فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

لـغـز«الــجــو» وحدة وزن اللؤلؤ في الشرق

العدد 9 - أصداء
لـغـز«الــجــو» وحدة وزن اللؤلؤ في الشرق

ترجمته عن الفرنسية:  نورالهدى باديس

في فارس والهند وفي شبه الجزيرة العربية كان وزن اللؤلؤ الشرقي ومايزال حسب وحدة الـ (جـو). لقد سمحت لي بحوث عديدة عبر قنوات بحثية مختلفة ومن خلال مخطوطات قديمة بالوقوف على أن  أصل كلمة (جـو) يعود إلى كتابتها في اللغة التاميلية المستعملة سابقا في سيلان (سريلانكا) والمقحمة في الانجليزية في كلمة    (Chevvu).وأخذت الكلمة في الاندثار منذ العام 1858، ذلك أنه منذ ذلك التاريخ كادت أن تكون الكلمة الوحيدة التي لا تكتب بالأحرف التاميلية رغم أن كل مصطلحات التعامل في اللؤلؤ كانت تكتب بأحرف التاميل.

وقد رأى الدكتور جوزيف موديابندان Dr Joseph Moudiappanadin من المعهد الوطني للغات الشرقية بباريس أن هذه الكلمة قد استعملت لآخر مرة في المعجم عام 1925.

وما هذا إلا واحد من المظاهر العديدة لحياة اللؤلؤ الشرقي الطويلة. ومع ذلك فإن هذا يساعد على إضاءة جوانب مجهولة من تاريخ دول كانت تحت وطأة تأثير الاحتلال والتي صارت لغتها الرسمية الانجليزية مثل سيلان.

تدقيق المعلومات : إبراهيم خليفة مطر

ومنذ الزمن الذي كانت فيه اللؤلؤة الشرقية الرقيقة لؤلؤة البحر الأحمر والخليج العربي وسيلان القديمة (سيرلانكا) تصطاد ويتاجر بها، فإن التجار العرب والفرس والقادمين من الهند يستعملون وحدة معينة من الميزان ليست القيراط ولا الحبة. إنهم يعتمدون الـ (جـو) وحدة جعلت لها الكتابات الحرفية للكتاب البريطانيين أشكالا في الكتابة متنوعة مثل (جاو) و(جـيو) و(جـوي) shaw,shew,chew... وفي الحقيقة فإن هذه الكلمة التي وصلتنا عبر الزمن في أشكال كتابية مختلفة وغير محددة قد انحدرت في الأصل من الكلمة التاميلية :(شيفو) chevvu.

فبعد انتقاء التجار لأجمل اللآلئ فإن هذه الأخيرة يقع وزنها لتقدير قيمتها. وبحسب التجار المحليين كما يذكر (ج. لوريمر1907) فإن وحدات الميزان تختلف طبعا من البحرين إلى قطر إلى بومباي وبونا، فهي قد تسمى أحيانا مثقال أو حبة أو راتي وتجد ما يوازيها حسب عدد الحبات، مثلا بالنسبة إلى البحرين:

- بحريـن: مثقال واحد = 66 حبة = 150 ذرة(grains)

- قطـــر:مثقال واحد= 66 راتي =160 ذرة.

- بومباي:مثقال واحد=24 راتي =74ذرة

- بــونـا:مثقال واحد=24 راتي =68 وثلاث أرباع ذرة

وللحصول على قيمة اللؤلؤة بالـ (جـو) توجد طرق عدة للقياس.

إحداها تتمثل في أخذ مضاعف carré وزن اللؤلؤة حسب المثقال وضربه في 333. وفي طريقة أخرى وحسب نموذج أبسط فإننا نبحث أولا عن قيمة اللؤلؤة بالحبات ثم نأخذ مضاعف الوزن الذي نضيف إليه 1 في المائة ثم بعد ذلك نقسم الكل على مائة. ونفس الطرق تستعمل مع الأوزان الهندية.

