قال ابن حبتور - شعبيات الشاعر الغنائي محمد بن حبتور

الآن في الأسواق

+973 33769880
+973 17400088
اللغة العدد
شجرة الزيتون في مدونة الأمثال الشعبية
شجرة الزيتون في مدونة الأمثال الشعبية
العدد 55 - أدب شعبي

أ.عماد بن صالح - تونس

لم تكن علاقة الانسان بشجرة الزيتون مجرد علاقة نفعية تكتفي بجني ثمارها وعصرها لاستعمالها لاحقا في الغذاء والدواء والتجميل، إنما نفذت إلى مستويات أعمق. فأخذت أبعادا روحيّة وأخرى رمزية، وهو ما يفسر قداسة الزيتون لدى كل الشعوب وفي كل الثقافات والأديان. وقد احتفظت له الذاكرة الجماعية بأبهى الصور وأروع التمثلات، خلدتها كل أنماط المأثورات الشفوية وصاغتها ببلاغة مميّزة الأمثال الشعبية. لذلك سنتولى دراسة حضور شجرة الزيتون في مدونة الأمثال الشعبية بالبلاد التونسية عامة، وبجزيرة جربة على وجه التحديد.

لئن استأثرت الأمثال الشعبية باهتمام الباحثين من خلال تعدّد تعاريفهم لهذا الجنس الأدبي الأكثر شيوعا وتداولا1، فإنّ أكثر هذه التعاريف صحّة وأقربها إلى روح المثل الشعبي وأكثرها إلماما بالموضوع وإحاطة به ذلك الذي قدّمه ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد حين قال: «هو شيء الكلام وجوهر اللفظ وسرّ المعنى. تخيّرتها العرب وقدّمتها العجم. ونطق بها في كلّ زمان وعلى كلّ لسان. فهي أبقى من الشعر وأشرف من الخطابة، لم يسر شيئا مسيرها ولا عمّ كعمومها حتّى قيل أسير من مثل»2. انطلاقا من هذا المعطى يمكن القول أنّ الأمثال الشعبيّة هي أقوال مختصرة صيغت بطريقة فنيّة تختزل في محتواها تجربة طويلة في الحياة. ويوصف المثل الشعبي على أنه قول مأثور وعصارة حكمة الشعوب. وهي من أكثر الأشكال التعبيرية انتشارا فلا تخلو منها أيّة ثقافة. إذ تعكس مشاعر الشعوب على اختلاف طبقاتها وتجسّد أفكارها وعاداتها وتقاليدها ومعتقداتها ومعظم مظاهر حياتها في صورة حيّة وفي دلالة إنسانيّة شاملة. وعموما ترمي الأمثال الشعبيّة إلى اختصار الطريق وذلك بالرّفع من غموض الحياة ولبس المستقبل. فتنير طريقنا اعتمادا على مسيرة طويلة لأجيال عديدة. وهي بذلك تعبّر بصدق عن حكمة الأجداد برؤية أكثر نظارة وتبصّر. كما تختزل تجربتهم الطويلة في الحياة الّتي خبروها جيّدا وأخذوا منها العبر والدروس، فصاغتها لنا قريحتهم أحسن صياغة ونقلتها لنا ألسنتهم مشافهة.

لقد نتج عن الاهتمام المتزايد بالأدب الشعبي، تصحيح التراث القومي لكل أمّة من الأمم. فلم يعد مقصورا على المدوّنات والنقوش والآثار الماديّة وحدها، وإنّما أصبح يشمل النصوص الشفويّة والروايات الّتي تنتقل من فرد إلى فرد ومن جيل إلى جيل ومن بيئة إلى بيئة بواسطة التلقّي أو الحفظ أو الترديد. وتعدّ الأمثلة الشعبية وجها من وجوه الأدب الشعبي الذي يشمل مظاهر الحياة الشعبيّة ويستوعب كنهها على مرّ الأزمنة وامتدادها، «وقد ظهرت استجابة مباشرة للإحساس بالحاجة إلى ضرب من التمييز بين إطار قصصي أدبي وآخر يتّسم بالحريّة والمرونة ومسايرة العقول والأمزجة والمواقف»3. ولا شكّ أنّ الأمثال الشعبية هي من أكثر هذه الأجناس الأدبيّة القادرة على استقطاب الناس ولفت انتباههم. فهي تستوعب أنواعا متفاوتة وتستهدف أنماطا منوّعة، وهي عبارة يغلب عليها الشمول ويعوزها التحديد والتشخيص. بذلك فإنّ في الأمثال الشعبية كلّ مقوّمات الأدب الشعبي من العراقة والتطوّر والإضافة ومن التعبير عن وجدان الجماعة أكثر من وجدان الذّات. فكلّ واحد يحسّ نفسه مترجما في إبداعها وهذا راجع إلى «النظرة الشمولية التي يمتاز بها المبدع الشعبي الأوّل. بحيث يتألم بآلام الجماعة ويفرح بأفراح الجماعة، ويحلم بأحلام الجماعة. فهو ملتصق التصاقا عضويّا بالجماعة التي يتكلّم لغتها ويرسم خطابها»4، فالمثل بهذا هو تعبير عن الضمير الجمعي الذي يصدر عن وعي الأفراد الذين يعهدون مبدعا شعبيّا يحمل مسؤوليّة التعبير الصادق عن أحوالهم سواء أكانوا في ظرف المعاناة والآلام أم في السعادة والحبور.

ببساطتها وعفويّتها وطابعها العملي، تتوفّر الأمثال الشعبيّة على قدر كبير من المرونة والسلاسة التي تجعلها قادرة على التكيّف مع أيّ تغيّرات اجتماعيّة طارئة. وهي مواصفات نادرة وجيّدة تجعلها تتربّع على هرم المأثورات الشفويّة عن جدارة، وتفوز بسهولة على بقيّة أنماط التعبير الشعبي من شعر وأغان وأهازيج ونكت وخرافات وأحجيات وغيرها. لذلك أقبل عليها الدارسون من مختلف الاختصاصات، واعتبروها بمثابة المنجم الزاخر بالمادّة العلميّة الخام التي لا تنضب. إذ هي تمنح امكانيّات بحثيّة كبيرة لإنجاز دراسات حول مختلف أوجه الحياة للأمم والشعوب. ذلك أنّها وبفضل ما تحمله في جرابها من حنكة الأجداد وحكمتهم، يمكن أن تخبرنا بما تعجز الوثيقة المكتوبة عنه. خاصّة وأنّها «واحدٌ من المسكوكات اللغويّة التي تعبّر عن واقع الحال، وتغني عن فائض الكلام، وتترجم أحاسيس الناس ومشاعرهم ورؤاهم للوقائع، وتختصر حكمهم الشعبية بكلام بليغ ووجيز»5، تكتسي الأمثال الشعبيّة بالغ الأهميّة في البحث التاريخي والحضاري. إذ هي تعكس جوانب مهمّة من المسكوت عنه في الوثائق المكتوبة وخاصّة في المصادر الرسميّة. كما قد تسدّ بعض الثغرات في تاريخ الشعوب، بل ويمكن أن تلعب دور الموجّه للأفراد والجماعات حين يغيب القانون. ومن هنا تكتسب الأمثال الشعبيّة بالغ أهمّيتها، إذ يمكن أن تكون دراستها مدخلا للتعرّف على ذهنيّة مجتمع ما وسيكولوجيّته. خاصّة وأنَّ الأمثال من خلال منظور أنثروبولوجي بحت، «لا تُعَدّ من الظواهر الفرديّة أو الخاصّة، بل هي تعبير ثقافيّ داخل الظاهرة الاجتماعيّة برمّتها»6.

بكثافة حضورها وكثرة تداولها وسرعة انتشارها في الزمان والمكان، ساهمت الأمثال الشعبيّة في توحيد التراث الشعبي الانساني. فقد اختصرت المسافات واختزلت الزمن وقرّبت الرؤى. بفضلها أمكننا الانفتاح على ثقافات مجاورة واستلهام تجاربها، لأنّ اقتصارنا على تراثنا يجعلنا نعيش في برج عاجي مترفّعين عمّا يجري في عالم السواد الأعظم. بينما اطلاعنا على التراث الشعبي يقوي العلاقات ويثبّت الذات ويحدّد هويّتها ويدعّم بقاءها وصمودها. كما يفتح أمامنا نوافذ نطلّ منها على العالم بأجمعه، فتتّسع آفاق فكرنا ونكتشف الآخر ونرى حياة الإنسان على حقيقتها. ذلك أنّ البحث عن حياة الشعوب حاجة ملحّة فرضتها إشكاليّة البحث في القيم الثقافيّة الأصليّة للشخصيّة الوطنيّة. فالأدب الشعبي يعدّ من أهمّ الركائز الثقافيّة، والبحث في مجاله يعدّ بحثا مرتبطا بكيان أيّ أمّة. انطلاقا من هذه القناعة الراسخة ومن هذا المبدأ في الحياة، كان لزاما علينا إدراج الثقافة الشعبيّة عموما ونماذج من الموروث الشفوي تحديدا في بحثنا. خاصّة وأنّ شجرة الزيتون رمز الحكمة لدى الإغريق، كما أطلعتنا على ذلك الميثولوجيا الإغريقيّة وخاصّة أسطورة الآلهة «أثينا» وصراعها مع إلاه البحر والعواصف «بوسيدون». فلابدّ أنّ تكون الزيتونة قد رسمت ملامح الحكمة لدى الأجداد، فصاغوا لنا أعمق الحكم وأبلغ الأمثال الشعبيّة. كما أنّ هذه الشجرة تؤثّث المجال الريفي أكثر من المجال الحضري، لذلك هي قريبة من الانسان البدوي تمسّ كيانه وتهزّ عرش وجدانه. بحيث أنّ إمكانيّة إلهام قريحة الحكيم والشاعر الشعبي واردة جدّا. وهو ما جعلنا نتتبّع مدى حضورها ونقتفي أثرها ونرصد مختلف تمثّلاتها في مدوّنة حرصنا على تكوينها بعناية من مختلف عناصر التراث الشفوي.

شجرة الزيتون محور الأمثال الشعبية:

بخبرتهم وفطنتهم في الحياة، انتبه الأجداد إلى أهميّة شجرة الزيتون. فهي قد وهبتهم ثمارها بسخاء ومنحتهم زيتها بكرم ليكون لهم خير غذاء ودواء. كما ألهمت قريحتهم أبلغ الحكم وأحلى الأشعار، فنظموا فيها أجود القصائد وصاغوا أبلغ الحكم. وهو ما حفّزنا على المضيّ قدما للبحث في هذه المأثورات الشفويّة الثمينة. وقد قادتنا خصوصيّة الموضوع إلى اتّباع منهج فرضته علينا طبيعة البحث. وهو المنهج الاستقرائي المطعّم بالتحليل كأداة إجرائيّة. ذلك أنّنا حاولنا أن نستقرئ ونتتبّع عيّنة من الأمثال الشعبيّة التي قيلت في البلاد التونسيّة عموما وفي جزيرة جربة خصوصا. فعملنا على جمعها وسلّطنا عليها أضواء الملاحظة لنتمكّن من تحليلها بهدف الوقوف عند مكمن روح المثل الشعبي. ولإنجاز مشروع بحثنا كان لزاما علينا النزول للميدان لاقتفاء أثر هذا الموروث الشعبي النفيس، وذلك بجمعه من أفواه أصحابه. فقصدنا أماكنهم المخصّصة من أماكن عامّة كالمقاهي والأسواق وغيرها أو محلّات خاصّة كالمنازل والمساكن. وقد اعتمدنا في ذلك على الإصغاء إليهم جيّدا مشافهة ثمّ التدوين فالتحليل.

