اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

عـتـيـقـة وصـامـدة الـربـابـة.. آلـة الـنـغـم والـشـجـن فـي الـفـن الـشـعـبـي
إذا لم يأتك الحديث عنها، فهي آلة موسيقية، ليست كأي آلة، إنها من أقدم وأشهر الآلات التي ما زال لها حضور قوي، في مجالس الس...

السلطة العرفية في المجتمعات التقليدية دراسة أنثروبولوجية
من أهم السمات المميزة لمنطقة الجلفة (1) الواقعة بالوسط الجزائري وجود ما يعرف بـ"جماعة الصلح" أو "الجْمَاعَة" كنوع من الق...

من أنواع الزهيري النعماني أو الموّال الأحمر
على مدى أكثر من عقدين من الزمان, وأنا أبحث وأتابع كل شاردة وواردة قيلت عن فن الزهيري سواء كانت رأي أم وجهة نظر تتعلق بنش...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
السيرة الهلالية والتلقي الشعبي دراسة في أشكال الاستجابة الجماهيرية
العدد 38 - أدب شعبي

د. خالد أبو الليل
كاتب من جمهورية مصر العربية

 

يمكن القول - من منظور علاقات القوة بين القارئ/ الجمهور والنص الأدبي المدون- "إن هناك علاقة سيطرة أو تبعية أو تكافؤ بين القارئ والنص"(1)؛ ومن ثم فإن دور الجمهور سلبي في تلقي فنون الرواية والشعر والقصة القصيرة عند قراءتها بمعزل عن مؤلفها. هذا رغم وجود النظريات الحديثة التي تعتد بدور القارئ، وتعتبره قارئا ضمنيا؛ للدلالة على "أنواع البراعة التي يملكها القراء الحقيقيون"(2). وهو- كذلك- القارئ الضمني بحسب إيكو، والقارئ المؤلفي أو الجمهور المؤلفي بحسب رابينوفيتز، والقارئ الصوري عند جيبسون(3).
هذا بالرغم من اختزال دور القارئ في هذه النظريات - خاصة في ظل اختفاء المؤلف الذي يخاطب القراء على نحو مباشر- في مجرد التفسير، وليس المشاركة في إنتاج النص؛ لذلك فإن درجة المشاركة الجماهيرية أعلى مع تلقي الفنون التي تعتمد على الأداء والمواجهة المباشرة، من خلال ردود أفعال الجماهير، مثل الخطب. فالخطب الدينية تعكس مدى تجاوب الجمهور مع الخطبة بالإنصات الشديد تارة، أو باستخدام عبارات "الله"، أو بالتهليل على غرار جمهور الشيخ الشعراوي وما إلى ذلك تارة أخرى. ويحدثنا عماد عبد اللطيف عن التصفيق بوصفه أحد مؤشرات استجابة الجمهور للخطب السياسية بالقبول أو الرفض، من خلال مدة التصفيق أو قوته وانخفاضه، متوقفا عند دراسة ذلك في خطب الرؤساء المصريين الثلاثة: عبد الناصر والسادات ومبارك(4). ويقترب من ذلك جمهور المسرح، من خلال "هذا الدور التفاعلي الجدلي للجمهور"(5). غير أن هذه الأدوار التي تؤكد درجة من الاستجابة، تؤكد في الوقت نفسه قهر الجمهور؛ لأنه لا يملك القدرة على التغيير فيما يُلقى عليه؛ لذلك فإن الأمر مع النص الشعبي والمدونات الإلكترونية مختلف إلى حد كبير. فللجمهور الحق والقدرة على التغيير، والتدخل بإبداء رأيه فيما يعتقد أنه يحتاج إلى ذلك. وإذا كان الأمر مع المدونات الإلكترونية لا يعدو كونه إعجابا Like أو تعليقا Comment أو مشاركة Sharing، فإنه مع النص الشعبي يعد أحد وسائل استمرارية تأليفه واستمراريته، فمع كل أداء جماهيري جديد للنص الشعبي نحن أمام عمل إبداعي جديد؛ نظرا لما يضفيه كل من المؤدي والجمهور مع هذا السياق الأدائي الجديد. ويشير أحمد مرسي إلى أن جمهور المتلقين الذين يستقبلون هذه المادة يعد أحد أهم عناصر العملية الأدائية(6). وما نريد أن نخلص إليه، أن نظريات القراءة المنتجة أسهمت خلال الفترة الأخيرة إسهامات مهمة في السرد، منها أنها "أعادت وضع الكاتب والقارئ جنبا إلى جنب مع النص، بوصفهما عنصرين ينبغي أن يؤخذا بنظر الاعتبار في أية نظرية ملائمة"(7).
تتعدد روايات السيرة الهلالية بوصفها نصا شعبيا بين المدون والشفاهي، وهذه الأخيرة تتنوع أداءاتها، سواء في مصر بين الأداء الجنوبي والشمالي، أو من حيث تعدد هذه الأداءات بين ما هو داخل مصر وما هو خارجها، عربيا كان أو أفريقيا. كل هذا التنوع والثراء الأدائي بين المدون والشفاهي، أو بين الشفاهي الشفاهي، يمنح السيرة الهلالية ثراء وخصوبة في تنوع الاستجابة الجماهيرية لها. والهلالية بوصفها عملا إبداعيا، فإنها بقدر ما تعد نصا أدبيا، فإنها تمثل عرضا شعبيا جماهيريا، وهو الأمر الذي يميز تلقيها جماهيريا عن تلقي تلك النصوص الفردية المدونة، على نحو ما يتميز به عرض الهلالية - وكذلك نصها - من تفاعل جماهيري بين المؤدي/ الشاعر والجمهور؛ إذ يؤثر كل منهما في الآخر، على النحو الذي يترك أثره على النص المروي، وكذلك على نحو تتعدد معه استجابات هذا الجمهور. وبشكل مبدئي يمكن حصر هذه الاستجابات على النحو التالي:
الاستجابة البطولية/ الحماسية
الاستجابة الغرائزية/ العاطفية
الاستجابة الجغرافية
الاستجابة الجندرية
الاستجابة القبلية
الاستجابة الإلكترونية
تسعى هذه الدراسة إلى التوقف عند معالجة أداء السيرة الهلالية في صورتيه الشفاهية والمدونة، معتمدا على عدد من مرويات الهلالية المدونة، وبعض رواياتها الشفاهية المباشرة أو الإلكترونية، التي تمثل جنوب مصر وشمالها، هذا إلى جانب الاعتماد على رواية نيجيرية (عرب الشوا)؛ بهدف إبراز هذا التنوع الأدائي؛ ومن ثم التنوع في استجابات الجمهور المتلقي لها.
1. السيرة الهلالية واستمرارية التلقي الشعبي لها:
يتميز النص الشعبي بتفاعل الجمهور معه - على نحو مباشر - أثناء عملية الأداء؛ ونظرا إلى مرونة النص الشعبي، وعدّه نصا غير مكتمل، فإنه قابل للإضافة والحذف مع كل أداء جديد. ولذلك فمع كل أداء جديد فإننا أمام نص جديد يتشارك في تأليفه الراوي الشعبي والجمهور المتلقي له. إن النص الشفوي عامة، والهلالي خاصة - بحسب قول الحجاجي - "يعاد تأليفه ساعة الأداء، يتم في عملية جدلية بين الراوي والمتلقي. إذا لم تتم عملية التفاعل فإن النص يسقط، فكل النصوص التي في أيدينا هي بصورة أو بأخرى تأليف تم ساعة تسجيل النص أو ساعة أدائه"(8). وبحسب قول Lauri Honko، فإن دور الراوي لا يقتصر على "مجرد مسألة إعادة إنتاج للنص المحفوظ كلمة كلمة ... فالرواية في الحقيقة تولد من جديد مع كل أداء، خاصة تلك التي تُنْتج لتناسب مناسبات محددة"(9). هذا إلى جانب أن الجمهور يعطي لنفسه حق التدخل في عملية الأداء؛ إذ له دور إيجابي في بناء النص الهلالي. ويعطي الراوي - خاصة المحترف - قدرًا كبيرًا من الأهمية لما يثيره من تدخلات وتعليقات وتفسيرات، كأن يوجه سؤاله إلى الشاعر، طالبًا الإجابة عليه، أو موجهًا إليه طلبًا ما، راجيًا منه تحقيقه. وليس على الشاعر إلا أن يمتص كل هذه الرغبات أو التدخلات، محققًا منها ما أمكن تحقيقه. وهو في تقبله لمثل هذه التدخلات، التي تبلغ أحيانًا درجة عالية من الحدة والعنف، إنما يفعل ذلك خشية أن يفسد بعض هؤلاء السامعين جو الحفلة. فالشاعرـ كما يقول محمد اليمني ـ مثل "الجواهرجي"، أي مثل بائع الجواهر، القادر على تمييز الغث والثمين من الجمهور، بقدرته على تمييز الجمهور، ومعرفة من منهم جاء للمشاركة، ومن جاء بغية إفساد الجو العام. وهذا مصدر خلاف مبعثه اختلاف طبيعة السياق، الذى تؤدى فيه الهلالية. وعندما يشعر الشاعر بوجود همهمات وضوضاء بين الجمهور فإنه يتوقف عن الإنشاد، قائلا: "طب ما تصلوا ع النبي"، فيرد الجمهور: "عليه الصلاة والسلام"، فيشيع الهدوء في المكان، فيكمل الشاعر إنشاده.
وعلى نحو ما يمثل الجمهور عنصرا أساسيا في تأليف النص الشعبي وقبوله، ثم تداوله، فإنه يمثل- كذلك - عنصرا رئيسا في نشأة أحد فنون الأدب الشعبي، وازدهارها أو تراجعها أو اختفائها. لذا تجدر الإشارة إلى أن بعض الأنواع الأدبية الشعبية شهدت تراجعا أو ضمورًا شعبيا - من خلال أدائها شعبيا - خلال الأربعين عاما الأخيرة. والسير الشعبية - على وجه الخصوص - أكثر هذه الأنواع التي لاقت مثل هذا الضمور، إلى الدرجة التي تم اختزال فيها السير الشعبية العربية التي كان عددها يجاوز العشر، إلى سيرة شعبية واحدة هي السيرة الهلالية. فكل السير الشعبية، التي من قبيل سيرة عنترة أو الظاهر بيبرس أو الأميرة ذات الهمة أو حمزة البهلوان وغيرها باتت في طي السير المكتوبة بعد أن فقدت وظائفها الاجتماعية؛ ومن ثم لم تعد تُروى شفاهيا.
