قال ابن حبتور - شعبيات الشاعر الغنائي محمد بن حبتور

الآن في الأسواق

+973 33769880
+973 17400088
اللغة العدد
أساليب جمع وتوثيق مواد الفولكلور: ملاحظات منهجية
أساليب جمع وتوثيق مواد الفولكلور: ملاحظات منهجية
العدد 55 - آفاق

د. عفاف عبد الحفيظ رحمة  - السودان

يعتمد البحث العلمي في مجال الفولكلور بالدرجة الأولى على العمل الميداني والنزول إلى الميدان وجمع مواد الفولكلور من الحقل. وقد شكل العمل الميداني عصب هذا العلم منذ بداياته الأولى في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في أوروبا وأمريكا، ووضع له الفولكلوريون الأوائل المفاهيم العلمية والأساسيات النظرية التي يجب أن يراعيها ويطبقها الجامع الميداني والباحث في حقل الفولكلور. وهناك الكثير من المراجع النظرية التي تناولت هذه الأساسيات في العمل الميداني في مجال الفولكلور وفي العلوم الإنسانية عموما، وقد أضافت اليها خبرة الفولكلوريون الذين انخرطوا في دراسات الفولكلور الميدانية أبعادا أخرى.

وتجمع مواد الفولكلور عبر أنماط مختلفة من مشاريع الجمع الفولكلوري، منها المشاريع التي يقوم بها فريق متخصص من الجامعين المؤهلين نظرياً وعملياً لجمع المادة وفق أسس علم الفولكلور. ومنها المشاريع التي يقوم بها باحث أو طالب الفولكلور منفردا. وتتنوع مشاريع الجمع الفولكلوري التي يقوم بها فريق في أنماطها وأحجامها، منها المشاريع المسحية، وهي مشاريع تقوم بجمع نماذج من المخزون الفولكلوري لمنطقة أو مناطق أو ثقافة أو مجموعة معينة من السكان. إن هذا النوع من المشاريع المسحية مفيد ومطلوب لمناطق لم يجر فيها جمع فولكلوري من قبل، أو كخطوة مبدئية لاستكشاف مشاكل أكثر تعقيداً تتطلب عملا ميدانيا لحلها. ويجريها في العادة متخصصون في أجناس معينة كالأغنية أو الحكاية أو ثقافة الأطفال الشعبية. ويتم هذا النوع من المشاريع على نطاق واسع ويتم إجراؤه بسرعة نسبية ويعتمد على حيوية التقاليد، وحجم التعداد السكاني، ودرجة شمولية الوعي التي يمكن أن ينزع اليها الجامع الفولكلوري. ومنها مشاريع الجمع المتعمقة، وهي المشاريع التي تعنى بجمع مواد الفولكلور بشكل متعمق من مجتمع أو أكثر أو من مجموعة سكانية أو أكثر. وهذا النوع من المشاريع يتطلب الكثير من المجهود والوقت ويقوم به فريق من المختصين في علم الفولكلور حيث يضطلع كل فرد من هذا الفريق بجمع معلومات معينة عن جنس فولكلوري معين من كل الأفراد أو يمكن جمع البيانات من عينة ممثلة لكل المجتمع. (Goldstein 1974,25) وهناك (مشاريع البحوث العلمية) التي يقوم بها الأفراد من طلاب الفولكلور بغرض جمع المادة الفولكلورية من العمل الميداني لأغراض البحث العلمي. في مثل هذه الحالة يقوم بالجمع الميداني الطالب أو الباحث بنفسه بعد أن ينتهي من مرحلة اختيار عنوان البحث، وتحديد مشكلة وفرضيات البحث، وبعد أن يستوفي الاطلاع على المادة المكتوبة بخصوص بحثه، وبعد أن يجمع المعلومات المناسبة عن المنطقة التي ينوي الجمع منها، والأهم من ذلك بعد أن يستطيع تحديد المعلومات المطلوبة من العمل الميداني.

والعمل الميداني ليس مهمة سهلة إن لم تكن شاقة، ولكنه في مجمله تجربة ممتعة عميقة سوف تسهم فيما بعد في صقل تدريب الباحث وشخصيته وتشكيل خبرته ومهارته. ويعتمد العمل الميداني على عوامل عديدة منها صفات شخصية تتعلق بالباحث الفولكلوري، ومنها مهارات يجب أن يحاول اكتسابها، ومنها عوامل حقلية ينبغي عليه أن يضعها في حسبانه ويحسن التعامل معها. إن مراعاة هذه العوامل والتفكير فيها قبل البدء بالعمل الحقلي يمكن أن تحدث فرقا حقيقيا في النتائج التي يمكن أن يتوصل اليها الباحث. ومن أجل ذلك كله فضلت التقديم للعمل الميداني بالحديث عن بعض المهارات العامة التي يجب أن يفكر الباحث الفولكلوري في أن يكتسبها وبعض الصفات الأخرى التي يمكن أن تساعده في إدارة العمل الميداني بشكل أكثر سهولة وسلاسة، ومن هذه الأمور التي يجب على الفولكلوري أن يضعها في حسبانه:

في البداية يجب أن يكون الباحث في مجال الفولكلور على وعي بقيمة وأهمية علم الفولكلور: وأن يكون واعيا بان مجهوداته ستكون مكملة لمجهودات آخرين عملوا على أن يكون علم الفولكلور علما قائما بذاته يعتمد على التدريب النظري الخاص به، وله طرقه في جمع المعلومات، وفي صياغة مشكلة البحث وفي توليد الأسئلة المحورية المرتبطة بها، وفي اعتماد أنجع الوسائل للاضطلاع بالعمل الميداني وجمع المعلومات ومن ثم القيام بعرض ومناقشة هذه النتائج، وأخيرا مناقشة وتفسير وتأويل هذه المعلومات والتي تؤدي إلى دعم أو نقض فروض البحث.

على الباحث في مجال الفولكلور أن يحاول دائما توسيع مداركه ومعارفه في مختلف العلوم المتصلة والمتداخلة مع علم الفولكلور: مثل التاريخ والإنثروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها. لقد قـامت دراسات الفولكلور في بـداية نـشأتهـا على أكتـاف باحثين في علـوم أخرى كـالتــاريخ والادب وعلم اللغـة والإنثروبولوجيا وغير ذلك مـن العلــوم التي أثــرت في نظـرة أولئك الباحثين وفي تحليلهم لمواد الإبداع الشعبي. وعلى سبيل المثال تتشابه منـاهج البحث الميداني التي استخـدمهـا علمـاء الفــولكلــور والإنثروبولوجيا. ويتبادل الأدب الشعـبي مع الأدب المدون علاقة إلهام مستمرة. فكمـا يـعتمـد الفنان الشعبي أحيانا على المصادر المكتوبة، يقـوم الأدباء بـاسـتلهـام أنــواع من الأدب المروي وتضمينها مؤلفاتهم. وتظهر العلاقة المتبادلة بين الفولكلور واللغويات في اتجاه بعض علماء الفولكلور إلى تبني بعض النظريات والمفاهيم السائدة في حقل الدراسات اللغوية لغرض دراسة الظواهر اللغوية. وتقوم الصلة بين الفولكلور والتاريخ من الإدراك المتزايد لعلماء التاريخ لأهمية المواد المستقاة من المصادر الشفاهية وقيمتها التاريخية، ومن خلال اهتمام علماء الفولكلور بدراسة المحتوى التاريخي للمواد الفولكلورية في محاولات تمييز مواد الفولكلور الأصيلة. بينما نجد إن مناهج التحليل النفسي تمثل عمق العلاقة بين الفولكلور وعلم النفس فبينما اعتمد علماء النفس على المادة الشعبية الغنية بالخيالات في ممارسة الطب النفسي، استفاد علماء الفولكلور من نظريات علم النفس في استبطان الأساطير والحكايات الشعبية لاستخراج مكنوناتها النفسية (الرفاعي 1994م، 2). ومن الواضح أن هذا الطيف الواسع من العلوم التي تتداخل باستمرار مع علم الفولكلور تتطلب من الباحث في مجال الفولكلور أن يلم على الأقل من كل علم منها بطرف، وأن يحاول دائما توسيع مداركه ومعارفه في مختلف هذه العلوم، وأن يدرك أهمية هذه الصلات في نتائجه المستخلصة من دراساته، وفي رؤية الصور الكلية لمواد الفولكلور.