لمّا كان حضور الأمثال الشعبيّة شائعا وشاملا على مستوى القول وقائل القول ومناسبة القول، فقد سعينا جاهدين لتتبّعها واقتفاء أثرها أينما كانت. فهي كثيفة الحضور في كلّ زمان ومكان، إذ هي حاضرة في الشارع وفي البيت وفي العمل وفي السوق وفي الحقل وفي المقهى وفي المدرسة وفي الجامعة وفي المسجد وغيرها من الأماكن العامّة والخاصّة. لذلك لم ندّخر أيّ جهد أثناء العمل الميداني لاقتناصها من أفواه المسنّين والحكماء. فقد حرصنا كلّ الحرص على رصدها وتدوينها، كما واظبنا على تتبّع حضورها والانتباه إلى كيفيّة تداولها بين الأفراد والجماعات بهدف دراستها وتحليل مضمونها. وقد خبرنا ذلك عن قرب، حيث لمسنا كيف تحمل الأمثال الشعبيّة في طيّاتها بذور اللُحمة الاجتماعيّة وتقوية العلاقات الإنسانيّة. فقول المثل الشعبي يستدعي لا فقط حسن اختياره، وإنّما أيضا سرعة البديهة وخاصّة حسن اختيار ظرفيّة المكان والزمان. لأنّ الإنسان لمّا يورد مثلا لجماعة ما، فإنّ نيّته من وراء ذلك هي إفادتهم وإمتاعهم ودفع الهمّ والغمّ عنهم. فهو ضمنيّا يحبّ أن يراهم معتبرين مسرورين مرتاحين. اعتبارا وأنّ جمع الحكمة بالطرافة هو أحد أهمّ العناصر للأمثال الشعبيّة.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الحكمة موهبة يختلف حضورها من شخص لآخر. والإنسان الذي حرم هذه الموهبة لا يمكن أن تصدر عنه الحكمة، لأنّه كما يقال «فاقد الشيء لا يعطيه». لذلك فهي غالبا ما تصدر من الانسان الّذي خبر الحياة واكتسب تجربة طويلة منها. فهو لا يتحدّث من فراغ ولا من باب التسلية، وإنّما عن تجربة عاشها أو موقف تعرّض له فاعتبر منه وأراد إفادة الآخرين به. وقائل المثل الشعبي يجب أن تتوفّر فيه عدّة خصال لعلّ أهمّها سرعة البداهة وخفّة الروح وحدّة الذكاء وبراعة التصوير ودقّة التعبير وغنى الموهبة. وهو ما عبّر عنه الدكتور شوقي ضيف بقوله: «تحتاج الأمثلة الشعبيّة إلى فضل من الذكاء ودقّة في الحسّ ورهافة في الذوق»7. ونجد هذه الصفات تطبع قائل المثل الشعبي، فهو يتحلّى بالجديّة وبنظرة ثاقبة للحياة تجعله مسؤولا عن أقواله وملتزما بالضوابط الاجتماعيّة. وهذه الجرأة هي الّتي تعطي للمثل الشعبي أصالة ولقائله مكانة وحظوة في المجتمع، هي نفسها التي تجعله يتصدّر مدوّنة المأثورات الشفويّة. ذلك فعلا ما نصّ عليه حرفيّا المثل الشعبي القائل «الزيت يخرج من الزيتونة والفاهم يفهم كلام الطير، واللّي ما يخرّجش كلمتو موزونة يدسّها في كنينو خير».

تطلعنا الميثولوجيا اليونانيّة أنّ شجرة الزيتون كانت رمزا للحكمة وحسن التدبير منذ القديم، حيث أنبأتنا الأسطورة أنّ «أثينا» قد كسبت الرهان في صراعها مع الإله المتعجرف «بوسيدون» الذي زمجر وأرعد ثمّ رمى عصاه فأثمرت بحيرة مالحة أجاج. أمّا «أثينا» وبفضل رجاحة عقلها وحكمتها، فقد وهبت لشعبها شجرة زيتون وارفة الظلال8. ومنذ ذلك التاريخ اكتسبت الزيتونة رمزيّة الحكمة، وغدت ملهمة المفكّرين والحكماء في كلّ زمان ومكان. وهكذا أصبحت علاقتها وطيدة بالفكر والفلاسفة، صاغوا فيها أبلغ الحكم وأعمق الأمثال الشعبيّة. لذلك لم تفاجئنا بالمرّة كثافة حضورها في مدوّنة الأمثلة الشعبيّة. إذ ليس غريبا ولا عجيبا أن نظفر بهذا الكمّ الهائل من الأمثال الجامعة التي شملت أغلب مجالات الحياة لتلخّص لنا مدى تجذّر هذه «الشجرة الساحرة ذات الأوراق الفضيّة» في وعينا وذاكرتنا. ذلك أنّ عمق علاقتنا السرمديّة بها لا يمكن أن تستوعبها بقيّة الأشكال التعبيريّة، وحدها الأمثال الشعبيّة يمكن أن تعبّر عن ذلك بالعمق المطلوب والبلاغة المستوجبة.

ما إن توجّهنا إلى العمل الميداني حتّى اكتشفنا غزارة الأمثال الشعبيّة المخصّصة لشجرة الزيتون. فمن كثرة عددها، بدت لنا الزيتونة وكأنّها الجوهرة الثمينة والدرّة النفيسة التي توشّح مدوّنة الأمثال الشعبيّة. كما بدت هذه الأخيرة وكأنّها بدورها تحتفي بهذه الشجرة المباركة من خلال جمال الألفاظ وعمق المعاني وروعة الصور. وتمتاز هذه الأمثال بشيوعها وكثرة تداولها وخاصّة بتنوّعها، بحيث تشمل عديد المواضيع وفي شتّى مجالات الحياة. نذكر أنّ من أكثر الأمثلة تداولا على ألسنة مخبرينا «الزيتونة بنت أصل، وقت الحاجة تعطيك وقت الشدّة ما تخلّيك، كي تعمّل على ربّي كلّ خير يجيك». ففي هذا التشبيه بالمرأة ابنة الأصل، كلّ المعاني النبيلة للإنسانيّة. فقد سما الجربي بالزيتونة وأنزلها منزلة الانسان، بل وتوّجها في أعلى مراتب السلّم الاجتماعي. وهكذا ترتقي الزيتونة إلى مرتبة الزوجة الصالحة، التي ترعى زوجها وتحنو على الأطفال ولا تبخل على العائلة بخيراتها التي لا تُحصى ولا تُعدّ. وبالمقابل، فما على الرجل إلّا أن يتوكّل على الله ويشمّر على ذراعيه للكدّ وبذل الجهد. تناغما مع المثل الأوّل، جاد الميدان علينا بمثل ثان ينصّ على أنّ «القمح والشعير يملى الرحالة، والنعجة والزيتونة يجيبوا المال. الفقر يصنع الرجال، والّي يوكّل صغارو الحرام يطلعولوا همّال». نلمس في هذا المثل صدق المعاني وتعلّق أهل الجزيرة بالقيم الاجتماعيّة الأصيلة وبمكارم الأخلاق.

كما وصل إلى مسامعنا كذلك مثل رائع، تختزل ألفاظه المنتقاة بدقّة قيمة الزيتونة لدى أهل جربة. فمن شدّة تعلّقهم بها قال فيها الأجداد «الجنان جنون، الفلاحة راحة والغنى زيتون». فقد أخذت الزيتونة رمزيّة الثروة، فهي شجرة مربحة لمالكها باعتبار انتظام انتاجها ومحدوديّة مصاريفها تبعا لقلّة الأعمال التي تطلبها. فقد أطلق الحكيم الشعبي وصف الراحة على الفلاحة. وهنا نعتقد أنّه لا يقصد الراحة الجسديّة بقدر ذهابه للراحة النفسيّة، لأنّ النشاط الفلاحي هو عمل مضن بطبعه يقوم بالأساس على الحركة الدؤوبة، حيث قيل في هذا الإطار «الحركة بركة والبطالة هلكة». إضافة إلى ما يستوجبه من عزيمة فولاذيّة أساسها قوّة الساعد وشطارة الفكر. إنّما الفلّاح لمّا يرى ثمرة عرقه باخضرار حقله ونموّ براعم أشجاره وتفتّح أزهارها، يهون عليه جهده وينسى تعبه. فأمام امتداد الخضرة إلى الأفق، يشعر الفلّاح براحة نفسيّة كبيرة وينتظر بفارغ الصبر جني ثمار جهده حالما بالثروة الطائلة. هنا يكمل الحكيم الشعبي الجزء الأخير من المثل، ليوجّهه إلى شجرة الزيتون، فهي وحدها التي بإمكانها تحقيق هذا الحلم في تكوين الثروة. ومن واقعيّة هذا المثل الشعبي وصدقه، تكرّر بنفس المعنى في سياقات مختلفة. ونذكّر في هذا الإطار بالمثل القائل «الإبل بلاه والخيل جنون، وخير الكسبة نعجة وزيتون». وقد غدت رمزيّة الثروة من قبيل التراث المشترك الذي اتّفقت عليه جميع الأمم والشعوب. ولا أدلّ على ذلك من وجود مرادف له بالشرق الأوسط، حيث دأب المشارقة على القول «الثروة الجنانين جنون والملك زيتون».

تأكيدا لهذه الرمزيّة الخالدة وفي حوار خياليّ طريف وعميق المعاني دارت أحداثه بين الانسان وهو في حالة احتضار وزياتينه التي غرسها ورعاها وسهر على نموّها، خاطبته إحداها على لسان بقيّة الزياتين لطمأنته على مستقبل أطفاله وهي تودّعه الوداع الأخير قائلة «برّا أنا نوكلّك ذراريك ونخلّصلك الديون إلّي عليك». بينما اكتفت بقية الأشجار بالقول باكية «برّا هانا في جرتك لاحقينك». رغم قتامة المشهد وما يسوده من حزن عميق وتوتّر نفسي، لم تتخلّ الزيتونة عن رجاحة عقلها ونور بصيرتها وحكمتها المعهودة. فتميّز موقفها بالثبات والرصانة، ومن هنا عبّرت بعمق عن قيمتها في حياة الجربي. إذ هي تمثّل في الآن نفسه الثروة والديمومة، كما ترمز كذلك إلى الوجاهة والمكانة الاجتماعيّة. وبذلك نرى كيف أنّ الزيتونة قد توجّهت لصاحبها المحتضر بكلّ ثقة في النفس بمثل تلك الرسالة المسؤولة والواعية. فكان له هذا الخطاب خير جواب يطمئنه على مستقبل أبنائه وهو في رمقه الأخير وقد انتابته أولى سكرات الموت. فعكس بقيّة الأشجار الباكية والمتأثّرة بموت صاحبها، اتّصف موقف الزيتونة بالعقلانيّة والحكمة. فرغم قتامة الموقف تجاوزت حزنها العميق وعبّرت له بكلّ شجاعة ورباطة جأش عن استعدادها لتحمّل المسؤوليّة بعيدا كلّ البعد عن تشنّج العواطف. ومن هنا صاغت له أروع خطاب ليسلّم الروح إلى خالقها بسلام، وهو مطمئنّ البال على عائلته وقوت أبنائه9.

لقد وعى الأجداد جيّدا القيمة الماديّة للزيتونة. فبفضل عطائها المتواصل وجودها وكرمها، فهي تمثّل الثروة في ديمومتها. وبذلك تكون الوحيدة من ضمن بقيّة الأشجار الضامنة لأمن واستقرار العائلة. لذلك فمن البديهي أن تفرد بكلّ هذه الأهميّة وأن تحوز على الأولويّة في كلّ شيء، بما في ذلك من الماء. ومن هنا جاء المثل الشائع «الماء الماشي للسدرة، الزيتونة أولى به». فأمام قساوة الطبيعة وشحّ السماء، يكتسي الماء قيمة كبرى خاصّة في جزيرة جربة حيث لا تنتظم التساقطات ولا تفوق 220 ملمتر سنويّا10. وهو ما جعل الأجداد يتعاملون مع الماء بحكمة كبيرة، إذ لا مجال لإسرافه وتبذيره بأيّ وجه من الوجوه. فاستنبطوا الطرق المثلى للاقتصاد في الاستهلاك اليومي في الغذاء والنظافة. أمّا استعماله في الريّ فقد كان استعمالا واعيا ومسؤولا، فمدّوا القنوات، وتسمّى محليّا «صوارط»، لتوزّع الماء بانتظام على كامل المنزل من خلال ربطها بالخزّانات، وتسمّى محليّا «جوابي»، وبالبئر. ولم تكن هذه المعطيات الطبيعيّة والجغرافيّة أن تمرّ دون أن تؤثّر على الجانب الاقتصادي والاجتماعي في الجزيرة. حيث تأقلم الجربي مع واقعه ومحيطه، فاتّسم نمط حياته بالتواضع والبساطة. وبناء على ذلك كانت رؤيته للحياة مبنيّة على تلبية الحاجة دون إسراف والاقتصاد في الاستهلاك. لذلك رسم أولويّات في حياته، كما وضع أولويّات في تقسيم الماء بين الأشجار أثناء الريّ، فكانت الأولويّة للزيتونة على منطوق هذا المثل الواقعي الصادر عن أناس عايشوا الواقع وتشبّعوا به وخبروا الحياة في مجتمع جزيري جافّ وشبه قاحل.