تعد سيرة بني هلال السيرة العربية الوحيدة التي لا تزال تُروى شفاهيا في المجتمع العربي حتى وقتنا الحالي. فرغم وجود عدد من السير الشعبية العربية الأخرى، فإن معظم هذه السير قد ماتت شفاهيا، وظلت قرينة الكتب المدونة قبل أو أثناء القرن التاسع عشر، ثم بقي منها - على نحو ما يشير إلى ذلك إدوارد لين - أربع سير فقط في القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، هي سير "الظاهر بيبرس"، و"عنترة بن شداد"، و"الأميرة ذات الهمة"، و"بني هلال". ثم حدث أن ماتت السير الثلاث الأولى شفاهيا، خاصة من حيث الأداء الاحترافي، واستمرت واحدة فقط من كل هذه السير هي السيرة الهلالية؛ إذ لا تزال تؤدى شفاهيا حتى الآن، سواء على مستوى الهواية أو الاحتراف، وهو ماأكدته دراستنا الميدانية في عدد من محافظات مصر. فالسيرة الهلالية هي الوحيدة التي تمكنت من تطوير وسائلها وطوَّعت نفسها لتنشغل بقضايا الجماعة الشعبية الراهنة، بخلاف السير الأخرى التي توقفت في حديثها عند الماضي بقيمه وأفكاره، التي لم تتجاوزها.
ولعل من الملفت للنظر أن يحافظ الوجدان الشعبي العربي على رواية السيرة الهلالية شفاهيا حتى وقتنا الراهن دون سائر السير الشعبية العربية الأخرى. فالسيرة الهلالية تتم روايتها منذ القرن العاشر الميلادي. إن هناك عددا من الأسباب الاجتماعية التي ساهمت في استمرار روايتها، وهي أسباب تتعلق بالتلقي الشعبي لها، وتؤكد استمرار الاستجابة الجماهيرية معها؛ لقدرة الهلالية على التفاعل مع معطيات المجتمع وظروفه الجديدة. يأتي من بين هذه الأسباب:

1. إنّ سيرة بني هلال هي السيرة العربية الوحيدة التي تحدثت على نحو موضوعي عن حقيقة الوضع العربي. فلقد تعرضت الهلالية لسلبيات المجتمع العربي وإيجابياته؛ إذ لم تكتف بالتوقف عند الإيجابيات فحسب كما هو الشأن مع بقية السير العربية الأخرى، كأن تتحدث عن شجاعة العربي وكرمه وانتصاراته. فعلى سبيل المثال توقفت الهلالية عند خيانة بعض العرب لبعضهم، والاستعانة بالآخر (دينيا أوعرقيا) لمعاونته على عربي مثله. كما توقفت عند حال الفرقة والانقسام التي تسود المجتمع لحظة النصر؛ لتقسيم الغنائم والمكاسب، والصراع على السلطة، هذا إلى جانب توقفها عند مآثر العرب، التي تقدمها بوصفها قيما اجتماعية مأمولة Prospected social values، يرغب الراوي في أن تسود المجتمع، دون أن يأخذ الحديث عنها شكل التمجيد والمدح لكل ما هو عربي. ويتبدى ذلك الجانب الموضوعي في الهلالية في نهاية الديوان الثالث منها "التغريبة"؛ حيث تعرضت لخاصية مهمة من خصائص العرب، التي تتمثل في أن العربي إذا انتصر في حرب ما أو حقق ما يطمح إليه، لا ينشغل بالمحافظة على انتصاره، بقدر ما يبدأ مرحلة جديدة قوامها التشتيت والفرقة والانقسام مع العرب الآخرين؛ بهدف تقسيم غنائم الحرب، أو الصراع على السلطة. ففي نهاية التغريبة، عندما نجح بنو هلال من الانتصار على زناتية تونس، ودخلوا تونس - التي خسروا في سبيلها أرواحا وبشرا كثيرين، بعد حرب استمرت لسنوات عدة - بعد أن تمكن دياب بن غانم من قتل الزناتي خليفة زعيم تونس، لم يتوقف الراوي الشعبي عند مجرد التغني بالنصر الذي حققه الهلاليون، بل توقفت عند حال الفرقة والانقسام التي سادت المجتمع الهلالي (صورة مصغرة من المجتمع العربي) بعد النصر، حيث سادت لغة الهمجية والاختلافات والقتل بين أبطال بني هلال بدلا من لغة الحوار والحب والتسامح، فيختلفون في تقسيم أرض تونس وقلاعها فيما بينهم، وينتهي الأمر بقتل دياب للسلطان حسن وللفارس أبي زيد الهلالي، ولمعظم أبطال بني هلال، ثم يتولى دياب السلطنة، فيقرِّب إليه أقاربه من قبائل الزغابة، ويسخط على قبائل بني دريد، وهو ما تتم معالجته في الديوان الرابع من السيرة "ديوان الأيتام". فالراوي الشعبي يخصص هذا الديوان للحديث عن هذه السلبية/ الحقيقة؛ حيث روح الثأر التي تتغلغل في المجتمع العربي. ولقد لخص الوجدان الشعبي هذه الحقيقة الاجتماعية في المثل الشعبي القائل "كأنك يا أبو زيد ما غزيت". والمقصود أن العرب/ بني هلال لم يجنوا من غزوهم وانتصارهم سوى التشريد وقتلهم بعضهم البعض والفرقة والانقسام؛ ومن ثم انتهى الانتصار إلى اللاانتصار/ الهزيمة المرة.
2. إنّ السيرة الهلالية لم يصبها الجمود والثبات، بل هي سيرة متجددة بتجدد الظروف الاجتماعية والسياسية في المجتمع العربي. في حين أن غيرها من السير العربية الأخرى أصبحت جامدة، تعبر عن الحال العربي في ماضيه وليس في حاضره؛ ومن ثم فقد أصبحت قرينة المدونات فقط، فأسقطها الوجدان الشعبي العربي من ذاكرته بوصفها نصوصا شفاهية كاملة، وأصبحت مجرد عناوين أو نتفا وأجزاء صغيرة قد يتم ترديدها عند بعض الرواة الهواة بين الحين والآخر. أما السيرة الهلالية فلا تزال نصا كاملا في الذاكرة الشفاهية، أو قل نصا لم يكتمل بعد - على حد قول عبد الحميد يونس - نظرا إلى أنه يأخذ اكتماله من السياق الاجتماعي الذي يُروى فيه. فالراوي الشعبي دائم الحذف والإضافة إليه؛ لذلك فهي لا تزال تُروى شفاهيا - على نحو كامل - عند الرواة المحترفين والهواة. فعلى سبيل المثال، لقد تعرضت كل السير الشعبية العربية المدونة لليهود، ونقلت صورة عنه، تتسم بالموضوعية وعدم التعصب ضده، ولم تعكس هذه السير النظرة الجديدة عن اليهودي، ذات البعد السياسي المتأثر بالوضع الجديد لليهود، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني في القرن العشرين. غير أن السيرة الهلالية هي الوحيدة التي قدمت هذين التصورين في روايتيها المدونة والشفاهية. ففي ديوان "الأيتام" عندما يقتل دياب أبطال بني هلال "السلطان حسن"، و"أبو زيد الهلالي"، فينصح أبو زيد "الجازية" أن تهرب بالأطفال إلى المملكة التي يحكمها شمعون اليهودي، وتحتمي به من دياب. وبالفعل تلجا الجازية إليه، فيدافع عنها في وجه دياب، الذي أثار الرعب في قلوب كل الأبطال المسلمين والمسيحيين. ولقد كان لشمعون اليهودي وزير مسلم اسمه أبو الجود، دون أن توجد غضاضة أوحساسية دينية في ذلك. فاليهودي هو الحاكم، ويتخذ من شخص مسلم وزيرا له، يستشيره في ذلك، ويدافع عن امرأة مسلمة وأطفالها من ظلم بطل مسلم(10). ونظرا إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي فرضت نفسها في القرن العشرين، فإنها قد تركت أثرها على السيرة الهلالية فقط دون غيرها من السير العربية الأخرى. لذلك فهناك عدد من القصص الهلالية الجديدة التي أضافها الراوي الشعبي للهلالية على متنها، وهي قصص لم يعرفها النص الهلالي المدون. إن هذه القصص تصور هذا الوضع الجديد للعلاقة بين المسلمين / العرب واليهود/ إسرائيل، ومنها قصة "أبو زيد واليهودي سريان" للراوي أبو فهيم، وقصة "أبو زيد وفتوح مكة"، وقصة "أبو زيد واليهودي" للراويين نور ملكي، وعبد الناصر حسان، وقصة "دياب والغزالة المسحورة" للشاعر عز الدين نصر الدين(11).
3. إنّ معظم السير العربية كانت سيرا تدور في فلك البطل الفرد الواحد، فعنترة هو بطل سيرة عنترة، وسيف بن ذي يزن، وعلى الزيبق، والزير سالم، حمزة البهلوان، والأميرة ذات الهمة، جميعهم أبطال فرديون في تلك السير التي حملت أسماءهم، وعلى سبيل الندرة أن نجد بعضا من هذه السير يتناول بطلا آخر إلى جانب البطل الأساسي فيها، مثل الأمير عبد الوهاب في سيرة "الأميرة ذات الهمة". كما أن معظم أحداث هذه السير تتم في أماكن محددة، أي ليست متسعة في أماكنها. غير أن الأمر مختلف تماما في السيرة الهلالية، فهي سيرة جماعية تنقل لنا تاريخ قبيلة بني هلال؛ لذلك فهي متعددة من حيث الأبطال، وكلهم يقفون على قدم المساواة؛ لذلك فعنوانها الأكثر شيوعا هو "السيرة الهلالية" أو "سيرة بني هلال". فأبطالها هم "دياب بن غانم"، و"السلطان حسن"، و"أبو زيد الهلالي"، كذلك اشتملت على أبطال ليسوا من بني هلال، فأثنت عليهم مثل "الزناتي خليفة" من تونس، و"الخفاجى عامر" من العراق، و"زيد العجاج" من بلاد الأندرين ونينه "إيران حاليا". كذلك فهي متسعة في الأماكن التي تحدثت عنها، فلقد شملت أحداثها معظم البلدان العربية، مثل السعودية واليمن والعراق وفلسطين ومصر وليبيا ودول شمال أفريقيا، كما اشتملت بلدانا غير عربية مثل فارس والروم واليونان والحبشة. ولقد ساهم هذا التعدد في الأبطال والتنوع الجغرافي في زيادة الاهتمام براوية السيرة الهلالية؛ لأن كل بطل من هؤلاء الأبطال له مؤيدوه حتى الآن من القبائل العربية، فيتعصبون له ويدافعون عنه، ويعتبرونه البطل الأول للسيرة. فقبائل الأشراف مثلا تشجع أبا زيد الهلالي، أما قبائل الأمارة فيشجعون الزناتي خليفة، وتشجع قبائل الزغابة والهوارة الفارس دياب بن غانم الزغبي، والأمر نفسه مع السلطان حسن، والخفاجى عامر. إن كثيرا من المشاكل القبلية قد تنشأ أثناء رواية الراوي للهلالية بسبب التعصب القبلي(12).