يجب أن يحاول الباحث الفولكلوري أن يطور مهاراته في العمل الميداني، وفي استخدام المكتبات والأرشيفات ومواد المتاحف، وكذلك عليه أن يزيد خبرته بتراث البلاد الأخرى: ينبغي للباحث الفولكلوري أن يحاول بشكل مستمر زيادة خبراته في العمل الميداني فهو من أكثر الممارسات التي تصقل خبرة الفولكلوري وتزيد خبراته وتكسبه عمق الباحث. وينبغي على الباحث أن يبدأ أعماله دائما من المكتبات، والانترنت، والمتاحف، والأرشيف، والمجموعات الخاصة، فسيجد في كل هذه الأماكن ضالته من المعلومات التي كتبها من سبقه من الباحثين في الموضوع الذي يهمه. ويمكن أن يجد أيضا بعض المواد المساعدة الأخرى مثل الخرائط وكتب التاريخ المحلي للمنطقة التي ينوي إجراء عمله الميداني بها وربما يجد أيضا طرف خيط يقود لبعض الشخصيات التي يمكن أن تشكل رواة محتملين. ستساعد التقارير ونتائج البحوث التي قام بها باحثون آخرون في وقت مبكر على تفادى تكرار نفس الأبحاث في نفس المواضيع وستساعد في تطوير أسئلة بحث أكثر تعمقا وفائدة في موضوع البحث. (Barits 2002,3) وعلى الباحث الفولكلوري أن يلم باستخدام الأرشيف، حيث تدخل المخطوطات وأشرطة التسجيل التي تجمع حصيلة عمليات الجمع الميداني في أنظمة فهرسة مركبة حيث تعطى هذه الأشرطة أرقاما متسلسلة تمكن الفولكلوري من استخدام تجميعات عريضة غير منشورة من التراث الشعبي في بحوثه. كما ينبغي على الفولكلوري أن يلم بعلم المتاحف وأن يصبح خبيرا في استخدام المتحف الشعبي الذي تقابل محتوياته من عناصر الثقافة المادية ما تحويه الأرشيف من النصوص الأدبية والموسيقية.

على الباحث الفولكلوري أن يتواصل مع زملاء ومؤسسات الفولكلور في كل أنحاء العالم: تتطلب الطبيعة العالمية للدراسات الفولكلورية من دارسيها تنمية بعض المهارات الأخرى لعل أحدثها هو تنمية علاقات من الزمالة والشراكة مع فولكلوريين من مختلف أنحاء العالم ومع مؤسسات ومراكز مهتمة بهذا العلم. إذ ربما كانت المشاكل التي يتصدى لها قد وضعت من قبل موضع الدراسة، وربما بإمكانيات أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة له في أماكن أخرى من العالم، ومن هنا فانه يتحتم على الفولكلوري بناء جسور لعلاقات الأخوة بين الفولكلوريين في العالم كله، وذلك عن طريق المشاركة في المنظمات، والمؤتمرات، وحلقات البحث العالمية، وتنمية العلاقات الشخصية، وعلاقات العمل، والعلاقات بين مراكز الدراسة المختلفة (دورسون 2007، 35). لقد برز الفولكلور ككيان علمي منفصل منذ خمسينات القرن الماضي وأصبحت له معاهد وكليات تدرسه ومجلات علمية تنشر أبحاثه ومنظمات دولية ترعى أبحاثه. ومع ذلك ونظرا لأنه من العلوم الحديثة نسبيا فنجد عدد المشتغلين به ليس بكثرة المشتغلين في العلوم الاجتماعية الأخرى الأساسية، لكنهم يمثلون مع ذلك كيانا متميزا ومجتمعا فريدا، وسيكون مفيدا للباحث المبتدئ في هذا المجال أن يمد روابط الصلة بينه وبين أفراد هذه المجتمع العلمي بالتعاون في مختلف أوجه التعاون الأكاديمي والبحثي فيفيد بتجربته ويستفيد من تجاربهم. وينبغي عليه كذلك أن يلم إلماما كافيا بتاريخ الفولكلور، وذلك لكي يعرف الخطوط العريضة لنمو وتقدم هذا الموضوع في مختلف بلاد العالم.

وهناك بعض الصفات والمهارات التي يجب أن يفكر الباحث في التحلي بها قبل الدخول في العمل الميداني في مجال الفولكلور وهي كثيرة وسنورد هنا أهمها:

أول هذه الصفات التي يجب أن يتحلى بها الباحث في الفولكلور هي صفة القبول: ونعنى بالقبول القدرة على التداخل مع الناس وخلق العلاقات الإيجابية معهم والتمتع بالعفوية والبساطة التي تجعل الناس يألفونه ويرتاحون بالإفضاء اليه بتجاربهم وخبراتهم. لابد أن يتمتع الباحث بصفات إنسانية كثيرة ضرورية لمثل هذا النوع من العمل الذي يتطلب الثقة كالصدق، والبساطة، والروح الإيجابية، والتعامل بمودة مع الناس. إن اللمسات الإنسانية في الحديث والتعامل تجعل الباحث مقبولا ومحبوبا فتقديم المساعدة لرواتك من كبار السن، أو قضاء بعض الوقت تستمع لأحاديثهم إذا شعرت أنهم يرغبون في الكلام معك عن أشياء تخصهم، كل ذلك مما يعزز الثقة ويضمن تطوير علاقات من الثقة والمودة المطلوبة في هذا النوع من العمل. وقد يجد الباحث نفسه في حاجة لأن يشارك رواته في بعض مناسباتهم أو أحاديثهم كنوع من محاولات تعزيز هذه الثقة معهم.

من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الباحث في هذا المجال أيضا: القدرة على إظهار الاحترام: احترام الناس، وعاداتهم وقيمهم الاجتماعية وتقاليدهم وأنماط لباسهم وأكلهم. فعلى سبيل المثال يظهر الباحث الاحترام لكبار السن والنساء من الرواة ويعدل من طرق الحصول على المعلومات بما يضمن خصوصية وراحة الرواة. وإذا صادف وأن قضى وقتا مع رواته أو خلال مناسباتهم عليه أن يحترم عادات أكلهم ولباسهم وقيمهم الاجتماعية حتى وإن كانت مختلفة عن مجتمعه وعليه أن يكون منفتحا في تعلم الجديد من أنماط الحياة المختلفة عن حياته وعليه أن يحاول رؤية الأمور دائما بمنظار مختلف عن منظاره الخاص.

