اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الأصالة والتلقائية فى المهن والحرف التقليدية صعيد مصر: أنموذجا
تمثل المهن والحرف أسلوب الحياة على الكرة الأرضية عموما وعلى أرض العالم العربى خصوصا بكل ماتنطوي عليه من تراث مادي ومعنوي...

حكايات من النوبة والمحرق ودراسات حول العامية وصورة الحاكم.. وتجربة شبابية جديدة
نقدم في هذا الملف مجموعة متنوعة من الدراسات من كل من مصر والبحرين واليمن السعيد، فضلاً عن عرض لمحتويات مجلة الموروث الإم...

الثقافة المادية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية
قبل الحديث عن الثقافة المادية ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أرى أولاً ضرورة تأسيس مفهوم يقوم على أن أي مشاري...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الموروث الموسيقي الشعبي و علاقته بالطرق الصوفية في تونس من خلال نموذج
العدد 38 - موسيقى وأداء حركي

أ. علي دمق
كاتب من تونس

 

ارتبطت الموسيقى منذ القدم بالتقاليد والممارسات العقائدية والدّينية و تعتبر المجتمعات الإسلامية من بين الشعوب التي تبنت الموسيقى في إطار نشاطها العقائدي حيث نجد حضور الألحان سواء كانت بالآلات الموسيقية أو بدونها في إطار الإنشاد الديني والممارسات التي تتنزل ضمن فعل التصوف بصفة عامة.
ومن أهم مقومات التصوف العمل على تحقيق الحياة الروحية الإسلامية القائمة أساسا على الترفع عن ملذات الدنيا والرقي بالنفس لتحقيق العمق الروحاني والطمأنينة الخالصة. وبالرجوع إلى تواريخ الفتوحات الإسلامية تبين لنا تعاقب العديد من دعاة الشريعة الاسلامية المقتدين بالقرآن والسنة المحمدّية، وبالتالي تحوّل التصوف من ممارسات فردية في علاقة العبد بخالقه إلى مذاهب جماعية انتشرت فيما بعد في شكل "طرق"(1) صوفية داخل المجتمعات الإسلامية، لاسيما البلاد التونسية، حيث شهد سكانها إقبالا كبيرا على الشيوخ المتزهدين وزوايا الأولياء الصالحين التي كانت تمثّل بالنسبة لهم مصدر بركة وشفاء للروح
وقد كان لتلاقح الحضارات المتعاقبة على البلاد التونسية تأثير عميق على الموروث الموسيقي من حيث تنوع الأنماط الموسيقية وأطر ممارستها، مما أفرز رصيدا موسيقيا غزيرا اعتمد في جزء هام منه على التواتر الشفوي راسما ملامح وصورا من الذاكرة الجماعية للمجتمع التونسي التي ظلت حاضرة في المشهد الموسيقي المعاصر.
والمثير للاهتمام هو كثرة وتنوع الطرق الصوفية وتعدد مذاهبها حيث بلغت في تونس في النصف الأول من القرن العشرين تسعة عشر طريقة وخمس مائة وخمسين زاوية موزعة بين المدن والمناطق الريفية(2)، وقد تنوع الرصيد الموسيقي لهذه الطرق بين القصائد والمدائح والأذكار الصوفية، وتجتمع فيما بينها في معاني تمجيد الله عز وجل ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والإشادة بكرامات وأخلاق أولياء الله الصالحين، لكنها تختلف من حيث صياغة ألحانها ونغماتها وإيقاعاتها وكيفية ممارستها.
وتعد "الحضرة"(3) في تونس وخاصة في مدينة صفاقس أحد أهم طقوس الطرق الصوفية التي تساهم في بلورة المشهد الثقافي والتي تحقق حسب الصوفيين أبعادا عميقة من التجلي الروحاني الذي ينشده كل الأتباع.
