اللغة العدد
الإبداع الفنّي في الموسيقى الشّعبيّة: دراسة تحليلية لعيّنة من الممارسات الاحتفالية بمنطقة منزل شاكر
الإبداع الفنّي في الموسيقى الشّعبيّة: دراسة تحليلية لعيّنة من الممارسات الاحتفالية بمنطقة منزل شاكر
العدد 52 - موسيقى وأداء حركي

أ. مريم المذيوب - تونس

تُعدّ الموسيقى مظهرا من مظاهر النشاط الإنساني، وهي من أبرز الفنون التي يميل إليها الإنسان للتّعبير عمّا يخالجه من مشاعر، باعتبار أنّها تكشف أكثر من غيرها من الفنون عن ثقافة وفكر المجتمع. وبالتّالي، يمكننا القول بأنّ الموسيقى هي ممارسة تعبيريّة تزخر بمعان وصور وأحاسيس ساهم في إبداعها الإنسان لتكون ذات خصوصيّة ثقافيّة مميّزة.

والموسيقى الشّعبيّة هي حصيلة تراث من الألحان المتأتّية من إبداع فطري انبثق من كيان المجتمع ووجدانه لتحمل جملة من الخصائص الثقافيّة والفنيّة تَبرز لنا خاصّة في البناء اللّحني وأسلوب صياغته وأدائه وأيضا في الممارسة التي يكون قد غلب عليها الطّابع الجماعي. وباعتبار أنّ الموسيقى الشّعبيّة جزء لا يتجزأ من ثقافة المجتمع، فهي تمثّل في اعتقادنا المدخل الرئيسي الذي يمكننا من كشف وفهم خصائص ومميّزات هذا المجتمع خاصّة إذا ما تمّ اعتبارها نموذجا لتلقائيّة الإبداع الفنّي المميّز الذي يتمثّل حسب اعتقادنا في تناقل الألحان الشّعبيّة والحفاظ على خصائصها وتقاليدها ويعكس ويعبّر أوّلا وأخيرا عن ثقافة المجتمع المنتج لذلك الإبداع1.

والواقع أنّ البحث في الإبداع الفنّي للموسيقى الشّعبيّة يضعنا أمام هالة من الصّعوبات والمحاذير، وذلك على اعتبار أنّ مثل هذه المواضيع لا تزال حديثة العهد من طرف الباحثين المختصّين في مجال الفّن عموما والموسيقى على وجه الخصوص. إلاّ أنّ هذا لم يمنعنا من طرح جملة من التساؤلات التي راودتنا حول مسألة الإبداع الفني في علاقتها بالموسيقى الشعبية من منظور علمي في اتجاهيه النظري والتطبيقي التحليلي.

فما هو الإبداع؟ وما المقصود بالإبداع الفني؟ وهل يمكننا الإقرار بوجود إبداع فني في الموسيقى الشعبية؟ وإن كان ذلك، فما هي خصائصه وعلى أيّ معايير أو مقاييس يمكننا تقييم هذا الإبداع؟
كل هذه التساؤلات أوجدت لنا المشروعية التامة للبحث في مسألة الإبداع الفني ضمن ممارسات موسيقية شعبية، ولعلّ التطرّق إلى مثل هذه المواضيع سيحيلنا ضرورة إلى البحث في جملة من المسائل النظرية خاصة منها المتعلقة بمجال الإبداع بصفة عامة، بالإضافة إلى الغوص في جملة من خصائص الموسيقى الشعبية لمنطقة «منزل شاكر» كأنموذج لدراسة الإبداع الفني فيها دراسة ميدانية تحليلية.

في مفهوم الإبداع الفنّي وعلاقته بالموسيقى الشّعبيّة:
مدخل نظري:
اولاً: مفهوم الإبداع الفني:

ورد في كتاب التّعريفات للجرجاني2 مصطلح «الإبداع» على أنّه إِيجَادُ الشَّيْءِ مِنْ لاَشَيْءٍ، وَقِيلَ تَأْسِيسُ الشَّيْءِ عَنْ لاَشَيْءٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}3، وَقَالَ تَعَالَى:{خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}4 وَلَمْ يَقُلْ «بَدِيعُ الإِنْسَانِ».

وذُكر في معجم لسان العرب لابن منظور أنّ الإِبْدَاعْ «création» هُوَ إِنْشَاءُ وَاسْتِنْبَاطُ وَإِحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْ عَدَمٍ، فَقِيلَ: بَدَعَ الشَّيْءَ يُبْدِعُهُ بَدْعًا وَابْتَدَعَهُ: أَنْشَأَهُ وَبَدَأَهُ. والبَديعُ هُوَ الشَّيْءُ الّذِي يَكُونُ أَوَّلاً وَهُوَ المُحْدَثُ العَجِيبُ وَيُقَالُ: أَبْدَعْتَ الشَّيْءَ أَيْ اخْتَرَعْتَهُ لاَ عَلَى مِثَالٍ. وَالبَدِيعُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى5 لإِبْدَاعِهِ الأَشْيَاءَ وَإِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا وَهُوَ البَدِيعُ الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ6.

وفي موضع آخر7، ذُكِرَ الإِبْدَاعُ عَلَى أَنَّهُ إِيجَادُ الشَّيْءِ مِنْ عَدَمٍ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الخَلْقِ. وَهُوَ تَعْرِيفٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ بُعْدًا فَلْسَفِيًّا. وقد ذُكر أيضا مصطلح «الإِبْتَدَاعْ»(innovation) على أنه إِبْدَاعُ الشَّيْءِ فِي مَجَالِ الفُنُونِ، ويحمل هذا المصطلح نزعة في جميع فروع الفن تُعرف بالعودة إلى الطّبيعة وإيثار الحسّ والعاطفة على العقل. ومن هنا يمكن التّمييز بين مصطلح الإِبْدَاعِ عند الفلاسفة ومصطلح «الابْتِدَاعِ» في مجال الفنون8.

يبدو إذن ومن خلال ما تقدّمنا به من تعريفات لغويّة، أنّ «الإبداع» في النّشاط الإنساني يتّصف بالابتكار والتّجديد وهو خال من صفة الاتباع والتّقليد. وعلى أساس أنّ الإبداع في اللّغة هو إحداث مثال جديد على غير مثال سابق، فإن الإنتاج الذي يتّصف بالإبداع تتوفر في صياغته النّهائيّة صفات الجِدّة والطّرافة، ومن هنا يمكننا وصف كل النّتاجات الأدبيّة والفنيّة والعلميّة بالإبداع على أن تتوفّر فيها صفتا الإحداث والتّكوين10،9.

وعموما نقول بأنّ لمصطلح «الإبداع» مفاهيم عديدة ومتنوعة لعلّنا حاولنا قدر المستطاع تقديم البعض من هذه التّعريفات إلّا أنّ مسألة تحديد مفهوم شامل لكلمة «إبداع» تبقى مسألة صعبة المنال حتى وإن اعتمدنا أكثر القواميس دِقّة في اللّغة والتّفسير، على اعتبار أننا لن نجد صياغة نهائيّة لماهية هذه الكلمة.

وباقتراننا لمصطلح «الإبداع» بكلمة «الفن» نجد أنّ «الإبداع الفنّي» هو عملية ونشاط إنسانيّ يعطي الفرد مقدرة وإمكانيّة ومهارة رفيعة للخلق والإبداع عند إنتاج عمل فنيّ مفيد وممتع. وبهذه المقدرة والإمكانية الخلاّقة والمتميّزة يستطيع الفنّان أن يعبّر عن ميوله ومشاعره ودوافعه الطّبيعيّة والفكريّة والاجتماعيّة والنفسيّة، بصورة شعوريّة أو لا شعوريّة، وبذلك يكون العمل الفنيّ هو التّعبير الفكري والعملي لما يختلج في نفس الإنسان عن مشاعر وانفعالات وتصوّرات والتي تظهر في أعمال الفنّان وممارساته المختلفة11.

ولا ريب أنّ الحديث عن «الإبداع الفنّي» يتطلّب منّا البحث في شخصيّة المبدع وعمليّته الإبداعيّة، بالإضافة إلى نِتاجِه الفنيّ ثمّ التّطرّق إلى دراسة المناخ الاجتماعي وتأثيره في العمليّة الإبداعيّة، وكلّ ذلك يصبّ في إطار الحديث عن مقوّمات الإبداع الفنيّ الذي نرى أنّ التطرق إليه والخوض فيه ليس بالأمر الهيّن، ذلك أن هذه المسألة تبقى في محدودية دائمة وأنّ التّوصّل إلى حقائق فيها هو أمر نسبيّ. لذلك سنقوم بعرض موجز وبرقيّ لهذه المقوّمات اعتمادا على مجموعة من الكتب والدّراسات العلميّة التي اهتمّت بالبحث في مسألة «الإبداع الفنيّ» وما له من مقوّمات.