ولا بد أن أشير إلى أن مظهر الباحث له دور مهم في تكوين الثقة بينه وبين مجتمع البحث الذي ينوي العمل فيه: فكلنا يعرف إن الانطباع الأول مهم في توجيه العلاقات المستقبلية على وجه الخصوص في المجتمعات التقليدية ولذلك على الباحث أن يهتم بمظهره دون مبالغة ومن الأفضل دائما ارتداء أزياء قريبة لما يرتديه الناس في مجتمع البحث فهذا يجعلهم يألفون الباحث ويحسونه كواحد منهم.

على الباحث في مجال الفولكلور أن يتمتع بقدرات لغوية متنوعة: فعليه أن يتقن اللغة الفصيحة والشعبية واللهجات المحلية للإنتاج الفولكلوري الذي يقوم بجمعه ودراسته وعليه أن يلم بعلم اللهجات الذي يساعده في فهم أبعاد المعاني في المواد التي ينوي دراستها.

على الباحث في مجال الفولكلور أن يتمتع بدقة الملاحظة: وهي من الصفات التي يجب أن يتحلى بها الباحث في الفولكلور مع جميع الباحثين في مختلف المجالات العلمية. يجب أن يحتفظ الباحث بذهنه متقدا وفي متابعة تامة لمجريات الحوار مع الرواة فهذا يتيح له ملاحظة وتيرة الراوي وعبوره بسرعة أو بتردد أو عودته مرارا إلى نقاط معينة وكل هذه النقاط يمكن أن تكشف للباحث عن مدى عمق ذخيرة الراوي بل يمكن أن تكشف له معرفته بمعلومات في نقاط معينة لا يرغب في البوح بها الشيء الذي يمكن أن يتحصل عليه الباحث في ظروف أخرى مختلفة ومقابلة لاحقة.

يساعد كثيرا أن يحاول الباحث التعرف على ثقافة المجتمع الذي ينوي العمل فيه: يجب على الباحث أن يحاول التعرف على طبائع الناس وعاداتهم والإلمام بثقافتهم البيئية وأنشطتهم الاقتصادية وثقافتهم الشعبية. إذا نوى الباحث العمل في مجتمع قبلي ينصح حينها أن يحاول الإلمام بتاريخ القبائل أو المجموعات السكانية والعلاقات التي تربطها ببعضها البعض. وأن يضمن أن يقدمه إلى المجتمع أحد أبناء المنطقة من الشخصيات التي تحظى بالقبول والاحترام. وان يلم بالأحوال الاقتصادية والسياسية في المنطقة ليتمكن من تبادل الأحاديث مع الناس بسهولة ومودة. إذا كان الباحث ينوي الجمع من مجتمعات زراعية فعليه أن يحاول الإلمام ببعض المعلومات البيئية مثل معرفة الأرض والتربة وأنواع النباتات الطبيعية ومواقيت الزراعة واطوار نمو المحاصيل ومعرفة الأنواع ومعرفة أطوار الجو ومعرفة الشهور التي تضبط بها مواسم الزراعة والحصاد. إذا نوى الباحث الجمع في مجتمعات نائية أو مناطق قروية ينصح أن يحاول الحصول على معلومات عن الطرق وجغرافية المنطقة التي ينوي الجمع منها (الطيب 1977، 15). وأما الأفضل دائما أن يحاول الباحث التعرف المسبق على شخصية الراوي الذي هو مقبل على التعامل معه من أطراف أخرى ومعرفة مزاجه وتوجهاته وطباعه فكل ذلك مما يجعل التعامل معه سهلا على وجه الخصوص في البدايات الأولى.

التحضير للعمل الميداني:

بما أن هذه الورقة تعنى بأساليب العمل الميداني بالنسبة لطلاب الفولكلور، فنحن نفترض بأن العمل الميداني هنا المقصود منه العمل الميداني الذي يجريه طالب الفولكلور المتخصص لغاية إجراء البحث العلمي في مجال الفولكلور. والحال هكذا، فان الباحث يجب أن يهتم في بداية بحثه (بعد أن يتجاوز مرحلة تحديد عنوان بحثه) ببعض الأمور النظرية قبل الدخول في العمل الميداني ومنها الإطار النظري للبحث والذي يعني:

1. عرض مشكلة البحث، وتقرير نوع المشكلة التي يسعى الباحث إلى إيجاد الحلول لها عبر العمل الميداني.

2. تحليل المشكلة، ويعني ذلك تحديد المعلومات ذات الصلة وأنسب الطرق لجمع هذه المعلومات.

3. العمل الميداني، ويعني جمع المعلومات بأساليب وتقنيات وطرق معينة وتدوينها وتوثيقها وتحليها.

4. عرض ومناقشة النتائج.

5. مقارنة هذه النتائج بعد تحليلها وتفسيرها بفرضيات البحث وهنا تكمن إضافة الباحث العلمية والأكاديمية.

إن تكوين وفهم الإطار النظري للبحث هو من أهم العوامل في نجاح الباحث في مرحلة العمل الميداني لأن الباحث حينها يكون قادرا على فهم المعلومات المطلوبة من العمل الميداني. ويمكن أن يستخدم الباحث الفولكلوري طرقا مختلفة لمخاطبة مشاكل بحثية مختلفة، وعليه أن يحصل على المعرفة النظرية بالعمل الميداني وعلى التدريب الضروري الذي يمكنه من إنجاز العمل الميداني بصورة مرضية. يتطلب العمل الميداني من الباحث اختبار ظروف حياتية مختلفة والتحدث مع شخصيات جديدة تعبر عن نفسها بطرق قد تبدو للباحث مختلفة عما ألفه. ولذلك فالباحث مطالب بمحاولة التكيف مع الظروف وعلى استخدام طرق ربما لم تكن في حسبانه في رحلة تحليل المشكلة. بل في بعض الأحيان يضطر الباحث إلى تعديل مشكلة البحث أو استبدالها كلية ومن الأفضل في هذا الصدد أن يضع الباحث في حسبانه أكثر من مشكلة متعلقة بموضوع البحث أو أن يولد من مشكلة البحث مشاكل أخرى متعلقة بها. وفي العموم هناك بعض النقاط التي يمكن للباحث أن يدركها لتسهل عليه هذه المرحلة وتساعده في الحفاظ على التوازن النفسي الجيد خلال جميع مراحل العمل الميداني والذي بدوره يعد عاملا مهما يضمن للباحث الاضطلاع بعمل ميداني موفق ومنها:

1) توقع الصعوبات في العمل الميداني:

التوقعات المسبقة هي ما تؤثر دوما في تقييمنا للنتائج، فاذا أقدم الإنسان على عمل وتوقعاته منه كبيرة للغاية يمكن أن يحبط بالنتائج إذا كانت دون توقعاته. أما إذا أقدم على عمل وهو مدرك لأنه يمكن أن يلاقي فيه النجاح أو الفشل كان النجاح إذا ما وفق إليه في عمله كبيرا في نظره. وعلى ذلك فإن الباحث المقدم على العمل الميداني عليه أن يتوقع الصعوبات والمعوقات التي يمكن أن تواجهه في العمل الميداني. يتعرض الباحث خلال العمل الميداني في الفولكلور للمفاجآت والاحتمالات التي لا يمكن تصورها سلفًا. وفي كل مرة، يجد نفسه في وضعية مختلفة، وأمام ظروف جديدة. فلكل جنس فولكلوري طرق وأساليب وأرضية خاصة في الجمع، كما أن لكل راو، تقاليد خاصة في التعامل، وأمورا معينة يجب مراعاتها. ويجد الباحث نفسه أمام العديد من الأسئلة التي تتعلق بكيفية تقديم نفسه في مجتمع البحث وهل سيتقبله الرواة، وهل سيكونون متعاونين معه، ويخشى الباحث أن يرتكب أي خطإ غير مقصود فتتعقد مهمته ويخشى أن يقضي الكثير من الوقت في الحقل ولا يظفر بالمعلومات التي يحتاجها في عمله، وفي خلال هذه التساؤلات يمر الباحث بمعاناة ذهنية ونفسية فائقة. علاوة على ذلك، فإن نظرة الناس إلى مواضيع الفولكلور والتراث الشعبي والحكم بعدم جدواها أو تفاهتها أو عدم قيمتها في هذا الزمن الذي يقيم فيه كل شيء بمقدار الربح أو الخسارة من أكبر الصعوبات التي يمكن أن تواجه الباحث الميداني (البكر 2009، 111). الأوضاع يمكن أن تصل أحيانا إلى نقاط محبطة لن يقلل من إحباطها إلا توقعاتك بها من البداية وفي مثل هذه الحالات يمكن أن تأخذ استراحة وتروح عن نفسك وتعود بروح أفضل.

2) فهم طبيعة الرواة:

بطبيعة الحال يمكن جمع مواد الفولكلور من أفراد أي مجتمع إلا أن هناك بعض الأشخاص يكونون مؤهلين أكثر من غيرهم بفضل صفاء الذاكرة لديهم أو العمر الطويل الذي عاشوه أو مقدراتهم في الأداء أو الأدوار التي لعبوها في مجتمعاتهم للإدلاء بمعلومات أكثر تفصيلا وفائدة (Barits 2002, 7)، وهؤلاء الأشخاص هم الذين نطلق عليهم لقب (الرواة). والرواة هم بشر عاديون يمرون بظروف وتقلبات الحياة المختلفة وعلى الباحث في مجال الفولكلورأن يتفهم طبيعة الرواة (البكر 2009، 110-111) فسيجد من بينهم المتشكك، وصعب المراس، والذي يشعر بعدم جدوى الحديث في الموضوع الذي تريد أن تتحدث معه فيه، وسيجد فيهم كبير السن الذي يعاني من ظروفه الخاصة، والزاهد في الكلام، والثرثار الذي يريد أن يحدثك عن كل شيء. وعليه أن يدرك أن الرواة هم بشر مثلنا لديهم مشاكلهم وظروفهم وميولهم وتوجهاتهم واهتماماتهم وعلاقاتهم. ومن بين هؤلاء يمكن أن يصادف الباحث الموهوبين، ومن لا موهبة لهم، وذوي الخيال الفني الأصيل، والمقلدين الذين يفتقرون إلى خيالهم المستقل، وسيصادف من بينهم الخبيرين المتمرسين في الفن، والذين يتعاملون مع تراثهم بجدية ويعتبرون أنفسهم حملة وحماة تراثهم، ومن هم لا يزالون في بداية التجربة. سيصادف الباحث المتفكهين، والمرحين، والأخلاقيين المتزمتين، وسيصادف الرومانسيين، والواقعيين، وفي كلمات أخرى فإن في إمكان الباحث في هذا المجال أن يجد بين حملة الفولكلور طيفا واسعا متنوعا من أنماط الشخصيات من حيث اتجاهاتهم السيكولوجية والفكرية ومن حيث تمكنهم وموهبتهم. يتعامل هؤلاء الرواة مع الباحث في المجال لأول وهلة من منطلقات كثيرة: أحيانا يتفهمون عملك، وأحيانا يشككون بك وبأغراضك، أحيانا يعتقدون أنك ستجني المال من ورائهم أو أنك ستنشر أحاديثهم في الصحافة. أحيانا يحقرون مساعيك وبحثك بطريقة محبطة، وأحيانا يصرون على توضيح عدم الجدوى في عملك أو في الحديث عموما. ينبغي عليك أن تتفهم كل ذلك وتمتصه وينبغي عليك أن تحافظ على عينيك دائما على هدفك وعلى طريقك. ويتقاطع طريق الباحث مع طريق الراوي في نقطة معينة هي نقطة مقابلته ومحاولة جمع المعلومات منه. وهذا الحدث يمكن أن يقع في أي مرحلة من مراحل حياة الراوي. يمكن أن تقابل الراوي وهو في مرحلة من حياته يعاني الإحباط أو الاكتئاب. يمكن أن تقابله بعد أن يتقدم في العمر ويزهد في الحديث عما يهمك. وفي حالات أخرى يمكن أن تجده متحمسا للحديث وراغبا في المساعدة. يمكن أن تجده في حالة انشغال ولم يستطع أن يوفر لك وقته رغم رغبته في ذلك، ويمكن أن يكون مستغرقا في عمل إبداعي يأخذ جل وقته واهتمامه وطاقته. ينبغي عليك أن تتفهم ظروف رواتك فهم بشر عاديون. تفهم ظروفهم النفسية والصحية والإبداعية أحيانا، وعدل من توقعاتك وحساباتك دائما لتوافق ظروفهم وتتحلى بالصبر والتفهم والمودة في معاملتهم فهذه الأشياء هي ما تضمن لك الحصول على ما تتطلع إلى الحصول عليه من رواتك.

3) الاطلاع على المادة المكتوبة

المتوفرة عن موضوع البحث:

يقوم الباحث بالعمل الميداني بعد أن يحدد فرضيات بحثه الأساسية. ولكن قبل الانخراط في العمل الميداني سيكون مفيدا للباحث بالاطلاع على المادة المكتوبة عن موضوع البحث وهذه خطوة هامة للغاية. وهناك في العادة مصادر أولية ظاهرة، ومصادر ثانوية لا يصل إليها الباحث إلا بعد الاطلاع على المصادر الأولية وموالاة البحث والتقصي حولها. إن الاطلاع على مثل هذه المصادر في المراحل الأولى قبل القيام بالعمل الميداني يضمن للباحث التعرف إلى أين وصل الباحثون من قبله ومعرفة أي النقاط التي غطوها وأي النقاط التي أهملوها أو لم يوفقوا في تغطيتها وهكذا يستطيع أن يواصل من حيث توقف الآخرون. يمكن أيضا أن تزوده الأدبيات السابقة التي تتحدث عن موضوع البحث أو منطقة البحث أو حتى عن الرواة المحتملين بمعلومات مهمة عن جغرافيا وثقافة وطرق ووسائل المواصلات والتنقل في المنطقة التي ينوي الجمع منها كما يمكن أن تزوده بالخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والتوجهات السياسية لرواته المستقبليين. وبما أن علم الفولكلور علم متداخل متشابك مع كثير من العلوم الأخرى القريبة وذات الصلة كالتاريخ والأدب وعلم اللغات وعلم الاجتماع والفنون والموسيقى فعليه أن يوسع دائما نطاق بحثه وتقصيه في محاولة التعرف على المصادر الأولية عن موضوع البحث.

