صناعة الفخار، دباغة الجلود بمصنوعاتها الجلدية، منتجات الألبان، تربية الحيوانات بأنواعها، إلى آخره من النشاط البشري في تلك المقاطعة في عرض حي مهيب مدهش وجاذب
تأتي مقتنيات هذه المتاحف لتؤكد أهميتها. ففيها يمكن دراسة وتوثيق النشاط الإنساني في حركة حياته اليومية في مجال الزراعة والرعي والحرف المحلية الأخرى إلى آخر القائمة. هذا التوثيق يجب أن يقوم به مختصون مدربون تدريباً علمياً وعملياً في مجال المتاحف والثقافة المادية والموروث الثقافي على اتساعه. هذا النشاط المجتمعي ينظر إليه على أنه الأعمال الديناميكية المرئية الظاهرة لبنى تحتية تعكس البيئة الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية، علاوة على القيم الجمالية والوظيفية والعقائدية، هذا بالإضافة إلى أنها مرايا لتاريخ طويل من التثاقف والتواصل والتلاقح الثقافي (7). عامل الجذب السياحي في متحف الموروث الثقافي أو متحف الفولكلور يختلف في صورته المثلى عن أي متحف آخر. فهو يقدم مادة حية في عرض مهيب مدهش وجاذب كما ذكرت أعلاه. فعنصر الجذب في مثل هذا المتحف يتلخص في الآتي: أن الزائر المحلي أو السائح الأجنبي يقف على الحياة الثقافية في حركتها العادية اليومية - أو ربما قريباً منها - فالزائر هنا يرى الأشياء تصنع وتستخدم. الزائر المحلي أو السائح الأجنبي على السواء يجهلون كيف تصنع مثلاً منتوجات الفخار من المادة الخام إلى المحصلة النهائية. هنا صاحب الحرفة يقدم المعلومة الطازجة المشبعة. كثير من الزوار المواطنين لا يعرفون كيف تصنع هذه الأشياء وإنما يستخدمونها دون سؤال. هنا نحن نوقفهم ونعلمهم ونبصرهم ونحيي فيهم قيمة المعرفة والاعتزاز بموروثهم في حياته المعاصرة الذي كان لا يعتبر له درجة من الأهمية. هنا يصحو الزائر المحلي على صوت هذه المنتجات تتحدث إليه وتنبي عن أصالتها وقوتها ومكانتها وأهميتها في المجتمع عن طريق صانعيها المعلمين الأول في مجتمعاتنا التقليدية في العالمين العربي والأفريقي أو الأفريقي العربي، من ناحية أخرى يعتبر المطعم الملحق بالمتحف مهماً جداً إذ أنه يمكن أن يقدم للزائر وجبات من الوصفات المحلية للطعام بجانب الوصفات الحديثة الأخرى وهنا نكون قد نشرنا ووثقنا لثقافة الطعام التقليدية كل ما ذكرناه سابقاً يباع ويشترى في حركة عادية مثل سوق وتقدم المعلومة للزائر منسابة سلسة وممتعة وراسخة.
إن بيع المنتوجات التي تنتجها الأقسام والوحدات الإنتاجية المختلفة علاوة على إيرادات المطعم ورسوم دخول المتحف والاقبال السياحي الذي يحققه وجود مثل هذا المتحف. كل ذلك يمكن أن يسهم في الدخل القومي وكذلك استيعاب الفاقد التربوي في معاهد التدريب الحرفي ، سوف نأتي لتفصيل ذلك.
كتب زميلي المرحوم دكتور شرف الدين الأمين عبد السلام مقالاً عن العلاقة بين الفولكلور والسياحة منشورا في مجلة الثقافة السودانية(8) اقترح في هذه الورقة انشاء متاحف متخصصة في مجال التراث. اذكره هنا عرفاناً بسبقه في هذا الاقتراح رغم أنه مختص في مجال الشعر الشعبي والروايات الشفاهية. كان ذلك في العام 1988م.
الكتابة عن المتاحف ووظيفتها دائماً تقودنا إلى دورها في مجال السياحة والتعليم وهذان رافدان للاقتصاد والمجتمع معاً.
1. الموروث الثقافي والسياحة
قدم الدكتور شرف الدين الأمين (رحمه الله) في ورقته التي أشرت إليها آنفاً في هذا البحث قدم رؤية مستقبلية للتراث والسياحة وأبان أن السودان يزخر بالكثير من التراث الغني الذي يمكن أن يستغل سياحياً مثل الحرف والصناعات اليدوية في مجال الثقافة المادية ويذهب للقول إلى أن المشغلين في مجال السياحة لم يولوها الاهتمام الكافي ولم يفكروا في طريقة عرضها لتصبح في متناول السائح وليكون التعامل فيها مباشرة بين السائح والمنتج.