4. إنّ الغجر قد تخصصوا في رواية السيرة الهلالية على نحو احترافي، واعتبروها "لقمة عيش"، أو مصدر رزق لهم، يعيشون عليه. فكلمة "شاعر" عندما تُطلق في الصعيد ينصرف الذهن مباشرة إلى ذلك الشخص الذي يقوم برواية الهلالية بمصاحبة فرقة موسيقية، وفي الغالب يصنفه المجتمع على أنه من "الغجر". وخير شاهد على ذلك أنه نظرا إلى اعتماد الفرقة الموسيقية الهلالية قديما على آلة "الطار" في أداء الهلالية وغنائها، فقد انتشر المثل الشعبي القائل: "اللي يضرب ع الطار أصله مسلوب"(13)، وهو ما يؤكد حقيقة الارتباط بين الغجر والهلالية. لذلك فرغم تمسك القبائل في الصعيد بأهمية حفظ الهلالية، وبأهمية روايتها في نطاق أسري أو عائلي، فإنهم يقفون بقوة ضد من يرغب من أبنائهم في أن يصبح شاعرا محترفا، يتكسب من غنائه بالهلالية؛ ذلك لأن المجتمع سيصنفه - عندئذ - على أنه "غجري"، وهو ما سيجلب العار على القبيلة كلها، وهو الأمر الذي ترفضه القبيلة كلها؛ لذا تقرر القبيلة التخلي عن هذا الشخص وطرده من القبيلة، حال إصراره على أن يكون شاعرا. وبسبب أن الهلالية قد أصبحت مصدر رزق بالنسبة إلى هؤلاء الشعراء/ الغجر، فإنهم قد تمسكوا برواية الهلالية، وحرصوا على أن تظل مستمرة في المجتمع المصري، تعبر عنه وعن قضاياه المعاصرة، فغيروا في مضمونها على النحو الذي يتماشى وطبيعة المجتمع المصري الحديث؛ وذلك حتى يظل لها صلة بالجمهور، فيحرصون على دعوة هؤلاء الشعراء على إحياء مناسباتهم الاجتماعية والدينية، مثل الأفراح والختان والموالد.
5. أن السيرة الهلالية سيرة شعرية، تعتمد بنسبة كبيرة على الشعر، وفي أحيان قليلة على النثر؛ ولذلك يطلق على رواتها اسم الشعراء (أو الشعرا). وتسمية روايها بهذا الاسم مصدرها أنهم يعتمدون في سرد أحداثها ووقائعها بنسبة كبيرة على الشعر المغنى على الرباب، الذى يُطلق عليه (الرباب الأبوزيدي) نسبة إلى بطل السيرة "أبو زيد". وربما يكون من أهم أسباب بقاء الهلالية واستمرار روايتها ـ حتى اليوم ـ هو زيادة نسبة الشعر فيها، وغناؤه على آلة الرباب؛ نظرا إلى ميل الجمهور إلى هذا النوع من الأداء الإيقاعي، خاصة في ظل هذا التنوع الإيقاعي بين القصيد والموال والزجل والمربع بأشكاله المختلفة. ومن هنا تأتي أهمية تفرقة "لين" بين "الشعراء" و"المحدثين". فالنوع الأول وسيلته إلى الجمهور "الشعر"، الذى لا يخلو من "النثر" في بعض المواقف، في حين يتوسل النوع الثاني بالنثر الذى لا يخلو من الشعر في بعض المواقف(14). وبكل تأكيد فإن طبيعة الشعر الذي تُؤدى به الهلالية الآن مختلف عن الموجود في المدون؛ إذ يشيع الموال في رواية الوجه البحري، في حين يشيع المربع الشعري في رواية الوجه القبلي، هذا إلى جانب الأشكال الشعرية التقليدية التي تظهر في مواقف معينة مثل القصيد والزجل.
وإذا أضفنا إلى هذا التنوع الإيقاعي في السيرة الهلالية، التنوع في أشكال روايتها، وكذلك تنوع مضامينها، فإن كل هذا يلقي بظلاله على تنوع أشكال الاستجابة الجماهيرية لها، وهو ما نعرض له في السطور التالية.

2. الاستجابة البطولية/ الحماسية
تخاطب السيرة الهلالية جمهورا ناضجا معظمه من الرجال، وليس من الأطفال على نحو ما يتمثل ذلك في جمهور الحواديت(15)؛ ومن ثم يعد إلهاب حماس قطاع من هذا الجمهور أحد وظائفها التي تسعى إلى تحقيقها عند جمهورها. وتعد مشاهد الحروب فيها من المشاهد التي تلعب دورا مهما في إلهاب حماس هذا الجمهور، والتي يتفاعل معها الجمهور بدرجة كبيرة. فسيرة بني هلال عبارة عن سلسلة من الحروب، فما إن تنتهي حرب إلا وتبدأ أخرى على نحو أشد. وهذا ما ترويه الهلالية في مراحلها الأربعة "المواليد، والريادة والتغريبة والأيتام"، سواء في نصوصها المدونة أو رواياتها الشفاهية. ويعد مشهد الحرب من أكثر المشاهد اختلافا في إيقاعه الموسيقي والصوتي، وفي محاولة الراوي أن يتقمص شخصية المتبارزين، معتمدا على تمثل هذا المشهد تمثلا دقيقا، مستخدما يديه تارة، وقوس الربابة تارة أخرى بوصفها سيفا، وقد يساعده بعض أفراد فرقته الموسيقية في إلهاب حماس الجمهور، ذلك الجمهور الذي ينتظر هذا المشهد بشغف كبير، ويتفاعل - في إنصات شديد - مع هذا المشهد. ويكفي أن نضرب مثالا هنا بالتوقف عند وصف مشهد حرب - من بين مشاهد الحروب المتعددة في الهلالية - وهو مشهد وصف حرب في السيرة الهلالية الشفاهية، للشاعر محمد اليمني(16)؛ حيث يخوض البطل أبوالحلقان بن أبي زيد الهلالي حربا شرسة ضد الفارس سلمان– أحد قطاع الطرق- من أجل ابنة عمه سبيكة ابنة السلطان حسن بن سرحان؛ دفاعا عن عرضه وشرفه. وسنعرض لهذا المشهد الوصفي للحرب كاملا - رغم طوله - لتأكيد تركيز السير العربية على إبراز مشاهد الحروب وتكرارها؛ تلبية لغرائز وقيم شعورية ولاشعورية في نفوس الجمهور المتلقي لها، على رأس هذه القيم - بالطبع - قيمة الفروسية.
ونزلوا مع بعض لتنين
يا لطيف يلاَّ السلامه
من الصبح لما أضلم الليل
وبانت هوايل القيامه
* * *
ولتنين عطوها لفَّات
لتنين عطوها لفَّات
وداقوا كاسات الندامه
عيكوشوا على بعض كِي آفات (كِي: مثل)
وسلمان وابن سلامه
* * *
خلوا الطعن يا اخي تاني يوم
يادي العچب والعچايب
آهو الحلو ذاقوه علقوم (علقوم: علقم)
وواقفه عموم الحبايب
* * *
وقَّفوها تالت يوم
الطعن يا اخي تالت يوم
وتاچي العواقب سلامه
وملمومه كل القوم
وحده خلوفة سلامه
* * *
لما تعب منهم دا لحصان
الحصان تعب دا منهم
وسلمان أبدىا يقول إيه:
يا ولد تاخد ولا تچيب؟
إكْفايه تلات ليالي
أنا امْعايا نا دابوا الجلاليب
إتچيب يا ابن الهلالي
* * *
يا ولد إتچْيب ولا تلقىا؟
إتْچيب ولا تلقىا يا واد؟ هنا الولد أبدى يقُلُّه:
وفِ السن أنا اقل منَّك
وع اليد ماسك اليماني
إنت هات واتلقَّىا منَّك
ولد يوم عيشش يوماني
* * *
هنا سلمان صرخ لما چاه
علىك قد عينه ماشايف
وعقف له السيف مِناداه
وييچي مقدم العود هايف
* * *
اتعدل تاني عمل كيف؟
قال: المولى يلطف بحالي
وسلمان لما عقف السيف
خلا منُه ابن الهلالي
* * *
وشيَّع له التلاته عدُّوا
وشيَّع له التلاته عدُّوا
قال: المولىا يلطف بحالي
وعيب اللى يخلف معادُّه (معادُّه: موعده)
يا يتمكم يا عيالي
* * *
وسلمان لما هافوا مِنِّيه
وتاچي العواقب سلامه
ابن ابو زيد عقله شت مِنِّيه
وناوي يسقيه الندامه
* * *
قلُّه: يا هلس اتلقَّىا مِنِّي
ما احلاك ياما احلى شبابك!!