تبعا لهذه الحظوة التي نالتها في القلوب وما تمخّضت عنه من حصولها على الأسبقيّة في العناية والأولويّة في الماء، نمت شجرة الزيتون بسرعة وتجذّرت في أعماق الأرض. كما تفرّعت أغصانها واخضرّت أوراقها وأينعت ثمارها وامتدّت ظلالها حتّى أضحت المكان المفضّل للاستراحة وللتلاقي لتجاذب أطراف الحديث وتبادل أخبار الحومة وتلاقح التجارب والخبرات. فقصدها الكبير الصغير للحماية من حرّ الهاجرة والاستظلال بظلّها والتمتّع بنقاء هوائها ونسيمها العليل. ولعلّ أهمّ ما جعل الجميع يقصدها بكثافة هو شكلها المستدير الذي جعل من ظلّها مستمرّا طول النهار، فبدت بانتصابها وكأنّها مظلّة عملاقة. كما أنّ طبيعة أوراقها الخضراء والمذبّبة وحجمها الصغير قد سهّل نفاذ التيّارات الهوائيّة لها وجعل النسائم البحريّة تخترقها بيسر. وهو ما أضفى على الجلسة أكثر حميميّة ومزيدا من الأريحيّة، فطال الحديث وهاجت المشاعر وفاضت الأحاسيس باسترجاع ذكريات الزمن الجميل وحلّقت الروح عاليا لتسافر بعيدا وتستلهم أعذب الأشعار وأروع الأمثال والحكم. فكان من بينها هذا المثل الشعبي الشهير الذي يهب الزيتونة رمزيّة النقاء والصفاء ومتعة الحياة «الظل كرمة والهواء زيتونة».

مع مرّ السنين والعقود، تراكمت الخبرات تعدّدت الأمثال الشعبيّة وتنوّعت معانيها ودلالاتها. إذ هي تراوح تارة بين رموز محليّة ضيّقة، وتارة أخرى ترتقي إلى مصاف القيم الانسانيّة النبيلة. ومن بين هذه الأخيرة نذكر المثل العربي القائل «السيرة الحسنة كشجرة الزيتون لا تنمو سريعاً لكنّها تعيش طويلا»، وهو مثل يربط بين شجرة الحكمة ومنظومة المثل والقيم الاجتماعيّة. كما نشير إلى مثل آخر لا يقلّ أهميّة عن المثل السابق، حيث ينصّ: «أخضر زيتون ولا يابس حطب». وهو مثل ذائع الصيت يجعل من غصن الزيتون رمزا خالدا للخضرة وللحياة. عكس بقيّة الأشجار، فإنّ الزيتونة لا تسقط أوراقها في الخريف. ومن هنا فهي لا تبقى عارية جرداء طيلة فصل الشتاء. إنّما تحتفظ بأوراقها اليانعة كامل السنة، وهو دون شكّ سرّ تألّقها وخضرتها الدائمة. وقد أكسبتها هذه الخاصيّة رمزيّة الأمل والتجدّد والديمومة والخصوبة والخلود والحياة. ذلك أنّ اللون الأخضر قد ارتبط في وعينا وفي ذاكرتنا بالأمل والتفاؤل وخاصّة بالحياة. إذ لا نعتقد بالمرّة أنّ إطلاق وصف «فلان يده خضراء» على الفلّاح الماهر في الغراسة الذي كلّما غرس عودا إلّا وعاش، قد كان من قبيل الصدفة. كما أنّ أمّهاتنا وجدّاتنا قد كن واعيات بقيمة هذا اللون لمّا واظبن على افتتاح السنة الجديدة بطبخ «الملوخيّة»، تيمّنا بلونها الأخضر وتفاؤلا بهذا اللون المفعم بالأمل11. ثمّ إنّ تصنيف الشعر الشعبي إلى عدّة أنماط حسب أغراضه، واختيار تسمية «الأخضر» كناية على الشعر الغزلي الإباحي يدلّ كذلك على قيمة هذا اللون ومكانته في الذاكرة الجماعيّة.

لا شكّ أنّ غزارة الأمثال الشعبيّة الخاصّة بالزيتونة تدلّ على قيمة هذه الشجرة المباركة وأثرها الطيّب في النفوس. وهو ثراء عامّ وشامل، لا ينحصر بالمكان ولا بالزمان. فقد لاحظنا هذا الزخم الفكري وهذا الثراء الحضاري لدى مختلف الشعوب المتوسطيّة التي ألفت أشجار الزياتين وخبرت جيّدا قيمتها الماديّة والرمزيّة. فأطلقت العنان لحكمائها للتعبير عن تجاربها في الحياة وذلك بصياغة أبلغ الأمثال وأعمق الحكم. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، سنكتفي باقتباس ثلاثة أمثلة من الضفّة الشماليّة للمتوسّط. المثل الأوّل فرنسي وهو يقول:

- "Celui qui laboure un olivier lui demande de produire, celui qui la fertilise le lui demande avec insistance, mais celui qui le taille l’oblige à produire"12.

بينما المثل الثاني اسباني، ويقتضي: 

- "El olivo a cien años todavía es un niño"13.

أمْا المثل الثالث فهو إيطالي، وينصّ أنّ:

- "Chiunque fa del male al prossimo, lascia che le sue capre pascolino i suoi ulivi"14.

زيت الزيتون يوشح الأمثال الشعبية

لعلّ من بين أولى الاكتشافات التي حقّقها الإنسان، هو اكتشافه زيت الزيتون. فرغم بساطته كان الإنسان البدائي في تنقله يدوس تحت قدميه حبّات الزيتون الناضجة التي سقطت تحت الأشجار. عندها لاحظ أثرها على الصخور وأدرك قيمة هذه القطرات الزيتيّة التي تفرزها. ولمّا التقط هذه الحبّات المتناثرة هنا وهناك على الأرض، وسحقها بين أصابعه سرعان ما لفت نظره مفعولها الجيّد على بشرته الجافّة والمتشقّقة. تجدّد هذا العمل مع اليدين أو بين حجارتين، فقادته تجربته تدريجيّا إلى وسائل جديدة لاستخراج هذا السائل اللزج واكتشاف مختلف المرافق منه. فأقبل عليه بكلّ شراهة، ووظّفه في الغذاء والصحّة والتجميل. ومنذ ذلك الحين غدا زيت الزيتون على رأس المواد الاستهلاكيّة، فتربّع على عرش العادات الغذائيّة لأغلب الشعوب القديمة عن جدارة. بل وأصبح رمز الحمية المتوسطيّة على مرّ العصور، وهو ما يفسّر كثرة رواجه وكثافة المأثورات الشفويّة المتعلّقة به. من ذلك أنّنا ظفرنا بكمّ هائل من الأمثال الشعبيّة المخلّدة لذكراه والمعدّدة لمنافعه في شتّى مجالات الحياة.

لقد كان العمل الميداني جدّا مهمّا لبحثنا، فقد مكّننا من الوقوف على أهميّة شجرة الزيتون من خلال كثافة حضورها في الموروث الشفوي ولاسيما في الأمثال الشعبيّة. حيث أنّها استأثرت باهتمام الحكماء وحازت على نصيب وافر من الأمثال الشعبيّة. ورغم ذلك، فإنّ غزارتها لا تقارن بالأمثال الخاصّة بالزيت. فقد استحوذ هذا السائل الذهبي على الألباب ونال إعجاب الجميع، حتّى أنّ حكماء كلّ الشعوب المتوسطيّة قد صاغوا فيه أبلغ الأمثال وأعمق الحكم. وهو ما يفسّر كثرة عددها وسرعة انتشارها وتداولها بين الأجيال. وبقدر ما فاجأتنا كثرتها العدديّة وأذهلنا شمولها لشتّى المواضيع، فقد كانت بمثابة المنجم الزاخر الذي وفّر لنا مادّة علميّة غزيرة من شأنها أن تفيد بحثنا وتثري محتواه. ويمكن تفسير هذا الثراء والتنوّع بتعدّد مجالات استعمال الزيت وفوائده الغذائيّة التي لا تحصى والصحيّة التي لا تعدّ. لذلك خصّه الحكماء بفائق عنايتهم وصاغوا فيه هذا الكمّ الوافر من الأمثال الشعبيّة التي راوحت بين بعديه الماديّ والرمزي. وهو ما يعكس لنا بجدّ وعي الأجداد بقيمة هذا السائل الذهبي الذي لا يقدّر بأيّ ثمن.

يشترك الزيت مع شجرة الزيتون في رمزيّة الخير والثروة. ذلك أنّ الأجداد قد اعتبروه مادّة ثمينة، وهو ما يستوجب حفظها بكلّ عناية. إذ لا مجال لتبديدها أو لإسرافها، ولا ينالها إلّا من يستحقّها من المقرّبين. وللتعبير عن هذه القيمة التي لا تقدّر بثمن، صاغ الأجداد جملة من الأمثال الشعبيّة ذائعة الصيت. نورد منها على سبيل الذكر لا الحصر هذين المثلين: «زيتنا في دقيقنا، وخيرنا في خميرنا» بينما يقول المثل الثاني «خبزك مخبوز وزيتك في الكوز». لئن عبّر المثل الأوّل عن القيمة العالية للزيت واقترح الطريقة المثلى لتوزيعه وفقا لقاعدة «الأقربون أولى بالمعروف»، فإنّ المثل الثاني قد عبّر عن فكرة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من خلال ديمومة الثروة. أمام غزارة المادّة العلميّة وثراء محتواها، انتابتنا حيرة كبيرة في الطريقة المثلى لاستغلال هذه المادّة الخام وكيفيّة توظيفها لإثراء البحث. وقد راودتنا عديد الأفكار، وبعد الدراسة والتمحيص، رأينا من الضروري تبويب هذه الأمثال الشعبيّة حسب معيار علمي واضح ودقيق. وقد ارتأينا في ذلك اعتماد معيار الغرض، أي وجه الاستعمال. فكان تقسيمنا لهذا الجزء من البحث إلى أربعة فقرات هي على التوالي، الأمثال الشعبيّة الخاصّة بالاستعمالات الغذائيّة لزيت الزيتون. ثمّ الأمثال الشعبيّة الخاصّة بالاستعمالات الصحيّة له، فالأمثال الشعبيّة الخاصّة بالاستعمالات التجميليّة له. لنتخلّص في الأخير إلى الأمثال الشعبيّة الخاصّة بالقيمة الاعتباريّة لزيت الزيتون.

1) الأمثال الشعبية الخاصة بالاستعمالات

الغذائية لزيت الزيتون:

باعتبارها «علما يبحث في الانسان باعتباره كائنا بيولوجيا واجتماعيا»15، فإنّ الأنثروبوجيا قد اهتمّت بهذا الحقل المعرفي محاولة للظّفر بالنّموذج الغذائي المتوسّطي. فتساءل الباحثون الأنثروبولوجيّون عن حقيقة هذا النّمط الغذائي، ونزلوا للميدان باحثين عن جوهره وأصوله. فمن خلال تحليل الثّقافة المادّية والتمثّلات الاجتماعيّة، تستطيع الأنثروبولوجيا أن تكون فاعلة في تفسيرها للظواهر. وفعلا كما عهدناها دائما لم تشذّ عن هذه القاعدة، ذلك أنّ مختلف المدارس الأنثروبولوجيّة قد فسّرت هذا النّموذج الغذائي بخصوصيّة الإطار الجغرافي الّذي تفاعل مع جملة من المعطيات التاريخيّة والاقتصاديّة في ظلّ تشابك العلاقات الإجتماعيّة وتنوّع نمط الإنتاج. وقد تجسّد ذلك في عدّة تعابير ثقافيّة وحضاريّة، لعلّ أبرزها الجانب الغذائي. ومن هنا كانت العادات الغذائيّة المتوسّطية بمثابة النّتاج الحتمي لهذه التّراكمات التّاريخيّة والواقع السّوسيوإقتصادي. ذلك أنّ المراحل الرئيسيّة لبناء العالم المتوسّطي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتّاريخ الزّراعي للدول التّي تشكّله. فدورة الحياة ونمط الإنتاج في المحاصيل الدّائمة مثل أشجار الزّيتون المرتبطة بالمحاصيل الغذائيّة السنويّة مثل الحبوب قد أفرزت هذه العادات المتداولة بين شعوب المتوسّط في الغذاء واللّباس والاحتفال. وقد تعدّدت هذه العادات وتنوّعت حتّى أنّها شملت جميع مراحل الحياة فكان منها اليوميّ والموسميّ. ونظرا لكثرة التّداول وكثافة الانتقال، سرعان ما انتشرت هذه العادات لتغطّي كامل المتوسّط بحوضيه الشّرقي والغربي وبضفّتيه الشّماليّة والجنوبيّة. وبذلك تكون شجرة الزّيتون وزيتها من أهمّ العلامات الحضاريّة الّتي ساهمت بقدر وافر في نحت الشّخصيّة الأساسيّة للشّعوب المتوسّطيّة.