ثانياً: مقوّمات الإبداع الفني:
1. شخصية المبدع:
إنّ الشّخصيّة المبدعة لكل فنّان لا يمكن أن تُدرس بمعزل عما أفادتنا به تحاليل علم النّفس. فمن وجهة نظر هذا العلم، فإنّ الشّخصيّة المبدعة تتضمّن الاستعدادات12 والطّبع والمزاج والدّافعيّة والمواقف العاطفية، إضافة إلى الذّكاء الذي يُعدّ استعدادا عامّا ينبغي أن يدخل ضمن العوامل الآنف ذكرها13.
والمبدع يجد في عمله الإبداعي امتدادا لأناه (الذّاتيّة) وهو في ذلك تحدوه دوافع شتّى لعلّ أهمّها14:
- دافع الاستقلال الذّاتي والأحكام العقليّة وفي التّفكير، إذ يتمكّن من التّفتّح على ذاته وتنمية إمكانيّاته الإبداعيّة.
- دافع الابتكار والأصالة وبهما تزخر نفسه، ولذا فهو توّاق لكل ما هو جديد وممتع.
- دافع التّفتّح على الخبرات إحساسا بالمسؤوليّة الاجتماعيّة وهو دافع أساسي من دوافع الأصالة والابتكار.
- الدّافع لمعالجة وتذوّق المركّب والمعقّد، وقد تبيّن من البحوث النّفسيّة في هذا المجال أنّ تفضيل المعقّد يعدّ من دوافع بعض أنماط الشّخصيّة.
- يمكننا إذن من خلال هذه الدّوافع أن نحدّد سمات الشّخصيّة المبدعة15:
- إحساس المبدع بالاختلاف عن المحيطين به وبدون هذا الشّعور لن يصبح مبتكرا أو مبدعا.
- الاطّلاع: لا يوجد ابتكار دون ماض حافل بالجديّة والقراءة والاطّلاع.
- البيئة الاجتماعيّة الّتي تؤدّي دورا كبيرا في ظهور العبقري.
إنّ المبدعين، في أي مجال من مجالات المعرفة، هم أفراد من ذوي المواهب المتميّزة والفريدة، يمتلكون سيطرة يستطيعون أن يجعلوها تعمل بإبداع حسب إرادتهم. وفي هذا الاتّجاه، تجدر بنا الإشارة إلى أهميّة القدرات الذّاتيّة التي لابدّ من توفّرها لدى الأشخاص حتّى يقوموا بأنواع من السّلوك الإبداعي.
وهنا، يمكن القول بأنّ الإبداع ليس قدرة واحدة بسيطة، بل إنه مجموعة من القدرات، لذلك لا نجد شخصين مبدعين بنفس الطّريقة، حيث أنه هناك فروق شتّى في درجة ما لدى الأفراد في كلّ عامل من عوامل الإبداع، بالإضافة إلى فروق تكمن في نوع النّشاط الّذي تتجلّى فيه القدرات الإبداعيّة16.
لذلك فإننا نلاحظ بأنّ الدّرجة الفائقة في الإبداع تختلف باختلاف المجالات الّتي يتجلّى فيها السّلوك الإبداعي، والقدرات اللاّزمة للإبداع في كل من هذه المجالات، وطبيعة العمليّة الإبداعيّة والمؤثّرات الدّاخليّة والخارجيّة فيها، والسّمات الشّخصيّة والعوامل الدّافعة إلى الإبداع والسّياق الاجتماعي الذي يحيط بالإنتاج الإبداعي17.

2. العملية الإبداعية ومراحلها:
إنّ المقصود بالعمليّة الإبداعيّة هي تلك المراحل التي يمرّ بها المبدع في إنجاز عمله18. وبشكل عام فإنّ الإبداع الفني يمرّ بعدّة مراحل لدى الفنّان منذ نشأة فكرة العمل وصولا إلى إتمامه، والواقع أن تقصّي هذه المراحل مسألة صعبة تتطلب من الباحث تتبّعا دقيقا لكل الظّروف التي عايشت فترة إنجاز العمل الفنّي. وعلى هذا الأساس، فإننا سنحاول في هذا العنصر توضيح الكيفيّة التي ينشأ بها العمل الفنّي في ذهن الفنّان وصولا إلى كيفيّة تقديمه على مسرح الحياة19.
لقد صنّف علم النفس العمليّة الإبداعيّة على أربع مراحل20:
1. مرحلة الإعداد الذّاتي «préparation» وتسمى أيضا مرحلة التّحضير وهي مرحلة أوليّة وضروريّة كتأهّب لعمليّة الإبداع21. حيث تتجمّع لدى المبدع مجموعة من الأفكار والتّداعيات إلاّ أنه لا يسيطر عليها، فهي تَعبر بسرعة22.
2. مرحلة البُزُوغ وهي مرحلة تبرز فيها فكرة عامّة لدى المبدع وتُكرّر نفسها لا إراديّا من حين إلى آخر23. وقد تستمرّ هذه المرحلة فترة طويلة أو قصيرة قد تستغرق لحظات أو دقائق أو أيّاما أو شهورا وحتّى سنوات24.
3. مرحلة الإشراق «illumination» وهي مرحلة الوصول إلى الذّروة في العمليّة الإبداعيّة، حيث تظهر الفكرة فجأة وكأنّها قد نُظّمت تلقائيّا دون تخطيط، وبالتّالي يتجلّى واضحا كل ما كان منها في المرحلتين الأولى والثّانية25.
4. مرحلة التّحقيق والإنجاز «réalisation» وهي المرحلة الأخيرة في العمليّة الإبداعيّة فهي تتضمّن المادّة الخام النّاتجة عن المرحلة السّابقة التي تكون في طورها الأخير، وعلى الرّغم من اعتبار أنّ مرحلة الإشراق بمثابة الذّروة في العمليّة الإبداعيّة، إلاّ أنّ النّتاج لا يكون مقبولا إلاّ إذا مرّ في مرحلة التّحقيق26.
وتجدر الإشارة في هذا السّياق، أنّ طبيعة مرحلة التّحقيق في العمليّة الإبداعيّة في المجال الفني مختلفة عن تلك التي في المجال العلمي حيث أنّ النّتاج الإبداعي في وعند مروره من مرحلة الإشراق إلى مرحلة التّحقيق يخضع إلى تجارب عديدة من قِبل مبدعيه، وبالتّالي يكون هذا النّتاج رهن نجاح هذه التّجارب. أمّا في المجال الفنّي، فإنّ مسألة تقويم الإنتاج الإبداعي تكون أكثر ذاتيّة مرتبطة بشكل القبول والاستحسان من العامّة ومن النّقد الفنّي الخاص27.

3. النتاج الإبداعي:
يمثّل النّتاج الإبداعي معيارا رئيسيّا لتقويم العمليّة الإبداعيّة وحتى يكون هذا المعيار أساسيّا في تقييم الإبداع ككل، لابدّ أن يكون النّتاج فيه جديدا وأصيلا وذا قيمة للمجتمع في الآن نفسه. ويمكن لهذا النّتاج أن يظهر بأشكال عديدة ومتنوعة، وذلك وفق وظيفة هذا النّشاط أو ذاك ووفقا لطبيعته أو درجته ومستواه في الأصالة والقيمة والفائدة من أجل المجتمع28.

ولأنّ هذا النّتاج متنوّع فيمكن بذلك تصنيفه إلى نتاج محسوس واقعي منفصل نسبيّا عن مبدعه: مثل العمل الأدبي، والقطعة المنحوتة، واللّوحة الفنيّة.ونتاج آخر لا ينفصل عن مبدعه: كإبداع الممثّل وإبداع الموسيقي وإبداع الرّاقص. ولعلّ هذا النّوع من النّتاج يعكس بوضوح ملامح الشّخصية الإبداعيّة29.

وفي حديثنا عن العمليّة الإبداعيّة، يمكننا القول بأنها لا تخرج عن كونها نوعا من التّفكير الإنتاجي، وبالتّالي فإنّه بالإمكان الرّبط بين عمليّة الإبداع والإنتاج الإبداعي باعتباره هو المحك الوحيد الواضح لهذه العمليّة30. وفي هذا الاتجاه، يمكن اعتبار النّتاج الإبداعي نتاجا ملموسا للعمليّة الإبداعيّة يمكننا من خلاله دراسة مراحل العمليّة الإبداعيّة وكشف السّلوك الإبداعي للشّخصيّة المبدعة31.
ويحق لنا التّساؤل في هذا الصّدد، عن إمكانيّة تحديد معيار الفكرة الإبداعيّة من خلال عناصر المادة التي يتشكل منها الإنتاج الإبداعي؟ وبمعنى آخر هل يمكننا تحديد قيمة العمليّة الإبداعيّة انطلاقا من العناصر الماديّة التي تساهم في بناء الإنتاج الإبداعي؟
ولعلنا نعني هنا بالعناصر الماديّة تلك المادة التي تشكل النّتاج الإبداعي، فمثلا عناصر المادة عند الشّاعر هي المفردات اللّغويّة ومجموعة الألوان هي العناصر الماديّة التي يستخدمها الرّسام وأيضا مجموعة الأصوات التي هي أصلا ذبذبات هوائيّة أو تردّدات هي عناصر مادة المؤلف الموسيقي. من هذا المنطلق، يمكننا القول بأنّ خصوصيّة الإنتاج هي التي تحدّد معيار الإبداعيّة بما لها من وظائف مختلفة سواء كان هذا الإنتاج علميّا أو فنيّا32، 33.

4. البيئة والمناخ الاجتماعي للإبداع:
ما من شك أنّ الإبداع مرتبط بما تكنزه ذاكرة الإنسان من موروثات فنيّة توارثها عبر مراحل عديدة، ولعلّ المبدع بشكل عام يستفيد أيّما استفادة من هذا المكنز الثّري الذي يحمل مقوّمات فنيّة ولّدت فيه طاقة إبداعيّة لا محدودة.

وفي هذا الاتّجاه، فإنّ الإنسان وفي علاقته بمجتمعه يتأثّر بطبيعة ومقوّمات بيئته الاجتماعيّة. لذلك يمكننا اعتبار أنّ الإنسان المبدع يكون عرضة لتأثيرات هذه البيئة والتي يمكن تفصيلها إلى ثلاث بيئات: البيئة الطبيعيّة من مناخ وطبيعة خارجيّة والبيئة الاجتماعيّة من أسرة ومدارس ونظام حكم وبيئة حضاريّة ثقافيّة من تراث وعلوم وفنون34.

والواقع أنّ في حديثنا عن هذه البيئات إشارة إلى المناخ الإبداعي الذي يعيش فيه المبدع ويتعايش معه ولعلنا نتساءل هنا عن ماهية المناخ الإبداعي وعلاقته بالمبدع؟
يُستعمل مصطلح المناخ الإبداعي في الأدبيّات المتخصّصة بتسميات عديدة مثل: المناخ الاجتماعي، والإبداعي، والوضع الإبداعي والعوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة للإبداع...الخ. إلاّ أننا في دراستنا الرّاهنة اعتمدنا هذا المصطلح للدّلالة على الوسط المباشر والتّأثيرات الاجتماعية النّفسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والتّربويّة المحيطة بالفرد35.