أتــــفــق مــع هـــذا الــــرأي إذ أننــــا وإلى الآن - رغـــم أن السودان هو من أوائل الأقطار الأفريقية التي بدأت إنشاء متاحف التراث متمثلاً في متحف الاثنوغرافيا الذي تأسس في عام 1932م وافتتح في عام 1956م - لم نوفق في تأسيس متحف تراث يرضي طموحات المتخصصين أو السائح الأجنبي أو المحلـي. فالتعامل المباشر مع زائر المتحف المفتوح الذي يحتوي على وحدات إنتاجية يجد فيها السائح أو الزائـــر متعــــة ويـــرى كيفــــيـــة صـــنع هذه الأدوات، كما هو مذكور أعلاه.
وضع د. شرف الدين في ورقته اقتراحات محددة تهدف إلى الاستغلال الأمثل للتراث الشعبي كأحد مجالات السياحة والجذب السياحي، لتكون السياحة وصناعتها والتراث الشعبي مصدراً من مصادر الدخل القومي. هذه الاقتراحات هي - أعيد استعراضها لفائدتها:
انشاء ساحات للإبداع التراثي على مستوى عواصم الولايات وتنظيم هذه الساحات بحيث تستوعب القدر الأكبر من ميادين التراث. فيكون هناك ركن للرقص والموسيقى الشعبية وقسم للحرف الشعبية والألعاب والطب الشعبي وقسم للممارسات الطقوسية كالزار والذكر وكذلك الأداء الشعري والغناء الشعبي. مثل أغاني الحماسة والدوبيت ..الخ ويكون موسم العرض في هذه الساحات معروفاً ومعلناً
إقامة معارض دائمة للمصنوعات الشعبية في بعض مدن السودان وخاصة في المناطق السياحية كالدندر وجبل مرة وسواكن وفي مناطق الآثار. ولننفذ هذه الفكرة يمكن العمل على تخصيص جزء من سوق كل مدينة من مدن البلاد الكبرى ليكون نواة للمعرض الدائم بدلاً من إصدار القرارات بمحوها من خارطة تلك الأسواق كما حدث لسوق الطواقي بأمدرمان.
تخصيص جناح للتراث الشعبي في معرض الخرطوم الدولي: يحتوي على مصنوعات يدوية وعروض فيديو بدلاً عن عرض نماذج لعينات فولكلورية من صور ومصنوعات في أجنحة الأقاليم على أن يشرف على هذا الجناح متخصصون في مجال الفولكلور كمرشدين وضباط سياحة يتولون الشرح الكافي. وفي هذا الإطار أيضاً يمكن تخصيص جناح للفولكلور في المعارض التي يشترك بها السودان خارج البلاد.
إنشـــاء متـــاحـــف متــخـصـصــة في مجــال التـــــراث الشعبي: تعنى بالناحية الإعلامية والتثقيفية والتوثيقية. ويمكن الاستفادة من التجارب الأخرى في هذا المجال بإيفاد مبعوثين لأماكن من الأقطار الاسكندنافية التي عرفت بعنايتها الفائقة في مجال متاحف الفولكلور المفتوحة.
رصد المناسبات الطقسية والاحتفالات: المرتبطة ببعض جوانب الحياة بصورتها الحية. وبعد ذلك العمل على تحفيز السواح لحضورها عن طريق الدعاية المناسبة وتسهيل كيفية الوصول إليها والإقامة بها.
العناية بمراكز الصوفية التي تجسد التراث الديني الشعبي في السودان.
إحياء فكرة المعارض القبلية التي عنيت بها الحكومة الوطنية بعد الاستقلال. ففي هذه المعارض فرصة للتعريف بأسلوب حياة تلك المجموعة وتراثها.
الفولكلور في الفنادق: يمكن في هذا الإطار إعطاء الفنادق الطابع الشعبي وذلك عن طريق إدخال بعض قطع الأثاث الشعبي وأن يكون الديكور من النماذج الفولكلورية التي تصنع لمثل هذا الغرض أو الاستعانة بروح هذه النماذج لصياغة الديكور.
وسائل الدعاية السمعية والبصرية: وهي يمكن استعمالها في إطار إبراز دور الفولكلور كعامل جذب سياحي ومن ذلك إصدار الكتيبات ونشرات تعريفية بمختلف جوانب الفلولكلور السوداني يقوم عليها متخصصون في علم الفولكلور ودراسته. ويمكن أن تكون تلك الكتيبات باللغة العربية مع ترجمات للإنجليزية والفرنسية. ويجوز أن تستخدم هذه الكتيبات في مجال التبادل الثقافي أو أن يتم توزيعها بواسطة الملحقيات الثقافية هذه هي اقتراحات د. شرف الدين الأمين.