وعقلي لما شت منِّي
في يومي لأعدم شبابك
* * *
إنت فاهم دِيَّ مِنِّين؟
إنت فاهمها ديَّ منين؟
وانت سبع فوق البهيمه
إُبقى اسأل شوفها مِنِّين؟
واديك وقعت فِ جريمه
* * *
الولد اتعدل واهو چاه
ابن ابو زيد اتعدل واهو چاه
وع اليد ماسك اليماني
وعقف له السيف مناداه
قام چابه تلات كيماني
* * *
وقع قائد الجيش ولَّت القوه
والولد جسمه ما حامل خلايق
الولد أبو زيد چاته شده بقوه
فيكم ما ابقِّي خلايق
إن أداء الشاعر لمشهد الحرب السابق لا يقتصر على الإنشاد فحسب، الذي قد يبطِّئ إيقاعه تارة أو يسرِّعه تارة أخرى، بل يقوم بالتمثيل على خشبة المسرح، وتجسيد أدوار الشخصيات المختلفة في السيرة عن طريق الاعتماد على جسده (الأيدي والإشارات والإيماءات والعيون وتغيير نبرات صوته .... إلخ)، أو من خلال الاعتماد على العصا التي يمسكها، بتحريكها يمينا وشمالا، أو إلى أعلى وأسفل، أو بالاعتماد على قوس الرباب، أو أحد أعضاء فرقته.
وتنبغي الإشارة إلى أن عادة استخدام العصا والأقواس عادة عربية صحراوية شفوية، يعرفها العرب منذ العصر الجاهلي أثناء إلقاء الشعر. فـ"عرب الصحراء كانت لديهم عادة عجرفية بالتلويح بالأقواس والعصي في أحاديث وإنشادات الشعر العلنية وذلك من أجل التأكيد وربما بمثابة أداة عون إيقاعية"(17). وقد اتخذ الشعوبيون من هذه العادة دليلا على أنها علامة تخلف العرب، فاتخذوها ذريعة للهجوم على العرب ورميهم بالتخلف. غير أن هذه العادة لها علاقة قوية بطبيعة المجتمع العربي الشفاهي؛ إذ كانت أداة عون للذاكرة والإيقاع؛ ومن ثم فإن لها دلالة خاصة إذا ما قورنت بالحقائق المدونة. إن "الشعراء قد استعملوا مثل أدوات العون الإيقاعية هذه في العصر الجاهلي كما استعملها أيضا الكهان والأنبياء. إن أدوات العون الإيقاعية ضرورية لنظم الشعرالشفوي. وقد لاحظ لورد أنه عندما يجرد المغني اليوغوسلافي من الأداة الموسيقية المصاحبة له فإنه يفقد دقته، ويبدأ في إنتاج ابيات غير منتظمة، نصفها نثر ونصفها شعر. ومن حسن الحظ فقد دونت لنا الشعوبية تلك العادة وذلك سخرية منهم بها. لقد ميز الجاحظ (المتوفي سنة 869 م) - والذي يُفترَض أنه شاهد إبداعات البدو للشعر الشفوي - بين النظم الشفوي والنظم المتعلم، وذلك في دفاعه عن العرب ضد الاتهامات المناوئة التي كانت تثيرها الشعوبية"(18).
وتجدر بنا الإشارة إلى أن التركيز على مشاهد الحرب يمثل تيمة رئيسية في كل السير الشعبية العربية، باستثناء سيرة واحدة تتوسل للوصول إلى أهدافها بالمعرفة والعقل، بدلا من القوة والحرب، وهي سيرة "علي الزبيق". ولعل ما نريد أن نؤكده في هذا الشأن، أن مشهد الحرب يعد تقنية أساسية تقوم عليها السير العربية، وتشترك معها فيه الملاحم الغربية، هذا بالرغم من اختلاف أسباب هذه الحروب، وأشكالها(19).

3. الاستجابة الغرائزية/ العاطفية
يتمثل أحد جوانب استجابة الراوي الشعبي للجمهور في تلبيته رغبة الجمهور في الاستماع إلى إحدى القصص الهلالية التي تغطي احتياجا غرائزيا؛ نظرا لما تتضمنه من وصف تفاصيل جسد المرأة وصف حسيا. فمشهد وصف المرأة يحظى بحالة من الشغف الجماهيري، الأمر الذي أدى بجمهور ليس جمهور السيرة الأساسي إلى اقتطاع هذا المشهد الوصفي وتوظيفه توظيفا جماهيريا مختلفا في صعيد مصر عبر وسيلة الـ D.G، واستخدامها في الأفراح ذات الطابع الحداثي المغاير للطابع التقليدي الذي تؤدى فيه الهلالية. ففي هذه الأفراح التي تُعقد في المدن، والتي تستخدم أغاني أفراح من الأغاني الشائعة(20) وليست الشعبية، والتي لا يُستخدم فيها الراوي الشعبي أو السيرة الهلالية. ففي مثل هذه الأفراح لاحظ الباحث أن السيرة الهلالية تُختزل في هذا المشهد الوصفي المقتطع لجمال المرأة. كما لاحظ - أيضا - أنه بالرغم من اقتطاع هذا المشهد من سياق استخدامه الطبيعي في الهلالية؛ إذ أصبح مقطعا غنائيا مستقلا، فإنه يحظى بالجماهيرية نفسها بين قطاع الجمهور المغاير. وعادة ما يكون هذا المقطع - سواء في أدائه الطبيعي أو المقتطع - مصحوبا بتراقص الجمهور، ممسكين - أحيانا - بالعصا في أيديهم، ويحركونها على نحو يكون مصحوبا بتمايل أجسادهم يمينا وشمالا في حالة أشبه ما تكون بحالة الوجد الصوفي. وتتعدد مشاهد وصف جمال المرأة في السيرة الهلالية، من ذلك وصف الجازية ابنة السلطان سرحان، ووطفا ابنة دياب بن غانم، ودوابة ابنة الخفاجى عامر، وعزيزة ابنة السلطان معبد، وغيرهنَّ الكثير. ومن بين استخدامات هذا المشهد ما جاء على لسان الراوي الشعبي محمد اليمني في وصف جمال سبيكة ابنة السلطان حسن بن سرحان، عندما أراد أن يصفها أبو الحلقان لأبيه أبي زيد الهلالي؛ ليقنعه بضرورة الزواج منها. والمشهد يتناول عناصر جمال المرأة العربية المتوارثة؛ إذ يصف المرأة من رأسها حتى قدمها، مرورا بكل تفاصيل هذا الجسد العربي.
"قوم ابو زيد قله: يا واد شفتها بعينك انت؟.. قلُّه: واتملِّيت فيها، قلُّه: طب ممكن توصفهالي؟.. أشوف ذوقك ليه معنى ولاَّ چبان؟ أوصفهالي.. فقال ايه الواد لابوه.. لما عاوز الصبيه.. هيزيدها حلاوه.. صلِّي عليه..
قال: چميله وكامله الزين
مليحه بنت السلطان
يا بايا لابسه قميصين
على دوله لابسه فستان
* * *
لابسه من الطباطيب
كل بدله وليها ألوان
طالقه مسك وطيب
باليلك مع القمصان (اليلك: القميص)
مِنْ شافها العليل يطيب
لو كان سنتين عيان
يا ليل . . يا ليل . .
الواد اللى عيوصفها وأبو زيد يسمع الوصفه.. يتماوچ يمين وشمال
لابسه توب عين الحمامه
يا دوبك ع الجسم بان
يا بايا وتوب خفيِّف
عچبتني بنت السلطان
من شافها ابو عقل خفيّف
يسيب خلقاته ويطير عريان (خلقاته: ملابس)
يا ليل يا ليل يا عيني يا عيني..
يا ليل . . يا ليـ . .
عاصبه العاصبه محلاوي (عاصبه: تعصبت، أى ربطت شعرها وغطته بغطاء شعرها)
عاطياها تكْيه شمال (تكيه: ربطة شعرها)
بلاوي يا دنيا بلاوي
عليَّ حكمت ليَّام (ليام: الأيام أي الزمان)
يا ليل . . يا ليل . . يا ليل . . هيه . .
قلُّه: فيها شعر أصفر
تقول سلب چمال
وفيها الجبين واسع
يا بايا هلال شعبان
عليها الأنف طيِّب
تقول بلحه من الشام
فيها جوز عيون
تحلف تقول عيون غزلان
يا ليل يا ليل . .
الواد قعد يوصف فيها لأبوه.. علشان أبوه يقتنع، ويچيبهاله..
قلُّه: فيها فم ضيق
تقول: خاتم سليمان
إسنانها فيها ظَبْيه
حبيبي لولي ومرجان
فيها الرقبه طويله
حبيبي الصايغ نعسان
عليها صدر واسع
تقول بلاط حمام
تنزل تلقى جنينه
فيها خوخ وفيها رمان
اللى معاه واحده غشيمه
من دلوق يلقالْها مكان
يا ليل يا ليل يا عيني يا عيني.. آه.." (21)
* * *
ومن الأجزاء التي تلقى جماهيرية كبرى تلك المواويل التي تتغنى بــ "عــزيــزة" ابنـة السلـطــان مـعــبد، خاصة في علاقتها بيونس، أو المــواويــل المــرتبـطة بــ"دوابة" ابنة الخفاجى عامر، خاصة في حزنها على فراق أبيها. وتنبغي الإشارة إلى أن معظم هذه المواويل انفصلت عن نص السيرة الهلالية، وصارت مستقلة. من هذه المواويل، ذلك الذي تتحدث فيه عزيزة مع يونس بعد لقائها به، وهي تخبره بأنه لن يرى أهله في نجد مرة أخرى؛ إذ ستحبسه في قصر أبيها الذي بناه له؛ ليكون يونس مِلكا لها، لا يشاركها فيه أحد.
عزيزه قالت: يا يونس ادخل قصرنا شوفه
واشرب عندنا الشاى.. هات العقد أنا اشوفه
من يوم هويتك حرام النوم ما بشوفه
قلت له: يبقى كده الهجر يا ابن الكرم والمجد؟
أبويا راجل سلطان صاحب كرم ومجد
آنا اقُلَّك الجد حرمت عليك نجد..
حتى الشرق ما تشوفه
* * *
ومن ذلك - أيضا - حديثها مع الدلال الذي جاء ليخبرها عن عقد يونس، فراحت تسأله عن صاحب العقد، وحالها بسبب سماعها عنه، وبعده عنها.