وكما سبق أن ذكرنا آنفا في العنصر السّابق أنّ المناخ الإبداعي هو ذلك المناخ الذي يشمل كلاًّ من البيئة الطبيعيّة والبيئة الاجتماعيّة والبيئة الحضاريّة.

ونشير في هذا السّياق، أنّ البيئة الحضاريّة هي من أبرز البيئات التي تتأثّر بها شخصيّة المبدع ذلك أنّ الإبداع يتحقّق في أحضانها. فالفنّان ينشأ ويطّلع على ما تضمّ هذه البيئة من تراث وقواعد وقيم، وهنا يُبرز طاقته الخلاّقة ويروضها على مجاراة القيم المتمثّلة أو معارضتها أو استئصال ما فيها أو الإتيان بأمور جديدة36.

وكلما زاد اطّلاعه على ذلك واشتدّ احتكاكه واتّصاله بأمثاله من البارزين في الفن أو العلم، حاول أن يهيئ لنفسه منـزلة بينهم وقد يتجاوز بيئة مجتمعه الثّقافية فيتمثّل بيئات ثقافيّة أخرى من نوع فنه أو علمه خارج مجتمعه وهذا يزيد في معرفته وقدرته وطاقته الخلاّقة37.

نلاحظ ممّا سبق أنّ مفهوم المناخ الإبداعي يحمل في طيّاته أكثر من معنى، ولعل مصطلح «المناخ» لا يتعارض مع مصطلح «البيئة» أو إن صحّ التّعبير «الجو العام». والواقع أننا لا نخيّر مصطلحا عن آخر في تحريرنا لهذا العنصر من البحث وإنّما تولدت لدينا قناعة بأن هذه المصطلحات (مناخ، بيئة، جو عام) تشكل مجموعة من العوامل المولّدة للإبداع. وبالتالي يمكن القول أنّ المناخ يمثل النماذج والإجراءات اليوميّة كما يعيشها أو يفهمها أو يفسّرها أعضاء المجتمع ككل38. وعلى هذا الأساس فهو (أي المناخ الإبداعي) يقوم على ثلاث عوامل: البيئة الخارجيّة، والمناخ الإبداعي الداخلي للأفراد داخل جماعة والتّفاعل بين أعضاء الجماعة39.

يتّضح لنا من خلال ما سبق أنّ للمناخ الإبداعي مؤثّرات مباشرة في تكوين القدرات المبدعة لدى الفرد وفي العمليّة الإبداعيّة في حد ذاتها ولعلّ هذا ما يحملنا للقول بأنّ لهذا المناخ تأثيرا واضحاوجليا في تكوين وترسيخ الإبداع الفني لدى الفرد.

ولقد تعمّدنا ربط العمليّة الإبداعيّة بالمناخ الاجتماعي على أساس أنّ الفرد المبدع هو جزء لا يتجزّأ من النّسيج الاجتماعي لمجتمع ما، وهو في إبداعه لشيء ما في مجاله إنما هو تواصل مع أفراد مجتمعه الذي تتحكم فيه معايير جمالية ومقومات فنية.

ولعلّ في حديثنا عن المناخ الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام حتميّة مفادها أنّ هذا المناخ يساهم بشكل كبير في تشييد الشّخصية المبدعة والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة التي يعيش فيها. فالمبدع كفرد من أفراد المجتمع يعيش في نسيج اجتماعي مترابط بحيث لا يمكن أن يحيا حياة خالية من أيّ اتصال مع الآخرين، لذلك فإنّ العائلة تعتبر بيئة، والمدرسة هي أيضا بيئة وكذلك مكان العمل.. كلّ هذه البيئات لها تأثير كبير في مجال الإنتاج الفنّي بصفة عامّة من موسيقى وأدب ورسم40.

وما من شك أنّه توجد علاقة بين البيئة والظّواهر الجماليّة، فلكل جماعة أو طائفة من النّاس أنماط فنيّة معيّنة تولد وتنشأ في رحابها ولا ترتضي سواها. ولهذا فإنّه من الصّعب وجود فن لا يحمل طابع البيئة التي نبع منها. ومن هنا يمكننا القول بأنّ الفنان الذي لا ينتمي إنتاجه إلى مجتمعه لن يضيف إلى تراث ذلك المجتمع شيئا ولن يكون انتماؤه له وشعوره به صادقا لأنّ جذوره لم تمتد إلى أعماق بيئته41.

فالفنّان له مناخ اجتماعي معيّن ينتج فيه فنّه. فبعض الفنّانين ينتجون فنّا وهم في وسط الجماهير وحيث الصّخب، بينما لا ينتج بعضهم الآخر إلاّ في الأماكن المغلقة والبعيدة عن الضّوضاء، وبعض الفنانين يحبون الموسيقى الهادئة تحيط بهم أثناء انخراطهم في العمل الفنّي، بينما نجد آخرين ينفرون من أي صوت يحيط بهم، ويحبون الهدوء التام يخيم عليهم42.

إنّ مسألة اندماج الفنان في مجتمعه ليست مستمرة لأن هذا الفنان كثيرا ما ينعزل عن المجتمع عزلة مؤقّتة يلجأ إليها في أوقات الإبداع. ولكنّه سرعان ما يعود ليرتمي في أحضان مجتمعه فيعوّض بذلك عن تلك العزلة ويقدم إنتاجه الإبداعي، إلى أن تأتيه أفكار إبداعيّة جديدة فيعود إلى تلك العزلة من جديد ويتكرّر هذا المنوال طول حياته43.

الإبداع الفني في الموسيقى الشعبية
إنّ الفن هو لغة قابلة للفهم والاتّصال تخلق صورا مركّبة على المحيط الاجتماعي وتختزل الخِبرات والتّجارب المتراكمة داخليّا لتحدّثنا عن الإنسان التّقليدي، عن محيطه الطّبيعي والاجتماعي، وعن حياته وعن ثقافته وعن تراثه، وعن علاقاته الاجتماعيّة. وبالتّالي فإنّ الفنّ يكشف طبيعة الأفراد وقواعد سلوكهم وأنماط حياتهم العمليّة والفكريّة والشعوريّة.

والفنون التّقليديّة (الأدب، الموسيقى، الرّقص) لها أهميّة بالغة تكمن أساسا في دورها الفعّال داخل المجتمع وتأثيرها في حياة الفرد اليوميّة وفي تعدّد وظائفها وترابطها العضوي باعتبارها وسائل وأدوات عمليّة تقوم بإشباع الحاجات الإنسانيّة المختلفة ماديّة ومعنويّة... وتظهر الأهميّة الفائقة للفنون في المجتمعات التقليديّة من خلال فهم عالم هذه المجتمعات وأنماط حياتهم وسلوكهم وأساليب إنتاجهم وقواعد تفكيرهم وعالمهم الرّوحي السّحري44.

ولمّا كانت الموسيقى الشعبية من بين الفنون التي تميّزت بثرائها وتنوّعها في أساليبها وأغانيها ورقصاتها، فإنّنا نرى أنّ هذه الموسيقى لابد أن يكون قد أبدعها فرد من أفراد المجتمع لتنتشر بين العامة وتصبح ملكا للجميع بعد أن انصهرت في التراث الشعبي. فالأغنية الشعبية مثلا تكون بسيطة في اللحن والكلمة و تعيش فترات طويلة من الزمن فتنتشر بسهولة وبسرعة في المجتمع فيُنسى مؤلفها وملحّنها وتعيش لتمثّل روح الشعب ومعتقداته، طابعه وعاداته وتقاليده، وكلّما كانت كلمات الأغنية بسيطة وسهلة الأداء أقبل الشعب على ترديدها والحفاظ عليها بعد أن أصبح لهذا العمل الإبداعي والمتمثّل في الأغنية الشّعبيّة دور كبير وأثر واضح في التّوجيه الخلقي والاجتماعي وارتباط وثيق بوجدان الشّعب وعاطفته ومعتقداته45.

فالموسيقى الشّعبيّة هي نتاج لمجتمع ذي تقاليد عريقة، هذا النّتاج الذي يحمل في طيّاته الكثير من الدّلالات والرّموز التي تعكس ثقافة وتاريخ هذا المجتمع. فمثلا مناسبة إحياء العاشوراء بالجنوب التّونسي46، وقد انقطعت منذ أعوام، فإنّنا نجد فيها أغاني شّعبيّة مُحمّلة بموسيقى وكلمات لها دلالاتها ومقاصدها. ذلك أنّ إحياء عاشوراء يعدّ من بقايا تقاليد الشّيعة الفاطميّين منذ تأسيس دولتهم بالبلاد التّونسيّة في أواخر القرن الثّالث، ثمّ رسخت في قبائل الجنوب عند أعراب بني هلال وسليم إثر نزوحهم من صعيد مصر في منتصف القرن الخامس هجري47. هذه الفعاليات هي عبارة عن مأتم يُقام من أجل مقتل الحُسين. فتجتمع النسوة والفتيات في مكان معيّن بعد صلاة العشاء ويبدأن لقاءهن واقفات منشدات أنشودة النَّدب48 التي يقلن فيها:
العِينْ49 يَا شَبَيْبَاتْ50 عْلَ نْبِـينَا قَالُو مَاتْ
العِينْ يَا شِيبْ51 عْلَ نْبِينَا مَـا هُو عِيبْ52
العِينْ يَا شِيبْ الجَنّة عْلَ نْبِينَا مَا هُو مِـنَّا53
وِاللِّي مَا تِظْهِرْ تِلْعَبْ54 يَعْطِيهَا شُوكِـةْ عَقرَبْ55
إنّنا وإن أشرنا آنفا إلى مبدع الموسيقى الشّعبيّة فإنّنا نعني به ذلك الفرد الذي هو في الأساس ينتمي إلى مجتمعه فيكون حتما قد انغمس في فكره وعقيدته وثقافته وهذا ما يؤدّي إلى تشكيل شخصيّته الإبداعيّة واقترانها بوجدانه وطباعه ومزاجه. وفي هذا الاتجاه يمكننا القول بأنّ شخصيّة المبدع في هذا المجال تنعكس على العمل الفنّي الذي أبدعه فيتبناه مجتمعه ويتداوله ويحافظ عليه.
ومن هذا المنطلق، ومن موقع تخصّصنا العلمي في «اثنولوجيا الموسيقى»، يحقّ لنا دراسة الإبداع الفني في الموسيقى الشّعبيّة وذلك بمعالجة الجوانب المشخّصة والمتمثّلة من ناحية في العمل الإبداعي (الأغنية الشّعبيّة) الذي أبدعه الفرد لمجتمعه فيكون بذلك جزءا من الثّقافة الشّعبيّة ، ومن ناحية أخرى في الظّروف المحيطة بالشّخصيّة المبدعة وبالعمليّة الإبداعيّة وما إلى ذلك من عناصر الإبداع الفنّي بشكل عام.
والواقع أنّ دراستنا للإبداع الفني في الموسيقى الشّعبيّة كانت وليدة رأي يقول بأنّ كلّ ما يصدر عن الإنسان، سواء أكان فكرة أو إنجازا، يمكن اعتباره عملا إبداعيّا حتى وإن لم تنطبق عليه كل المعايير والمتطلّبات الخاصّة التي تحدّد العمل الإبداعي بالمعنى الدقيق للكلمة56.
وأمام هذا الرّأي، فإنّنا نرى بأنّ الموسيقى الشّعبيّة هي الموسيقى التي استوحاها مبدعها من مجتمعه فتعبّر عن ذوقه ومشاعره، وهي كغيرها من أنماط التّعبير الفنّي عمل إبداعي تنصهر فيه عناصر متداخلة كالكلمة واللّحن والمبدع والمتلقّي.