لمّا كانت العادات الغذائيّة للجماعات والشّعوب هي شكل من أشكال التّعبير عن ثقافة ورؤية للحياة، فقد اهتمّ علماء الأنثروبولوجيا بالبحث في النّظام الغذائي المتوسّطي. وللخوض في ذلك، انطلقوا بطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بذلك؟ وهل هو فعلا موجود؟ وما هي خصائصه ومميّزاته؟ على ماذا يقوم؟ وفيما يختلف عن بقيّة الأنظمة الغذائيّة في العالم؟ لم يكن البحر الأبيض المتوسّط مجرّد فضاء جغرافيّ شهد ميلاد العالم القديم، وإنّما أيضا مساحة شاسعة للتّعبير عن ثقافات العالم القديم. فعلى ضفافه ولدت أقدم الحضارات وأعرقها، وعلى سواحله عاش الانسان القديم وشيّد أعتى المدنيّات. فاستهلك من خيراته وأسماكه واقتات من ثماره وحبوبه. وبالرّجوع إلى المصادر التّاريخيّة والشّواهد الأثريّة، نجد أنّ أهمّ المنتوجات الّتي استهلكها الانسان المتوسّطي في غذائه على مرّ العصور هي الحبوب وزيت الزّيتون. إذ يتّفق الباحثون في التّراث وفي علوم التّغذية أنّ هاتين المادّتين الغذائيّتين هما القاسم المشترك بين العادات الغذائيّة لجميع شعوب المتوسّط. فهما يسجّلان حضورهما بكثافة على الموائد المتوسّطية، حتّى أنّهما لا يكادان يغيبان عن أيّة وجبة خلال اليوم الواحد. فالإنسان المتوسّطي قد تعوّد استهلاك هذه المواد الغذائيّة منذ آلاف السّنين، فألف طعمها وأحبّ مذاقها حتّى أصبح علماء التّغذية يتحدّثون اليوم عن «حمية متوسّطية» ويعرّفونها بكونها «نموذج لنظام غذائيّ مشترك بين جميع الشعوب المتوسّطيّة، يقوم أساسا على زيت الزّيتون ويعبّر عن نمط للحياة وتمثّل للوجود»16.

لئن كانت «مصر هبة النيل» على حدّ تعبير المؤرّخ اليوناني «هيرودوتس»، فإنّ شجرة الزيتون هبة المتوسّط، حتّى أطلق عليه قديما وصف «بحر الزيتون». فقد حبا الله تعالى الإنسان بهبات متعدّدة ولعلّ من أهمّها شجرة الزّيتون. حيث نشأت منذ القديم على ضفاف المتوسّط، وتفطّن إلى أهمّيتها الإنسان البدائي وهو ما شجّعه على العناية بها. فقد لاحظ تساقط ثمارها بعد نضجها، وما أن تلامس الأرض حتّى تتحطّم وسرعان ما تفرز سائلا لزجا. قاده فضوله إلى تذوّقه فاستهواه طعمها. ثمّ أعاد الكرّة مرارا وتكرارا فانتبه إلى أهميّته الغذائيّة والاقتصاديّة. وهو ما جعله لا ينتظر سقوط حبّات الزّيتون على الأرض، بل أصبح يجنيها حال نضجها في جوّ بهيج من الاحتفالات. وهكذا ما لبثت أشجار الزّيتون البرّي إلى أن تحوّلت إلى زياتين «مدجّنة» تنال عناية الإنسان غراسة وحراثة وجنيا وتقليما. ثمّ طوّر تقنيات العصر فتحصّل على زيوت أجود وأوفر تفوق حاجاته الاستهلاكيّة. ممّا اضطرّه إلى التفكير مليّا في طرق خزنها تحسّبا للسّنوات العجاف أو لضمان نقلها للأسواق في حالة جيّدة قصد تبادلها مع سلع أخرى. وقد ولّد ذلك تراكم المعارف وظهور خبرات تواترت عبر الزّمن وتداولها الأفراد والجماعات فيما بينهم إلى أن ارتقت إلى مصافّ التقاليد الغذائيّة والأعراف الاقتصاديّة.

خلافا لما يروّج بعض المغرضين من مزاعم وافتراءات كاذبة، لم يكن الأمازيغ مجرّد رعاة رحّل يجهلون الفلاحة ولا يفقهون أساسيّات الزراعة. حيث اعتمدوا في غذائهم على الطبيعة، فانكبّوا يزرعون أرضهم ويفلحونها إلى أن جادت عليهم بأوفر المنتوجات وأحسن المحاصيل. وقد أثار ذلك اعجاب المؤرّخ الروماني «سالوست»، وهو ما جعله يشيد «باحتفاظ الأمازيغ بأجساد قويّة وعضلات مفتولة لا تتسرّب إليها الأمراض»17. وقد أرجع ذلك إلى نظامهم الغذائي المعتمد على الحبوب وزيت الزيتون، حيث اهتمّوا بشجرة الزيتون وافردوها بعنايتهم. فقد تحدّثت المصادر التاريخيّة عن مكانة هذه الشجرة عندهم، حتّى وصلت قداستها إلى حدّ العبادة18. وقد تواصلت هذه القداسة إلى العصور الوسطى. ذلك أنّ المصادر العربيّة للفتح قد نقلت أنّ «الكاهنة» أثناء حربها مع حسّان بن نعمان قد تبنّت أحد الأسرى، ويدعى خالد بن يزيد. فقامت تجاهه بحركة نبيلة، بأن آخت بينه وبين أبنائها. وفي هذا الإطار قامت بجملة من الطقوس الشائعة آنذاك. فقد تولّت عجن دقيق الشعير بزيت الزيتون بنفسها ووضعه على ثديها، ثمّ إطعامهم لهم لتكتمل الأخوّة19. وهو لخير دليل على تجذّر هذه الشجرة السخيّة في ربوعنا وتأصّل زيتها في تقاليدنا وفي عاداتنا الغذائيّة.

أمّا اليوم، فيعتبر زيت الزيتون في تونس جزءا من الهوية الوطنيّة، بل أحد مكوّناتها الرئيسيّة. فهو المادّة الفاخرة الّتي تحظى بالتبجيل لدى الجميع وتهدى إلى الميسور كما إلى المحتاج. وهو الانتاج الفلاحي الأكثر وفرة وبركة وقداسة منذ القديم. وقد وعى ذلك جيّدا البايات الحسينيّون، حتّى أنّهم جعلوه محلّ إحسانهم وإكراميّاتهم خلال مختلف المناسبات الدينيّة20. ويؤكّد دفتر النفقات وسجلّ إيصالات البلاط الحسيني هذا البعد الرمزي في شكل مساعدات اجتماعيّة21. بدورهم اهتمّ أهل جربة بشجرة الزيتون، وبرعوا في غراستها والعناية بها حتّى تطوّر انتاجها وفاق استهلاكهم. فاستعملوا ثمارها وزيتها في الغذاء والدواء والتجميل، حيث كان زيتها المكوّن الأساسي لعاداتهم الغذائيّة. ولعلّ أهمّ ما يعكس ذلك أنّه عند الحكم بإلزام الزوج بدفع النفقة لطليقته وأبنائه، يقضى صراحة في منطوق حكم الطلاق «بفرض النفقة الكاملة للمرأة وابنها مع نصف صاع زيتا لكلّ واحد مع أربعة نواصر لحما أو سمكا لكلّ واحد وذلك في كلّ شهر مع ما يكفيهما من الغطاء والوطاء وتوسعة المواسم والأعياد».

لمّا كان زيت الزيتون بهذه الأهميّة في حياة الجربي كما في غذائه، فمن البديهي أن يهتمّ به الأجداد ويصوغوا فيه أبلغ الأمثال وأروع الحكم. من ذلك أنّهم عمّموا وجوده في كلّ البيوت، من خلال المثل القائل «كسرة وزيت في كل بيت»22. فلا يكاد يخلو منه أيّ بيت، بل أنّ جرار الزيت الضخمة، وتدعى محليّا «سفري»، تُحفظ بعناية في أفضل الأماكن. حيث حرص الجرابة في مختلف الفترات التاريخيّة على امتلاك الزياتين وهو ما جعلهم يقدمون على غراستها بكثافة، حتّى فاق عددها اليوم 000 800 شجرة من نوعيّات مختلفة23. ويشتهر زيت الزيتون الجربي بخفّته وحسن مذاقه نتيجة قلّة حموضته. وهو ما ساهم في جودته العالية، حتّى أنّه حاز على الميداليّة الفضيّة أثناء مشاركة الايالة التونسية في فعاليات المعرض الاستعماري ببروكسل سنة1897 24. ثمّ وفي مرحلة ثانية تطوّر هذا المثل الشعبي، وأصبح زيت الزيتون كناية على الصحّة الجيّدة والقوّة البدنيّة. فقيل «كسرة وزيت وتكّى عالحيط». بمعنى من اعتمد في غذائه على هاتين المادتين، من فرط قوّته بإمكانه أن يهدّ الجدار بمجرّد الاتّكاء عليه. وهو مثل شائع في كافّة المدن التونسيّة، بل أيضا في الشرق الأوسط حيث يقولون «اشرب الزيت وناطح الحيط»25. في تحليل بسيط لهذا المثل نلاحظ فعلي أمر يرتبطان بمفعولين في غياب الفاعل. وهذا يوحي بعموميّة النتيجة وتلقائيّتها في حال وقوع الفعل. وليس خافيا على أحد مدى ما تتطلّبه هذه التلقائيّة (المناطحة للحيط) من جهد ولكن الموئل لهذا الجهد متوفّر في مادّة سحريّة هي الزيت.

ما فتئ الأجداد يضربون الأمثال الشعبيّة الدالّة على القيمة العالية لزيت الزيتون في الغذاء كما في مختلف مجالات الحياة. فحثّوا على الاستهلاك منه خاصّة في فصل الصيف، حيث ترتفع الحرارة ويكون الجسم في حالة تعب وارهاق. فقالوا في هذا الإطار «في أوسّو زيتك ما تدسّو». ومن فرط قيمته لم يتوان الأجداد في التضحية من أجله، من ذلك أنّ يقال في تحمّل الشخص ثقيل الظلّ من أجل عيون شخص آخر «على جال الزيت تتعدّى الفيتورة». كما شبّهوه بأنفس الأشياء وأغلاها قيمة، بل لم يتوانوا في مقارنته بأكثر الأشخاص معزّة على قلوبنا حين قالوا «اللّي أمّو في البيت، يأكل بالزيت». فقد رفعوا من شأنه كثيرا إلى درجة أن جعلوه في مرتبة قداسة الأمّ. فهي الوحيدة التي تعتني بأطفالها وتحنو عليهم، حتّى أنّها تودّهم بأفضل طعام وألذّه مذاقا وأنفعه لصحّة الجسم. وبتحليل عكسي، فإنّ موت الأمّ سيدفع الأطفال ثمنه. إذ سيؤول حتما إلى فقدان الحنان والدفء العائلي، إضافة إلى فقدان الأمن الغذائي. ونظرا لصدقه وواقعيّته ارتقى هذا المثل الشعبي بدوره إلى مصاف التراث المشترك بين الشعوب. فلقد وجدنا مرادفا له في الشرق الأوسط حين قالوا «اللّي أمّو في البيت خبزو مدهون بالزيت»26، كما في المغرب الأقصى حيث يقولون «اللّي أمّو في البيت، فمّو مدهون بالزيت»27.

2) الأمثال الشعبية الخاصة بالاستعمالات

الصحية لزيت الزيتون:

إنّ بحث الانسان على الدواء وسعيه إلى التداوي لا يعدو أن يكون إلّا سياحة ما بين الأزل والأبد. فما أحسب أنّ الإنسان خارج نطاق غرائزه الكامنة فيه قد باكر إلى نشاط أسبق من سعي إلى شفاء من داء أو برء من ألم. وقد امتدّ هذا السعي متواصلا غير منقطع إلى أيّامنا هذه. ولعلّ جميعنا لمّا نتناول جرعة من الدواء نحسبها بنت اليوم أو الأمس القريب، غير منتبهين ولا عابئين بأنها حصاد تجربة إنسانيّة امتدت عشرات الألوف من السنين. فمنها ما تطوّر بتطوّر علم الإنسان من البدائيّة الأولى إلى مشارف القرن الحادي والعشرين. ومنها كذلك ما ابتدعه أجدادنا وواظبوا على تناوله، وما زاد عليه الانسان الحديث إلّا تحسينا أو تحلية أو تطرية أو تغليفا أو تعليبا تماما كما تتغيّر الأزياء بينما اللاّبس واحد لا يتغيّر. وتروي قصّة الدواء الحكمة الجماعيّة التي اكتسبتها مجتمعات إنسانيّة بأسرها على مدى قرون من الملاحظة البطيئة والتجربة الطويلة. ولكنّها كذلك تكشف عن ومضات فرديّة وعبقريّات شخصيّة وبصائر نافذة أتاحت للأفراد من العلماء أن يختصروا الطريق موفّرين بذلك على الإنسانيّة انتظارا طويلا وسعيا حثيثا. فأبصروا ما لم يبصره غيرهم وأثمر صبرهم في محاريب المختبرات فأبدعت عقولهم دواء شافيا من الأمراض عافيا من الأسقام ومخلّصا من الآلام ومعيدا الأمل في الحياة.