وللخـــوض في هـــذا المــوضـــوع وجــب علـيــنا طــرح التساؤلات التالية:
ماهو الفضاء التاريخي والاجتماعي الذي أدّى إلى ظهور الموسيقى الصوفيّة في تونس بصفة عامة و"حضرة سيدي بوعكازين" بصفة خاصة؟
ما هي تجليات الأبعاد السوسيوثقافية لهذه الممارسة؟
ومن هذا المنطلق يصبح البحث في مجال التراث الشعبي أمرا بالغ الأهمية في ظل تسارع المتغيرات الاجتماعية وأنماط العيش التي أصبحت تهدد المحافظة على الموروثات الشعبية في أشكالها ومضامينها الأصلية وتحدو بها إلى هوة التشويه ثم الاندثار.

مقاربات اصطلاحية:
1. مفهوم التصوف:
اختلف المؤرخون حول تحديد الأصل الاشتقاقي لكلمة "التصوّف" حيث أرجع البعض كلمة «تصوف» إلى لباس الصوف والذي كان رمزا للتواضع والبساطة التي يبحث عنها المتصوّف المسلم في رحلته للبحث عن الزهد والانقطاع عن الحياة الدنيا.
كما ذهب البعض الآخر إلى اعتبار هذه الكلمة مشتقة من كلمة "الصفاء" وهي رمز لنبل الأخلاق ومكارمها وصفاء القلب وبالتالي اعتبروا أنّ التصوف هو سلوك له خصوصياته ومميزاته ويعكس وجهة نظر عميقة تجاه الوجود الدنيوي ويعكس أسمى مظاهر التقوى والإخلاص لله وبالتالي "يؤدي إلى صفاء القلب ونقاء السريرة".(4)
ويشير ممدوح الزوبي في كتابه معجم الصوفية إلى أنّ التصوف له "تعريفات عدة عَرّف بها الصوفية أنفسهم" حيث يقول أبو علي الروذباري الصوفي والكلاباذي في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف)، والقشيري في رسالته: "إن الصوفي من لبس الصوف على الصفا وأطعم الهوا ذوق الجفا وكانت الدنيا منه على القفا وسلك منهاج المصطفى"(5).
كما يعرفه إبن خلدون في كتابه المقدمة بقوله: "قــــال القــشـــيري رحــمــه الله ولا يـشــهــد لــهــذا الإســـم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعيب من جهة القياس اللغوي. قال: وكذلك من الصوف.... قلت: والأظهر أن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه كما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف"(6).
"التصوّف" كما ذكرنا سابقا هو مصطلح متعدد الدلالات والإيحاءات باختلاف الحقبات الزمنية وبالرغم من هذه الاختلافات فإن الطريق الصوفي أو المنهج الصوفي ينبثق من تعاليم الإسلام ويمكن اعتباره مرحلة متقدمة من العمق الروحاني والتقوى. ويعتمد منهجا متميزا في التعبد والانقطاع عن ملذات الدنيا.
يعرف الدكتور نبيل الفخفاخ التّصوف أنه "البحث عن حالة من نقاء الروح التي تمكّن من الوصول إلى الحقيقة المطلقة والدخول في حالة من التواصل المباشر مع الله"(7).
واصطلاحا يعني "منزعا علميا وعمليا نزعت إليه الحياة الروحية الإسلامية منذ نشأتها الأولى في صدر الإسلام... فالتصوف إذن مرآة هذه الحياة الروحية الإسلامية"(8).

2. مفهوم الطريقة عند الصوفية:
الطريقة هي المنهج الذي يعتمد خاصيات ومميزات معينة تؤدي إلى تحقيق الهدف المرجو الوصول إليه. بالنسبة للطريقة في التصوف فهي حسب فتحي زغندة "الطريق التي يسلكها المسافر إلى الله"(9).
وبالرغم من تعدد واختلاف الطرق الصوفية في مناهجها وقراءاتها فهي تجتمع في الوصول إلى هدف مشترك هو "التنسك والزهد في متاع الدنيا والتوجه إلى الآخرة"(10) وبالتالي الانقطاع عن كل ما هو دنيوي والرقي إلى أسمى درجات عبادة الله عز وجل والإخلاص له.