عزيزه قالت: يا دلاَّل خلِّي العُقد مطراحه
كلِّمنى بالصدق يونس فين مطراحه (مطراحه: مكانه )
من يوم هُوِيته وانا ع الفرشه مطراحه
(مطراحه: مطروحة وملقاة)
قلت له: دانا بنت معبد ومن دون البنات زينه
أبوي بنىا لي قصر ومن دون القصور زينه
طلبت منُّه الوصال.. ما رْضيش بالزينه (بالزينه: بالزنا)
لاخده ف سفينه وابويا يسد مطراحه
* * *
ومن أكثر القصص الهلالية التي لاقت قبولا جماهيريا، وطلبا من الجمهور بالاستماع إليها، قصة "زيارة بنات هلال للمساجين في تونس". ولعل مشهد الحوار الغنائي الغزلي بين منصور بن عمارة، بواب تونس، والجازية ابنة السلطان سرحان، هو أكثر المشاهد التي ينتظرها الجمهور، لما يشتمل عليه من عناصر إيقاعية وغنائية. فهو يتخذ من الزجل شكلا شعريا. والملفت للنظر أن هذه الحوارية الغزلية وردت في النسخة الهلالية المدونة، وحافظت عليها الروايات الشفاهية في دلتا مصر وصعيده؛ وذلك من خلال المحافظة على الشكل الشعري الزجلي نفسه، وبعض المفردات والتراكيب اللغوية. على الرغم من أن الشائع في بعض القصص المتشابهة، ثمة محافظةٌ على المضمون العام للقصة، مع اختلافات لغوية أو اختلافات في الشكل الشعري المستخدم، لاسيّما في ظل غلبة شكل القصيد على النسخ المدونة، والمربع على رواية الصعيد، والموال على رواية الوجه البحري.
ينتظر الجمهور بشغف وصول الراوي إلى هذه المحاورة الغنائية، التي تتخذ من الزجل شكلا لها. ذلك الشكل الذي يتكون من أربعة أشطر، تتفق ثلاثة منها في قافيتها، وتختلف قافية الشطر الرابع معها، ولكن قافية الشطر الرابع تتكرر في نهاية الشطر الرابع لمربعات القصيدة كلها. وهذه المحاورة كتبها المدون - في التغريبة - في شكل نثري، ولكن بعد إعادة كتابتها في شكل شعري، سنجدها تأخذ الشكل الشعري التالي:
يا بـوَّاب صـــاره افــــــتـــــح للــــــــعــــــــــذاره
حنـــا مـشنــدر(ه) إلــــــى حــــــــــد الـــســـوره
وروحي يا ظريفه شـــاوري لـــنـــا خـــلـــيفـــه
لــه حـربه رهيــفه تـــقـــســــــــم الحـــــجــــــــاره
يا بــوَّاب منـصور افتـــــــح بـــــــــاب السُّـــــــور
ندخـــل بدســتـور ونــبـيع العطــاره... إلخ(22)
وتتوالى - بعد ذلك - مربعات القصيدة، مختلفة في أشطر المربعات الثلاثة الأولى من كل مربع، ومتفقة في قافية الشطر الرابع.
وفي الروايات الشفاهية المعاصرة، لا تزال تلك الحوارية تحظى بالجماهيرية نفسها، ففي صعيد مصر تأتي روايتها على النحو التالي: "قلت له: دا انت شاعر مليح وقولك صحيح، ولسانك فصيح، تعا نغني ع الحرف، قلَّها: أنهي حرف؟، قلَّها: حرف الراء، قلت له: ما اسمك؟؛ علشان اقلَّك: يا فلان بنظام، قلَّها: اسمي منصور بن عماره، قلت له: يجعلك ع العدا منصور، وعليك عمار الدياره..
افــتـــــــح يــــــــــا منـــصـــــــور افتح باب السور
سنخشُّو بدستور (يا حبيبى) ونبيـعـو العـطاره
تكرر الفرقة المربع السابق(23)
يـــــــــا إبــــــن عمـــــــــــــاره يــــا بـــواب العــمـــاره
وتـــســـعـــــــين صـــــــبـيَّـــه ما توقَّفناش حيارىهـ
يـــــــــا إبــــــن عمـــــــــــــاره يــــا بــــوَّاب العمــــاره
انظر الشعور (يا حبيبي) وعلى صدر العذارىهـ
قال: بابي ما افتـحوشي لِلِّــــي مــا اعـرفوشي
خـليـفه مــا اضـمنهوشي ليـمـــوَّتـنـي خـســــاره
تكرار من الفرقة
قلت له: افتح ما تخافشي إياك انت ما تعرفشي
شــــوف الحـنَّه الـبلـغشـي في إيــديـن العـــذارى
تكرار من الفرقة
قال: ما افتحشي يا ظريفه خــــايـــف مـــن خـــليفه
ليـــــــــه حــــــــربــه رهــيــفــه تنــــفـــد فــِ الحـــجـــاره
قلـــت لــه: افتـح يــا حبيبي يـــا مســكي مـع طـيبي
خـــدتـــك مــــن نـصـــيــبــي علــيك عــمـار الــديـــاره
تكرار من الفرقة
قلت له: خايف يا ظريفه خـــايـــف مـــن خلـيــفه
ليـــــــه حــــربــه رهــيــفــه تنــــفـــد فــِ الحـــجـــاره
يــــــا ســــت الصـــــبـايـــا مـــا تغـنِّــيــش مـعايـــا
شوف الجاز قلت له إيه.. هِهْ...
افـــتــح يــا نــــور عـينـي افتـــح وانــظـر زيـنــي
فيــه بيــنــك مــا بــينــي قعــده بـالاختـصـاراهـ
قلَّها: إيه اللى تقوليه.. إيه الكلام الحلو ده اللى عتقوليه دي؟!!.. قولي الكلام دا تاني يا جاز.. قالت الجاز:
افـــتــح يــا نــــور عـينـي افتـــح وانــظـر زيـنــي
فيــه بيــنــك مــا بــينــي قعــده بـالاختـصـاراهـ
قـــال: البـــاب فـــتحـــنـا ومعــاكِ اصــطـلـحنـا
إن شلَّه خلـيـفه يدبـحنا في حبك مش خساره(24)
وفي الوجه البحري (دلتا مصر) يحافظ الرواة الشعبيون على القصة نفسها بتراكيبها اللغوية وإيقاعها، وتأتي الحوارية على النحو التالي:
"الجازية نقَّتْ تمانين صبية من بنات هلال، ولبستهم أحلى الحرير... الجازية قالت له: بقى تِقْفِل فى وشى الباب وأنا شاعرة بنت شاعر، قال لها: وأنا شاعر ابن شاعر، وجَدى شاعر كمان، قالت له: افرش وأنا أغطى عليك، قال لها: لأ الفرش على الحريم والغطا على الرجال.
فالجازية قعدت تِغَنَّى عليه تقول، وصلي على طه الرسول...
افتـــح يـــا منـــصـــور افــتــــح بـــاب الســـور
نـــدخـــل بـــدســـتــور نــبيعــــــوا العـــطـــــــارة
رِيَّــــــة قُبَـــــــــالَــــــــكْ النـــاعســـة تِسَــــــالَــكْ
نفســـى في وصــالك يـــــــا ابــــــن الأمـــــــارة
افـــتــــــح لاتـــبـــالـــى حـــالك مثـــل حـــالـــى
أهـــنيـك بوصـــالــى ليـــلــــــــــــى ونهـــــــــــاره
روحـــــى يـــاصـــبيــة شـــورتــــــك رضـــــــــية
معاكم عيال أبو رية يخـــربـــوا الـــديــــــــارة
روحـــى يـــا ظـــريفة خـــايف مـــن خلـــيـــفة
لُـــه حَـــرْبَـــة رهــيفة تِفْلَــــق في الـــحـــجـــارة
افتـــح لا تــخافــشى أوريــــــك نقـــــشــــــــــى
الحـــنـــة بـــلاقـــشى طــــيـــــــب العــــــــــدارة
افتـــح يـــا حــبـيبـــى يــــا مسكـــــى وطيبــــى
وآخدك من نصيبى يـــــا ابــــــــن الأمــــــــارة
رُدْ عَـــــــــلَـــــــــــيَّـــــــــه وإنتَّ فى قلبك حجارة
البـــــــــــواب هَـــــــــامْ خــــد المفـــتـــاح وقــــام
فــــــتـــــــــح البــــــــاب ســـابــه عـلى العمـــارة
خُشـــوا يـــا صبـــاية خُشــــــوا يـــــــا بنــــــات
سَــابْ الباب مفـتوح عشـــر تيـــام جهــــــارة
خَشُّوا الصباية زيدوا النبى صلاة، أول ما دَخَلْوا البواب على الجازية اتقدم، الجازية قالت: إلحق يا أبو زيد يا أسمر الألوان، أبو زيد جِه راكب المهرة وسَاحِب السيف وضَرب البواب على رقبته طيرَّها زى الخِيَّارة"(25).
لقد حافظت الروايات - جميعها - على اسم البواب (منصور بن عمارة)، وكذلك حافظت على حرف الروي (القافية)، (...ـاره). وواضح أن محافظة الروايات على هذا الشكل الشعري الزجلي، ناتجة عن (ميل المنشد إلى الترويح عن نفوس المستمعين في موقف من مواقف الصراع النفسي)(26). ويتأكد لنا رأى عبد الحميد يونس - السابق - فى ربطه هذا النمط الشعري بالترويح النفسي عند الجمهور، من خلال تعليقات الشعراء أو عباراتهم أو طرق أدائهم الترويحية للقصة السابقة، أثناء الأداء، أو عندما يطلب أحد الحاضرين من الراوى/الشاعر إنشاد تلك القصة، أو من خلال مصاحبة ذلك الأداء بتراقص الجمهور على إيقاعها مع ترديد بعض أجزائها. فالشاعر عنتر رضوان علق على رغبة صاحب المناسبة التي كان يحييها، عندما طلب منه أن ينشد قصة "زيارة المساجين"، بعد ما بدأ في قصة أخرى، علق واصفًا صاحب هذه الرغبة "أصله نفسه خضرًا" (أي محب لقصص النساء)، ثم بدأ في إنشادها. ويعلق الراوي "عقل اسماعيل" في نهاية روايته، واصفًا "منصور" عندما همَّ بفتح الباب للبنات، بقوله: "سل لخضر"، والتي قوبلت بضحك من الحاضرين.