مواطن الإبداع الفني في الموسيقى الشعبية من خلال بعض الممارسات الاحتفالية بمنطقة «منزل شاكر»:
اولاً: تقديم منطقة البحث:
«منزل شاكر» هي إحدى معتمديّات ولاية «صفاقس» والتي تقع غربا على مسافة 44 كلم، وتحتلّ موقعا جغرافيّا متميّزا على أساس أنّها تجاور ثلاث ولايات: ولاية «القيروان» وولاية «سيدي بوزيد» وولاية «المهديّة».
تحدّ منطقة «منزل شاكر» من الشّمال كل من معتمديّة « هْبِيرَة» و«شِرْبَان» من ولاية «المهديّة» ومعتمديّة «الشّرَارْدَة» من ولاية «القيروان»، أمّا من الجنوب فنجد معتمديّتين هما «عْقَارب» و«بئر علي بن خليفة» ثمّ وفي الشّرق، نجد كلا من معتمديّة «الحِنْشَة» و«صفاقس الجنوبيّة»، لتحدّها من الغرب معتمديّة «الرْڤَابْ» من ولاية «سيدي بوزيد». وحسب آخر إحصائية مدّنا بها مكتب أرشيف معتمديّة «منزل شاكر»، فإن عدد السّكان بهذه المنطقة هو 34119 متساكنا منهم 17179 من الذّكور و16940 إناثا.

إنّ الاسم القديم لمنطقة منزل شاكر هو «ترياڤة» «Teryaga» وقد أجمعت الرّوايات على هذا المصطلح إلا أنّها اختلفت في مدلوله، حيث أنّ هناك من يقول بأن هذه المنطقة كانت تدعى «ترياڤة» لصعوبة الحياة بها وملوحة مائها57، ورأي آخر يقول بأن المنطقة سُمّيت بـ«ترياڤة» نسبة إلى نبات يسمى بـ «الترياڤ» كان متواجدا بالجهة وهو ذو طعم مُر يُداوى به من لدغ الحيوانات السّامة58.

وبالّرجوع إلى معجم «لسان العرب»، فإن «التّرياق» بكسر التاء هو دواء السّموم... وكانت العرب تسمّي الخمر ترياقا و«ترياقة» لأنها تذهب الهم59.

ولئن اختلفت الرّوايات في مدلول الاسم القديم للمنطقة، فإنها تتّفق على اسم واحد وهو «ترياڤة» الّذي استُبدل باسم «منزل شاكر» كنتيجة للدّور الفعّال لأبناء الجهة خلال الحركة الوطنيّة ضدّ المستعمر الفرنسي وذلك تخليدا لروح الزّعيم الوطني الهادي شاكر60، 61.

ما من شكّ أن منطقة «منزل شاكر» لها تاريخ قديم كغيرها من المناطق التونسيّة، إلا أننا، وأمام ندرة المصادر وشحّ الرّوايات الشّفويّة، وجدنا صعوبة في التعمّق في تاريخيّة المنطقة، لذلك حاولنا قدر المستطاع تقديم لمحة تاريخيّة، حتى وإن بدت مقتضبة، إلا أنها تقدّم لنا فكرة حول ماضي وتاريخ منزل شاكر.

ثانياً: لمحة عن بعض الممارسات الاحتفالية بمنطقة «منزل شاكر»:
إن لمنطقة منزل شاكر عادات وتقاليد62 تداولتها الأجيال عبر سنين عديدة. وهي عادات قد تختلف وقد تتشابه من عمادة إلى أخرى. ولعلنا نعني بالعادات والتّقاليد في هذه المنطقة تلك المرتبطة بالممارسات الاحتفالية الدّينيّة منها والدّنيويّة فضلا عن بعض المجالات الأخرى كموسم جني الزيتون.
عديدة هي الاحتفالات بمنطقة منزل شاكر وهي احتفالات عادة ما تكتسي صبغة شعبيّة أي يشارك فيها عامّة النّاس وأخرى تتّخذ إطارا ضيّقا وهو العائلة.
ومن هذه الاحتفالات نذكر الاحتفال بالمولد النّبوي الشّريف ورأس السّنة الهجريّة ويوم عاشوراء بالإضافة إلى الحضرة التي تُقام في إحدى أضرحة الأولياء الصّالحين مصاحبة ببعض الطّقوس.
ففي المولد النّبوي الشّريف تُقام مجالس دينيّة يُرتّل فيها القرآن الكريم، وبالتالي يجتمع شيوخ وكهول وشباب المنطقة في هذا الحدث الديني، كما يقع إعداد أكلة خاصّة بهذه المناسبة الدينية وهي «العْصِيدَة»63.
أمّا الاحتفال برأس السّنة الهجريّة فهو لا يختلف كثيرا عن المولد النّبوي الشّريف على اعتبار أنّه يُرتّل فيه القرآن أيضا في هذه المناسبة. إلاّ أنه يقع إعداد أكلة تسمى بـ«المْلُوخِيَّة»64.
وفي ما يخص يوم عاشوراء فإنّ الاختلاف في الاحتفالين السابق ذكرهما يكمن أساسا في الأكلة التي يقع إعدادها حيث يتمّ طهي «الكُسْكْسِي بِالكَرْكُوشْ»65.
أمّا بالنسبة لزيارة مقام أحد الأولياء الصّالحين، فإن هذا الاحتفال يكون على نطاق شعبي واسع حيث يشارك فيه جميع أفراد مجتمع منطقة منزل شاكر. وقد نجد في بعض زيارات الأولياء الصالحين عادات وتقاليد خاصة لكل ولي صالح. وبشكل عام، وعند زيارة مقام ولي، يقوم الزّائر بجلب ذبيحة ليتم توزيعها على الفقراء، بعد ذلك يقوم بزيارة الضريح فيدعو ما شاء من الدّعاء ثم تختتم هذه الزّيارة بإقامة حضرة تنشد فيها بعض المدائح لهذا الولي66.
وإلى جانب هذه الاحتفالات التي تتّخذ طابعا دينيّا في ممارساتها، نجد أيضا الاحتفال بالعرس التقليدي والاحتفال بالختان اللذين يعتمدان على مراحل عديدة وهي67:
بالنسبة للعرس التقليدي:
يقام العرس التقليدي على مراحل وهي:
- الجَبْهٍيَّة: يقوم أهل العريس بخطبة أهل العروس من أبيها بعد أن يقع اختيارها من طرف الأم، ثم يتمّ تحديد قيمة الشرط بين الأهلين لتُقرأ الفاتحة فتعقبها زغاريد النسوة إعلانا عن رضا العائلتين بهذه المصاهرة.
خْـذِيـتِي نَـدِّكْ مِـنْ نَـدَّهْ68
يْدِيرِكْ69 وَرْدَة عْلَى خَدَّه
عْـرِيـسِكْ خَارِجْ مِـنْ دَارَهْ
وِالوَرْدْ يْمِينَا وْ يْسَـارَهْ
عْرُوسِتْنَا انْشَاءْ اللَهْ نَـوَّارَة
فِي وِسْــطْ قْلُوبْ النَغَّــارَة70
يَا عْرُوسِتْنَا نْـوَصِّيكْ وْصَايَة
إذَا نِدْهُـولِكْ71 عْلَى غَــفْــلَة
قُولِي نْعَمْ مَا تْقُــــولِي لاَ