فبعد أن كان التصوّف سلوكا فرديّا، تحول ليصبح منهجا جماعيا منظما انقسمت فيه الأدوار بين شيخ(11) طريقة وهو الذي سلك طريق الحق وعرف المخاوف والمهالك، وأحاط بعلوم الدين والشريعة. فيرشد المريد ويشير إليه بما ينفعه وما يضره. وقيل الشيخ هو الذي يقرر الدين والشريعة في قلوب المريدين والطالبين. وقيل: الشيخ الذي يحبَب عباد الله إلى الله، ويحبَب الله إلى عباده، وفي فترة الاستعمار الفرنسي تزايد إقبال الناس للانتماء إلى طرق مختلفة إلى حد تصنيف بعض العائلات وانتسابهم إلى مقام "ولي صالح" حسب الألقاب، اعتقادا منهم في أولياء الله تعالى لما يتميزون به من أخلاق طيبة وحب الخير للناس وعبادة خالصة لله عز وجل، فأصبحت مقامات الأولياء مجالس للذكر والإنشاد وترديد النصوص التي تمجّد الله والأنبياء والصالحين وطلب حضورهم الروحي.

3. التصوف وانتشاره في الاسلام:
كانت بدايات التصوف في العالم الإسلامي حركة زهد شملت بعض المسلمين الذين كانوا يبتعدون عن إغراءات وملذات الدنيا من ترف ومال ولباس فاخر ومجون، سعيا منهم إلى الاقتداء بالسيرة النبوية الشريفة من خلال (السير على نهج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأغلب صحابته والعمل بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تشجع المؤمن على العمل الصالح والابتعاد عن كل المحرمات... فمن دوافع الزهد والتوجه بجلّ الجهد من أجل الفوز بالآخرة قول الله تعالى: "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب"(12). وهنالك العديد من الآيات القرآنية التي أثرت في نشأة الزهد حيث يقول الله تعالى "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا"(13).
كما ورد في القرآن معاني الإخلاص في حب لله تعالى ورسوله والجهاد في سبيل الله. كل هذه النصوص القرآنية ساهمت بشكل كبير في ظهور الزهد في مرحلة أولى، ثم في القرن الثاني الهجري وبعد سلسلة من الفتوحات الاسلامية وما بدا عليه المجتمع الإسلامي من ثراء ورخاء وإقبال الناس على اللهو بالمال من ملابس فاخرة ومنازل وتفاخر في الأنساب والمباهاة، ظهرت مجموعة من الناس خاصة علماء الدين تسعى إلى الحفاظ على مبادئ الدين الإسلامي وتعاليمه فانقطعوا عن عامة الناس وابتعدوا عن متاع الغرور وانهمكوا في عبادة الله والسير على المنهج النبوي الشريف. وتأسيسا لما تقدم في هذا المفهوم يوصي الغزالي من يخاطبه: "إذا لا تنظر إلى ساعة رحمة الله فقط حتى تتكل وتؤمن"(14). فالمتصوفة يعتمدون أساسا على الاتكال على الله والمجاهدة والعمل المتواصل والابتعاد عن حياة المادة ثم يطلبون الرحمة والغفران راجين في ذلك الآخرة. ويعرّف الدكتور الأسعد السحمراني الشخصية الصوفية في الاسلام بـ"القناعة بالضروري في متطلبات البدني، والحياة المادية حتى لا يفسد التعلق بالدنيا على الإنسان سموه الذي يطلب فيه الوصول إلى درجة الإحسان"(15).