اتفق مع د. شرف الدين فيما ذهب إليه عدا المقترح السابع والثامن. إذ أن المقترح السابع هو مضمن في المقترح الخامس الذي خصصه لرصد المناسبات عند القبائل. أما الثامن فيمكن الاستعاضة عنه بمقترح انشاء فنادق تقوم على العمارة الشعبية والآثاث الشعبي. وهي أكثر جذباً للسياحة الداخلية أو الخارجية. كما أنها أقل تكلفة من الناحية المالية. وهي عادة تكون فنادق يؤمها عامة الناس، ليس على غرار الفنادق ذات الخمس نجوم. كما أن المقترح الثامن من الناحية الأخرى يجعل التراث ديكوراً وهامشياً. وقد رأيت مثل هذه الفنادق في زامبيا عندما حضرت مؤتمرالتراث الأفريقي في مدينة ليفنقستون في العام 2008م. الذي يقع قريباً من شلالات فكتوريا وتوضيح اقتراح لمؤتمرين بالرجوع للاسم الأصلي - لفكتوريا - وهو موسي أواتونيا وكذلك مسألة اكتشاف د.لفينقستون لشلالات فكتوريا، هو لم يكتشفها هو جاء إليها وبين الاثنين فرق كبير.
ثم أن كل الذي جاء في مقترحات د. شرف الدين (رحمه الله) وهو اجتهاد مقدر ومقبول - كل الذي جاء في مقترحاته يمكن أن يضمه تأسيس متحف تراثي قومي أو متاحف تراثية في المناطق المختلفة تقوم على غرار المتحف الذي استشهدت به وهو متحف الفولكلور في ويلز في معرض حديثي عن متحف التراث.
ورقة أخرى مهمة قدمها الأستاذ فرح عيسى الباحث في التراث السوداني وأمين أرشيف قسم الفولكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية - جامعة الخرطوم وهي بعنوان الفولكلور وتنمية السياحة في السودان. آثار الأستاذ فرح عيسى في بعض ما أشار إلى مسألة تنمية السياحة إلى الدول التي فطنت لعلاقة الفولكلور بالسياحة وضرب لنا المثل بدولة تايلاند، نذكر أن التايلنديين استغلوا تراثهم الشعبي استغلالاً ذكياً لجذب السائحين لبلادهم، ونجحوا في ذلك بدليل أقبال آلاف السائحين لزيارة تايلاند وعلى حد تعبير الأستاذ فرح فقد استثمر التايلانديون شغف هؤلاء بالوقوف على عادات وتقاليد وفنون الآداب. واقتبس عن أحد الكتاب قوله:
"حديقة الزهور التي تقع خارج العاصمة بانكوك من اسمها كنا نعتقد أنها عبارة عن معرض زهور. ولكنها عبارة عن صالات لعرض الفولكلور التايلاندي حيث يعرض الفنون والرقصات الشعبية من داخل مسرح أنيق".
ثم يقدم الأستاذ فرح في ورقته نبذة تاريخية عن السياحة في السودان ويقول يرجع تاريخ السياحة في السودان إلى عام 1902م وهذا تاريخ مبكر بلا شك والحديث لا زال للأخ فرح ولو أن اللذين تولوا أمر السياحة عملوا وفق تخطيط علمي، لاتخذت هذه الصناعة مكانتها بين مصادر الدخل النسبية للدولة في استقطاب العملة الصعبة، ودخلت بجدارة في الاقتصاد بقدر معتبر. ويذكر فرح أنه رغم الفترة الطويلة التي مرت بها تأسيس السياحة في السودان - وهي فترة كافية لتأسيس صناعة سياحية تقوم على أسس علمية ودراسات تصل بالعمل السياحي إلى ذروة عطائه الاقتصادي والثقافي ولكن هذا لم يحدث. ويصف فرح قائلاً أننا لا نجد مبرراً واحداً يقنع بهذا التباطؤ في تنشيط قطاع السياحة. صحيح أن القطاع تدرج شيئاً فشيئاً حتى أصبحت هناك وزارة للسياحة الآن. ولكن لم يتحقق نجاح واضح طوال هذه الفترة الطويلة. قدم بعد ذلك الاستاذ فرح في ورقته مداخل الفولكلور لتنمية السياحة في السودان. نختصرها في الآتي:
العادات والتقاليد والمعتقدات
فنون الأداء الشعبي
الثقافة المادية.