رغم أنّ الألم هو قدر الإنسان من مهده، يفيد تاريخ الطبّ أنّ المداواة قد نشأت مع الألم. ذلك أنّ الانسان البدائي قد تفنّن في المعالجة منذ بداية آلامه في الغابات والبراري. ومنذ فجر التاريخ حاول الإنسان أن يعالج نفسه بنفسه من الأمراض بتناوله مواد استقاها من محيطه الطبيعي. وعلى مرّ السنين توارثت الأجيال هذه المعارف، إذ لا عجب أن نجد في برديّة «ايبرس» أكثر من 700 دواء تعود إلى حوالي 3500 عام ما زال بعضها مستعملا حتى اليوم28. وقد استطاع الإنسان البدائي أن يكتشف بوسائله البسيطة وغريزته الفطريّة عددا من الأدوية الطبيعيّة. فاستخلص منها عناصر علاجيّة أثبتت جدواها في الحدّ من الألم أو في معالجة المرض. ورغم الاعتقاد السائد أنّ الأرواح الشرّيرة هي سبب الأمراض والعلل، فإنّ الانسان البدائي لم يتخلّ أبدا عن الطبيعة كمصدر أساسي للدواء. إذ لجأ إليها منذ وقت مبكّر باحثا فيها عن أدوية تشفيه من الأمراض وتحميه من الحيوانات الّتي تقاسمه المجال الحيوي. ولمّا كان النبات من العناصر الحيويّة في الطبيعة، استغلّها الأطبّاء والصيادلة القدامى في صناعة العقاقير النباتية لأهمّيتها في عمليّة التداوي ومعالجة المرضى. ودون أدنى شكّ كان زيت الزيتون على رأس هذه القائمة من الأدوية. وهكذا لم تفقد الطبيعة بريقها، بل ظلّت المملكة النباتية عبارة عن خزينة ملأى بكنوز من الأدوية اﻟﻤﺨتلفة التي تزوّد باستمرار ترسانة الصيدلة الحديثة29.

على اختلافها فإنّ جميع الأدوية في السابق واللاّحق تشترك في أمر أصيل: هو أنّها تتكوّن كلّها من مكوّنات مادّة هذه الأرض التي نعيش عليها، والتي منها كذلك يتكوّن الإنسان. وبهذا تكون القاعدة العريضة في التداوي مسألة ضبط وتنظيم بما تودعه جسم الإنسان أو تزيله منه، باعتبار أنّ كلّ شيء بسبب وكلّ شيء بقدر وكلّ شيء بأثر. وهي معادلة جدّ صعبة لا تزال تشغل بال علماء الدواء إلى الآن، وهم يكابدون الصعوبات ويلقون النكسة تلو النكسة من الأعراض التي تخلّفها الأدوية والتي لم تكن في البال ولا في الحسبان. ذلك أنّ الدواء المنشود يمكن أن يكون مهدّئا لأعصاب، مسكّنا لآلام وشافيا من الأسقام. لكنّه بالمقابل يمكن أن يخلّف كذلك أعراضا جانبيّة أو تشوّهات ظاهرة أو باطنة. كما يمكنه أيضا أن يكون سببا مباشرا لأمراض جديدة أكثر فتكا وخطورة. غير أنّ هذا المبدأ العام لئن صحّ على جميع الأدوية، فهو لا يصحّ بتاتا على زيت الزيتون. ذلك أنّ هذه المادّة النفيسة التي جادت بها الطبيعية علينا لا يمكنها البتّة أن تكون ضارّة، ولا أن تلحق الأذى بالإنسان. فمن حكمة الله عزّ وجلّ أنّ زيت الزيتون حتّى إذا لم يكن دواء شافيا، فهو لا يسيء للمريض ولا يلحق الأذى به بأيّ صورة من الصور.

يمكن اعتبار شجرة الزيتون من نعم الله تعالى على الإنسان، ومن حكمة الله سبحانه أن تجاوز القيمة الغذائيّة لزيت الزيتون. بل أودعه قيمة صحيّة لا تقارن، فهو يمتاز عن غيره من الأدهان والزيوت بصفات كثيرة تعود على الإنسان بالصحة والعافية. إذ هو أسهل هضما من جميع الزيوت الأخرى. كما هو معلوم فإنّ الأدهان لا تمثُل في الجسم قبل أن تمر بسلسلة من التفاعلات الكيماويّة التي تحوّل تركيبها وتجعلها صالحة للاقتصاد والتمثيل، ويقع على الكبد القسط الأوفر من هذه العملية. وبما أنّ تركيب الزيتون قريب من تركيب الأدهان الموجودة في حليب الانسان فإنّ امتصاصه وهضمه كأيّ مادة أخرى. وإذا كانت عمليّة هضم طعام دسم في المعدة يتطلّب ثماني ساعات، فإنّ هضم وجبة مؤلّفة من الخبز والزيتون، أو الزيت لا يتطلّب سوى نصف تلك المدّة30، وهذا ما حدا بالأطبّاء إلى توصية الأمّهات بإطعام أطفالهنّ الزيت عندما يبدأن بإعطائهم الخبز. لأنّ الخبز والزيت يحتويان على جميع العناصر اللازمة لتنمية أجسام الأطفال الغضّة، وهذه التوصية تقوم على ما أثبته علم التغذية من ارتفاع القيمة الغذائيّة لهذا الطعام.

خلافا لبقيّة أنواع الزيوت، يحتوي زيت الزيتون على عدد من الفيتامينات الضروريّة للأجسام البشريّة. فشجرة الزيتون تتطلّب سنوات طوالا حتى تبلغ أشدّها، وتقضي سنتين كاملتين وهي تمتصّ أشعّة الشمس وتعمل على تهيئة ثمارها، فتكسبه الفيتامين (D). بينما نجد أن زيت بعض الحبوب الأخرى تنمو في باطن الارض وتكاد تكون خالية من هذا الفيتامين كما هو شأن الفستق وعبّاد الشمس مثلاً، كما أن طول المدّة التي تقضيها شجرة الزيتون في إعداد ثمارها يجعل هذه الثمار تأتي قوية، سويّة التكوين. متجانسة المحتوى تماما كما هو الشأن في سلعة أعطي صانعها الوقت الكافي لإعدادها وإتقانها. ونظرا لاحتوائه على الفيتامين (D)، فإنّ زيت الزيتون يقي الإنسان شرّ الكساح ويقوي الساقين ويضفي على الوجه حمرة وإشراقاً31. ويجب على الذين حرموا نور الشمس بإقامتهم الطويلة في غرف مظلمة أو أقبية مغلقة، أن يتناولوا الزيت بانتظام ليستعيضوا عن الفيتامين الذي تمنحه الشجرة لهم، فمن حكمة الله تعالى أنّ الفيتامين نفسه الذي أودعته الشمس، يجدونه في الزيتون.

نظرا لاحتوائه على كمّية مرتفعة من الدهون ذات الأثر الفعّال في تغذية الحنجرة وتسريح الحبال الصوتيّة، واظب الناس على تناوله صباحا قبل الإفطار. كما دأب على استهلاكه أيضا معشر الفنّانين والمنشدين والمؤذّنين والبرّاحين وكلّ المهن الأخرى التي تتطلّب قدرات صوتيّة فائقة. ومن هنا ورد المثل الشعبي القائل «زيت النضوح يسرّح البلحوح». إذ بخبرتهم في الحياة، انتبه الأجداد إلى هذه الخاصيّة الفريدة لهذه النوعيّة من الزيوت التي تطفو فوق عجين الزيتون إثر اعتماد الطريقة التقليديّة في العصر «بالقرقيبة» لحبّات الزيتون. واعتبارا لتصفيته براحة اليد دون استعمال للماء الساخن أو أيّ مواد معدنيّة أو بلاستيكيّة أخرى من شأنها التأثير سلبيّا عليه من خلال التفاعلات الكيمائيّة، يتميّز هذا الزيت بشدّة اخضرار لونه وقوّة رائحته ولذّة مذاقه. وهو ما جعل الناس يتهافتون عليه دون هوادة، فارتفع سعره وتربّع عن جدارة على عرش زيت الزيتون. هكذا يظلّ زيت النضوح من أجود أنواع الزيوت وأعلاها قيمة لا فقط في تسريح البلحوح، وإنّما أيضا في معالجة بقيّة الأمراض الخارجيّة والباطنيّة.

يكتسب جلد الإنسان أهمّيته من كونه أكبر أعضائه، فهو يغلّف الجسم بأكمله ويغطّيه من قمة رأسه إلى أخمص قدمه. ذلك أنّه وبمفعول الاحتكاك مع العالم الخارجي أوبتأثير مختلف العوامل المناخيّة من حرارة ورطوبة وضوء، يمكن للجلد أن يصاب بعوارض مرضيّة كأن يجفّ ويتشقّق فتغزوه الفطريّات وتنفذ إليه الجراثيم. لذلك ابتكر الانسان منذ القديم الأدوية لمعالجة هذه الأمراض الجلديّة، فكان زيت الزيتون في مقدّمتها. إذ برهن على قدرته الفائقة في معالجة هذه النوعيّة من الأمراض. كما يتدخّل زيت الزيتون في تحسين ملمس الجلد وتطريته، لذلك تمّ اعتماده في صناعة العطور والمعاجين والمراهم والصابون والشامبو. وكأنّ الجدّات قد تفطنّ إلى مجمل هذه الخاصيّات الفعّالة لزيت الزيتون، فحثثن الأمّهات وهنّ تهدهدن أطفالهنّ على دلكهم جيّدا بزيت الزيتون بقولهنّ «كان تدري أمّي بسنيناتي، ديرلي الكوز بين كتيفاتي». وكالعادة وجدنا نظيرا لهذا المثل الشعبي في الشرق الأوسط، من ‏ذلك قولهم «دَهَّنَت الداية الطفل بالزيت» أو «نقطة زيت في كفي لأطبخ بفّي‏»32.

ليس بعيدا عن فلسطين، ففي بلاد الشام يقولون «الزيت مسامير الركب»33. وهو مثل غزير المعاني وعميق الدلالات، ذلك أنّه يفتح لنا أكثر من نافذة للتأمّل من خلال استعمال هذا التشبيه بين المسامير الحديديّة الصلبة والتي تستعمل عادة لتثبيت الأشياء في مكانها من ناحية والزيت باعتباره سائلا ذهبيّا من ناحية أخرى. ومن الطريف أنّ هذا التأمل لا يخلو من المتعة، حيث أنتج صورة للتوازي بين حالتين. ولعلّ أكثر ما زاد هذه الصورة قوّة، هو تقاطع هذا التوازي في منطقة هامّة وحسّاسة من جسم الإنسان وهي الركبة. ذلك المفصل المتحرّك الثابت الذي ينقصه المسامير، في الذهنيّة الشعبيّة، فتتأتّى هذه المسامير من الزيت. ولا يخفى على الجميع تعدّد الفوائد الطبيّة لزيت الزيتون، ويورد الباحث الفلسطيني سليم المبيض في هذا المجال «مادّة للطهي ولدهن الجلد ودواء لنزلات البرد ومذيب لحصى الكلى. علاوة على أنّه مادّة مليّنة تعالج الإمساك»34. وقد أوصى الرسولﷺ باستخدامه فقال: «كلوا من الزيت وادهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة»35. ويستأثر الزيت بمعنى شمولي في إنتاج الطاقة والوقاية من الأمراض. فكم كان حكيما أبو الطبّ «أبقراط» حين قال «اجعلوا من غذائكم دواءكم»36. لعمري إنّها الحكمة في أجلّ مظاهرها، إذ هي تقوم على معادلة خطيّة محورها الإنسان تربط الصحّة بالفعل والفعل بالإنجاز. فلا عجب إذن أن تحثّ على الأكل والتزوّد به دالّة من دوال العافية والصحّة الفعّالة.

3) الأمثال الشعبية الخاصة بالاستعمالات

التجميلية لزيت الزيتون:

ما من شكّ أنّ الزينة من أكثر الأشياء المحبّبة لدى المرأة في كل زمان ومكان. وهي عادة معروفة وطقس شائع عند شعوب الأرض كافّة، فالتزيّن هو طبع وصفة ملازمة للنساء اللواتي حرصن على الدوام على أن يظهرن بصورة مبهجة أمام أزواجهنّ وحتّى بين النساء بعضهنّ بعضاً. وفي بلادنا كانت الزينة من المظاهر التي تحرص عليها المرأة وتبذل لها الغالي والنفيس، وفي مسحة من البساطة والتناغم مع منظومة القيم الاجتماعيّة37. لذلك عملت المرأة جاهدة على توفير وسائل زينتها بنفسها، مستعملة في ذلك أفضل ما جادت به الطبيعة من نباتات ورحيق أزهار وزيوت. وفي تزيّنها عادة ما تكتفي المرأة باستعمال أدوات بسيطة وعطور مستخلصة من الأعشاب والأزهار والبخور وما شابهها من مواد في ذلك الزمان. بالإضافة على حسن الهيئة والمظهر، فإنّ تزيّن المرأة يحمل عدّة دلالات ومعاني، تراوح بين النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ويتدرّج ذلك في أنواع اللباس والمواد المستعملة في حياكتها ومستحضرات التجميل المتاحة مروراً بالحلي والمجوهرات وغيرها38.