وفي القرن السادس ميلادي(16) أي فترة الفتوحات الإسلامية ظهر العديد من العلماء والدعاة السنيين الذين يدعون إلى احترام وتطبيق الشريعة الإسلامية بحذافرها اقتداءً بالقرآن والسنة المحمديّة. ومن بين المتصوفة السنيين الذي اشتهروا في تلك الفترة "مسلم القشيري"(17) و"عبد القادر الجيلاني"(18)، الذين ساهموا في تحويل التصوف من ممارسات وسلوكات فردية إلى مذاهب جماعية انتشرت في العالم الإسلامي تُعرف بالطرق الصوفية والتي كانت تنسب إلى شيخ الطريقة أو قطب له أتباع. ومن بين الطرق الصوفية المنتشرة في عديد الدول الإسلامية نذكر "العيساوية"(19) و"القادرية"(20) و"الوهابية"(21). وكان لهذا الانتشار عديد الأسباب منها الاجتماعي والثقافي وخاصة السياسي حيث كانت الطرق الصوفية والزوايا سندا للحركة الاستعمارية بتونس في أوائل القرن العشرين والتي كانت تستغلها لتلهي بها الناس عن الأمور السياسية فاهتمت آنذاك بمقرات الأولياء الصالحين والزوايا. وفي ظل تردي الأوضاع الاجتماعية، سعى الكثير من الناس إلى الانزواء والهروب إلى مقامات الأولياء الصالحين قصد التعبد ومناجاة الله مما ساهم في تزايد وانتشار الزوايا ومقامات الأولياء الصالحين .

4. انتشار الطرق الصوفية في تونس
لقد ساهم انتشار الطرق الصوفية في العالم الإسلامي في توسعها، حيث تأثرت بها العديد من الدول لاسيما البلاد التونسية والتي عرف سكانها إقبالا كبيرا على الشيوخ المتزهدين والانتماء إلى الزوايا مما ساهم بشكل كبير في تنامي عددها داخل البلاد منذ العهد الحفصي. ثم تواصل في التزايد وأصبح للطرق الصوفية أهمية كبرى في المجتمع إلى حد انتماء غالب الناس إلى طرق متعددة. ويذكر محمد البهلي النيال في كتابه الحقيقة التاريخية للتصوف الإسلامي أن التصوف وجد في تونس مبكرا حيث يتحدث عن وجود قوم بجبل أدار (قرب الهوارية وسيدي داوود) لباسهم البردي وعيشهم من النبات والصيد البحري(22).
والجدير بالملاحظة هو كثرة وتنوع الطرق الصوفية ومقامات الأولياء الصالحين بالريف والمدينة والمناطق المجاورة للولايات حيث بلغ عدد الطرق الصوفية حسب الإدارة الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين تسعة عشر طريقة و550 زاوية(23).
ويعود هذا التنوع إلى كثرة وتعدد المدارس والمشايخ الدينية. فكل فرقة تنتسب إلى شيخ تسير على نهجه في التدين والزهد وتقوم بمدحه وترديد أذكاره. تنشط الفرق الصوفية في العديد من المناطق خاصة في الجنوب التونسي ومن بينها نذكر معتمدية نفطة التابعة لولاية توزر حيث نجد فيها فرقة السليمانية نسبة للولي الصالح "عبد السلام" وفرقة العلوية نسبة إلى "سيدي أبو علي السني" وفرقة الحفوظية نسبة الى الشيخ "عبد الحفيظ الخنقي" وفرقة التوهامية نسبة إلى الشيخ "التوهامي".
5. الحضرة:
مفهوم الحضرة:
الحضرة، مصطلح إسلامي صوفي يطلق عــلى مجالس الذكر الجماعية والتي يؤديها المسلمون المنتمون للطرق الصوفية السنـية بشكل خاص، ويكون على رأسها شيخ عارف بالطريقة ينتبه إلى كل ما من شأنه أن يشوش إمكانية الوصول إلى لحظة الصفاء.
سميت كذلك، لأنها سبب لحضور القلب مع الله، وهي ركن هام في طريق الصوفية. يتم فيها أداء أشــكال مختلفة مــن الذكر، كالخطب وتلاوة القرآن والنصوص الأخـــــــرى مـــن أدعـــــية وأوراد وإلقــــاء الشعــر والإنشـــاد الديــني والمــدائح النبوية المخصصّة لمدح الرسول صـلى الله عليه وسلم والدعاء والذكر الجماعي بشكل إيقاعي وتلاوة أسماء الله الحسنى.
يستخدم المحافظون من الصوفية أحيانا آلة الدف أثناء «الحضرات»(24)، في حين أن بعض الطرق تستخدم آلات موسيقية أخرى. تعرف الحضرة بهذا الاسم في الدول العربية وبعض الدول الإسلامية غير العربية مثل إندونيسيا وماليزيا، في حين تعرف بأسماء أخرى في تركيا ودول البلقان وتكون في معظم الأحيان في ليلة الخميس بعد صلاة العشاء أو يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة.