- نْهَارْ الكُسْكُسِي72: يعتبر هذا اليوم الانطلاقة الفعلية للعرس حيث يتم فيه رحي القمح و«الشعير»، ثم تأتي عملية «التْكَسْكِيسْ» من طرف النسوة في جوّ احتفالي بهيج.
- نْهَارْ «تَشْعِيلْ النَّجْمَة»: يقع إشعال كومة من الحطب في هذه الليلة للدلالة على بدء سهرات العرس.
- نْهَارْ الكِسْوَة: وهو يوم جلب كسوة العروس من طرف أهل العريس والمتمثلة في مجموعة من الحُليّ الفضّي، بالإضافة إلى «العْلاَقَة»73والتي تحتوي على مجموعة من الأدوات اللازمة لزينة العروس.
- نْهَارْ الحِنَّاءْ: هي الليلة التي يتم فيها تخضيب يدي ورجلي العروس من طرف «الحنّاية» وسط حضور مجموعة من النسوة.
مِدّي إيدِكْ لِلْحِنَّاء ِارْخِ74 لِـدَيَّ
يَا أمُّ75 الخُـوَاتِمْ الذَّهَبِيَّة
مِدِّي إيدِكْ لِلْحِنَّاء وِارْخِ الصُّوَابِعْ
يَا أمُّ الخُوَاتِمْ بِالطَّابَعْ76
- نْهَارْ «الصْخَابْ»: يوم تحضير وترتيب «الصْخَابْ»77 في شكل عقود لتزين بها العروس في الليلة الكبيرة.
- نْهَــارْ الــرَّاحَـة: في هـذا الــيــوم، يــأخـذ أهـل الـعروسين نصيبهم من الراحة، كما يتم التحضير لمظهر العريس ولباسه استعدادا للاحتفال بالليلة الكبيرة.
- اللِّيلَة الكْبِيرَة: تكون هذه الليلة بمثابة ختام سهرات العرس بمنطقة منزل شاكر، حيث يتم منذ صباح هذا اليوم عملية «العَرْضَانْ» أي دعوة الأهالي للحضور وتوزيع الطعام عليهم. كما يقع تشييد «بِيتْ الشَّعَرْ» ليكون بمثابة الركح الذي سيخصص للاحتفالات في هذه الليلة78 وفي عشية هذا اليوم يقع تحضير «الجَحْفَة»79 من طرف أهل العريس لتتوجَّه بعد ذلك إلى بيت العروس فتحملها إلى مقر الاحتفال بالعرس.
بالنسبة للختان:
- مرحلة شراء الكسوة: حيث يتم شراء كسوة المطهّر وعرضها على الأهل.
- مرحلة «الحَمَّامْ»: يقع فيها الذهاب إلى الحمّام واصطحاب «المطهّر» رفقة الأهالي والأقارب من النسوة اللّائي يقمن بالغناء وهو ما يسمّى بـ«الجُرّاد».
- مرحلة «الحِنّة»: وهي المرحلة التي يتم فيها وضع الحنّة على يد «المطهّر» ليقع الاحتفال بعد ذلك في السهرة صحبة فرقة «المْزَاوْدِيَّة»80.
- مرحلة «الطْهُورْ: وهي المرحلة الأخيرة في هذا الاحتفال حيث يقع ختان الولد نهارا والاحتفال بذلك ليلا.

ثالثاً: مقاربة تحليليّة لعناصر الإبداع الفنّي في جُرَّاد «عَ المَشْمُومَة»:
1.التعريف بـالنمط الغنائي: «الجُرَّادْ» :
يعرف أيضا بـ «التَّجْلِيبْ» أو «التَّجْرِيدْ»، وكلاهما يحمل نفس المعنى. و«الجُرَّادُ» لغة هو مصدر من فعل جَرَّدَ يُجَرِّدُ تجريدا، وجَرد الشيء يجرده جردا وجرده: أي قشره. وجرد الجلد يجرده جردا أي نزع عنه الشعر. ويقال رجل أجرد أي لا شعر عليه. وجرد الكتابة أي عراها من الضبط والزيادات والفواتح81.
أمّا اصطلاحا فإن «الجرّاد» هو نمط غنائي يتميّز عن الصوت بمصاحبته لآلة إيقاعيّة، وهو غناء يؤدى من طرف النسوة طيلة أيام العرس التقليدي. وتسمى المرأة التي تؤدي هذا النمط بـ«الغَنَّايَة» أو بـ«المْجَرْدَة». أما النسوة اللائي يردّدن من وراء هذه الغَنَّايَة فيطلق عليهن اسم «الحَكَّامَة».
ومن هذا المنطلق فإن «الجُرَّادْ» يمكن اعتباره نمطا غنائيا جماعيا يعتمد قي أدائه على التناوب بين الغناء الفردي (الغَنَّايَة) والغناء الجماعي (الحَكَّامَة).
ونورد فيما يلي رسما بيانيا نوضح فيه طريقة تداول الغناء بين «الغَنَّايَة» و«الحَكَّامَة» المعتمدة في أداء الجرّاد:


وحسب ملاحظاتنا الأوليّة، والتي دونّاها في خضم عملنا الميداني، فإنّ هذا النمط الغنائي يعتمد طيلة أدائه على جملة لحنية واحدة تكون في الظاهر بسيطة82، تتكرّر في مختلف الأبيات الشعريّة، ولعلّ هذا ما يفسّر شيوع هذا النمط الغنائي لدى أهل المنطقة وتواجده في مختلف احتفالاتهم.
يكون غناء هذا النمط مصاحبا بآلة إيقاعية عادة ما تكون آلة «الدَّرْبُوكَة»83 والتي كثيرا ما نجد «الغَنَّاية» هي التي تنقر عليها. أمّا فيما يتعلّق بالمواضيع التي تتناولها أغاني الجُرَّادْ فهي متعددة لعلّ أبرزها تلك التي تهتمّ بإبراز صفات الرجل كالعريس أو أحد الحضور في المحفل، إلى جانب موضوع حقوق المرأة وذلك بالمطالبة ضمنيّا بمستحقّاتها في الحياة ورغبتها في الخروج من سيطرة الرجل. وقد أفادتنا إحدى المخبرات84 أنّ هذا النمط الغنائي يلازم المرأة بمنطقة منزل شاكر في بيتها وفي عملها وفي احتفالاتها شأنها شأن باقي نساء الأرياف، وبالتالي يمكن القول بأنّ «الجُرَّادْ» يمثّل للمرأة متنفّسا للترويح عن نفسها أمام مشاغل الحياة ومصاعبها.

2. دراسة الجانب الأدبي:
النص الشعري للجراد:
ويَــا صَــلاَةْ عَـلَـى نْبِـيــنَـا
وعَــلـّـي جَـانَـــا وْهَـنَّـانَــا
ومَـــرْحَـبَـا بِـالـلّـي جَــانَــا
وأَهْــلاَ وْسَـهْـلاَ وْمَــرْحَـبَه
وهُـرّوا و آحْــمُــولاَ عِــرْسَـا
وِالـوَهْـــرَة لْبَــابَــا وُجَــدَّه
وبَـانِــي الــدَّارْ وُمْـعَــلاَّهَـا
وخُـويَـا غْـزَالْ يَـلْعَـبْ فِيـهَا
وَلاَّ عَــصْــفُــورِ الــجَــرْدَة
وينَــڤِّــزْ مِــنْ وَرْدَة الــوَرْدَة
وِنْـجِـيــبْ غْـنَـايَـا وِنْـڤُـولاَ
فِي حَـمْـدَة مَـاهُـوشِ خْسَارَة
وْحَــْـدَة عَـصْـفُـورِ الـجَـرْدَة
وِيـنَـڤِّـزْ مِـنْ وَرْدَة بِـيــضَـة
وَحْـيَـاةِ الـرَّاسْ نَــايَــا وْهُـوَّ
يَضْرَبْـهَا وْمَـا يْطِيڤِـشْ فِيهَـا
نَـايَـا الـرّاجِــلْ مُــوشِ مْــرَا
وْحَـمْـــدَه رَاتُـــو الحُـرِّيـَّة
وِبْـَـيِّـكْ يَا غْـزَالْ الصَّحْـرَة
يَــرْتَـــعْ وِيــــرَوِّحْ وَحْـــدَه
ويَـا بْـرَيِّـكْ سَـلِّـمْ حَـمْـدَه
سَـعْـدِي وَعْـطَـانـِي الـمَـوْلَى
ڤِـدِّوا الـفَـنْ ڤِــدُّوا كَــارَه
وِلْـدِ الـعَـرْشْ عْـلَـى كُـبْرَه
نْـهِــزْ مْـــاَكَـــه بِـــدَيَّـه
لاَ ثَـــمَّــّة طُـفْــلة ڤُطْعِيَّـة
خْـوَانِـي ثْنِـينْ حْــنِي ثْـلاَثَـة
آسْـمَا اللَّه وِالخُـوفِ مْنَ اللَّه
ونْـجِـيـبَ غْـنَـايَـا ونْـڤُـولَـه
وفِي خُـويَـا مَـاهُوشِ خْسَـارَة
ويَـعْـرَفْنِي وْمَــا يْطِيڤِـشْ فِيَّ
يَــا حَـجَّــابْ بَــرَّة وِإيــجَـه
وْيَـا حْـبَـابـِي يَــا شَــرْعَ اللَّه
وْمَـا دَايِـــمْ كَـانْ وَجْـهَ اللَّه
وْلاَ نِـبْـكِي لاَ نْڤُـولَ شْبِيَّـه
شَـطْـرِ الدُّوَّارْ شَـطْـرَة لِـيَّــه
وِثَــمَّ ريتــي جِــمْــــلِـيَّــة
وْحَـيْـدِ البِـلِي هـا عَـالـِـيَّــة
الموضوع:
اتّخذ النّص الشّعري لهذا النّموذج الغنائي غرض الغزل والوصف والمدح، حيث أنّه وقع اعتماد العديد من الصّور الشّعريّة التي تصف وتعدّد تارة محاسن العريس وتارة أخرى خصال الأخ والأحباب من العائلة. كما نجد معاني تدلّ على التّباهي والتّفاخر بالشّهامة والأخلاق وما إلى ذالك من الصّفات الحسنة لدى أفراد العائلة.
شرح المفردات:

المفردات ( باللهجة المحليّة) المفردات (باللغة العربية)
المَـشـْمُــومـَة باقة من زهرة الفلّ أو الياسمين
مْـعَلاَّهَا مُشَيِّدَهَا
هُورُوا أَقْبَلُوا
ڤُطْعِيَّة أصحاب السوء
حَجَّابْ الله ستر الله
تْحُضْ تجوز
فْرِنْدِسْ سريع
الحَنَّانَة الغالية
مْعَامِيرَه (جمع معمورة) المعمورة هي بيت صغير يشيّد من الحطب
الــوَهْـــــرَة الوَقَارْ