4) التواصل مع باحثين آخرين عملوا

في نفس المجال أو المجتمع:

إن من حسن التخطيط أن يتواصل الباحث مع باحثين آخرين سبق وأن عملوا في مجتمع البحث أو اتصلوا برواة معينين ينوي الباحث أن يستطلع معلوماتهم. يمكن أن تضمن مثل هذه الخطوة الكثير من المنفعة وتجنب الباحث الكثير من المشقة. على سبيل المثال يمكن أن يزوده الباحث أو الباحثون السابقون بأفضل طرق الجمع في المجتمع المعين. ويمكن أن يلفتوا نظره إلى بعض المواضيع التي ينبغي عليه تجنب الكلام فيها أو مباشرتها بطريقة معينة. ويمكن أن يوضحوا له طبيعة المجتمع وعاداته وقيمه الاجتماعية والأخلاقية. يمكن أن يدلوه على شخصيات محبوبة يمكن أن يلجأ اليها لتسهيل اتصاله مع الرواة أو على العكس إذا كانت هناك شخصيات مكروهة لأي اعتبارات في ذلك المجتمع وفي هذه الحالة لن تصلح لأن تكون مدخلا مناسبا لعمله. يمكن أيضا أن يزوده من سبقه من الباحثين بملاحظاته الشخصية والتي عبرها يستطيع فهم طبيعة الناس في مجتمع البحث فيضمن أن يتصرف دائما باللباقة والكياسة الكافيين لتفادي الإشكالات والاحتقانات التي يمكن أن يولدها جهله بمثل هذه التفاصيل.

الوسائل العلمية لجمع مواد الفولكلور:

على الباحث في هذا المجال أن يدرك أن المواد الفولكلورية التي نسعى إلى جمعها وتسجيلها إنما هي تجارب حياتية معقدة تتداخل عناصرها وتتشابك وتتماهى لذلك يجد الباحث نفسه مضطرا إلى استخدام أكثر من طريقة في سبيل الوصول إلى كافة تفاصيلها. يجمع الباحث من خلال العمل الميداني مجموعة متنوعة من البيانات منها الأجناس الفولكلورية نفسها، ومنها معلومات عن النسق الذي ينتشر الفولكلور عبره، ومنها المعلومات عن حاملي التراث ومنها معلومات عن السياق الطبيعي الذي يظهر فيه التراث بشكل عفوي ومناسبات الأداء وأساليبه. ويجمع الباحث أيضا البيانات الفولكلورية وهي تتضمن معلومات يمكن من خلالها مقارنة بيانات الباحث مع بيانات أخرى سابقة جمعها باحثون آخرون من نفس منطقة الجمع وذلك للتعرف على حيوية واستمرارية الجنس الفولكلوري المعني بالجمع في المنطقة مكان البحث. وأخيرا يجمع الباحث معلومات عن أفكار الفولكلور ونعني بها المفهوم الفكري لحاملي التراث عنه (عن التراث نفسه) ويتضمن ذلك سلوكهم ومشاعرهم وأفكارهم عن الجنس الذي يحفظونه أو يؤدونه وردود أفعالهم النفسية والاجتماعية تجاه مواد وظروف الفولكلور. وتتعدد أساليب جمع مواد الفولكلور، وهي تشمل ولا تقتصر على: الملاحظة والمقابلة والاستبيان، إلا أني سوف أركز في هذه الورقة على أسلوبين لجمع المواد الفولكلورية وهما (الملاحظة والمقابلة) وهما الطريقتان المستخدمتان في البحوث العلمية في مجال الفولكلور حيث توفران معلومات تتميز بالموضوعية والانضباط والاتساع والشمول لأنها تعتمد على جمع المعلومات من العمل الميداني بالإضافة إلى جمعها من المدونات والأدبيات المتعلقة بمجال البحث.

الجـمع بالملاحـظة:

يمكن تعريف الملاحظة بأنها الإعتبار المنتبه لحادثة أو ظاهرة أو شيء ما. وأما الملاحظة العلمية فهي الإعتبار المنتبه للظواهر والحوادث بقصد تفسيرها واكتشاف أسبابها والوصول إلى القوانين التي تحكمها (غرابية وآخرون 1977 ،33). وتعتبر الملاحظة من أهم الأساليب لجمع المادة الفولكلورية في الميدان وهي تكمل غيرها من أساليب جمع المادة الفولكلورية. والملاحظة في مجال الفولكلور هي المشاهدة والمراقبة الدقيقة لظاهرة أو سلوك معين وتدوين الملاحظات الناتجة عن هذه المراقبة، وتكون الملاحظات التي تدون نتيجة المشاهدة مبنية على أسس علمية ووعي وفهم دقيق للجنس الفولكلوري موضع الدراسة. وتُستخدم الملاحظة في الفولكلور كوسيلة لجمع البيانات حول الأجناس والأنشطة الفولكلورية ولكنها أنجع في فهم المعتقدات والعادات والتقاليد وفنون الأداء والحرف اليدوية. فالعادات ممارسات حية لا يمكن أن تختزل في نص أو تتمثل في أداة معينة ولكنها جماع ذلك كله تجسد أمام الباحث في سلوك. وحقيقة أنها تصدر عن معتقد معين وتتوسل بأدوات معينة وترتبط بصيغ وعبارات بالذات لكنها حركة درامية تعرض نفسها للملاحظة بكل جلاء (الجوهري وآخرون 2006، 76). وتتميز طريقة الملاحظة بأنها تمكن الباحث من جمع المعلومات تحت ظروف سلوكية مألوفة (وقت حدوثها) ولا تضع أي مجهود على الجماعة موضع الدراسة بالمقارنة مع غيرها من طرق جمع المعلومات، وهي طريقة لا تعتمد كثيرا على الاستنتاجات ولذلك تعطي نتائج موضوعية وخصوصا فيما يختص بدراسة العادات والمعتقدات والحرف اليدوية وغيرها من أشكال الثقافة المادية.

وتنقسم أساليب الملاحظة إلى نوعين:

- الملاحظة غير المشاركة:

وهي التي يلعب فيها الباحث دور المتفرج أو المشاهد بالنسبة للحادث أو الظاهرة موضوع البحث، وهذا النوع يتضمن النظر أو الاستماع إلى موقف أو حدث اجتماعي معين دون المشاركة الفعلية فيه. ومن ميزاتها أنها تقلل من تأثير الباحث على سياق المشاهدة لأنه لا يكون مشاركا فيه ولكنها في نفس الوقت تجعل من الصعب على الباحث أن يتفهم حقيقة الموقف أو يدرك كافة جوانب الموضوع لأنه لا يستطيع أن يقرأ المعاني التي تتضمنها تصرفات المشاركين وحركاتهم وتعابير وجوههم.

- الملاحظة المشاركة:

وهي التي يقوم فيها الباحث بدور العضو المشارك في حياة الجماعة موضوع البحث. في الغالب يعيش الباحث مع الجماعة التي يريد أن يجمع منها ويشاركهم كافة نشاطاتهم ومشاعرهم وبالتالي فإنه يلعب دورين: أولهما العضو المشارك في حياة الجماعة، وثانيهما دور الباحث الذي يجمع البيانات. وتتميز الملاحظة المشاركة بصدق وغزارة بياناتها لأنها تكون قد جمعت في بيئتها الطبيعية وهي تفسح المجال أمام الباحث لملاحظة جوانب السلوك الخفية، وأن يتفهم سلوك الأفراد بشكل ادق، وأن يقرأ المعاني التي ترتسم على وجوه أفرادها، وان يناقش مواضيع حساسة لا يجرؤ الباحث الغريب عن الجماعة على طرحها.