يعتبر المسلمون من الصوفية أن أصل الحضرة في الشريعة الإسلامية يرجع لتفسيرهم لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى الذكر والدعاء الجماعي والصلاة على النبي ويرون أنها من الوسائل التي ترفع الهمة وترغّب الفرد على أداء واجباته الدينية. في حين يعتبر المسلمون من السلفية الأصولية أن الحضرة بدعة وليست من الإسلام(25).
وكما يعرفها الصادق الرزقي في كتابه الأغاني التونسية أنها "عبارة عن وقوف صف الفقرة(26) أمام حلقة العمل(27)، حفاة الأرجل، مجردين من الجبائب والبارانيس، يذكرون الله بضمير الغائب بغرغرة في التصويب وتراكع منتظم قد يكون واحدا بعد واحد وقد يتقصون فيه جميعا حسب ما تقتضيه النغمات المنبعثة من جماعة العمل"(28).
والحضرة مصطلح معناه "حضور القلب مع الله عز وجل وهو من أهم الأركان في طريق السلوك. وهو الاجتماع على ذكر الله عز وجل تحت إمارة الشيخ أو وكيله المسمى بالمقدم. وتبدأ الحضرة بتلاوة من القرآن الكريم. ثم تنشد أناشيد من أقوال العارفين بالله مثل الشيخ عبد الغني النابلسي وابن الفارض وابن عربي وغيرهما... ثم تقوم الجماعة للذكر حتى بإذن الشيخ أو المقدم بختامها... والحضرة منقولة ومتوارثة عن كبار الأشياخ العارفين فهي مقررة في الكتب الصوفية على اعتبارها مظهرا من مظاهر التصوف"(29).
كما عرفها الدكتور مراد السيالة، أنها "التواجد والحضور. فهي حصة يجتمع فيها أشخاص منتمون إلى طريقة في إحدى الزوايا حيث يقومون بممارسة طقوسهم وعاداتهم في حضرة شيخ الطريقة"(30).
وهي في مدينة صفاقس عبارة عن فرقة موسيقية تتكون من عازفي البندير وعازفي الدربوكة والزكرة والمنشدين. وتنشط "الحضرة" في مناسبات متعددة، كـ"النزول"(31) "والطهور"(32) والسهرات العائلية.
مفهوم الشطحة والتخميرة:
تعتبر التخميرة الهدف الرئيسي لمَجْمَع الممارسات والعادات التي يقوم بها المريد أثناء الحضرة، فهي تتويج لمرحلة التجلي الروحي والانقطاع عن العالم الخارجي وصولا إلى الانتشاء. وهناك من يفسر هذه الحالة على أنها تواصل وانغماس في عالم الغيب. وتظهر على "المتخمر" العديد من الأعراض منها المشي على الجمر أو الحديث بلغة مبهمة أو الرقص بالحلفاء الملتهبة أو ترويض الحشرات السامة كالعقرب أو ارتعاد البدن والسقوط على الأرض في حالة تشبه حالة الجنون والهستيريا ويقال في هذا السياق "عندو لحوال" حيث "تربط العامة هذا المرض بالجن وتعتبره من ردود فعلها لسبب ما، فتقع محاولة مداواته بترقية المصاب بالحضرة أي الضرب القوي على الدفوف"(33).

6. حضرة "سيدي بوعكازين":
تعريف "الزاوية":
هو مكان يشيّد للشيخ أو الولي الصالح، عند عامة الناس هي مقام ومدفن الأولياء الصالحين ويأوي اليها الفقراء والمتصوفة. تقول العامة: "ولد زاوية أساسا أحد ذرية الولي، مطلقا الطيب النقي من الناس"(34).