4. الاستجابة الجغرافية
تشيع رواية السيرة الهلالية شفاهيا في معظم أنحاء العالم العربي، هذا إلى جانب روايتها بين عدد من الشعوب الإفريقية. ويقوم الراوي - في كل رواية منها - بمراعاة ظروف كل مجتمع تُروى فيه. ففي المجتمع الفلسطيني - على سبيل المثال - يصبح أبو زيد الهلالي هو نفسه شخصية الفدائي، الذي يدافع عن وطنه الفلسطيني المغتصب. وإذا كانت قضية أبي زيد في المجتمعات العربية ذات البشرات المفتوحة اللون تتمثل في سواد بشرته، والدفاع عن نسبه وشرف أمه، فهذه ليست قضيته في المجتمعات الإفريقية ذات البشرة السمراء، التي لا يمثل فيها سواد بشرة أبي زيد شذوذا؛ ومن ثم تصبح قضية البطل ليست في سواده، وإنما في قوته المفرطة، التي ترعب والده رزق بن نايل. هذا ما تذهب إليه رواية عرب الشوا بنيجيريا للسيرة الهلالية؛ إذ لم تتطرق إلى سواد بشرة أبي زيد الهلالية؛ ومن ثم تَمثَّل سبب الأزمة التي وقعت بين أبي زيد عقب ولادته مع قبيلته في القوة المفرطة التي اتسم بها هذا المولود، على النحو الذي أخافت أباه رزقا وقبيلته، مما ترتب عليه رحلة الغربة، ولكنها غربة القبيلة عن الطفل، وليست غربة الطفل عن القبيلة؛ حيث إن القبيلة هي التي رحلت عن المكان تاركة الطفل وأمه والعبدة. ولم يأت هذا الاختلاف بين الروايتين إلا بسبب الاختلاف الثقافي بينهما، فسعت إلى مراعاة طبيعة الجمهور المغاير ثقافيا للجمهور العربي. فالرواية العربية التي اتخذت من السواد سببا لغربة البطل مرتبطة بوضعية الأسود الاجتماعية، تلك الوضعية التي تقرن الأسود بمجموعة من الصفات السيئة على النحو الذي تقرنه بالعبودية والخيانة والتدني الطبقي. ونظرا إلى استشعار الوجدان الشعبي العربي لخطورة هذه العنصرية اللونية في المجتمع، وما سيترتب على ذلك من إقصاء اجتماعي وتهميش لطبقة كبيرة في المجتمع، وهو ما ينذر بعواقب سيئة في المجتمع تؤدي إلى تفتت المجتمع وتقسيمه، هذا في الوقت الذي كان ينحو فيه المجتمع العربي نحو التوحد والتجمع لمواجهة العدو الأجنبي الذي يهدد الوجود العربي؛ لذا انتصرت هذه السيرة لحاملي هذا اللون، ورسمت صورة حامله بالمنقذ والبطل المخلص لأمته. ورغم أن النص الشعبي يحمل تشابهات عالمية كثيرة، فإن هذه التشابهات لم تلغ خصوصية البيئة، التي يُروى فيها هذا النص، وطبيعة الجمهور المتلقي له بخلفياته الثقافية والاجتماعية. وهو الأمر الذي ينطبق - ثقافيا - على رواية الهلالية في نيجيريا. فعدم وجود هذه العنصرية اللونية في المجتمع النيجيري؛ ونظرا إلى تجذر اللون وترسخه في البيئة النيجيرية، بل نظرا إلى عدم وجود ثنائية لونية - كل هذا - أدي إلى عدم الإشارة إلى لون أبي زيد أو لون الطائر الذي توحمت عليه خضرة الشريفة مع نساء بني هلال في هذه الرواية، مما أدى إلى اختلاف سبب غربة البطل(27). وتذهب هذه الرواية إلى أن أبا زيد كان "من أولاد بني هلال، واسم أمه أندة. واسم أم دياب بزلة. ودياب ابن عم أبو زيد، بمثابة أخيه. وفي البداية قبل أن تحمل أمامهما بهما، قالت أندة: تعالي يا بزلة نرد (الماء) لنغسل ملابسنا، كعادة النساء. قالت لها بزلة: نعم. وحملتا أوعيتهما، ووردتا للبحر (= النهر). فوجدتا فرسا ميتة، تأكل فيها الطيور. وكانت (الطيور) جماعة. ثم جاء واحد من الطيور (جسور) طرد سائر (النسور، وقعد يأكل وحده). حين رأت بزلة هذا قالت لأندة: يا أندة، في طهري هذا، إذا حملت بولد، أريده أن يكون جسورا مثل هذا النسر وأسميه دياب. في الآخر، هبط طائر طرد هذا النسر وأمسك بالفرس ورفعها وحطها ثلاث مرات. حين رأت أندة هذا قالت لبزلة: يا بزلة، أريد في طهري هذا، يكون لي ولد فحل ومنيع مثل هذا النسر أسميه أبو زيد. وغسلتا ملابسهما وملأتا جرتيهما وحملتاها. وعادتا إلى بيتيهما. وحملت كل واحدة منهما في طهرهما هذا وولدت ولدا. أسمت بزلة وليدها دياب. وأسمت أندة وليدها أبو زيد..."(28). وتحافظ الرواية النيجيرية على الخط السردي العام لأحداث السيرة، دون أن تؤثر عليه ما تحدثه فيها من تغييرات تلائم الخصوصية الثقافية للمجتمع النيجيري الراوي لها، وعلى نحو يواكب استبدال اللون الأسود، ذلك العامل الأساسي وراء أزمة أبي زيد في المجتمع العربي بالقوة المفرطة له التي تكاد أن تلتهم كل قبيلة بني هلال إذا كبر في كنفها. ويشير الحجاجي إلى ذلك الاختلاف الثقافي، الذي ترك أثره في النص الهلالي في البيئتين؛ حيث - بحسب قوله - "تجاوزت رواية عرب الشوا عن سواد أبي زيد، فهو ليس موضوعا من موضوعات السيرة وهذا متسق مع الرواة، فأبو زيد الهلالي هناك هو فعلا عربي ولكنه من العرب الأفارقة، والعرب الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى قد اكتسبوا السواد، ومن الصعب فصل ألوانهم عن غيرهم من الأفارقة، وقد حدث تحول درامي من مشكلة سواد الطفل إلى مشكلة قدرة الطفل الفائقة حتى خاف منه الأب"(29).
وفي داخل مصر، تختلف رواية الوجه البحري عن نظيرتها في الوجه القبلي، سواء من حيث الشكل أو المضمون أو طبيعة الأداء. فمن حيث الشكل، يشيع في رواية الوجه البحري القصيد والموال، في حين تغلب رواية الوجه القبلي بالمربع. فمثلا القصيد التالي نجده في رواية بحري:
لا ينام الليل إلا أبو قلب خَالى
واللى عليه الحِمْلْ النوم منين جَاه
يُحْرُمْ على عينى النوم ما هى شَايَفْاه (30)
في حين يُروى في الوجه القبلي بالمربع التالي:
بلاوي يا دنيا بلاوي
عليَّه وحكمت ليام
ينام الليل أبو قلب خالي
عوّال الهموم ما ينام
ونستطيع أن نتلمس ذلك الاختلاف الشكلي في رواية قصص هلالية كاملة من الوجه البحري في شكل القصيد والموال، في حين تُروى في الوجه القبلي بالمربع، الذي يتخلله الموال أحيانا، مثل قصة "الناعسة وزيد العجاج"، و"عليا العقيلية"، والريادة والتغريبة والأيتام. وسنأخذ مثالا على ذلك قصة "عزيزة ويونس". فروايتها القديمة في الوجه القبلي تأتي على المربع المكون من أربع شطرات، تحمل الشطرات الثلاث الأولى نفس القافية، ويحمل الشطر الرابع قافية مختلفة، تتوحد مع قافية نهاية كل مربع، وهي القافية (وه). ومن ذلك الحوار التالي الذي دار بين أبي زيد وابن أخته يونس.
يونس قلُّه:
چعنا يا خال
ماتشوف لنا چيِّد نضيفوه
( ابحث لنا عن رجل كريم يستضيفنا)
يعني ضيف.. واحد يضيفنا.. إيه.. ماتشوف لنا إيه.. جيِّد نضيفوه..
قلُّه: يا وِلد اختى ولا تعلِّيش
بلاد غُرْب ماتفضحنيش
آدي العبايه وادي القميص
اللى يكمِّل الغدا فيه نبيعوه
اللى يجيب فيهم الغدا.. نتغدَّى بيها.. وبيعَّها..
قلُّه: سلامتك وسلامة قميصك
الشرق والغرب على كيسك
قُطع يا خال اللى من لبس قميصك
لا بالسيف وتقرّضوه
قلُّه:
سلمت يا قوى الهِمَّه
خايل ف لفِّ العِمَّه
معانا فِرْع من عقد شمه
يوزن بمال الغرب بابوه
الواد لمين لخاله.. قلُّه: اوصيك يا واد يا يونس..
يا واد يا ابو قلب منزَّه دايب
يا واد يا ابو قلب منزّه دايب
ماتخشش سوق العصايب
ماتخشش سوق ولا سرايات
بنات تونس دوله غوَّايات
يسقوا بعقلك الصبايات
ومنك العقد ياخدوه
وتأتي روايتها في الوجه البحري بالقصيد(31)، على النحو التالي:
جعنا يا خال أبوزيد الجوع كَادِنَا(32)
والجوع يهد الجَوامل(33) الغَواضِبْ
تبدى أبوزيد فى الجواب. وقال له
والله يا ابنى ما معايه لا فضه ولا دهبْ
ما معايه حاجة خالص غير القميص اللى دايبْ(34)
خُد القميص ده بيعه فى البلد
وهات يا ابنى غَدا منهى وطايبْ
قال له عباد الله يا خال سلامة
تَمنْ القميص ما يغدى شيوخ العرايبْ
الناس تِجَبَّىً الروح والعمر والتنا(35)
وإنت تِجُوْد بقميص مَنْخُولْ(36) ودايب
تَبَدَّى أبوزيد وقال له شاهد معايه
غير إيه يا أقَلْ العرايبْ
شَافْ الكلام يونس ونادى وقال له:
تِسْلَمْ لنا يا خال ويسْلَم قميصك
تِسلَمْ لنا عيونك الملاح الرغايبْ
معايه أنا يا خال من يفادى قميصك
من يفادى قميصك فى أرض المغاربْ
ومن جيبه طَلَّع عقد جواهر
نَورَّ على السجر من كل جانبْ
قال أبوزيد العقد منين جبته
إحنا تُجَّارْ ولاَّ شعرا بربايب
قال له يا خال دا عقد شمَّة (37)
اللى أبويه سرحان شاف عليه التعايبْ
* * *
أما على مستوى أداء الرواة، فإن الهلالية في الوجه البحري (شمال مصر) تبدو أقرب ما تكون إلى النص الهلالي المدون؛ حيث يسودها شكل القصيد التقليدي، والموال، وأحيانا الزجل. ومن حيث الموضوعات فإن قصص الحب والثنائيات العاطفية الأكثر شيوعا فيها، مثل قصة "عزيزة ويونس"، وقصة "رزق وحسنة". ونظرا إلى أن الموال هو الشكل الأدبي الأكثر استخداما في سيرة الوجه البحري؛ ومن ثم فالإيقاع فيها بطيء، فإن الشعراء يميلون إلى استخدام آلات موسيقية تتناسب وطبيعة النص والإيقاع الهلالي فيها، مثل العود Lute، والناي Flute، والكمنجة Violin cello.