وعلى كل حال فهناك إعتبارات هامة يجب على الباحث أن يراعيها من أجل الحصول على بيانات مفيدة عند استخدام طريقة الجمع بالملاحظة وسأتعرض لها بإيجاز وهي:

- الحصول على معلومات مسبقة عن الشيء الذي تود مشاهدته: يجب على الباحث أن يقرر مسبقا الجوانب التي عليه ملاحظتها والظواهر التي تستحق التسجيل، فإذا كان الباحث مدركا مسبقا للأمور التي يجب عليه ملاحظتها فإنه سيلاحظ ويتذكر جوانب أكثر تفصيلا للوضع مما لو ذهب للملاحظة دون هذه المعرفة المسبقة.

- اختبار الأهداف العامة والمحددة: قد يحصل الباحث على فكرة جيدة عما يجب ملاحظته وتسجيله عن طريق الأبحاث والدراسات التي كتبت حول موضع الملاحظة. كما أن صياغة أهداف البحث الذي يقوم به الباحث وإدراج العناصر المحددة التي تحتاج إلى البحث تملي على الباحث الجوانب التي يجب ملاحظتها، وقد تفرض عليه بعض الضوابط. إن تحديد الباحث للسلوك والظواهر المتوقع ملاحظتها ستمكنه من المحافظة على موضوعيته في الملاحظة، وستمكن غيره من الباحثين من إدراك حدود وأبعاد بياناته ومعلوماته وهذا سيسمح لهم بإثبات صحة بحثه عن طريق القيام باتباع خطوات البحث مرة أخرى للتأكد من النتائج (غرابية وآخرون 1977، 35-38).

- تصنيف وتحديد المعلومات: على الباحث أن يصنف ويحدد المعلومات التي يحصل عليها بالمشاهدة ومن هذه التصنيفات تسجيل بيانات رقمية للظواهر التي يشاهدها، مع تسجيل معلومات وصفية، وتدوين بعض الملاحظات والتفسيرات لها وقت حدوثها. وعلى الباحث أن يراعي دوما السياق العام للظاهرة ودلالة كل جزئية من جزئياتها ووظيفتها وعلاقتها بالظواهر العامة الأخرى وإلا بقيت المعلومات المجمعة وصفا خارجيا فاقد المعنى (الجوهري 1978، 55).

- التدرب على الآلة التي تسجل بواسطتها المقابلات: أن تدرب الباحث على الآلة التي يسجل بها الملاحظات بالإضافة إلى برنامج الملاحظة سيمكنه من تسجيل الملاحظات وتدوين النتائج في أقصر وقت ممكن (غرابية وآخرون 1977، 35-38).

تدوين معلومات ونتائج الملاحظة:

إن السياق الذي تتم ملاحظته هو الذي يقرر ويحدد متى وأين يستطيع الباحث أن يقوم بتسجيل ملاحظاته. ومن الأفضل بطبيعة الحال أن يقوم الباحث بتسجيل ملاحظاته بأسرع وقت ليقلل من احتمالات الانحياز وتحريفات الذاكرة، إلا أن ذلك لا يكون ملائما دائما إذ يمكن أن يتعارض مع جودة ملاحظة الجامع ويشتت من انتباهه ويحرمه من المتابعة المستمرة للحدث موضوع الملاحظة. كما أن تدوين الملاحظات أثناء الحدث قد تؤثر على طبيعية السياق الذي يجرى فيه الحدث ويمكن أن تؤدي إلى تغيير شكله أو مضمونه. ومن أجل ذلك كله ينصح الباحث تدوين ملاحظاته بعد انتهاء الحدث موضوع الملاحظة. ولكن لابد له أن يكون حريصا في التفريق بين الملاحظة والتأويل، إذ إن الباحث لا يستطيع أن يسجل كل ما رآه وبالتالي فان ما يسجله حقيقة هو (منتقى) سواء بإدراك أو بغير إدراك والانتقاء في حد ذاته عامل للتأويل. وعندما نضيف إلى ذلك الانحياز الذي يمكن أن يظهر نتيجة لطبيعة الباحث النفسية أو وجهة نظره الشخصية وبعض العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر بشكل الانتقاء لما يمكن أن يسجله الباحث نصبح واعين للمشكلات الكبيرة في التفريق بين (الملاحظة) و(التحريف). ولذلك كله من الضروري أن يلتزم الباحث بتسجيل الوقائع حسب حدوثها ويتجنب إدخال أية تفسيرات على البيانات إلا إذا لمس أنها ضرورية كإضافة لإثبات المعلومات. ويفضل أن يؤجل الباحث تقديم تفسيراته أو تقييمه الذاتي حتى يكمل جمع معلوماته وتصبح لديه صورة أوضح للموقف الذي يلاحظه. وهذا لا يمنع أن يقوم بتدوين بعض التفسيرات أثناء الملاحظة إذا شعر بأنها يمكن أن تساعده في تحليل البيانات فيما بعد، أو في ربط المعلومات ببعضها البعض، وعليه في هذه الحالة أن يحافظ على الموضوعية وألا يستبق الأحداث ويحاول أن يخلص إلى استنتاجات غير مبررة بمشاهداته (غرابية وآخرون 1977، 38).

الجـمـع بالمـقـابـلة:

المقابلة هي وسيلة أخرى من وسائل العمل الميداني في مجال الفولكلور. ويعتبر جمع مواد الفولكلور بالمقابلة من الوسائل المناسبة في جمع الكثير من التفاصيل خاصة إذا وفق الباحث في إجراء المقابلات مع رواة يحملون ذخيرة فولكلورية واسعة. والمقابلة هي عبارة عن تفاعل لفظي يتم عن طريق موقف مواجهة يحاول فيه الباحث أن يستثير ذخيرة الراوي الفولكلورية للحصول على بعض البيانات الموضوعية عن جنس فولكلوري معين. وهي أداة من أفضل أدوات جمع المعلومات في البحث العلمي، بل وأكثرها استخداما وأحسنها وأفضلها على الإطلاق خاصة في المجتمعات التي تنتشر فيها الأمية وتستخدم المقابلة في الكثير من العلوم الإنسانية، خاصة علم الفولكلور وعلم النفس وعلم الاجتماع والإنثروبولوجيا.

وتعني المقابلة المواجهة أو المعاينة وهي تقوم على الاتصال الشخصي والاجتماع وجها لوجه بين الباحث والرواة من أجل البيانات التي يريد الباحث الحصول عليها لأغراض البحث العلمي. ويجمع الباحث المعلومات من الرواة عن طريق أسئلة يلقيها الباحث للحصول على معلومات مفصلة من مخزون الراوي الفولكلوري أو لجمع معلومات مفصلة من الراوي حول موضوع أو جنس فولكلوري معين مما يصعب الحصول عليه عن طريق وسائل جمع البيانات الأخرى. ويبدأ الباحث بأن يوجه أسئلة عامة، ثم يركز تدريجيا على محور الاهتمام فيضيق من نطاق الأسئلة حتى يتمكن من الحصول على المعلومات النوعية والخاصة تدريجيا. ولضمان الحصول على المعلومات فضلا عن إنشاء علاقة من الاحترام والارتياح بينه وبين رواته يجب أن يراعى الباحث الخطوات التالية عند إجراء المقابلات:

1. تحديد أهداف المقابلة: يجب أن تكون الأهداف من المقابلة مفهومة للباحث نفسه ويمكن الحصول على تلك الأهداف والمواقف من خلال الدراسات السابقة، الكتب والأدبيات المرتبطة بموضوع البحث، أسئلة وأهداف البحث، واستشارة المختصين.