فاختلاف كتابة كلمة (جـو) حملني تدريجيا على التشكيك في الحقيقة المحلية للتسمية. ففي أواخر السبعينيات وأثناء إنجازي لأطروحتي (مونتينيي ــ كوزلوسكا 1985)انتبهت لاستعمالاتها المتداولة في بلدان الخليج العربية،هذه البلدان التي ظلت لفترةطويلة تحت التأثير البريطاني ثم تحت الحماية لزمن طويل. وقد كانت صحيفة (Gulf  Gazetteer of the Persian من أهم الوثائق في تلك المنطقة وقد كان يديرها الموظف (ج .ق.لوريمر) خلال الفترة 1908-1915.وكان أحد فصولها المهمة قد خصص لصيد اللؤلؤ وتجارته في الخليج.وكانت الصفحتان   2238 ـ 2239 مخصصتين لمصطلح )جـو(Chau ولكيفيات الحساب المعتمدة لتقديراللؤلؤ. وقد أعار هذا المقال في ذاك الوقت أهمية لاختلاف الأوزان في مختلف المناطق والجهات.

لقد سعى الكاتب إلى تعريب هذا المصطلح بل قد يكون كذلك محليا لأن هذه الصحيفة كانت تحرر انطلاقا من وقائع ميدانية يقوم بها موظفون وعمالة في البريد.وكان جمع هذه الكلمة المستعمل هو(أجـوه Achwah). وفي الحقيقة كان ينبغي نطقه تجـو Tchauوأتجـواه Atchwah حسب الكتابة الفارسية التي قدمها الكاتب حتى يتسنى معرفة كيفية النطق بها في موطنها.

وبتنقلي من قراءة إلى أخرى وقعت على مقال لـ ج.فان (G.Vane) وهو مراقب قديم للصيد بسيلان في الفترة 1855- 1860في(مجلة فرع سيلان للمجموعة الملكية الآسيوية) (فان،1987) يعيد مقاله معلومات وثقت سنة 1865(I.O.R-MF1 1200-2 microfilm) وإن لم يذكرمطلقا في هذه البيانات الشخصية كيفية قياس قيمة اللؤلؤ فإنه في مقاله المنشور سنة 1887(ص.12)قد أشار جيدا إلى التجـووالمعنى الذي يفيده حسب نوعية اللؤلؤة فهذه الأخيرة لا تقيم فقط حسب الميزان ولكن أيضا حسب عدد chew الذي تحتويه.

ولكنه في الصفحة 22 لا يتكلم مجددا عن الشيوChew وإنما عن شيفوChevvo وهي وحدة قياس محلية خاصة باللؤلؤ وتعير اهتماما للوزن وكذلك للشكل واللون.

وقد كتب أيضا أن هذا التقييم يقوم به 4»مورمن»Moormen وهي تسمية تطلق آنذاك على تجارلهم علاقة بالشعوب التي هي من أصول عربية أوإسلامية.(وهو إسم أطلقه البرتغاليون زمن احتلالهم للمنطقة في القرن السادس عشر).ونعرف جيدا أنه في نطاق التجارة البحرية ظل الكثير من العرب في شمال الجزيرة .عرب الخليج العربي وكانوا يساهمون لسنوات طويلة في صيد اللؤلؤ في سيلان (مونتنيي 2007) ولكن يبدو أن لا أحد منهم قد استقر في الجزيرة. واليوم وبينما مازالت الشعوب التي هي من أصل عربي تتكلم لغة التاميل فإن الكتابة ظلت بأحرف عربية. ورغم أنهم كانوا يسكنون شرق الجزيرة وشمالها لمدة طويلة فإن المتكلمين بلغة التاميل يمثلون 25 في المائة من السكان.(مايير2009).

ولكن ونظرا لامتداد فترة الاستعمار البريطاني من سنة 1796إلى سنة 1948 فإنهم قد تعلموا مبكرا اللغة الانجليزية لأنه وقع فرض هذه اللغة كلغة رسمية.

لم يظهر حل اللغز إلا مع نهاية بحث ج.فان G.Vaneفي الملحق الذي حرره هـ.و.جلمان Gillman H.W سنة 1858 وعاد إليه مجددا فان .

لقد ذكر جلمان أن وحدة تقييم اللؤلؤ الجيد هي (الشيفو)chevvu(ص.ص 33،37) وهي معلومات قد حصلها عند حديثه مع الباعة المحليين.

إن تقييم اللؤلؤ يتم عبر 4 مراحل حسب الكاتب:أولا عيار الحجم Le calibrage volumétrique الذي يكون بمعدل 10تامي tamis كل واحد ينتقي مجموعة من اللؤلؤ محددة باسم باللغة التاميلية ثم الترتيب النوعي العيني Le classement qualitative visuel الذي ينتقي الأشكال وبريق اللؤلؤفي كل من المقاسات العشرة وبعد ذلك يأتي الوزن بالميزان La pesée de la balance وما يقابله بالذرات (مثلا 20 منشادي =1كلانشو=67 ذرة أو 1 مانشادي =3 وثلث ذرة).وأخيرا تعيين القيمة الاعتمادية La valeur fiduciaire لكل لؤلؤة حسب صنفها ووزنها وحسب معطيات السوق وفقا لقيمة «الشفو»chevvu.(الصورة 2).