ويحرص الشعراء في الوجه البحري على ارتداء زي معين لحظة الأداء، مثل القفطان الأبيض، الذي تعلوه "الكاكولا"، والطربوش الأحمر، وهو زي يشبه زي شيوخ الأزهر؛ وذلك بهدف إضفاء نوع من القدسية والاحترام على روايتهم. ويتبدى ذلك في اللغة التي يستخدمونها في رواياتهم؛ حيث إنها لغة تعتمد على تفصيح العامية، ويطلق عليها "العامية المفصحة" أو "الفصحى المهشمة"(38).
ونظرا إلى أن رواية الوجه القبلي/ الصعيد يشيع فيها المربع - بالطبع إلى جانب الأنواع التقليدية أحيانا في مواضع محددة - لأنه يتناسب وطبيعة الموضوعات التي تتعرض لها الرواية الجنوبية، مثل قصص الحرب والثأر؛ لذا فإنها تميل إلى استخدام آلات موسيقية معينة؛ لتناسب طبيعة الإيقاع الأكثر سرعة فيها. وتعد "الربابة" أهم هذه الآلات، والطبلة، والرِّق/ المظهر، والبندير. علما بأن البندير أو الرق/ المظهر قد حلا بدلا عن آلة "الطار"، التي شاع استخدامها في الروايات القديمة في الصعيد.
ولا يحرص الشعراء في الوجه القبلي على ارتداء زي معين، باستثناء ارتداء الخاتم. فهو عادة أو طقس توارثوه عن الشاعر الشعبي جابر أبو حسين؛ اعتقادا منهم أنه الملهم لهم على تذكر السيرة لحظة الأداء، على حد قول الشاعر محمد اليمني وعنتر رضوان.

5. الاستجابة الجندرية
يلعب النوع Gender دورا رئيسا في تلقي النص الشعبي عامة، والسيرة الهلالية خاصة، وذلك من حيث الدور الذي تلعبه المرأة في حركة سردها. فقد انعكس تغير الوضع الاجتماعي للمرأة العربية على صورتها في السيرة الهلالية ما بين المدون (الذي ينتمي إلى فترة تاريخية قديمة) والشفاهي (الذي ينتمي إلى حقبة تاريخية معاصرة). وقد أثر هذا التغير الاجتماعي في تلقي السيرة الهلالية. فمثلا في رحلة الريادة، تتفق الروايات الهلالية الشفاهية والمدونة، على أن الذى قام برحلة الريادة هو الأمير أبو زيد الهلالي مع أبناء أخته، ولكن هناك اختلافات بينهما على مستوى الطريقة التي تم بها اختيار أبي زيد لريادة أرض تونس. تذهب بعض الروايات الشفاهية إلى أن كبار بني هلال أرجعوا أمر الاختيار إلى شيخ يثقون في رأيه هو "بدر بن قديم الرأي"، (الذى يعتبرونه مستشارًا للقبيلة). وواضح اتفاق المدون والشفاهي حول الاسم الأول لهذا الرجل "بدر"، واستبدلت الروايات الشفاهية "الهويفي" بـ"قديم الرأي"، والاسم الشفاهي مأخوذ من أشهر الصفات التي يتصف بها هذا الشخص، وهي "المشورة". وتذهب هذه الروايات الشفاهية التي تذهب هذا المذهب إلى أن "بدر بن قديم الرأي" اختار أبا زيد لثقته الشديدة في قدراته دون عمل اختبارات بينه وبين فرسان بنى هلال، على نحو ما ورد في النسخ المدونة. وتتفق بعض الروايات الشفاهية مع المدونة في إحالة أمر الاختيار إلى شخص "بدر بن قديم الرأي"، وفي الطريقة التي اختار بها هذا الشخص أبا زيد للقيام برحلة الريادة، عن طريق فرد البساط، بنفس الطريقة التي وردت في النسخ المدونة.
وعلى الرغم من هذا الاتفاق، فإن بعض الروايات الهلالية الشفاهية تذهب مذهبًا مختلفًا، في تحديد الشخصية التي تلعب دور المستشار لقبيلة بني هلال؛ إذ يؤول هذا الأمر إلى "الجازية". وعندما تستفتي القبيلة "الجازية" في أمر الاختيار، يقع اختيارها على "أبى زيد" (اللى عليه نصرة الغلبان) على حد قولها، فلم يكن أمام القبيلة سوى تنفيذ رأيها. وتصور إحدى الروايات أمر الاختيار، بقولها:
حسن على وقع الحال قلَّها:
اسمعي يا بنت ابوي
عاوزين احنا نغرِّب
نقيس الدروب قدام
نرود ما أرض تونس
نشوف خليفه مع العلاَّم
* * *
ولا تختار ولا تتمولي
يا حسن فِ السؤال
مين يغرِّب غير ابو زيد
اللي عليه نصرة الغلبان(39)
* * *
ولا شك أن استبدال دور المستشار في النسخ الشفاهية بشخصية نسائية، بدلاً من الرجل، له دلالته على المستوى الاجتماعي؛ خاصة إذا كانت هذه الشخصية النسائية "الجازية" تحظى بثلث المشورة في بني هلال. وتتبدى هذه الدلالة في الدور الذي أصبحت تحظى به المرأة في المجتمعات الشعبية(40).
ويرى أبو زيد أنّ اختيار "الجازية" له يُعدّ انتقامًا شخصيًا منه بسبب حادثة زواجه منها ثم تطليقها عذراء (بيضا)، على الرغم من ذلك فإنه أمام قوة رأيها ومكانتها في القبيلة، لم يملك سوى الموافقة ـ على مضض على هذا القرار. ورأى أن يحتال عليه باختيار رفقاء طريقه، فاختار أخوتها؛ لكي تعدل عن هذا القرار. غير أنها لم تمانع أبا زيد في اختياره. وتصور السيرة موقف أبي زيد واحتياله عليها:
يجازيك الله يا جاز
كويتِ القلب بنار
زي ما اخترتيني يا جاز
آنا منك لأستخار
* * *
لآخد منِّك تلاته
ف الضيقه يقولولي: يا خال
آنا لاخد يحيى ومرعي
تــــالتـــهــــم يــــونــــــس العــــجــــبـــان
فمن الملاحظ، أنه بالرغم من تراجع - إن لم يكن انعدام - دور المرأة في رواية الهلالية على المستوى الاحترافي، فإن هذا لم يقف حجر عثرة أمام تلقي المرأة لها، وتناقلها وروايتها على مستوى الهواية، وذلك في النطاق الأسري المحدود. وقد ترك ذلك الدور النسائي في الرواية والتلقي أثره في إبراز دور المرأة وإضاءته في الروايات الشفاهية، مقارنة بنظيراتها المدونة، وهو ما يتضح في مقارنة روايات الرجال برواية نسائية للهلالية، على نحو ما انتهينا إليه في إحدى دراساتنا(41).
6. الاستجابة القبلية
لعل مما يميز جمهور الهلالية -في صعيد مصر- تعصبه لها، وربما يكون ذلك الأمر هو أحد أسباب البقاء لها حتى الآن. فالجمهور ـ على حد وصف بعض من حاورناهم ـ يتعصب للهلالية، ويعيش ـ أثناء روايتها ـ حالة أشبه ما تكون بحالة مشجعي كرة القدم، والتعصب لإحدى الفرق الرياضية. الأمر الذى قد يحدث ألوانًا من العنف الناشئ عن التعصب لمصلحة فرقة ضد الأخرى. ويعكس ذلك التعصب والانتماء القبلي تعليقات بعض الجمهور على مقاطع الفيديو لبعض رواة السيرة الهلالية، على نحو ما سيرد في مبحث التلقي الإلكتروني. إن السيرة الهلالية في بحثها الدائم عن الانتماء القبلي، إنما تشبع بذلك الغريزة الصعيدية، بالدخول في صراعات ومعارك. وهذا إنما يعبر ـ ويعكس في الوقت نفسه طبيعة المجتمع الصعيدي، الذي يغلب عليه روح العصبية والانتماء والثأر أحيانا. من هنا وجدنا انتماءات القبائل الصعيدية إلى أحد أبطال السيرة الهلالية، والتحزب أمامها أحزابًا مختلفة، ما بين زناتة /"أمرا" وأشراف وزغابة... إلخ. متخذين من أحد أبطال السيرة رمزًا لهم، فيلتفون حوله. وهو ما يؤكده أحمد مرسي بقوله: "وقد انعكس هذا الصراع بالضرورة على جمهور هذه السيرة الذين شغفوا بها زمنًا طويلاً، ومازالوا مشغوفين بها إلى الآن؛ إذ إن حب الجماعة الشعبية لأبي زيد نابع في حقيقته من أنه كان عنصر التوازن في السيرة، كما كان عنصر التجميع والتوحيد. أما "دياب"... كان عنصر فرقة وانقسام، أكثر منه عنصر تجميع ووئام... تحركه عصبية فردية ضيقة"(42).