2. تحديد زمان، ومكان المقابلة، وتحضير أسئلة المقابلة مسبقا: ويجب على الباحث إجراء بعض الأبحاث الأولية والتفكير في بعض الأمور المعينة المتعلقة ببحثه. فهذا سوف يمكنه من أن يكون (محاورا نشطًا) من خلال طرح الأسئلة ذات الصلة على المبحوثين أو الرواة.

3. يفضل أن يكتب الباحث ملاحظاته عن المقابلة أثناء إجرائها.

4. ويجب أن يكتب الباحث تقريرا مفصلا عن المقابلة فور انتهائها.

5. يجب أن يقوم الباحث بإعلام رواته بطبيعة البحث ويشجعهم على التعاون معه. ويجب أن يكون واضحا مع رواته بحيث يفصل لهم طبيعة عمله والمؤسسة العلمية التي يتبع لها إن وجدت، وأن المعلومات المجموعة لغرض البحث العلمي وتوثيق التراث. ومن المهم أن يطلب الباحث الإذن بتسجيل المقابلة، إذا كانت ستسجل على شريط أو بأية وسيلة أخرى (Barits 2002 ,10).

6. اعتماد التلقائية والعفوية في طرح الأسئلة، فهذا من شأنه أن يبسط موقف المقابلة ويخفض من توتر الراوي إلى المستوى الذي يناسب نجاح المقابلة، يجب أن تكون تجربة الحديث إلى الراوي مريحة للباحث والراوي على حد سواء وان لا يقتصر هدف الباحث على الوصول إلى المعلومات بصورة مجردة.

المقابلة الأولية والمقابلات المتعمقة:

ينصح الباحث دائما بالاهتمام بإجراء مقابلة أولية مع الراوي: ومن شأن هذه المقابلة أن تخلق نوعا من التآلف والثقة بين الباحث والراوي، وهي فرصة لاختبار معلومات الراوي وصفاء ذاكرته واستعداده للتعاون مع الباحث. من جهة أخرى فإنها تعرف الراوي على موضوع البحث وأهدافه وتتيح له الفرصة لتنظيم أفكاره. وفيها يجب أن يأخذ الباحث موافقة راويه على استخدام المعلومات التي سيدلي بها في المقابلات لأغراض البحث العلمي، كما تعرفه بالظروف التي ستجرى فيها المقابلات اللاحقة مثل المكان وضرورة العمل في هدوء وطريقة تسجيل المقابلات إن كانت على الورق أو على الأشرطة. كذلك يمكن أن يتفق الباحث مع الراوي على نوعية الأسئلة أو المناطق التي يملك فيها الراوي معلومات غزيرة ومفصلة عن موضوع معين. من جهة أخرى تمكن هذه الإجراءات الراوي من الاطلاع على موضوع البحث والأسئلة التي يتوقع منه الباحث الإجابة عليها فيصبح في إمكأنه أن يفكر ويسترجع معلوماته ويصنفها ويبوبها من أجل المقابلات اللاحقة. وقد يدرك الراوي أنه نسي تفصيلا معينا فيلجأ إلى ما ينعش ذاكرته من معارفه أو رواة آخرين قبل الالتقاء بالباحث في المرات القادمة. وهكذا يمكن أن تتيح المقابلة الأولى ترتيب الأمور بحيث يكون الراوي والباحث على اتفاق حول الأمور الأساسية في المقابلات اللاحقة.

يجب أن يكون الباحث قادرا على تقييم ذخيرة الراوي من المقابلة الأولى. إن للذاكرة قابلية هائلة على الحفظ والاسترجاع عند الحاجة. لكن (وتلك حقيقة يجب التسليم بها) هذه المقدرة على الاسترجاع والاستدعاء للمعلومات تضعف وتتعرض الذاكرة للضعف والاندثار إذا ما وصل حامل المخزون إلى مراحل عمرية متقدمة من دون الوصول إلى ما في ذاكرته من مواد. في حالات أخرى يوصف راو ما بأنه على اطلاع على موضوع معين ولكن المقابلة الأولية تكشف عن فقر ذخيرته. وأحيانا يحدث العكس فيكتشف الباحث في أثناء المقابلة الأولية إن للراوي ذخيرة تراثية واسعة. وأحيانا أخرى يمكن أن يكون الراوي على علاقة حميمة بمجتمع البحث أو موضوعه لكنه لا يملك الاهتمام بالتفاصيل ويأخذ الأمور كمسلمات. ومن المعلوم أن كل راو يتميز عن الآخرين ولا يوجد راويان يتميزان بالقابليات الشخصية نفسها في مجال الرواية والإبداع والإلهام. فالقابلية الشخصية للراوي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمخزون التراثي لديه ومدى تقديره لهذا التراث. من أجل ذلك كله يجب أن يقوم الباحث بمحاولة تقييم ذخيرة الراوي من المقابلة الأولى أومن المقابلات الأولى فهذه الخطوة تختصر كثيرا من الوقت.

على الباحث أن يقيم معلوماته التي حصل عليها في المقابلة الأولى ويتفقدها باهتمام ليستطيع توليد مزيد من الأسئلة الموجهة التي يوجهها للراوي في مقابلاته القادمة. في المقابلات اللاحقة يكون الباحث في وضع يمكنه من ملاحقة التفاصيل بعد الحصول على المعلومات الأساسية في المقابلة الأولى. ومن المهم أيضا أن يحسن الباحث ترتيب الأسئلة وتسلسلها وتوجيهها في الوقت المناسب ليحافظ على سلاسة الحوار ويضمن حيوية مزاج الراوي كما يضمن أن يظل الحديث دائما في صلب الموضوع ولا يضيع الوقت في أحاديث جانبية. إن إنعاش ذاكرة الراوي وتقليب المعلومات معه من شأنه أن يمنح الباحث المزيد من المعلومات، وعلى الباحث ألا يكتفي بمجرد توجيه الأسئلة بل أن يكون مع الراوي في حوار متصل ومداخلات مستمرة تضمن له الحصول على التفاصيل. على أن ذلك لا يعني مقاطعة الراوي كل برهة فالموازنة بين الإصغاء والمداخلة تبقى أمرا مهما ويخضع لحساسية الباحث وحسن تقديره.