تزخر تونس كما باقي بلدان المغرب العربي بالعديد من الأضرحة ومقامات أولياء الله الصالحين الذين تقصدهم العامة وحتى الخاصة للتبرّك بكراماتهم والتوسّل بهم لقضاء الحوائج و تفريج الكرب فهذه الزوايا المنتشرة من الشمال إلى الجنوب ظلّت لسنين طويلة محافظة على مكانتها في قلوب مريديها وكانت تنسج القصص والروايات العجيبة حول القدرات الخارقة لصاحب السرّ والفضل والكرامة مولاي وسيدي فلان الذي هو نزيل تلك الزاوية وكانت هذه الأعاجيب تتوارثها الناس مشافهة لتنتقل من جيل إلى آخر. ومنها ما يوجد بجهة صفاقس، التي اشتهرت منها خاصة زاوية سيدي "علي الكراي" وزاوية سيدي "بلحسن الكراي" وزاوية سيدي "بوعكازين".
أصل التسمية
تعود تسمية الولي الصالح "سيدي بوعكازين" إلى شجار جد بين أهل المحرس وأهل قريته المسعودة في صلاة العيد حيث سأله أهل كل قرية أن يصلي بهم فأعطى عكّازا لأهل المحرس وأخذ أهل قريته العكاز الآخر عندهم فصلى بهم وخطب لهم، فلما التقى أهل القريتين افتخر كل على الآخر بصلاة الشيخ عندهم، فكذّب كل منهم الآخر فرجعوا إلى الشيخ، فقال: والله ما صليت إلا بالحرم الشريف، ولكن الله كشف عن أبصاركم فرأيتموني، فكل فريق في بلاده يحسبني بآرائه كالشمس في فلكها، وكل أحد يحسبها في دارة، فمن ثم سمي بأبي عكازين الرقيق(35).
وتعود تسمية "الرقيق" لرقة صوت هذا الشيخ في تلاوة القرآن وقد سماه شيخه ومعلمه "سيدي أبي يحيى القرقوري"(36).
نشأته وحياته:
هو أبو عبد الله "سيدي محمد الرقيق أبو عكازين" المدفون بمنطقة "المسعودة"(37) ولم نجد تاريخا محددا لوفاة هذا الشيخ لكنه وجد على قبر من قبور أحفاده تاريخ 867م وبالتالي يكون الشيخ قد توفي تقريبا في أواخر القرن السابع أو بداية القرن الثامن.
ينحدر محمد الرقيق من أولاد عنان من نسل مولاي إدريس، عاش يتيما حيث توفي أبوه وتركه صغيرا فسلمته أمه إلى الشيخ ولما كبر أصبح يذهب لقرية قرقور لينهل من تعاليم الشيخ أبي يحيى القرقوري ويقرأ عليه القرآن فلقبه شيخه بالرقيق لجمال ورقة صوته.
يوم "الوعدة":
جمعها "وعايد" "النذر" ما يقدمه الإنسان من صدقة إلى الولي بعد قضاء حاجة طلبها وقد يكون النذر حصيرا للزاوية أو شمعا أو زيتا للقنادل أو سنجقا أو خروفا أو لحما أو «كسكسي» بلحم خروف(38).
ويمكن أن تقام «الوعدة» بمناسبة ولادة حيث يسمى المولود الجديد بإسم الولي الصالح، وإذا كانت المرأة عاقرا وطلبت الإنجاب تقدم الوعدة باسم الولي للتخلص من سوء حال ما.
وصف يوم "الوِعْدَة":
الاستعدادات ما قبل الحضرة:
تعتبر عائلة الرقيق مقام الولي الصالح «سيدي بوعكازين» مكانا مقدّسا ينزع عنها الأحزان وتطلب منه البركة والتوفيق في أعمالها، فهو مصدر للاستشفاء الروحي والجسدي، ويعتقد أفراد هذه العائلة أن وجودهم بالمقام هو وسيلة للتضرع إلى الله عن طريق الدعاء وقراءة القرآن وتقديم الصدقة وإقامة الحضرة.
ففي اليوم المحدد تقوم العائلة بالتنقل صباحا إلى زاوية "سيدي بوعكازين" وفي غالب الأحيان تكون عائلة الرقيق أو العائلات المنتمية إليها بالقرابة لإعداد مستلزمات مناسبة "الوعدة".