إذن تمسك الجمهور بالسيرة؛ لأنها عبرت عن انتماءاتهم القبلية، فتحزبوا حولها شيعًا، هذا يحب أبا زيد ويكره ديابًا، وذلك يحب ديابًا ويكره الزناتي.... إلخ. وهو أمر يلتقي على نحو ما أشرت مع ما هو موجود في التحزبات الكروية، وانتماءات الجماهير في كل قطر والتفافهم حول عدد من الأندية المتنافسة. فلا يزال المجتمع القناوي على سبيل المثال يعج بمثل هذه الصراعات القبلية والانتماءات الحزبية، التي ربما فسرت سبب بقاء الهلالية في الصعيد كنص متكامل إلى الآن. في حين أن الهلالية في الوجه البحري، بعد جيل الرواد من أمثال فتحي سليمان وسيد حواس، لم يبق منها بين الأجيال المعاصرة سوى قصص الحب والرومانسية، التي تغذي روح العاطفة والحب، أي تفتت السيرة الهلالية عند هؤلاء الرواة، فلم يبق منها سوى قصص متناثرة مثل: "عزيزة ويونس"، و"رزق وحسنة"...إلخ. في حين لا يزال الجمهور الصعيدي يفضل الاستماع إلى قصص اللقاء والحرب والثأر، مثل "حرب الزناتي مع أبي زيد"، و"قتل دياب للزناتي"، و"قصص الأيتام"، و"أولاد هولة"...إلخ(43).
وحول تغليب الروح القبلية على تلقي الهلالية في الوجه القبلي، يمكننا أن نتوقف عند تلك الحكاية التي رواها الشاعر سيد الضوى والتي سمعتها من أكثر من شخص وهو ما يعبر عن معايشة جمهور السيرة لما يروى عليهم، بروح يغلب عليها التعصب والانتماء القبلي. وتذهب الحكاية إلى أن شاعرًا كان اسمه "حسين" كان ينشد الهلالية في مولد سيدي عبد الرحيم القناوي. وكان ينشد قصة "لقاء الزناتي وأبي زيد". وكان هناك رجل من قرية دندرة يمر بضائقة مالية اقتضت منه بيع آخر شئ يمتلكه بقرة (شابَّه)، بثمانية عشرة جنيهًا في السوق. وفي طريق عودته وجد هذا الشاعر ينشد القصة المشار إليها فجلس يستمع إليه، وكان هذا الرجل من الأمارة (أنصار الزناتي)، ووجد الزناتي مهزومًا، فهب واقفًا وطلب من الشاعر أن ينصر الزناتي، نظير أن يدفع له جنيهًا، وظل الأمر هكذا، كلما وقع الزناتي دفع للشاعر جنيهًا نظير نصرته، حتى فرغ جيبه، وقد حقق له الشاعر رغبته في إنقاذ الزناتي، فقفل عائدًا إلى منزله سعيدًا. ولما وصل إلى البيت، وحكى لزوجته ما كان منه مع الشاعر، فلم يكن من هذه الزوجة إلا أن راحت تزغرد؛ إعلانًا عن فرحتها بانتصار الزناتي.
إن تلك الحكاية المتواترة في المجتمع القناوي ذات أصل مدون نقله أحمد مرسي في أحد مقالاته، ولكن بعد استبدال طرفي الصراع، وجعله بين أبي زيد ودياب بن غانم الزغبي. وهي قصة تذكرنا بموقف شبيه حدث مع راوي سيرة عنترة أيضًا. حيث أنهى راوي سيرة عنترة قصته في إحدى الليالي على المقهى بأسر النعمان بن المنذر لعنترة، وعندما عاد أحد مناصري عنترة إلى البيت لم يستطع النوم؛ حزنا على عنترة، فأخذ كل ما يمتلكه من أموال وذهب إلى منزل الراوي، وأيقظه من نومه، وأعطاه كل ما يملك من أجل فك أسر عنترة وإعادته إلى أهله. وقد حقق الراوي له أمنيته بعدما نال ما يريد من المال. وفي رواية أخرى أنه هدده بالقتل إن لم يفك أسر عنترة، فبحسب ما يشير المؤرخ المحامي عبد اللطيف فاخوري "أنه حينما كان يتوقف الحكواتي في نهاية السهرة عند موقف حرج يتعرض له البطل، كي يشد الجمهور لمتابعة الحكاية في اليوم التالي، أنه صادف أن توقف مرة عند أسر عنترة بن شداد وزجه في السجن، بعد تكبيله بالحديد والأغلال، وبعد ذهاب الحكواتي إلى منزله، ومغادرة الحاضرين، صعب على أحد الحضور الذين يهيمون بعنترة، أن يبقى الأخير سجيناً، وألا يعرف مصيره إلاّ في اليوم التالي، وعندما ذهب إلى بيته لم يستطع النوم، وكبرت القصة في رأسه، فذهب إلى منزل الحكواتي، وأيقظه، وهدده بالقتل، إن لم يُخرج عنترة من السجن، ويفك قيوده هذه الليلة، فاضطر "الحكواتي" أن يقرأ عليه وحده، حتى وصل إلى لحظة إطلاق سراح عنترة"(44).
ولا يبتعد الموقف الذى يورده أحمد شمس الدين الحجاجي عن ذلك كثيرا، حول أثر المتلقي على الرواية والراوي. وذلك عندما أشار الراوي إلى لقاء الزناتي مع العبد أبو القمصان، وهو ما أثار غضبة أنصار الزناتي:
خليفه نادم يا قمصان
سود الليالي تعيبك
يا فطيس يا شراية المال
راح فين أبو زيد سيدك؟
ورد عليه قمصان:
أبو زيد سيدي مالك بيه؟
يابو العمامه النضيفه
إن كان ع الحرب خلِّيه
أنا كفوكم يا خليفه
وإذا بواحد من المستمعين يقترب منه وقد ظهر على وجهه الغضب، وبان في عينيه عدم الرضا وقال له: "يا أخي قبلنا أن ينازل أبو زيد الزناتي خليفه فهو ابن الشريفه خضره، وبعدها تترك عبدًا ينازله. وهنا استمر النادي عثمان في غنائه معلنًا رفض الزناتي خليفه أن ينازل العبد قمصان، ويعود قمصان ليصر على ملاقاته وهو يقول: "العبد بيحارب على حس سيده". وضعه النادي عثمان في حجمه الذى يريده له الجمهور"(45). ويلتقي هذا مع التقسيم القبلي في محافظة قنا، على سبيل المثال. فمثلا منطقة دندرة وما يحيطها في مركز قنا، ومنطقة القلعة وما يحيطها في مركز قفط ينسبون إلى الأمارة، الذين يفضلون الزناتي خليفة؛ لذلك فإن الشاعر عندما يقوم بإحياء إحدى الحفلات بهما فإنه يحرص على اختيار القصص التي يكون فيها الزناتي خليفة منتصرا؛ حتى لا يصطدم بانتماءات الجمهور المستمع إليه.
ويمكننا في ضوء سيادة هذه الروح العصبية والميل اللاشعوري إلى الروح القبلية والعشائرية، تفسير ظاهرة تفتيت الهلالية، واختفاء بعض حلقات الهلالية، وانقراض بعض قصصها، وشيوع بعض القصص الأخرى. فمعظم الرواة الهواة يفضلون البدء في رواية الهلالية بمرحلتي الريادة والتغريبة. في حين أن مرحلة المواليد التي تعد أهم حلقات السيرة وأساسها في طريقها إلى الاندثار والنسيان، ولم تتبق منها في أذهان الرواة الهواة، وعدد من الشعراء المحترفين سوى بقايا نثرية تسرد في معظمها الحدث العام، متناسية تفاصيل مهمة كثيرة. ولعل السبب في ذلك، أن القصص التي تشملها مرحلتا الريادة والتغريبة، فيها "روح"، على حد قول الرواة والجمهور. والمقصود بكلمة "روح" هنا أنها قصص تحتوى على مشاهد حرب وقتال ومبارزة وصراعات ثأرية؛ أي لأنها تشتمل على قصص تغذي روح التعصب والانتماء والتحزب القبلي عند الجمهور المتلقي للسيرة. ويعلل عبد الرحمن أيوب أسباب ميل الرواة إلى مرحلتي الريادة والتغريبة دون سواها من مراحل الهلالية الأربعة، حين قال: "ومهما كانت المرحلتان الثانية والثالثة أهم ما يعرفه نقلة السيرة الهلالية، إلا أن المادة التي تجمع اليوم، وتمثل "مخزون" الذاكرة الجماعية تتمحور أساسًا حول الرحلة التي اضطرت إليها القبيلة"(46). وتبرز الصور التالية جزءا من تفاعل الجمهور مع الراوي الشعبي أثناء أداء السيرة الهلالية.
الخاتمة
توقفت هذه الدراسة عند أسباب استمرارية التلقي الشعبي للسيرة الهلالية، في ضوء علاقة الجمهور بها. كما استعرضت الدراسة الأشكال المتعددة للاستجابة الجماهيرية. وقد تنوعت هذه الاستجابات بتنوع وظائف السيرة التي تؤديها في سياقاتها الأدائية المختلفة. وقد أجملت الدراسة هذه الاستجابات في سبع، منها ما يرتبط بما تلهبه السيرة الهلالية من حماس في نفوس الجمهور المتلقي لها، خاصة مشاهد الحرب التي يؤديها الراوي، كذلك الاستجابة الغرائزية، من خلال بعض المشاهد التي تثير غرائز الجمهور، كتلك التي تتوقف عند وصف مفاتن المرأة وجمالها. أما الاستجابة الجغرافية فقد توقفت عند تنوعات أداء الهلالية ما بين جنوب مصر وشمالها، سواء من حيث طبيعة الآلات الموسيقية أو طبيعة النص في كل منهما. كما لعب النوع دورا في تشكل الاستجابة الجندرية؛ حيث توقف تلقي الهلالية على طبيعة الجمهور ما بين امرأة أو رجل، بحسب دور كل منهما في الحكاية التي يعرض لها الراوي الشعبي. كذلك لعب الانتماء القبلي ما بين أمارة أو زغابة أو أشراف دورا في تلقي الهلالية، فالقبلية عامل أساسي في استمرارية تلقي الهلالية. ونظرا إلى المتغيرات التكنولوجية الراهنة التي تسيطر على المجتمع المصري، فقد كان للتلقي الإلكتروني أثره في إبراز خصائص جديدة للهلالية، سواء من حيث الرواة أو الجمهور أو طببيعة الحكايات المختارة لعرضها على المواقع الإلكترونية مثل اليوتيوب.