والورقة منشورة في كتاب دور الفوكلور في السلام والتنمية والذي قام بتحريره وقمت بنفسي بكتابة المقدمة له وكانت الأوراق ثمرة تعاون بين قسم الفولكلور - معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية وشركة سودانيز ساوند صدر الكتاب في 2004م وتقع ورقة الأستاذ فرح بين صفحتي 98 - 110. والكتاب متوفر.
قصدت من كل هذا إبراز مساهمة أعضاء القسم واهتمامهم بأمر التراث وتنمية السياحة في السودان وقد ساهمت شخصياً بمقال عن المتحف الفولكلوري والسياحة منشور بمجلة المأثورات القطرية عدد 46 عام 1997م، أوردت بعضاً من ما جاء فيه في هذه الورقة.
متاحف التراث هي متاحف للحياة والثقافة كما جاء في كتابات لوروويرت بيت Lorwerth Peate أول أمين لمتحف الفولكلور في ويلز كما ذكرت آنفاً. وهي متاحف أكثر جذباً للسائح لأنها تعرض مادة حية تقوم على العرض الحي والانتاج المباشر لجمهور الزوار. ففي ذلك متعة ومعلومة طازجة. هذا بالإضافة إلى أنها مراكز لتوثيق التراث بميادينه الأربعة وهي التراث الشفاهي - الثقافة المادية - فنون الأداء - والعادات والتقاليد والممارسات. وهي كذلك مزارات يؤمها السائحون إذا ما أسسناها التأسيس الذي اقترحنا في هذه الورقة وتدر على البلاد خيراً من العملات الأجنبية كذلك أركز على فكرة انشاء فنادق تقوم على استخدام المواد المحلية واستلهام نمط العمارة المحلية. هذا بالإضافة إلى أن المتاحف مؤسسات تعليمية تربوية وكذلك تساهم في تنمية المجتمع وزيارة دخل الفرد إذا أخذنا في اعتبارنا تأسيس معاهد حرفية في المتاحف وانشاء مطاعم في المتاحف تقوم على الوصفات والوجبات المحلية. هذا بالإضافة إلى أنها تكون مراكز لدفع حركة البحث العلمي في مجالات التراث المتعددة. علاوة على استيعاب خريجي أقسام الفولكلور.
وأوصي في ختام الحديث عن السياحة بتأسيس متاحف للتراث في الحواضر والأقاليم وثانياً عقد دورات تدريبية في علم المتاحف والتوثيق التراثي بالتركيز على الجمع الميداني وطرق العرض والتصنيف والتوثيق والترميم والتخزين وكل التقنيات المتعلقة بعلم المتاحف.
الدور الاجتماعي للموروث الثقافي يتأتى عبر تأسيس متاحفه ومراكزه ومعاهده الحرفية. أفرد هنا كلمة عن متاحف الموروث وأهدافها.
2. أهداف وأغراض المتاحف
أهداف وأغراض داخلية تتعلق بالعمل داخل المتحف من مباني وطرق عرض وحفاظ على المقتنيات وكذلك دراستها والبحث في خصائصها.
أهداف وأغراض خارجية وهي التي تتعلق بالجمهور المقصود والمعني بالانتفاع بمقتنيات المتاحف.