تجتمع العائلة الموسعة من شيوخ وكهول ونساء وأطفال وتقسّم الأدوار فيما بينهم حيث يقوم الرجال بذبح الماشية، في حين تهتم النسوة بتحضير مستلزمات الغَذاء الذي يكون عادة «كسكسي» بلحم الضأن مصاحبا باللبن، وفي الأثناء يدخل الزائرون إلى ضريح الولي فيتلون ما تيسّر من القرآن شاكرين الله على تسهيل محنهم طالبين غفرانه وما يريدون تحقيقه في الحياة الدنيا بـ"بركة" هذا الولي الصالح.
وصف مشهد الحضرة:
تنطلق الفرقة الموسيقية بالعزف حسب رغبات الحاضرين في السماع وعادة ما تكون «النوبة» الأولى بطيئة نوعا ما، ثم شيئا فشيئا تميل إلى السرعة في التحويلة وأحيانا يطلب الزائرون نوبات لا تنتمي إلى حضرة "سيدي بوعكازين" مثل نوبة سيدي منصور أو نوبة سيدي بولبابة.
وعند انطلاق العزف يقترب بعض الأشخاص المعروفين عند العامة بالتخمّر في الشطح وكل حسب "نوبته" فهناك من يرقص على نوبة "عاري على جدي" والآخر على نوبة "ناديت يا بوعكازين"... حيث يمارس كل شخص طقوسه في طريقة الرقص وتحريك الأيدي والأرجل بتناغم كلّي مع الإيقاع، كما يعمد البعض إلى الاستلقاء على الجمر وأحيانا أكله وهو في حالة التهاب.
وتجد أيضا من يستلقي على الأشواك دون التضرّر وهناك أيضا من يرقص بالحلفاء المشتعلة وهي قريبة جدا من جسده، وكل مظاهر التخمر تؤدي في مرحلتها الأخيرة عند التحويلة الى حالة من فقدان الوعي المؤقت، وسرعان ما يقترب أهل المتخمرّ لمساعدته على الوقوف بعد تركه مدة زمنية قصيرة للاستراحة. وأثناء الحضرة يشارك النساء بالرقص والتخمّر ونجد أغلبهنّ تجاوزن سنّ الخمسين وهن يفضلّن في الغالب نوبة "عاري على جدّي".
. وضعية الفرقة:
تتوسط الفرقة الساحة ويكون جل العازفين والمرددين في حالة جلوس في بداية الوصلة إلا عازف «الدربوكة» فهو يبقى على ركبتيه أو على ركبة واحدة لكي يتمكّن من العزف بكل راحة خاصة وأن «الدربوكة» يتم تعليقها على كتفه وهذه الوضعية خاصة بعازفي الحضرة على اختلافها وتنوع نوباتها. وتتكون الفرقة الموسيقية عادة داخل مقام "سيدي بوعكازين" من أربعة مرددين وأربع أو ثلاث عازفين ومن بينهم نجد القائد أو "رايس بندير" وهو الذي ينظم طريقة عزفهم والوقت المناسب للتزين ثم عازف زكرة وعازفي "دربوكة" نجد واحدا منهما مختصا في التزيين والتلوين الإيقاعي. وسوف نتعرض في محور التحليل إلى دور هذا العازف وعلاقته ببقية العازفين. وبعد فترة زمنية تناهز حسب التقريب انتصاف السهرة يغيّر العازفون من جلستهم وتصبح الفرقة في حالة وقوف خاصة مع تغير النوبات والإيقاعات التي تصبح أكثر إسراعا وعادة ما تكون نهاية السهرة أكثر استعراضا حيث يتحول الناس إلى وسط الساحة حيث نجد رقصات جماعية مصاحبة بممارسات خطيرة كالرقص على الجمر والحلفاء المشتعلة والاستلقاء على الشوك..
البرنامج الموسيقي:
فيما يلي جدول مفصل عن البرنامج الموسيقي الذي تعزفه فرقة "الحضرة" المتكونة من 3عازفي بندير - عازف زكرة - عازف دربوكة - 4 منشدين