احتفت الثقافة الشعبيّة عامّة والموروث الشفوي على وجه الخصوص بمختلف وسائل الزينة التقليديّة وأثنيا على فوائدها الجماليّة والصحيّة. وتجمع كلّ الدراسات على أن الطبيعة كانت هي المصدر الرئيسي لهذه الزينة، بل قد استأثرت بنصيب الأسد فيها. فقد كانت المرأة تحضر الأعشاب العطريّة، على غير ما هو متّبع في الزمن الحالي الذي تغلب عليه المستحضرات الكيماويّة شديدة الخطورة على جسم الإنسان. لعلّ من أبرز المستحضرات الطبيعيّة عند المرأة «الكحل» وهو حجر أسود، غالبا ما يتمّ سحقه حتى يصبح ملمسه ناعماً، ثمّ يوضع على العينين فيكسبهما جمالاً أخّاذاً وبريقاً نادرا. نذكر أنّ الحنّاء هي أشهر أنواع الزينة وأكثرها شيوعاً عند المرأة في قديم الزمان، فقد كانت تستخدم على نطاق واسع في العالم القديم39. ورغم واسع انتشارها وما بلغته الحنّاء من أهمّية، فهي لا تنافس زيت الزيتون الذي ظلّ مفضّلا لدى جميع النساء وفي كلّ العصور. فحافظن عليه بعناية في قنّينات فاخرة وواظبن على استعماله للمحافظة على تألّقهنّ بنعومة بشرتهنّ ونظارة شعورهنّ.

إضافة إلى فوائده الغذائيّة والصحيّة، فإنّ لزيت الزيتون استعمالات في مجال التجميل وراحة الجسد. إذ له قيمة روحيّة ونفسيّة كبرى عند الناس، لا ينافسه في ذلك أيّ نوع من أنواع الزيوت الأخرى مهما تعدّدت مصادرها. فهو من أهمّ المواد الطبيعية التي تحتوي على نسبة مرتفعة من حامض الأولييك ومادّة الكلوروفيل التي تساهم في المحافظة على نظارة البشرة وترطيبها. لعلّ ذلك ما يفسّر مواظبة الفتيات على استعماله لدهن بشراتهنّ أثناء فترة «الحجبة»، طبقا للمثل الشعبي «في الحجبة زيت وطين ولمّان الزين». كما هو معروف كمضاد للأكسدة ممّا يقوّي قدراته في التغلّب على التجاعيد وبقيّة علامات الشيخوخة من خلال تنشيط الخلايا وتجديدها ومعالجة تلف البشرة. كما يساعد على التخلّص من الهالات السوداء حول العينين ويفيد في تهدئة الالتهابات في الوجه الناتجة عن أشعّة الشمس الحارقة؛ لأنّه يحتوي على مضادّات فعّالة للالتهابات. ويعتبر مصدر مهمّ للفيتامين (E)، لذلك تمّ استخدامه لأغراض تجميليّة مختلفة. ودخل في صنع العديد من المراهم ومستحضرات التجميل. فهو سرّ من أسرار الجمال، يناسب جميع أنواع البشرة في كلّ الأعمار ولكلّ الأجناس.

غير أنّ استعمال الزيت في مجال التجميل لا يقتصر على البشرة، إنّما يشمل كذلك الشعر خاصّة وأنّه معيار مهمّ في تقييم الجمال التقليدي. فمنذ العصور الغابرة أولت النساء عناية فائقة لشعورهنّ من خلال رعاية طوله والحرص على تسريحه يوميّا وحمايته من عوامل الطبيعة وأعين المتطفّلين. وقد انتبهت الجدّات إلى أهميّة زيت الزيتون لحلّ مشاكل الشعر، لذلك حرصن على استعماله لتغذية الشعر والمحافظة على نظارته ولمعانه. نظرا لاحتوائه على البروتينات المغذّية للشعر، واضبت الجدّات على دهن خصلاتهنّ به لحمايتها من التشقّق نتيجة أشعّة الشمس الحارقة .وزيادة في الحماية، لم تتردّد النساء في لفّ خصلاتهنّ في أشرطة طويلة من القماش القطني، تسمّى محليّا «عكسة». هكذا تبقى خصلات الشعر ملفوفة كامل اليوم ممّا يضاعف من أثر بروتينات الزيت عليها، فتزداد جمالا ولمعانا40. ومن شدّة ولع النساء به وإقبالهنّ على استعماله لدهن الشعر، أصبح زيت الزيتون ملازما لهنّ حتّى غدا من السهل التفطّن لغيابه عن مواد التجميل. فقيل في هذا الإطار المثل الشائع «كان عندها زيت في عكّتها، راهو بان على قصّتها».

كأنّي بالسلف الصالح قد انتبه إلى هذه الخصائص النادرة في تركيبة زيت الزيتون وتفطّن إلى ثرائه بالمواد المغذّية للشعر ولاسيما الفيتامين (E) والفيتامين (H) اللذين يخلّصان الشعر من القشرة ويحميانه من التقصّف ويساعدان على تسريحه بشكل سريع ودون ألم. لذلك احتفى تراثنا الديني والطبّي بهذا السائل اللّزج الذهبي، وجاء زاخرا بالمعطيات التي تحثّ على استعماله باستمرار للعناية بجمال الشعر وتغذية جذوره ليزداد نظارة ولمعانا. وفي نفس هذا الإطار نصح الطبيب أحمد عبد السلام الصقلّي منذ القرن الخامس عشر باستعماله للشعر مؤكّدا أنّه «يمنع الشيب إذا دهن به كلّ يوم»41. كما حثّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كافّة نساء أمته على ذلك، فقد ورد في الحديث الشريف: «إيّاكم والشعث، حتّى إذا لم يجد أحدكم إلّا حبّة زيتون. فليعصرها وليدهن بها»42.

4) الأمثال الشعبية الخاصة بالقيمة

الاعتبارية لزيت الزيتون:

لا شكّ أنّ قيمة زيت الزيتون تتخطّى ماديّته الفيزيائيّة والكيميائيّة بكثير، فلا يختصر في فوائده الّتي لا تحصى ولا في عدد الحريرات الّتي يحتويها. ذلك أنّ قيمته الاعتباريّة تتمثّل في جملة الرموز والاعتقادات والممارسات الّتي يحاط بها، والّتي كثيرا ما تصل إلى درجة التقديس. حيث أنّها ليست مجرّد ممارسات واعتقادات تكراريّة واعتياديّة، بل يتّفق عليها أفراد المجتمع ويحدّدون لها طرق وغايات ويبرّرون لها الدوافع والمآلات. وتفيد الوثائق التاريخيّة أنّ مجسمات الآلهة كانت تدهن بزيت الزيتون قبل بداية الاحتفالات الدينيّة والعبادات عند الإغريق. وفي بلاد كنعان القديمة كان المسح بالزيت على رأس الملك الجديد يعتبر من طقوس تمرير السلطة الدينية والسياسيّة. وقد تواصلت هذه العادات في الفترة اليهوديّة وتمادت في الفترة المسيحيّة لتصبح دينيّة صرفة، فتكون بمثابة المباركة الإلهية43. ويعكس إسم المسيح مدى أهميّة عمليّة المسح، «فالمسيح» تعني الذي وقع مسحه بالزيت. من جهته، يؤكّد الكاتب الفرنسي «ميشال فاياي» أنّ عيسى عليه السلام وقع مسحه مباشرة بالروح القدس، ثمّ ومع الكنيسة الكاثوليكيّة سرعان ما أصبح مسح الجبين بالزيت المقدّس من شروط التعميد44.

غير أنّ قدسيّة الزيت لم تقتصر على الفكر الديني بمختلف تجلّياته قديما، فقد حافظت هذه الاعتقادات على وجودها إلى أيّامنا هذه. حيث لا تزال الشموع والقناديل تُضاء والزيت يُسكب بسخاء في الزوايا وعلى عتبات الأضرحة تقرّبا للوليّ الصالح وطلبا لبركته. رغم تصاعد الفكر الوهّابي التكفيري الذي يعتبر هذه الاعتقادات من قبيل الشرك بالله، فقد واصل بعض من أهل جربة زيارة هذه الفضاءات المليئة بالروحانيّات والزاخرة بالعواطف المتوهّجة والحاملة للذاكرة الجماعيّة .كما أنّ القيمة الاعتباريّة للزيت قد تجاوزت مجال الميثولوجيا لتشمل أيضا جلّ أشكال التعبيرات الفنيّة بما في ذلك المأثورات الشفويّة. ولا أدلّ على ذلك من كثافة حضوره في أنماط عديدة من الأدب الشعبي، كالشعر والألغاز والقصص والحكايات. وقد كان له نصيب وافر في الأمثال الشعبيّة، إذ هنالك الكثير من الأمثال التي قيلت حوله. وهي تحمل في طيّاتها رسائل مختلفة تحثّ على الحفاظ عليه وتؤكّد على أهمّيته وقيمته الرمزيّة. وباعتباره قد تعدّى خاصيّته الطبيعيّة، فقد أحيط الزيت بجملة من الرمزيّات والتمثّلات تشكّلت في العديد من مظاهر المخيال الشعبي. ومن هنا ورد عزمنا في الكشف عن دلالاتها ومعانيها وذلك من خلال رصدها في أكثر مظاهر المخيال الشعبي تناولا لعنصر الزيت، ومنها مختلف طقوس المرور خلال دورة الحياة أو في عادات الولادة والختان والزواج وبقيّة المعتقدات والأمثال الشعبيٌة.

لقد وعى الأجداد جيّدا قيمة زيت الزيتون، ذلك أنّه لم يكن قطّ مجرّد مادّة استهلاكيّة تتلخّص منافعه في الغذاء والصحّة والتجميل. إذ لم يكتفوا بسكبه بسخاء على عتبات المعابد والزوايا وجذوع الزياتين المعمّرة، بل ربّما اعتبروا من توهّج لونه واحتراقه في المصابيح لينير أقبية المعابد القديمة. ويبدّد بضيائه عتمة الجهل والقنوط، وينشر الراحة النفسيّة والطمأنينة في قلوب المتعبّدين. من هنا تيقّن الأجداد أنّ قيمة زيت الزيتون تفوق بكثير مجرّد منافعه المادّية الضيّقة، لتكتسب بعدا روحانيّا أكثر دلالة وأعمق معنى. إذ تفيد الوثائق التاريخيّة أنّ الملوك والأباطرة قديما يوم اعتلائهم العرش كانوا يدهنون رؤوسهم بالزيت لكسب بركة الزيتونة وتأييدها لتسيير شؤون الحكم45، وهو ما يدلّ على القيمة الرمزيّة لهذا السائل الذهبي. ومن فرط حكمة السلف الصالح أنّهم لم يتوقّفوا فقط عند هذه القيمة الماديّة المعلومة من طرف الجميع، إنّما نفذوا إلى القيمة الاعتباريّة وخصّوها بترسانة متكاملة من الأمثال شعبيّة بليغة التركيب وعميقة المعنى. فوردت هذه الأمثال جليّة، واتّخذت بعدا فكريّا وفلسفيّا عميقا يخاطب العقل ويغازل الروح والوجدان لتنقش في الذاكرة وتتحدّى النسيان46.

لئن تعدّدت فصيلة الزياتين في البلاد التونسيّة وتنوّعت ثمارها وسال زيتها ليملأ جرارا وليطعم أفواها جائعة وبطونا خاوية، إلّا أنّ تقييم جودته وتقدير قيمته الماديّة يظلّ رهين قانون العرض والطلب في السوق. إذ يحدّدها أصحاب الخبرة من الفلّاحين والمعاصريّة والذوّاقين والتجّار وفقا لشروط مضبوطة ومعايير دقيقة. وتبعا لذلك قاموا بتصنيف زيت الزيتون حسب نوعيّته ومذاقه ولونه ورائحته وخاصّة حسب درجة حموضته. ومن هنا فرّقوا بين أعلاها جودة، ويسمّى محليّا «زيت النضوح»، وأدناها جودة وهو «زيت الدردي». ذلك أنّ هذا الأخير هو الزيت الذي مرّ عليه زمن طويل، فتلوّث بالترسّبات حتّى أصابت المرارة مذاقه وتغيّر لونه ورائحته. عندها يتمّ الاستغناء على استعماله في المجال الغذائي، وينحصر استغلاله في التنوير والصناعة. لكن ومهما يكن من أمر فإنّ قيمته لا تتدحرج أبدا، بل يحافظ على قيمته الرمزيّة بكلّ استحقاق. إذ هو يظلّ رحيق حبّات الزيتون وسليل شجرة مباركة. وللتعبير على فكرة أنّ الأصيل يبقى أصيلا وأنّ الزمن لا يحطّ من قيمته أبدا، صاغ الأجداد هذا المثل الشائع «البلدي بلدي ولو كان زيت دردي» .إذا كان «زيت الدردي» بهذه القيمة الكبرى، فما بالنا بقيمة الزيت البكر الذي يكاد يضيء وإن لم تمسسه نار.