لذلك فأمين المتحف له وظيفتان: واحدة تتعلق بمقتنياته، والأخرى تتعلق بجمهوره. وبالتالي فهو له نظرتان: الأولى تتعلق بالاهتمام بمقتينات المتحف ودراستها وتفسيرها والثانية عرضها عرضاً مفيداً وتقديم المعلومة الكاملة للزائر أو الباحث وبالتالي فقدرات العامل في مجال المتاحف يجب أن تتضمن القدرات الفنية التقنية وتتعداها إلى العلم الكامل القائم على النظرية والمنهج العلمي السليم. عليه يجب أن يكون العاملون في مجال المتاحف دارسون متخصصون قادرون على تقييم مقتنياتهم وفهمها بمعانيها ومدلولاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية والطبيعية. كذلك يجب على أمناء المتاحف أن تكون لهم قدرات عالية على توصيل المعلومة وفهمها وتفسيرها حسب حاجات الجمهور الذي يخدمه في هذا إشارة إلى الاهتمام بعلم المتاحف Museology وتدريسه كمادة منفصلة مساعدة الموروث الثقافي بالتالي أي محاولة لتخطيط برنامج تدريسي أو تدريبي يجب أن يحتوي على مجموعة من التوازنات بين عنصرين، مقتنيات المتحف وجمهوره، والنظرية والتطبيق، وخطة انشاء المتحف وتقنياته. وبالتالي على العاملين في مجال المتاحف أن يتلقوا تدريباً عالياً في العلوم التي تتبع لها متاحفهم، ففي المتاحف التاريخية يجب أن يلم العاملون فيه بمادة التاريخ وعلومه، وكذلك العاملون في مجال متاحف التاريخ الطبيعي عليهم الإلمام بمادة العلوم سواء في الاحياء وعلومها من علم الحيوان وعلم النبات، والعاملون في مجال متاحف الموروث الثقافي التقليدي والآثار عليهم الالمام التام بعلوم الآآثار والتراث .. الخ. وهذا لكي يكون قادراً على تقييم ودراسة محتويات المتحف من التقنيات المختلفة فأمين المتحف يجب أن تتوفر فيه قدرات العالم العارف بتقنيات الحفاظ على محتويات المتحف، وكذلك قدرات الفني الملم بتقنيات العرض والتوثيق وكذلك بعض قدرات الفيلسوف الذي يعرف لماذا وما هي الفلسفة التي تسند العرض الجمع والمحافظة على مقتنيات المتحف، مثلاً الحفاظ على الموروث الثقافي القومي من تاريخي وعسكري وفني وصناعي من أجل خدمة أهداف الوحدة الوطنية. وكذلك عليه امتلاك قدرات رجل التربية الذي يمتلك القدرة على الشرح والتفسير والإيضاح، هذا بالإضافة إلى ملكات الإداري القادر على إدارة مؤسسته والتي تقوم على متين التأهيل في مجال الإدارة.

3. المتحف ودوره
التعليمي والتربوي الوطني
تقول نائبة وزير التربية والثقافة الهندي في عام 1994م: "في بيئة متفاعلة في المتحف حيث يجد الزائر المواطن هويته ويتآلف مع معروضات المتحف، هنا يلعب المتحف دوره التعليمي والتربوي الوطني، وإذا كان المتحف يربط بين الموروث وثقافة الشعب والعلم والتكنولوجيا بحياة المواطن العادي فهو بهذا يستطيع أن يزود الانسان بفهم عالمه وهويته. ومن خلال العرض المتداخل المتفاعل يستطيع المتحف تحفيز الناس لكي يدركوا العناصر الموحدة في ثقافتهم وبذلك يستطيعون مجانسة هذا التوحد والتآلف في وجدانهم من أجل التعايش السلمي الذي يؤدي إلى منفعة الجنس البشري". من مجلة أيكوم 1999م.
كذلك تقول رشيدا أياري دي سوزا مديرة الثقافة في بنين في غرب أفريقيا في مقال لها بعنوان: المتاحف والتربية: مجلة أيكوم 2004م.
"يجب أن تكون المتاحف في أفريقيا مكاناً يسوده الترحاب والصداقة والإلفة وبذا يكون آلية أو أداة من أدوات التربية والتعليم من خلال المقتنيات كوسيلة من وسائل التواصل من أجل نشر المعرفة بين المواطنين، فهو يجب أن يكون مكاناً للحوار بين الزوار العاديين وبين المتخصصين والباحثين ويكون ذلك من خلال النشاطات التربوية التعلمية والثقافية".
بناء على ذلك يمكننا القول أن على المتاحف أن تساعد المواطن على الالمام بالواقع الاجتماعي، الاقتصادي لبيئته وهذا يتضمن عملية جماهيرية المعرفة والتعليم خارج المؤسسة الرسمية، فهو إذا عودة للتبادل المعرفي عن تاريخ البلد وعلومه وثقافته المعاصرة متمثلاً في طريقة التعليم غير الرسمي التقليدي المعروف في أفريقيا وهذه مشاركة تجعل المعرفة متاحة للجميع. وبهذا يكون المتحف قد لعب دوره الأساسي في مجتمعاتنا على فهم التاريخ وأحداثه وإبداعات شعبه.
التعليم دائماً يؤسس على علاقة الثقة بين الذي يعرف والذي لا يعرف والتعليم في المتحف يؤسس على:
التجارب الواقعية التي تشرح التاريخ المعرفي من خلال المقتنى والمكان فأي مقتنى هو إنتاج مباشر لمكانه بمكونات المكان جميعا المكونات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبيعية في إطار تراكمها التاريخي.