الشّكل الخارجي للنص الشعري:
حسب ما ورد في النّص الشّعري ومن خلال أشطره الشّعريّة فإنّ الشّكل الخارجي لهذا النّص بدا وكأنّة شبه منتظم على مستوى تواتر الرّوي فيه ذلك أنّنا لم نجد التزاما تامّا برويّ موحّد للأشطر الشّعرية. حيث أنّنا نجد في بعض الأحيان اتّباعا لروي معيّن مثال ذلك:
وْلاَ نِـبْكِـي لاَ نْڤُـولَ شْبِيَّـه
شَـطْـرِ الدُّوَّارْ شَـطْـرَة لِيَّـه
وِ ثَــــمَّ ريـــتـي جِــمْـلِـيَّـة
وْحَــيْـدِ البِـلِي هـا عَـالِيَّـة
وقد نجد أحيانا أخرى عدم الالتزام والتقيّد بنظام الرويّ الموحّد مثال ذلك:
وَحْيَــاةِ الـرَّاسْ نَــايَــا وْهُــوَّ
يَـضْرَبْهَـا وْمَـا يْطِيـڤِشْ فِيهَا
نَـايَــا الـرّاجِــلْ مُــوشِ مْــرَا
وْحَـمْــدَه رَاتُــــو الحُــرِّيَّــة
إبداعيّة النّص الشِّعري:
في محاولة منّا لاستخراج مواطن الإبداع الشّعري في هذا النّموذج الغنائي، سنتطرّق إلى دراسة بعض الصّور الشّعريّة والبحث في جماليّة المفردات المشيّدة لهذه الصّورة. ومن البديهي القول بأنّ النّص الشّعري هو لشاعر مجهول على اعتبار أن المضمون الأدبي لهذه الأغنية قد تم تداوله شفويا وتناقله بصفة تلقائيّة لا شعوريّة بين الأجيال دون بحث عن صاحبه.
لقد احتوى هذا النّص الشّعري جملة من الصّور الشّعريّة التي اعتمدت على أسلوب الاستعارة والتّشبيه مثال ذلك:
وَلاَّ عَــصْفُــورِ الجَــــرْدَة
وينَـڤِّـزْ مِـنْ وَرْدَة الـوَرْدَة
إن تشبيه الأخ بالعصفور وتواجده في الحديقة وهو يتنقل من وردة لأخرى، صورة شعريّة تعكس حالة المرح التي يعيشها هذا الأخ وكذلك حالة العشق التي يعيشها الشّاعر. والملاحظ في هذه الصّورة الشّعريّة هي تلك اللّوحة الطبيعيّة التي نقلتها بعض المفردات كـ«الجَرْدَة» و«الوَرْدَة» و«العُصْفُورْ».
وفي موضع آخر من النّص الشّعري نجد تشبيها بالغزال للأخ، فقيل:
وبَــانِــي الــدَّارْ وُمْــعَـلاَّهَــا
وخُــويَا غْـزَالْ يَـلْعَـبْ فِيـهَـا


3. دراسة الجانب الموسيقي:
- النّص الموسيقي 85:
- التّحليل اللّحني:
اعتمادا على التّسجيل الصّوتي، توصّلنا إلى استنتاج، أنّ هذا النّموذج الغنائي يمثّل وحدة لحنيّة متكاملة تمّت إعادتها 65 مرّة.
وقد اشتملت هذه الوحدة اللّحنية على بيت شعري بالإضافة إلى اللاّزمة الشّعريّة، إن صحّ التّعبير، ع المشمومة، التي تسبق كل بيت شعري على مدى كامل الأغنية.
والجدير بالذّكر أنّ هذه الوحدة اللّحنيّة قد اشتملت على عشر مقاييس خُصّصت الأربع الأولى منها على لفظ «ع المشمومة»، وقد تمّ أداؤها من طرف المجموعة الصّوتيّة (الحكّامة).


أمّا فيما تبقّى من مقاييس، فهي للبيت الشّعري الذي تم أداؤه بصفة فرديّة من طرف امرأة (الغنّاية).


إنّ أبرز ما يميّز هذه الوحدة اللّحنيّة هو احتواؤها على انتقالات رباعيّة (راي/صول) و ثلاثيّة وأخرى ثنائيّة (راي/مي)


كما تميّزت بتركيزها على درجة الدّوكاه وهذا ما يؤكّد لنا بأنّ هذه الأخيرة تمثّل درجة ارتكاز لحن هذا النّموذج الغنائي، هذا بالإضافة إلى التّركيز أيضا على درجة الـ«مي» وذلك في بعض المواضع من الخط اللّحني العام من هذا المثال الغنائي.


- المجال الصّوتي:
اعتمادا على التّرقيم الموسيقي فإنّ المجال الصّوتي لهذا المثال الغنائي يمتدّ من درج «الكَوشْت» إلى درجة «النَّوا».
- التّحليل الإيقاعي:
اعتمادا على التّسجيل الصّوتي، لاحظنا أنّ أداء المثال الغنائي كان موزونا، ذلك أنّنا تحسّسنا نبضا إيقاعيّا عند الغناء وبالتّالي فقد توصّلنا إلى تحديد دورة إيقاعيّة تحتوي على بيضاوين لذلك فإنّ الدّليل الإيقاعي الذي اعتمدناه عند التّدوين الموسيقي كان.
وفي هذا السّياق تجدر بنا الإشارة إلى أنّ غناء المرأة كان باعتماد أسلوب ما يُعبَّر عنه موسيقيّا « أنكروز» «anacrouse»، وقد أكّد لنا هذا التّحليل الإيقاعي أداء المجموعة الصّوتيّة (النّسوة) حيث أنّ بداية أدائها كان في آخر وقت من أداء المغنيّة.
أمّا بالنّسبة للخلايا الإيقاعيّة فقد استخرجنا النماذج التّالية:

 

 

والجدير بالذّكر أنّ الحركة الإيقاعيّة لأداء المثال الغنائي حسب ما ورد في الوثيقة المسموعة كانت في نسق تصاعدي بحيث أنّ في بداية الغناء كانت الحركة الإيقاعيّة متوسّطة السّرعة = 91 لتكون في الأخير سريعة = 120.
علاقة الإيقاع اللفظي في النص المغنى بالإيقاع الموسيقي:


يتّضّح لنا من خلال تحليلنا للملفوظ الشّعري وللملفوظ المغنَّى وعلاقتهما بالوزن الموسيقي، أنّ البيت الشّعري من الأغنية تضمّن أربعة عشر مقطعا لفظيّا، بحيث أنّ كل شطر من هذا البيت احتوى على سبع مقاطع. وبالتّالي يمكننا الإقرار بوجود التّناظر على المستوى الكمّي للمقاطع في الملفوظ الشّعري.
وعلى اعتبار أنّ الوزن الموسيقي المُعتمد في أداء هذا المثال الغنائي «ع المشمومة» اتّخذ البيضاء كوحدة إيقاعيّة ()، فإنّنا تعمّدنا اختيار السّوداء كوحدة لتحديد النّقرات في الملفوظ المُغنّى، وذلك تسهيلا لعمليّة التّحليل، ولعلّنا بهذا التّمشي المنهجي نحاول إبراز عمليّة التّطويع الحاصلة بين البيت الشّعري والوزن الموسيقي سواء أكان هذا التطويع بتمديد بعض المقاطع اللّفظيّة أو بإضافة مفردات أو ترنّمات حتى يستقيم الوزن الموسيقي مع الملفوظ المغنّى.
فمثلا وقع إضافة كلمة «ع المشمومة» في بداية البيت وترنّمات «يا لالالا» في آخره. وتبقى هذه الإضافة بهدف استقامة الوزن الموسيقي مع هذا البيت الشّعري. أمّا على مستوى ما تم تمديده، فإنه وقع تمديد مقطع «لـه» وذلك بإضافة نقرة خلال لفظه مغنى.

 

- إبداعيّة البناء الموسيقي:
اعتمادا على الوثيقة المسموعة (التّسجيل الصّوتي)، فإن جُرّاد «ع المشمومة» استغرق أداؤه 12 دقيقة و44 ثانية. وقد احتوى البناء الموسيقي لهذا الجُرّاد على أربع عناصر فنيّة تمثّلت بالأساس في الغناء والتّصفيق والزّغاريد والمصاحبة بآلة الدّربوكة.
شكّلت هذه العناصر المشهد الخارجي لجُرّاد «ع المشمومة»، والتي ساهمت إلى حد كبير في خلق جماليّة على مستوى التّنفيذ الموسيقي لهذا الجُرّاد.
ونورد فيما يلي رسما بيانيّا نوضّح من خلاله تطوّر مسار البناء الموسيقي لجرّاد «عَ المشمومة» انطلاقا من عناصر فنيّة متنوّعة بين الإيقاع والزغاريد والتصفيق والغناء:
استُهل جُرّاد «ع المشمومة» بالغناء الذي تراوح بين فردي وآخر جماعي. وهذا ما يُعتبر خاصيّة من خاصيّات هذا النّمط الغنائي الذي يعتمد أداؤه على التّناوب بين الغناء الفردي (الغنّاية) والغناء الجماعي (الحكّامة). وتجدر الإشارة في هذا الصّدد إلى أنّ أداء «الغَنَّايَة» اشتمل على جُل الأبيات الشّعريّة، بينما اقتصر أداء «الحَكَّامَة» على لفظة «عَ المَشْمُومَة».


وقد ظهر عنصر التّصفيق في هذا النّمط الغنائي مباشرة بعد أداء «الغَنَّايَة»، ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ هذه الأخيرة قد أعطت ضمنيّا الحسّ الإيقاعي للحَكَّامَة ما أدّى بهنّ إلى التّصفيق بشكل منتظم. والجدير بالذّكر، في هذا السّياق، أنّ عنصر التّصفيق، منذ ظهوره، صاحَب الغناء إلى نهايته. ومباشرة بعد التّصفيق، وخلال أجزاء من الثّانية، ظهر عنصر فنيّ آخر وهو الزّغاريد.