بالإضافة إلى كونه مادّة استهلاكيّة يوميّة، يمكن استنتاج القيمة الاعتباريّة لزيت الزيتون خاصّة من خلال بركته وبعده الروحي. فباعتباره رحيق الشجرة المباركة، اكتسب هالة من القدسيّة تأكّدت مع مرور السنين والعقود من خلال كثافة استعماله في المعالم الدينيّة خلال مختلف أطوار الاحتفالات. ولا أدلّ على ذلك من هذا الكمّ الهائل من المصابيح الزيتيّة التي تنير بضيائها ليلا نهارا عتمة المعابد وتدفّئ برد الكنائس القديمة. بل تفيد البحوث التاريخيّة واللقى الأثريّة أنّ الشعوب القديمة كانت تعتبر هذا السائل الذهبي تجلّيا للألوهيّة ومرآة للعظمة47. حيث دأبت على التبرّع به للآلهة بسخاء، فهو في منظورها رمزا للأبديّة التي هي سمة من سمات الله. ثمّ تواصلت هذه الفكرة لتخترق الزمن وتنتشر في المكان، إلى أن وصلتنا اليوم بشكلها الحالي. هكذا تبوّأ زيت الزيتون أعلى المراتب، حتّى اكتسب رمزيّة السموّ والتعالي. وهو ما يتوافق تماما مع خصائصه الكيميائيّة التي تجعله يطفو فوق الماء بكلّ سرعة. ومن شدّة فطنتهم وقوّة ملاحظتهم، استلهم الأجداد من هذه الصورة هذا المثل الشعبي الشهير «يعلّيك على من يعاديك، علا الزيت فوق الماء».

منذ الفترات التاريخيّة السحيقة لازمت فكرة البركة زيت الزيتون، وامتدّت في الزمن متواصلة إلى اليوم. ويتجلّى ذلك في عديد المظاهر السلوكيّة والفعليّة والقوليّة التي تلازمنا كظلّنا في حياتنا اليوميّة. فمن منّا اليوم لم تغلّفه أمّه وتدلك جسمه مرارا وتكرارا بزيت الزيتون حين كان رضيعا في المهد؟ ومن منّا كذلك لم يغمس رغيفه في صحن الزيت لدى مؤدّب القرية أو أثناء زيارة لأحد الأولياء الصالحين تبرّكا؟48 أمّا المأثورات الشفويّة وبمختلف أنماطها فقد أفصحت هي الأخرى على نفس هذه الفكرة بأساليب شتّى، فعبّر كلّ نمط وفق ما تقتضيه ضوابطه اللغويّة والفنيّة. ومنها الأمثال الشعبيّة ذات الانتشار الواسع والأثر الطيّب والصادرة عن حكماء الأمّة وشيوخها، حيث صاغوا أبلغ الحكم وأروع الأمثال الشعبيّة لتمرير عصارة تجاربهم في الحياة إلى الأحفاد والأجيال اللاحقة. ومنها نورد على سبيل الذكر لا الحصر هذا المثل الشائع الذي ورد في شكل دعاء، إذ يقال لمن يراد الثناء عليه ومدحه: «بورك فيك كما بورك في الزيت أكلا ودهنا وشعلا لفتيل البيت».

تفاعلت الأمثال الشعبيّة المشرقيّة بدورها مع هذه القيم الكونيّة وشاركتنا بعض هذه الرمزيّات الخالدة التي من كثرة تداولها أضحت من قبيل التراث المشترك بين الشعوب. وقد لاحظنا ذلك خاصّة في رمزيّة جديدة لم نعهدها ألا وهي رمزيّة الفصول والزمن، حيث أضحى الزيت مرجعا زمنيّا يرمز إلى فصل الشتاء. ففي مصادفة عجيبة بين لوحة الفصول الأربعة المكتشفة في جهة رأس قبّوديا قرب مدينة الشابّة بالساحل التونسي والّتي تعود للقرن الثّاني ميلادي49 ومثل شعبي سوري يتّفق كلاهما على هذه الرمزيّة الزمنيّة. ذلك أنّ هذه اللوحة الفسيفسائيّة تعرض فكرة دورة الحياة من خلال الديمومة وتداول الفصول. فقد آثر الفنّان تجسيد الفصول الأربعة في كافّة أركان اللوحة، حيث رمز إلى فصل الربيع بالأزهار الملوّنة وإلى الصيف بالسنابل الناضجة وإلى الخريف بأوراق العنب المتدلّية أمّا الشّتاء فقد مثّلته أغصان الزيتون الغضّة بأوراقها اليانعة وحبّاتها السوداء. وفي تناغم تامّ مع هذه الفكرة الجوهريّة وللتعبير عن قصر النهار في الشتاء البارد حيث موسم جني الزيتون وعصر الزيت، نصّ منطوق المثل السوري «نهار الزيت أصبحت أمسيت»50.

كما اكتسب زيت الزيتون رمزيّة الرفعة والسموّ، من خلال هذا الحوار الطريف الذي لا يخلو من الحكمة والموعظة الحسنة. قال الماء للزيت: «كيف تعلو عليّ وقد أنبتّ شجرتك؟ أين الأدب؟». فردّ الزيت قائلا: «أنت نشأت بين الأنهار رضراضا، وأنا على العصر والقهر صبرت. والصبر يعلو القدر، اصبر قليلا فبعد العسر تيسير. وكلّ أمر له وقت وتدبير»51. وهكذا غدا زيت الزيتون رمزا للشيء الثمين الذي لا يمكن تقدير قيمته بالمال والحصول عليه إلّا بعناء ومشقّة، ومن ذلك قول المشارقة «لو لا العصر لما كان الزيت»52. ثمّ تزداد قيمته الاعتباريّة شمولا وتجريدا ليكتسب رمزيّة السعادة والهناء. إذ طالما توفّر الزيت بالبيت بالكمّيات اللازمة، كلّما حسّ أصحابه بالأمان والفرح. لذلك لا غرو أن ينصرفوا إلى اللهو والمرح في أجواء يسودها الانشراح والطمأنينة وتملأها روح دعابة، كما نصّ على ذلك هذا المثل الشهير «إذا عندي طحين وزيت صفّقت وغنّيت»53. ثمّ سرعان ما تجاوز الزيت رمزيّة الفرح المؤقّت إلى الفرح الدائم، إنّها فرحة الحياة. فطالما توفّر الزيت كانت الحياة وكلّما انقطع الزيت كان الموت والفناء والعدم، كما نصّ على ذلك في كلمتين موجزة هذا المثل السوري «خلص زيتو»54 بمعنى توفّي. ويُذكرُ بصيغة الجمع في لبنان، فيقال «خلصوا زيتاته» كرمز للإحتضار ودنو الأجل وحضور المنيّة55.

الخاتمة

لا شكّ أن رحلةُ التقصّي البحثي التي تتمحور أساسًا حول مختلف أوجه التوظيفات للأمثال الشعبيّة المتعلّقة بالزيتَ والزيتون ومشتقاتهما، قد قادتنا إلى متعة اكتشاف الثراء اللغوي وعمق المعني والغنى التعبيري والخصب المجازي. إذ نحسبُ أنّ هذه العبارات والتراكيب الاصطلاحيّة المستقاة من «ثقافة الزيتون» ليست في وعي الجماعة العربيّة مجرّدَ مصطلحاتٍ كلاسيكيّة «يوميّة»، نفعيّة وأحاديّة الدلالة، تُفهم وتُستحضرُ بمعانيها القاموسيّة المحضة. فكثافة استخداماتها المجازيّة في شتّى المناسبات ومختلف البيئات الثقافيّة العربيّة، وبتمثّلاتها الرمزيّة، هي الأكثرُ شيوعًا وتداولًا على ألسن مستخدميها. إذ يسهُل عليهم استحضارها من خزانة التراث، وتشفير معانيها بهدفِ الاستشهاد بها وإسناد أقوالهم بالحجّة الدامغة. وبحكم ديناميّتها التعبيريّة عرفت طريقها نحو التدوين القاموسي في مصنّفات الدوارج العربيّة الحديثة مثلما في قواميس العامي والدخيل ومعاجم ألفاظ الحياة العامّة56. فباتت عُرضةً للتناول والاستشهاد عند العامّة والخاصّة، وعند الكتّاب والإعلاميين على حدٍّ سواء.

نذكّر أنّ مدوّنة الأمثال الشعبيّة التي اعتمدناها للدراسة والتحليل، بعضها محلّي والبعض الآخر جهوي ووطني. كما سعينا جاهدين إلى إثرائها بأمثلة مشابهة من مغرب العالم العربي ومشرقه. فلم تبخل علينا بحمولاتها الدلاليّة ولا بتمثّلاتها الرمزيّة التي لاتزال لتاريخه تُستعادُ بنسق متفاوت وبمعان متداولة، توافقت عليها الجماعة وسهل على الجمهور تشفيرها واستيعابها وإعادة إنتاجها في سياقات حديثة. من هنا فالمثل المتّكُأُ عليه، شكلا ومضمونا، لا يُستعاد من خبايا الذاكرة وخزانة التراث، ويُقرأ بوصفه أدبًا شعبيّا و«محطة كلامٍ» فحسب. وكما أظهرنا بالشواهد الموثّقة، فمدلولات الزيتون ومنظومة أمثاله المعبّرة برمزيّةٍ عن وجه من وجوه الاجتماع الثقافي، تطورت وتأصّلت وباتت اليومَ جزءا من المنظومات التعبيريّة للجماعة العربيّة ومفتاحا من المفاتيح الدلاليّة لخطاب المجال العام. وبناء على ما تقدّم، يمكن القول إنّ الأمثال خلاصة التجارب المحلِّيّة والإنسانيّة في آنٍ اوحد، وعصارة تجربة طويلة لأجيال متعاقبة. ولئن جاز القول إنَّ «الشعر ديوان العرب» في اللغة الفصيحة فربّما جاز القول إنَّ الأمثال ديوان الثقافة الشعبيّة. ثمّ إنّه قد يجوز القول: إذا كان «الشعر ديوان العرب» المنظوم، فإنَّ الأمثال الشعبيّة ديوانها المنثور، بل ربّما كانت الأمثال برمّتها ديوان الشعوب قاطبةً.

الهوامش

1. يقول الأبشيهي في كتابه المستطرف في كل فنّ مستظرف: "أعلم أن الأمثال من أشرف ما وصل به اللبيب خطابه، وحلّى بجواهره كتابه، وقد نطق كتاب الله تعالى بكثير منها، ولم يخلُ كلام الرسول صلى الله عليه وسلم منها، وهو أفصح العرب لساناً وأكملهم بياناً، ومن محكم آياته قوله عزّ وجلّ: "ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون"، "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاّ العالمون". أمّا ابن منظور في لسان العرب فيقول: "الشيء الذي يضرَب لشيء مثلا فيجعَل مثلَه.

2. ابن عبد ربه، (أحمد)، العقد الفريد، تحقيق مفيد قميحة، القاهرة، دار الكتب العلمية، 1983، ص 23.

3. شعلان، (ابراهيم)، موسوعة الأمثال المصرية، القاهرة، دار الآفاق العربية، 1999، ص 22.

4. نفس المصدر، ص 22.

5. سراج، (نادر)، "الزيتون في الموروث الثقافي: العربي تمثّل رمزي وحضور وظيفي"، مداخلة بصدد النشر قدمت في الدورة الاولى للمؤتمر الدولي الزيتونة في الفكر والثقافة الذي نظمته جمعيّة تازامّورت بجزيرة جربة من 30 نوفمبر إلى 2 ديسمبر 2018.

6. مصطفى، (شاكر)، قاموس الأنثروبولوجيا، جامعة الكويت، 1981، ص 56.

7. ضيف، (شوقي)، الفن ومذاهبه في النثر العربي، القاهرة، دار المعارف، 2005، ص 248.

8. السيّد، (مها)، الآلهة والأساطير اليونانية، جامعة طنطا، 2014، ص 136.

9. بن صالح، (عماد)، "الزيتونة شجرة الحياة: دراسة تحليلية لحضورها الرمزي والوظيفي في عادات الموت والعدّة بجزيرة جربة"، الثقافة الشعبيّة، عدد 47، المنامة، ص ص 114 - 123.

10. بورقو، (منجي) والوسلاتي، (عامر)، تضاريس البلاد التونسية، تونس، المركز القومي الجامعي للتوثيق العلمي والتقني، 1996، ص 91.

11. NAJAR, (Sihem), Pratiques alimentaires des djerbiens ; une étude socio-anthropologique, Thèse de Doctorat en Sociologie, Université Paris V, 1993, p 308.

12. بمجهود شخصي، ترجمنا هذا المثل الفرنسي إلى العربيّة هكذا: "من يحرث شجرة الزيتون يطالبها بالإنتاج، ومن يخصّبها يصرّ عليه. ولكن من يقلّمها فيلزمها به".