القدرة على التقييم والتحليل
المرونة والقدرة على خلق الذهنية أو العقل الناقد، مثلاً: الفأس اليدوية شكل عالمي متمثل في أماكن متعددة ومتفرقة من العالم - جاوا، بكين، سنجة، أواسط أوروبا - هذه الأماكن في العصر الحجري القديم لم تصل بينها أي وسائل اتصال، وقد ظهر في هذه الأماكن بنفس شكله في أزمان مختلفة، هذا يعني بالتالي تساوي سعة العقل الانساني وعليه لا يمكن افتراض أعراق بشرية أعلى وأخرى أدنى بل يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك ونقول وبالتالي تعني وحدانية الخلق وتوحيد الخالق، فوحدانية الله تتبدى في وحدة إبداع مخلوقاته.
المتحف هو مكان للأسئلة وتحفيز العقل على السؤال عندما يرى معروضات المتحف وبالتالي يمكننا أن نقول المتحف مؤسسة تعليمية يمكنها أن تنمي قدرة الانسان على المبادرة والحوار ونشر المعرفة بين كل القطاعات المختلفة طالما هو يمتلك وسائل العرض كالمقتنيات نفسها والوسائل السمعية والبصرية وربما حواس أخرى - كالشم والذوق - ايقاعات موسيقية - وعطور الزواج والبخور. وهو كذلك طالما هو مكان لتبادل الأفكار والخبرات، فالمتحف يكون فاعلاً من خلال التعليم الطازج النشط والمعلومة المباشرة المفهومة، أو هو إعادة تعريف للمؤسسة التعليمية الرسمية وطالما هو ليس امتداداً للنظام التعليمي الهرمي الرأسي بل هو نظام أفقي يغطي كل الأعمار والفئات والطبقات من الذكور والإناث في آن واحد.

4. المتحف كمؤسسة لتعليم الكبار
عرفت المتاحف كواحدة من المؤسسات القديمة التي تقدم وتساهم مساهمة فعالة في تعليم الكبار وذلك من خلال المحاضرات العامة والقراءات وتقديم المعلومة عن طريق المقتنيات نفسها وعن طريق الوسائل السمعية والبصرية.
كذلك يستهدف المتحف في عملياته التعليمية الأطفال وطلاب المدارس خلال العام الدراسي والعطلات معاً، مثال لهذه المناطق التي تقدم هذه الخدمات التعليمية ليفر بول، متحف ليستر، ومتحف لندن في وبريطانيا.
وحدة خدمات المدارس في متحف ليفر بول هي أقدمها، إذ استطاعت تقديم خدمات تعليمية للمدارس والكليات الجامعية والأندية والجمعيات. وفي كل المتاحف البريطانية التي أعرفها توجد وظيفة لضابط التعليم، أي أنها وحدة من وحدات المتحف تقدم خدماتها التعليمية والتربوية بكل المؤسسات التعليمية وتضع الخطط والبرامج لذلك في المجالات التي تخص المتحف وذلك لربط المتحف بالمجتمع عبر وسائل التعليم المعروفة من الشرح والتوضيح، للمحاضرات العامة، عروض الفيديو والعروض السينمائية. ففي بريطانيا يوجد 46 متحفاً تقدم هذه الخدمات التعليمية. والوظائف للمتحف هي ليست عملاً هامشياً بل هو نشاط أساسي ومركزي ومنظم. هناك تقارير لليونسكو تقول أن أكثر من نصف زوار المتاحف في العالم هم من تلاميذ المدارس.
أشرت في صدر هذا البحث إلى ندوة الفولكلور والتنمية التي عقدت في 1981م - قسم الفولكلور - معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية - جامعة الخرطوم السؤال الذي أثير في تلك الندوة: لماذا الاهتمام بدراسة الموروث الثقافي ولماذا الاهتمام بخطورة التحديث الذي تتسع دوائره إلى الخارج على حساب الثقافات المحلية على إطلاقتها. إذا كنا غير قادرين على ايقاف حركة التاريخ والتغير الثقافي بعوامل التجارة والهجرة والحروب والتغيرات في البيئة الطبيعية. إذا كنا غير قادرين على إيقاف هذه الحركة فنعمل على المواءمة بين ما عندنا من موروث وبين الحديث والمعاصر، فالثقافة المعاصرة أصبحت واقعاً ليست غريبة عنا، إذ نحتاجها ونستخدمها، منها الطائرات، الناقلات البرية آليات الزراعة الحديثة وروافع المياه والقاطرات والسيارات.. إلخ هذه المواءمة مهمة ولكن إذا تعجلنا تحويل التقنيات الحديثة دون تروٍ وإمعان نظر في مستودعاتنا الثقافية المحلية لاستعجال طفرة التنمية وقعنا في هوة جهلنا. وقد عدد المشاركون في الندوة مجموعة أمثلة للاخفاقات التي صاحبت بعض ما سميت مشاريع تنموية. أذكر منها مثال مصنع تجفيف الألبان بمدينة بابنوسة في كردفان - مصنع تعليب اللحوم بمدينة كوستي على النيل الأبيض، كل هذه التجارب كانت فاشلة تماماً لأن التخطيط لها لم يضع في اعتباره المكون من الموروث الثقافي. من أهم الأوراق التي تحدثت عن مشاريع الزراعة والنقلة الفجائية من القطاع التقليدي إلى القطاع الحديث مقال لسيد حامد حريز بعنوان وكانت الأوراق كلها مقدمة باللغة الانجليزية عنوانها:
"Folklore and National Development: A challenging Paradox"
يـــوضـــح ســيــد حـــريـــز في مقــالـــه هــذا أن الأزمــــة الاقتصادية التي عانى منها السودان في سبعينات القرن الماضي تعود أصولها إلى الاستعجال الذي صاحب إحلال آلات الزراعة الحديثة في نقلة متعجلة من القطاع التقليدي إلى الميكنة الزراعية إذ حلت هذه محل أساليب الزراعة والري التقليدية المؤسسة على متين الممارسات والمعارف المحلية المتوارثة. جراء هذا التعجل في تحقيق الطفرة وتوسيع الرقعة المزروعة كانت المفارقة إذا لم تكن هي تنمية وإنما هو الفشل التام في تسيير الأمر بسبب انعدام التخطيط وتجاهل الثفافة المحلية. حلت روافع المياه التي تحتاج للجازولين وقطع الغيار والعملات الأجنبية لاستيرادها والمعرفة التقنية. كل هذا لم يوفر. كانت السواقي القديمة تؤمّن عيش الناس إذ أن كل ما تحتاجه من أخشاب وروافع فخارية والبقر الذي يديرها والإنسان الذي يقوم على تشغيلها واصلاح إعطابها. كل ذلك كان متوفراً في البيئة المحلية ولكن الساقية قتلت فجأة بفعل سوء التخطيط. ومن هنا بدأ الفشل الذي أدى إلى توقف الزراعة ووجد المزارع نفسه أنه لا يستطيع العودة بالتاريخ إلى الوراء ليعيد للساقية سيرتها لما حدث من انكسار في البنية المجتمعية. توقف النشاط الزراعي وكان بعدها من كوارث الهجرة من الريف للمدينة وما جراه من أزمات في المدن ومن بعد ذلك إلى الهجرة خارج البلاد في المهاجر المتعددة المعروفة. ثم ماذا بعد؟ واقعنا يقول أن الثقافة الشعبية في عالمنا العربي والأفريقي معاً تعاني من عدم التنسيق المشترك لبرامج تنموية متكاملة وذلك بهدف وضع استراتيجية مشتركة.
تكتب إيمان مهران(9) عن هذه المسألة في مقال لها منشور بمجلة الثقافة الشعبية تنبه الدكتورة إيمان مهران إلى تحرك مهم على المستوى الإقليمي إذ تكتب:
"... وضع استراتيجية ... تبنى على رؤية وخطة ذات منهج يحمي الموروث العربي من خلال دعم الحرفي ودعم سوق الحرف التقليدية المنتجة. ليس بوصفه منتجاً للعروض التي تمثل الدول في المناسبات القومية، بل لأنه مجال ذو بٌعد اقتصادي واجتماعي وثقافي هام لأي أمة تحاول الحفاظ على ملامح هويتها وخصوصيتها الثقافية".
أتفق مع الدكتورة إيمان مهران فيما يتعلق بوضع استراتيجية مشتركة للعمل من أجل تنمية أو الاستفادة من الموروث الثقافي كنشاط اقتصادي واجتماعي. ولكني أسأل أو أشك في تحقيق ما قالت عن... الحفاظ على ملامح هويتنا وخصوصيتها الثقافية كما قالت في الاقتباس أعلاه. كيف ونحن نعيش عالما يتغير يوماً بعد يوم وتتسع الحياة الحديثة المعاصرة، يتبع ذلك تراجع ملامح الموروث المحلي الذي يمثل الهوية التي قد تتلاشى يوماً مع بقاء الثوابت - الدين واللغة وهذه ثوابت لا تمسها ولا تشوبها شائبة وهذا هو الذي يشكل طابع هويتنا. هذه الثوابت قد تنعكس على منتوجنا الثقافي في أي شكل من الأشكال. ولكن إذا تلاشت أشكال الموروث المادية فهل يعني هذا ذهاب أو غياب الهوية. الإجابة بالطبع لا. فالحياة المعاصرة تحيطنا من كل الجوانب ولكن هويتنا المتمثلة في عروبتنا وديننا الإسلامي إذا ركبت طائرة أو سيارة أو جملاً أو حصاناً هل تتغير هويتي العربية الإسلامية، الإجابة طبعاً لا: بل هي ثابتة في مكانها. والسؤال هنا: هل استخدام وسائل الاتصال الحديثة في زمن العولمة هذا يقدح في عروبتنا أو إسلامنا.