وإن كان عنصرا ْ التّصفيق والغناء متواصليْن على مدى كامل المثال الغنائي، فإنّ عنصر الزّغاريد كان متقطّعا بحيث تواجد إحدى عشر مرة على مدى كامل الجُرّاد وقد اختُتِم به ليكون بمثابة الإعلان عن نهاية غناء الجُرّاد (القفلة).
على مستوى الدّقيقة الثّانية من المدّة الزّمنيّة المستغرَقة في أداء جُرّاد «ع المشمومة»، ظهر عنصر جديد وهو الإيقاع والذي تمثّل في حضور آلة الدّربوكة ليُصاحب الغناء بقيّة الجُرّاد، ولعل أبرز ما يجب الإشارة إليه هو ذلك النّسق التّصاعدي الذي شهدته الحركة الإيقاعيّة للوزن الموسيقي وكنّا قد بيّنّا ذلك آنفا في التّحليل الإيقاعي.
إنّ أبرز ما يمكن استنتاجه في خضم دراستنا لإبداعيّة البناء الموسيقي لجُرّاد «ع المشمومة»، هو ذلك التّطور الذي شهده البناء الموسيقي انطلاقا من العناصر الفنّية والتي كانت تباعا: الغناء والتّصفيق والزّغاريد وأخيرا الإيقاع. كل هذا يقودنا لإبراز إبداعيّة على مستوى تشييد الشّكل الخارجي للجُرّاد الذي، وإن حاولنا إبرازه عن طريق التّحليل، فإنّه دون أدنى شكّ، هو إبداع فطري وتلقائي من لَدُن هذه الفئة من مجتمع منزل شاكر، والذي ربّما قد يكون وُرِث كما هو عليه اليوم، أو ربّما يكون قد أُدخلت عليه بعض الإضافات على مستوى بنائه الموسيقي دون تغيير من جوهره ومضمونه.

خاتمة:
إنّ ما تقدّمنا به في دراستنا هذه لا يعدو أن يكون سوى ملامسة بسيطة في مسألة الإبداع الفني للموسيقى الشعبية التونسية وذلك انطلاقا من عيّنة من الموروث الغنائي الشعبي لمنطقة «منزل شاكر».
هذه الدراسة التي حاولنا قدر الإمكان أن تكون شاملة الأبعاد: بمعنى البعد النظري أي الاعتماد على تلك الدراسات العلمية التي اهتمّت بدراسة الإبداع والعملية الإبداعية في مفاهيمها ونظرياتها وكذلك البعد الميداني العملي أي الاعتماد على الميدان كمنطلق لدراسة النمط الغنائي من حيث هو ممارسة موسيقية تتفاعل فيه عناصر فنية متعددة تكون هي بدورها الفاعلة في تشكيل الإبداع الفني بشكل عام لهذه الممارسة.
والواقع، أننّا تعمّدنا اختيار ثلاث أنماط غنائية متداولة في مجتمع منزل شاكر في أفراحهم وأتراحهم والمتمثلة أساسا في نمط «الصّوت» و» الجُرّاد» وكذلك «الأغنية الشعبية». والجدير بالذكر أنّ دراستنا لهذه الأنماط كانت في سياقها الطبيعي التي مورست فيه وانبثقت منه ونعني بذلك « العرس التقليدي» الذي خصّصنا له عنصرا كاملا بالدراسة والتحليل.
وبشكل عام، وعلى مستوى الجانب الموسيقي في مختلف النتاجات الإبداعية التي قمنا بتحليلها، لاحظنا أن اللحن الأساسي لكل من الأنماط الغنائية تكوّنت من جمل قصيرة تحتوي على حركات لحنية «بسيطة» وانتقالات صوتية مختلفة ومتنوّعة بين الثنائية والثلاثية والخماسية وقد انحصرت أغلبها في مسار لحني لا يتعدّى الخمس درجات من السلم الموسيقي، ومهما تكن «بساطة» ألحان هذه الأنماط الغنائية فإنّها تنقل إلينا إبداعا فنيّا يتّسم بالتلقائية وهو ما جعلها مميّزة في بنائها العام بدءا من مضمون النص الشعري مرورا بالصياغة اللحنية وصولا إلى أسلوب الأداء.