وحسب الكاتب فإن الأصناف الخمسة الأولى فقط تقيم بالشيفومثلا فبالنسبة للؤلؤة من الصنف الأول تسمى عاني A,ni وتزن 4منشادي manchadi وتقدروقت قلمان ب»11ستار باكوداس»star pagodas للشوفو(كان وزن هذا الأخير ثلاث أرباع مربع وزن اللؤلؤة بالمانشادي):4x4=16 ومنها الثلاث أرباع =12منشاديx11»ستار باكوداس»=132 «ستار باكوداس»أو 462 روبيةRoupies.لقد كان المانشدي  منفذا صغيرا لإدراك الوزن المناسب. توجد طرق أخرى للحساب ولكن ذكرها كلها هنا سيطول.

وبينما كان بحثي عن الشيفو يوشك على النهاية ظهر عنصر جديد. فقد لاحظت أن كل الأسماء الواصفة للؤلؤ كانت مكتوبة باللغة الانجليزية وبالصفات المحلية باستثناء كلمة شيفو فقد ترك باللغة اللاتينية. فاستنجدت إذن بجوزيف موديابندان Moudiappanadin اللساني الذي اكتشف بعد أبحاث عديدة في معجم «تاميلي ـ تاميلي»(بوفاناندامبلايBovanandampillai 1925)أن كلمة شيفو كانت فعلا كلمة تاميلية وتعني (وحدة قياس وزن اللؤلؤ).وهذه الكلمة التي لم تعد تذكر في المعاجم المعاصرة تبدوفي حالة انقراض منذ1858حين حرر قلمان مقاله بما أنه لم يكتبه بالحركات التاميلية.وقد تكون هذه الكلمة قد بدأت تختفي على مر الأزمان جراء التأثير البريطاني.

وحسب أقوال السيدة بليPle صائغة معروفة جدا في الخليج بخبرتها في تقشير اللؤلؤpeuleuse de perles قديما وإلى يومنا هذا فإن العرب والهنود يقيمون اللؤلؤ الطبيعي بالتجـو.

ففي قطر كتب أحد أبرزالصائغين وأهم جامع للؤلؤ حسين الفردان كيفية قياس الجو بالقيراط.(وحسبه اعتمادا على الوحدة الهندية المسماة»راتي»)ونشره بالضبط ككتاب اللآلئ،كتاب تسعيراللؤلؤ.عمليته الحسابية كانت كالآتي(الفردان س.د):قيراطx قيراطx88/135=تشو للؤلؤة يعني قيراط xقيراطx0،6518 = تجـو للؤلؤة الواحدة.

وهكذا فبفضل الأصل الاشتقاقي لكلمة توضح لنا جزء من تاريخ تجارة اللؤلؤ. فمن خلال ذلك وقفنا على تاريخ الشعوب ونشاطاتهم المقترنة بالتجارة البحرية في المحيط الهندي.

 

الهوامش والمراجع

- الفردان (حسين):معجم تجارة اللؤلؤ(عربي ـ انجليزي) مخطوط.

- بوفاناندامبللي .س.(1925)معجم تامول ـ تامول مادراس

- لوريمار،ج (1970)مجلة الخليج العربي عمان والجزيرة العربية انجلترا في 4أجزاء ص.ص 2220ـ2293 الطبعة الأولى 1908ــ 1915.

- مايار،إ (2009) سريلانكا بلد منساق

- مونتينيي كوزلوسكا زأ.(1985) تطور مجموعة بدوية في مجتمع ينتج النفط:آل نعيم في قطرص.ص245ــ 285 أطروحة مرحلة ثالثة جامعة باريس 5.

- مونتينيي أ.(2007) صيد اللؤلؤ وبيعه في الخليج العربي في اللؤلؤ قصة طبيعية منشورات المتحف ص.ص45ـ47

- فان ج.(1887):اللؤلؤ السمكي في سيلان صحيفة  شبه جزيرة سيلان للمجتمع الآسوي الملكي المجلد العاشر عدد 34ص ـ  ص 14ــ 40

 - الأرشيف العسكري البريطاني

أعداد المجلة