ما يهم هنا هو أن الاستراتيجية التي تحدثت عنها دكتورة إيمان مهران يجب أن تنصب على ضرورة وضع استراتيجية، توثيق ما تبقى من موروث ووضعه موضع الفائدة في الدور الإجتماعي والاقتصادي. وهنا أدعو إلى التنمية كنمو مدروس على أسس علمية من أجل تنمية شاملة ومتكاملة ومستدامة على كل الأصعدة - التخطيط - الاقتصاد - الاجتماع. أي التخطيط المدروس من أجل الاستفادة من الموروث الثقافي القائم على التخطيط الدقيق للإفادة منه وإطلاق طاقاته لدور فاعل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، على غرار ما ذكرته في متون هذا البحث.
تـــوفـــــــرت لــــي مـــــادة عـــــن اســتـــــراتيــــجـــيــة النـــــهـــوض بالصناعات التقليدية من الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت)(10) أثبت مرجعيتها في الهامش أدناه. تلعب الصناعات التقليدية دوراً هاماً في عملية تنمية المجتمعات من خلال مساهمتها في تحقيق عدة أهداف:
رفع الدخل الحقيقي لأبناء المجتمعات الريفية والصحراوية والجبلية والساحلية للرعاة والمزارعين التي تقوم حياتها على الاقتصاد الإعاشي مثل Subsistence economy الصناعات الغذائية والآثاث والعمارة التقليدية منها على سبيل المثال.
تجسيد سياسة الاعتماد على الذات على المستوى المحلي حيث تعتمد الصناعات التقليدية على توفير المادة الخام والمعرفة من المكوّن المحلي.
دعم الاستقرار الاجتماعي من خلال إعطائه أولوية للاهتمام بالصناعات التقليدية لدى الشرائح الاجتماعية الأكثر حاجة أو الفقيرة، مما يؤدي إلى خفض التباين بين الشرائح الاجتماعية المختلفة.
توفير فرص عمل للمرأة التي لا تتيح لها ظروفها المختلفة في القطاع الرسمي، وتمثل الصناعات المنزلية بمختلف أنواعها مثالاً جيداً نحو هذا المسار.
في هذا المقام لابد من التركيز على ضرورة إعداد قوائم الحصر لهذه الحرف وإنجاز خريطة ثقافية تغطي المناطق القطرية كلها. هنا أقترح أن يتكون جسم سواء في الجامعة أو الوزارات المختصة يمكن أن يسمى مشروع المسح الفولكلوري لقاعدة بيانات أو التراثي لجمع مادة متكاملة في المعلومات لدى الجهات القائمة على التنمية الصناعية قطاع الصناعات التقليدية.
يكتب الأستاذ الدكتور حامد إبراهيم الموصلي(11) عن هذه الاستراتيجية في موقع موهوبون الآتي: "لا أتصور إمكانية النهوض بالصناعات التقليدية من أجل تحقيق التنمية الذاتية في المجتمعات العربية والإسلامية. إلا في ظل سياسات ملائمة تعمل من ناحية على توفير الآليات اللازمة لتوجيه هذا القطاع الحيوي من الاقتصاد القومي في ظل الظروف القائمة، وجهة سليمة، وتعمل من ناحية أخرى على حشد وتوجيه الموارد والجهود بما يتفق مع تعظيم الاستفادة من هذا القطاع في التنمية الذاتية للمجتمعات المحلية".
بناءً على ما كتبه د. حامد الموصلي أعلاه يمكننا بالتالي تأسيس هيئة أهلية على أن تخضع للإشراف الحكومي ويكون لها فروع في المناطق المختلفة، لإعداد دراسة جدوى مبدئية للمشروعات الصناعية الصغيرة التي يتوقع نجاحها في كل منطقة. تأسيس مشروع المسح التراثي الذي اقترحته يجب أن يوفر مسحاً لكل الحرف التقليدية والصناعات الصغيرة مع دراسة أساليب الانتاج المستخدمة في كل حالة أي توثيق كامل لعمليات الانتاج من المادة الخام المتوفرة في البيئة المحلية إلى المحصلة النهائية بتفاصيلها. ولي في هذا المقام دراستان أعددتهما بحوثاً مطولة لدراساتي فوق الجامعية (12)