الهوامش

1. عبد الله (علي)، "وظيفة اللحن الشعبي في غناء الطفولة"، الحياة الموسيقية، ع.35، وزارة الثقافة، دمشق، سوريا، 2005، ص. 14.
2. الجرجاني (علي بن محمد شريف)، كتاب التعريفات، طبعة جديدة، بيروت، مكتبة لبنان، ساحة رياض الصلح، 1985، ص. 6.
3. آية عدد 117 من سورة البقرة.
4. آية عدد 2 من سورة العلق.
5. قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة البقرة ، آية عدد 117)
6. ابن منظور (جمال الدين)، لسان العرب، مج.2، طبعة جديدة محققة، بيروت، دار صادر، ص. 37.
7. المعجم الوسيط، ط.4، مجمع اللغة العربية، الإدارة العامة للمعجميات وإحياء التراث، مكتبة الشروق الدولية، 2004، ص.43.
8. خزندار (عابد)، الإبداع، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص.3.
9. الإحداث: هو الذي يتمثل في ظهور الإنتاج أو الأفكار إلى حيز الوجود الفعلي، أو أمام وعي الإنسان في لحظة معينة من الزمان الأول مرة.
- التكوين أو الصنع: هو الذي يتمثل في وجود مادي"جديد" للشيء.
- (راجع: محمود السيد (عبد الحليم)، الإبداع، القاهرة، دار المعارف، 1977، ص.7.)
10. محمود السيد (عبد الحليم)، العنوان السابق، ص.7.
11. الحيدري (ابراهيم)، اثنولوجيا الفنون التقليدية، ط.1، دار الحوار للنشر والتوزيع ، 1018، ص.11.
12. الاستعداد (Aptitude): هو قابلية الشخص لاكتساب قدر من الكفاءة بعد نوع من التدريب الرسمي، أو غير الرسمي الذي يتراكم نتيجة لخبرات الحياة.
13. روشكا (ألكسندرو)، الإبداع العام والخاص، تر.غسان عبد الحي أبو فخر، سلسلة عالم المعرفة، ع.144، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989، ص.41.
14. الجسماني (عبد العلي)، سيكولوجية الإبداع في الحياة، ط.1، بيروت، لبنان، الدار العربية للعلوم، 1995، ص.43.
15. عكاشة (أحمد)، آفاق الإبداع الفني-رؤية نفسية-، ط.1، القاهرة، دار الشروق، 2001، ص.64.
16. محمود السيد (عبد الحليم)، العنوان السابق، ص.37.
17. المصدر نفسه، ص.38.
18. يشير مفهوم العملية إلى سلسلة من النشاطات المنتظمة الموجهة نحو هدف ما، أو هي نشاط متصل أو سلسلة من التغيرات التي تأخذ شكلا معينا. فهي شيء ما يحدث ويشير إلى سلسلة من الخطوات المتتالية والمنضمة، والتي يتم عن طريقها الوصول إلى هدف معيّن. (عبد الحميد (شاكر)، العملية الإبداعية، سلسلة عالم المعرفة، ع.109، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1987، ص. 113.).
19. أسعد (يوسف ميخائيل)، سيكولوجية الإبداع في الفن والأدب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص. 159
20. الجسماني (عبد العلي)، العنوان السابق، ص.84.
21. روشكا (ألكسندرو)، العنوان السابق ، ص.32.
22. سويف (مصطفى)، الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة، دار المعارف، الطبعة الرابعة، القاهرة، ص.295.
23. سويف (مصطفى)، العنوان السابق.
24. روشكا (ألكسندرو)، العنوان السابق ، ص. 33.
25. المصدر نفسه، ص. 34.
26. روشكا (ألكسندرو)، العنوان السابق، ص. 35.
27. المصدر نفسه، ص. 36.
28. روشكا (ألكسندرو)، العنوان السابق، ص.27.
29. المصدر نفسه، ص.27.
30. أحمد عيسى (حسن)، الإبداع في الفن والعلم، سلسلة عالم المعرفة، ع.24 ، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1979، ص.44.
31. يرى الكثير من الباحثين أنّ دراسات الإبداع لا بد أن تتركز على النتاج الإبداعي ذلك أنهم يرون بأنّ هذه الدراسات تكون أكثر جدوى في ضوء هذا النتاج بدلا من أن تشمل العملية الإبداعية ومراحلها. ( لمزيد من التعمق في هذا المجال راجع الكتاب: أحمد عيسى (حسن)، الإبداع في الفن والعلم، ص. 43 - 49.)
32. لمزيد التعمّق راجع: توفيق (هاشم)، "مفهوم الإبداعية" من منظور علمي فيزيقي الإشكالية، مجلّة إبداع، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، ب.ت، ص ص 100 - 107.
33. في مقارنة بين الإنتاج العلمي والإنتاج الفني سنجد أنّ الاختلاف بينهما قد لا يكون في عناصر المادة أو القواعد الإبداعية، لكنه في الخصوصية الإنتاجية ذلك أنّ كل واحد منها يحمل خصوصية لها وظيفة اجتماعية مختلفة تماما عن الآخر ويحمل أصلا اجتماعيا مميّزا.إنّ تكوين الفنان والخلفية الاجتماعية له ولإنتاجه الفني، يختلف عن التكوين والخلفية الاجتماعية، للعالم ولإنتاجه العلمي.(توفيق (هاشم)، العنوان السابق، ص. 104. ) .
34. اليافي (عبد الكريم)، "الإبداع في الفنون والعلوم"، الثقافة والإبداع، ص.16.
35. روشكا (ألكسندرو)، العنوان السابق، ص.71.
36. المصدر نفسه، ص. 16.
37. اليافي (عبد الكريم)، " الإبداع في الفنون والعلوم "، المجلة العربية للثقافة، ع.18، تونس، مارس، 1990، ص.16.
38. الأعسر (صفاء)، الإبداع في حل المشكلات، دار قباء للنشر والتوزيع، د.ت، ص. 91.
39. المصدر نفسه، ص.92.
40. السوان (عزيز)، الموسيقى تعبير نغمي ومنطق، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1976،ص. 139.
41. المصدر نفسه.
42. أسعد (يوسف ميخائيل)، العنوان السابق، ص. 64 - 65.
43. السوان (عزيز)، العنوان السابق، ص. 139 - 140.
44. الحيدري (ابراهيم)، العنوان السابق، ص 50 - 51.
45. أحمد يوسف ( تيمور)، "الأغنية الشعبية بين القديم والحديث"، مجلة التراث الشعبي، بغداد، السنة 10، ع. 7، 1979، ص 44.
46. المرزوقي (محمد)، "الموسيقى الشعبية في أغاني المناسبات"، الحياة الثقافية ، ع.5، أوت، تونس، 1978، ص.59 - 60.
47. راجع: عبد الوهّاب (حسن حسني)، خلاصة تاريخ تونس، تقديم وتحقيق حمّادي السّاحلي، طبعة جديدة مزيدة ومنقّحة، دار الجنوب للنشر، تونس، 2001.
48. يبدو من خلال هذا الخطاب أنّ الكلام موجّه من الفتيات إلى العجائز حتى لا يتخلفن عن المأتم وتأبين الحسين الذي يطلق عليه كلمة نبينا والمقصد ابن نبينا.
49. تعني كلمة "العين" في القديم "اندبن". وقد غيرت الكلمة لتشاؤم البدو من كلمة الندب. والمقصود بكلمة "ما هو عيب" في البيت الثاني هو النفي، أمّ كلمة "ما هو منا" في البيت الثالث، فالمقصود منها التأكد أي أنه "منا". (محمد المرزوقي، المرجع السابق).
50. أي "يا صبايا".
51. أي "يا شيوخ"
52. أي "ليس بعيب"..
53. أي أنّ الندب على وفاة النبي أمر لا يمكن التحكم فيه.
54. أي "والغير مكترثة".
55. أي دُعي عليها بلدغة عقرب.
56. أبو زيد (أحمد)، "الظاهرة الإبداعية"، عالم الفكر، الكويت، مج.15، ع.4، يناير، فبراير، مارس، 1985، ص 13.
57. (Google Earth 2010.
58. المذكرة التوجيهية اشكالية وآفاق التنمية بمعتمدية منزل شاكر، 2002-2006، الجمهورية التونسية، وزارة الداخلية، ولاية صفاقس، معتمدية منزل شاكر، ص3 .
59. 59) مقابلة مع المخبرة آمنة المهذبي، 80 سنة، ربة بيت، بمقر سكناها، بتاريخ 08/07/2010.
60. 60) ابن منظور (جمال الدين)، العنوان السابق، ج. 10، ص. 32.
61. 61) الهادي شاكر: ولد سنة 1908 بمدينة صفاقس. اغتيل في 13 سبتمبر 1953 بمدينة نابل. هو من بين أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري الجديد عام 1934. تخليدا لذكراه أطلق اسمه على أنهج وبعض المؤسسات ومعتمدية منزل شاكر. المصدر: شاكر (عبد المجيد)، الهادي شاكر ـ جهاد واستشهاد ـ مذكّرات، صفاقس ، مطبعة التعاضدية للطباعة والنشر، 2003.
62. المذكرة التوجيهية، العنوان السابق، ص.3.
63. في دراسة حول العادات والتقاليد الشعبية، ذُكر بأنّ العادة هي ما اعتمده الناس من سلوك يأتي لا شعوريا وبطريقة فطرية، ويتم تداوله وقبوله بصورة لا شعورية وهو سلوك يجد القبول الجماعي وتتطلبه الجماعة دون سواه في سياقه الاجتماعي... ومن السمات الرئيسية للعادة القبول الجماعي والتداول ...(حريز (سيد حامد)، "تصنيف العادات والتقاليد الشعبية"، المأثورات الشعبية، مركز التراث الشعبي لدول الخليج، عدد.12، الدوحة، قطر، 1388، ص.42.)
- أمّا عن التقليد فهو نمط سلوكي يتميّز عن العادة بأنّ المجتمع يقبله عموما دون دوافع أخرى عدا التمسك بسنن الأسلاف. (حريز (سيد حامد)، العنوان السابق، ص.42.) . وهو إرث وتركة تنتقل من جيل إلى آخر عن طريق التواتر، وتصبح معترفا بها، وتقر وتؤطر في أبديولوجيا وعادات وأخلاق وسلوك وتفكير هذه الأجيال المتعاقبة، فتستوحيه أو تعمل به.( اليساوي (شاكر)، العنوان السابق، ص103 - 104.)
64. العصيدة هي دقيق قمح مطبوخ بالماء يصبح كتلة متماسكة وتقدم على شكل نصف كرة. يحلى في بعض الأحيان بالعسل.
65. الملوخيّة هي أوراق نباتية خضراء تجف وتسحق ثمّ تطبخ باللحم ( نفس المصدر السابق)
66. الكسكسي بالكركوش : يتمّ طبخ الكسكسي بقطع صغيرة من اللحم الجاف. ( نفس المصدر السابق)
67. لقاء مع المخبرة آمنة المهذبي بتاريخ 08/07/2010 بمقرّ سكناها.
68. مقابلة مع المخبر الهادي الورغمّي، 70 سنة، فلاح، بمقر سكناه، بتاريخ 08/07/2010.
69. أي أنّ قيمة الشخص الذي خطب هو من نفس قيمة العروس.
70. يجعلك وردة .
71. قلوب الحسّاد.
72. أكلة شعبية تونسية من جذور بربرية.
73. هي عبارة عن قفة من السّعف مملوءة بكل ما يلزم العروس من زينة.
74. وأنزلي يديك.
75. يا صاحبة الخواتم.
76. المختومين أي الأصليّين في معدنهم.
77. خليط من النباتات تكون طيبة الرائحة.
78. خيمة كبيرة.
79. عادة ما تؤثّث هذه السهرة فرقة "الزْكَاكْرِيَّة" نسبة إلى آلة "الزُّكْرَة" التي تُعدّ ركيزة أساسية تقوم عليها الفرقة، وهي آلة هوائية تصنع من خشب الزيتون أو اللوز، تتكون من قطعة واحدة مجوفة ذات شكل اسطواني ولها نهاية تشبه الجرس. توضع "زَمَّارَة الزُّكْرَة" في الطرف العلوي للآلة وهي قطعة من خشب رقيق تطلق صوتا حادا. ويتراوح عدد ثقوب هذه الآلة بين ستة وثمانية ثقوب يضاف إليها ثقب واحد من الخلف للإبهام. تصل مساحتها الصوتية إلى الديوان. ويعتمد عازفها (الزكاكري) على تقنية معينة تتمثل في استنشاق الهواء من الأنف وخزنه في جوف الفم فيعمد إلى إخراج هذا الهواء المخزون في نفس الوقت الذي يعيد استنشاق هواء آخر. ولعلّ هذه التقنية، وما لها من صعوبة، فإنها تمنح لعازف الزكرة استمرارية في العزف دون انقطاع.
- تتكوّن فرقة الزكاكرية من عازف على آلة الزكرة (زكاكري) وظابط إيقاع على آلة الطبل (الطْبَابْلِي) وضابط إيقاع على آلة الدربوكة (دْرَابْكِي).
80. هي عبارة عن هودج يوضع على ظهر جمل لتنقل العروس بداخله إلى بيتها.
81. سمّيت هذه الفرقة بالمزاودية لأنها تعتمد بالأساس على آلة "المِزْوِدْ" وهي آلة هوائية تتكون من "جيراب" يسمى بـ"القربة" من جلد الماعز الذي يعرف ب"الشكوة" بها أنبوب من القصب مثبتة ببكرة خشبية وذلك لملء القربة بالهواء. و الجزء الرئيسي لهذه الآلة يعرف بـ"الكف" وهي عبارة عن بكرة خشبية مستديرة وأنبوبين من القصب (فحلين). حيث يتم ملأ جوف الجلد بالهواء فيضغط عليه بيدي العازف (المزاودي) فيصدر بذلك صوت المزود.
82. ابن منظور (جمال الدين)، لسان العرب، مج.2، ج. 10، طبعة جديدة محققة، بيروت، دار صادر، ص. 265.
83. قد يتراءى لنا عند سماع الجملة اللحنية لهذا النمط الغنائي البساطة في اللحن إلا أنه بالإمكان التوصل إلى عكس ما ذهبنا إليه وذلك إذا ما تبين لنا ثراء لحنيا وخصوصيات على مستوى الأداء وذلك بعد القيام بالتحليل الموسيقي.
84. تصنع هذه الآلة من فخار غير مطلي ولها رقبة تضيق في مستوى نصف الآلة ويوضع بها جلد ماعز أو جمل، تحضى هذه الآلة بشعبية كبيرة على اعتبار حضورها الدائم في الموسيقى الشعبية.
85. مقابلة مع الغنّاية ناجية المهذبي.
86. حسب ما ورد في الوثيقة المسموعة ( التسجيل الصوتي) فإنّ الطبقة الصوتية التي تمّ بها أداء النموذج الغنائي ترتكز على درجة البوسلك ( حسب درجة لا معيار 440 هارتز) إلا أننا تعمّدنا ترقيم النص الموسيقي للجرّاد على درجة الدوكاه وذلك تسهيلا منّا للقراءة والتحليل الموسيقي.

الصور
1. https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/0/0f/Mezued_2.jpg/1280px-Mezued_2.jpg
2. https://alumniyat.net/wp-content/uploads/2020/09/14731242_10211138921457699_1083832678525039392_n.jpg
3. https://www.noonpost.com/sites/default/files/styles/article_node_page_image_563_x_400_/public/field/image/maxresdefault_98.jpg?itok=_3DH4AWd