13. مثل شعبي اسباني، مدّنا به وترجمه لنا إلى العربيّة السيّد طارق البكوش، دليل سياحي محترف بجربة. فكانت الترجمة كما يلي: "لمّا تبلغ شجرة الزيتون مائة سنة، فهي لا تزال في الطفولة".

14. مثل شعبي ايطالي، مدّنا به وترجمه لنا إلى العربيّة السيّد رضا المصعبي، دليل سياحي محترف بجربة. فكانت الترجمة كما يلي: "لمّا تبلغ شجرة الزيتون مائة سنة، فهي لا تزال في الطفولة".

15. ANTHONY, (Raoul), "L'Anthropologie : sa définition, son programme, ce que doit être son enseignement", in Bulletins et Mémoires de la Société d'Anthropologie de Paris, n° 8, 1927, pp 227-245.

16. NAJAR, (Sihem), Pratiques alimentaires des djerbiens ; une étude socio-anthropologique, Thèse de Doctorat en Sociologie, Université Paris V, 1993, p 27.

17. عقون، (محمد العربي)، الاقتصاد والمجتمع في الشمال الافريقي القديم، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 2003، ص 19.

18. CAMPS-FABARER, (Henriette), "L’olivier et son importance économique dans l’Afrique du Nord Antique", in CIHEAM-Option Méditerranéennes, n° 24,1974, Paris, pp 21-28.

19. GSELL, (Stéphane), Histoire ancienne de l’Afrique du Nord, Paris, Hachette, 1928, p 137.

20. الأرشيف الوطني، السجلّ 111، 158،555.

21. الأرشيف الوطني، السلسلة (E).

22. أنظر المقابلة عدد 57 في جدول المقابلات.

23. WEHBI, (Nour), Diagnostic pour l’identification de stratégies de pérennisations des oliviers millénaires de Djerba, Mémoire de Master en Agronomie, Centre International des Hautes Etudes Agronomiques Méditerranéennes de Montpellier, 2013, p 18.

24. Bulletin de la direction de l’agriculture et du commerce, Tunis, Imprimerie rapide, 1899, p 53.

25. زيدانة، (صالح)، المرجع السابق، ص 258.

26. زيدانة، (صالح)، المرجع السابق، ص 258.

27. دادون، (ادريس)، الأمثلة الشعبية المغربية، الدار البيضاء، مكتبة السلام، 1998، ص 312.

28. نجيب، (رياض)، الطب المصري القديم، القاهرة، دار الكتب المصرية، 2008، ص 244.

29. BRAULT, (Monique), et BRAULT, (Lionel), L’oléologie ; déguster l’huile d’olive comme le vin, Aix-en-Provence, Edisud, 2009, p 91.

30. WEBER, (Nicole), De la légende et de l’histoire de la médecine ; l’olivier et l’huile d’olive ; biochimie, psychologie, diététique et clinique, Thèse de Doctorat en Médecine, Université Strasbourg I, 1986, p 85.

31. VEILLET, (Sébastien), Enrichissement nutritionnel de l’huile d’olive : entre tradition et innovation, Thèse de Doctorat en Chimie, Université Avignon, 2010, p 76.

32. زيدانة، (صالح)، المرجع السابق، ص 260.

33. الأسود، (نزار)، الأمثال الشعبية الشامية، دمشق، مكتبة التراث الشعبي، 2007، س 298.

34. المبيض، (سليم)، ملامح الشخصية الفلسطينية في أمثالها الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، 2006، ص 248.

35. حديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

36. المعلوفي، (عيسى)، تاريخ الطب عند الأمم القديمة والحديثة، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة والنشر، 2014، ص 38.

37. BEN TANFOUS, (Aziza), " Le maquillage traditionnel à l’ile de Djerba ", in Cahiers des Arts et des Traditions Populaires, Tunis, I.N.A.A, n° 6, 1977, pp 38-50.

38. BEN TANFOUS, (Aziza), Ibidem.

39. غريب، (صالح)، "الحنّاء الزينة الشعبيّة للمرأة في الخليج"، المأثورات الشعبية، عدد 24، المنامة، 1991، ص ص 101 - 114.

40. قطاط، (حياة)، "الزينة النسائيّة في تونس"، مجمع المتحف، معهد العالم العربي، باريس، 2014، ص ص 212 - 221.

41. الصقلّي، (أحمد)، موسوعة الطب الشعبي، تحقيق منى عبور، بيروت، دار الفكر، 1993، ص369 .

42. ابن عبد ربه، (أحمد)، العقد الفريد، تحقيق مفيد قميحة، القاهرة، دار الكتب العلمية، 1983، ص 177.

43. ANDRE, (Jérémy), "Les symboles chrétiens", in Le Point Références, n° 55, 2015, pp 83- 95.

44. FEUILLET, (Michel), Lexique des symboles chrétiens, Paris, P.U.F, 2009, p 54.

45. مرسيا، (إلياد)، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ترجمة عباس عبد الهادي، دمشق، مطابع الشام، 1987، ص 180.

46. الورتاني، (روضة)، مكانة الأمثال الشعبيّة في الحياة الاجتماعيّة التونسيّة، مذكّرة شهادة الدراسات المعمّقة في علم الاجتماع، كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس، 1998، ص 74.

47. BOUSSAADA, (Ahlem), "Rome ; l’olivier et le sacré ", in L’olivier en Méditerranée entre histoire et patrimoine, Tunis, C.P.U, 2011, pp 353-364.

48. كمون، (ادريس)، "مفهوم البركة في الثقافة الشعبية المغربية"، الثقافة الشعبية، عدد 28، المنامة، 2015، ص ص 162-173.

49. SLIM, (Hédi), SLIM, (Latia), ENNAIFER, (Mongi), MERMET, (Gilles) et BLANCHARD LEMEE, (Michelle), Sols de l’Afrique romaine ; mosaïques de Tunisie, Paris, Imprimerie Nationale, 1995, p 176.

50. زيدانة، (صالح)، المرجع السابق، ص 260.

51. سراج، (نادر)، "الزيتون في الموروث الثقافي: العربي تمثّل رمزي وحضور وظيفي"، مداخلة بصدد النشر قدمت في الدورة الاولى للمؤتمر الدولي الزيتونة في الفكر والثقافة الذي نظمته جمعيّة تازامّورت بجزيرة جربة من 30 نوفمبر إلى 2 ديسمبر 2018.

52. المرجع السابق، ص 260.

53. المرجع السابق، ص 261.

54. المرجع السابق، ص 261.

55. خليل، (أحمد)، نحو سوسيولوجيا للثقافة الشعبية، بيروت، دار الحداثة، 2008، ص 87.

56. الداية، (محمد رضوان)، معجم الأمثال العامية الشامية، دمشق، دار الفكر، 2005، ص 137.

المراجع باللغة العربية:

- الأبشيهي، (محمد شهاب الدين)، المستطرف في كل فنّ مستظرف، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1999.

- الأسود، (نزار)، الأمثال الشعبية الشامية، دمشق، مكتبة التراث الشعبي، 2007.

- ابن عبد ربه، (أحمد)، العقد الفريد، تحقيق مفيد قميحة، القاهرة، دار الكتب العلمية، 1983.

- بن صالح، (عماد)، "الزيتونة شجرة الحياة: دراسة تحليلية لحضورها الرمزي والوظيفي في عادات الموت والعدّة بجزيرة جربة"، الثقافة الشعبيّة، عدد 47، المنامة، ص ص 114-123.

- بورقو، (منجي) والوسلاتي، (عامر)، تضاريس البلاد التونسية، تونس، المركز القومي الجامعي للتوثيق العلمي والتقني،1996 .

- خليل، (أحمد)، نحو سوسيولوجيا للثقافة الشعبية، بيروت، دار الحداثة، 2008.

- دادون، (ادريس)، الأمثلة الشعبية المغربية، الدار البيضاء، مكتبة السلام، 1998.

- الداية، (محمد رضوان)، معجم الأمثال العامية الشامية، دمشق، دار الفكر، 2005.

- سراج، (نادر)، "الزيتون في الموروث الثقافي: العربي تمثّل رمزي وحضور وظيفي"، مداخلة بصدد النشر قدمت في الدورة الاولى للمؤتمر الدولي الزيتونة في الفكر والثقافة الذي نظمته جمعيّة تازامّورت بجزيرة جربة من 30 نوفمبر إلى 2 ديسمبر 2018.

- شعلان، (ابراهيم)، موسوعة الأمثال المصرية، القاهرة، دار الآفاق العربية، 1999.

- السيّد، (مها)، الآلهة والأساطير اليونانية، جامعة طنطا، 2014.

- الصقلّي، (أحمد)، موسوعة الطب الشعبي، تحقيق منى عبور، بيروت، دار الفكر، 1993 .

- ضيف، (شوقي)، الفن ومذاهبه في النثر العربي، القاهرة، دار المعارف، 2005.

- عقون، (محمد العربي)، الاقتصاد والمجتمع في الشمال الافريقي القديم، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 2003.

- غريب، (صالح)، "الحنّاء الزينة الشعبيّة للمرأة في الخليج"، المأثورات الشعبية، عدد 24، المنامة، 1991، ص ص 101-114.

- قطاط، (حياة)، "الزينة النسائيّة في تونس"، مجمع المتحف، معهد العالم العربي، باريس، 2014، ص ص 212-221.

- مصطفى، (شاكر)، قاموس الأنثروبولوجيا، جامعة الكويت، 1981.

- زيدانة، (صالح)، موسوعة الأمثال الشعبية، رهط، دار الهدى، 2016.

- المبيض، (سليم)، ملامح الشخصية الفلسطينية في أمثالها الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، 2006.

- المعلوفي، (عيسى)، تاريخ الطب عند الأمم القديمة والحديثة، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة والنشر، 2014.

- مرسيا، (إلياد)، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ترجمة عباس عبد الهادي، دمشق، مطابع الشام، 1987.

- نجيب، (رياض)، الطب المصري القديم، القاهرة، دار الكتب المصرية، 2008.

- الورتاني، (روضة)، مكانة الأمثال الشعبيّة في الحياة الاجتماعيّة التونسيّة، مذكّرة شهادة الدراسات المعمّقة في علم الاجتماع، كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس، 1998.

- كمون، (ادريس)، "مفهوم البركة في الثقافة الشعبية المغربية"، الثقافة الشعبية، عدد 28، المنامة، 2015، ص ص 162-173.

المراجع باللغة الفرنسية:

- ANDRE, (Jérémy), " Les symboles chrétiens ", in Le Point Références, n° 55, 2015, pp 83- 95.

- ANTHONY, (Raoul), " L'Anthropologie : sa définition, son programme, ce que doit être son enseignement ", in Bulletins et Mémoires de la Société d'Anthropologie de Paris 91, n° 8, 1927, pp 227-245.

- BLANCHARD LEMEE, (Michelle), Sols de l’Afrique romaine ; mosaïques de Tunisie, Paris, Imprimerie Nationale, 1995.

- BOUSSAADA, (Ahlem), " Rome ; l’olivier et le sacré ", in L’olivier en Méditerranée entre histoire et patrimoine, Tunis, C.P.U, 2011, pp 353-364.

- BRAULT, (Monique), et BRAULT, (Lionel), L’oléologie ; déguster l’huile d’olive comme le vin, Aix-en-Provence, Edisud, 2009.

- CAMPS-FABARER, (Henriette), " L’olivier et son importance économique dans l’Afrique du Nord Antique ", in CIHEAM-Option Méditerranéennes, n° 24,1974, Paris, pp 21-28.

- GSELL, (Stéphane), Histoire ancienne de l’Afrique du Nord, Paris, Hachette, 1928.

- NAJAR, (Sihem), Pratiques alimentaires des djerbiens ; une étude socio-anthropologique, Thèse de Doctorat en Sociologie, Université Paris V, 1993.

- FEUILLET, (Michel), Lexique des symboles chrétiens, Paris, P.U.F, 2009.

- VEILLET, (Sébastien), Enrichissement nutritionnel de l’huile d’olive : entre tradition et innovation, Thèse de Doctorat en Chimie, Université Avignon, 2010.

- WEBER, (Nicole), De la légende et de l’histoire de la médecine ; l’olivier et l’huile d’olive ; biochimie, psychologie, diététique et clinique, Thèse de Doctorat en Médecine, Université Strasbourg I, 1986.

- WEHBI, (Nour), Diagnostique pour l’identification de stratégies de pérennisations des oliviers millénaires de Djerba, Mémoire de Master en Agronomie, Centre International des Hautes Etudes Agronomiques Méditerranéennes de Montpellier, 2013.

الصور

- من الكاتب

1. https://i2.wp.com/images.homedepot-static.com/productImages/dade2775-f5e9-48e0-a207-3d1bb9aabe55/svn/fruit-trees-plants-oliarb01g-64_1000.jpg?resize=637%2C637&ssl=1