يجب على الباحث أن يتأكد بأن الراوي فهم سؤاله جيدا وإلا سيكون عليه أن يعيد صياغة الكلمات. من الضروري أن يعير الباحث امر صحة المعلومات التي يحصل عليها في أثناء المقابلة اهتماما خاصا، وهناك عدة مصادر محتملة للأخطاء فقد يكون المصدر خطأ في السمع أو المشاهدة أو قد يخطئ الراوي في تقديره للزمن والمسافات، وإذا سئل عن أمور تحتاج إلى استعادته لذكرى حوادث حصلت منذ فترة طويلة فهنا يمكن أن يكمن مصدر الخطأ (غرابية وآخرون 1977، 50). وبسبب ميل الناس إلى المبالغات أو التصريح بإجابات غير دقيقة وغير موضوعية يتوجب على الباحث أن يكون حذرا. ويمكن أن يعاود سؤال الراوي عن النقاط الغامضة عليه ويعطيه الفرصة لتفسير اجاباته السابقة وتوضيحها وفي بعض الحالات يحسن أن يعيد الباحث صياغة الإجابة بكلماته ثم يستفسر من الراوي إذا كان فهم إجابة الراوي بشكل صحيح.

وعلى الباحث أن يحافظ على سير الأمور بشكل مرن في المقابلات. على الرغم من أن الباحث ينصح بالاتفاق مع الراوي على الأمور الأساسية في سير المقابلات إلا أن الباحث يجب أن يحافظ على سير الأمور بشكل مرن في المقابلات اللاحقة، وعليه أن يتيح الفرصة لرواته بالحديث والتعبير عن آرائهم بحرية ولكنه أيضا ينصح بإبقاء الأمور ضمن تخطيطاته المسبقة وذلك بالحفاظ على خط سير الحوار، فقد يميل الراوي إلى الانحراف للحديث عن مواضيع لاتهم الباحث أو موضوع بحثه. ومن جهة أخرى تكمن قدرة الباحث على التعامل بمرونة مع الانفعالات التي يمكن أن تعرض في أثناء المقابلة. فعليه أن يكون قادرا على إخفاء الدهشة أو الضيق أو الاستياء أو التحكم في السأم والضجر التي يمكن أن تجلبها إجابات الراوي في أي مرحلة من مراحل المقابلات (Goldstein 1977, 118). ويجب أن يشعر الراوي دائما أنه حر في التعبير عن نفسه دون الخوف من الاستهجان أو اللوم أو الجدال. ويجب على الباحث التحلي بالصبر وعدم استعجال النتائج وتفهم ظروف الرواة وأوقات راحتهم أو عملهم أو معتقداتهم وتوجهاتهم كل ذلك من المهم للباحث فهو يضمن له تطور علاقة احترام وتقدير متبادلة مع رواته.

من المهم أن يحصل الباحث على بعض المعلومات التاريخية عن وضع كل قطعة من أجناس الفولكلور يوردها الراوي. من المهم مثلا أن يسال الباحث عن عنوان القطعة أو الاسم الذي يطلقه الراوي على القطعة وكيف يصنف الراوي نفسه القطعة المعنية. من المهم أيضا أن يسأل الباحث عما إذا كان هذا التراث لا يزال حيا وهل يؤدى الآن ام أصبح مجرد ذكريات. من المهم أن يسال الباحث عن مصدر معلومات الراوي ومن أين سمع القطعة المعنية وهل سمعها من شخص معين أو من اشخاص آخرين وهل شارك في أدائها وهل كتب الراوي النص لحفظه ام حفظه بكثرة تكراره. من المهم أيضا أن يحصل الباحث على قطعة مكتوبة أو مسجلة إذا علم بوجودها. من المهم أيضا أن يعرف الباحث شعور الراوي تجاه مواد التراث التي يجمعها. على سبيل المثال ماهو شعور الراوي حين يسمع أو يؤدي قطعة معينة، وماهي المشاعر التي تنتابه حين يؤديها أو يسمعها، وما هو تقييم الراوي لجماليات النص ولماذا يحبه ولماذا يؤديه. من المهم أيضا أن يسال الباحث عن الطرق المختلفة لأداء القطعة الواحدة إذا كانت بألحان مختلفة أو طرق مختلفة (Goldstein 1977, 121). وأنه من الطبيعي في جمع المواد الفولكلورية وعلى وجه الخصوص في مجال الأدب الشعبي أن يختبر الباحث بعض الاختلافات في الأداء أو الكلمات في القطعة الواحدة. إن للمتغيرات في هذه الحالة أهمية أكبر منها في الأدب المدون. إن ذاكرة المؤدي أو الراوي أو القاص هي الوسيلة الوحيدة لحفظ النص الذي يبتدع ومع ذلك أوضحت بحوث عدد من الفولكلوريين إن النص لا يثبت على حالة واحدة حتى على لسان نفس الشخص إذ يلعب الارتجال أيضا دورا في أثناء الأداء فلربما يلجأ الراوي إلى إحداث اختصار أو إطالة في بعض المحطات فيسقط من النص أو يضيف إليه أو يعيد التأكيد على بعض الأجزاء التي لم يؤكد عليها من قبل تبعا لمزاجه أوما يمليه السياق أو الجمهور (سوكولوف 2000، 137). إن الحصول على كل الإجابات أو بعضها أو القليل منها يسهم بالتأكيد في تزويدنا ببعض المعلومات المفيدة باتجاه تكوين صورة كلية عن قيمة ووضع وسياق الأداء لكل جنس فولكلوري.

يجب أن يكون الباحث قادرا على فهم طبيعة وحيوية الجنس الفولكلوري الذي يجمعه. تعني الحيوية مقدرة الكائن الحي على تأدية وظيفته ويراد بها الفاعلية والنشاط. وتعني حيوية التراث بالتالي حياته واستمراره وبقائه في مجتمعه بفاعلية وهي الحالة التي يمكن أن يكون عليها التراث في حالة استقرار المجتمعات وعدم حدوث مشاكل مجتمعية كبيرة كالحروب والهجرة وما ينتج عنها من تغييرات اجتماعية وثقافية كبيرة. يجب على الباحث في الفولكلور أن يكون قادرا على تمييز مدى حيوية التراث ويرصد أي نوع من التغييرات أو التحويرات التي طرأت على هذا التراث أو على المشهد الداخلي للمجتمع المعني مثل أفكار جديدة أو نوعيات أداء جديدة أو وسائل اتصال جماهيرية تتيح انتقال الفولكلور بطريقة مختلفة. إذا صادف الباحث المجتمع في حالة استقرار يكون الجمع الفولكلوري أسهل وأسرع ويستطيع الباحث حينها الحصول على بيانات كافية ولكن إذا صادف الباحث تغييرات مجتمعية أو فولكلورية حدثت أو في حالة تطور يضطر حينها إلى تمحيص الطبقات المختلفة لهذا الجنس الفولكلوري.

يجب أن يحاول الباحث فهم علاقات الرواة ببعضهم البعض والإفادة منها. إن التعرف بالراوي الأول بمثابة التقاط طرف الخيط في العمل. وهذا الخيط يمكن أن يقودك إلى المزيد من الرواة. في العادة يعرف الرواة في موضوع معين بعضهم بعضا. فهناك هذا الاهتمام المشترك الذي يجمعهم حتى ولو لم يكونوا يعيشون في منطقة واحدة. وفي العادة يدرك كل واحد منهم مدى ذخيرة الاخر من التراث ومنطقة اهتماماته في الموضوع المعين. إن خيطا واحدا من الشغف يجمع دوما بين أولئك الذين يهتمون بموضوع مشترك وفي العادة تجمعهم أحاسيس من المودة لأنهم يستمتعون بقضاء الوقت معا إذا اجتمعوا كما يمكن أن تجمعهم أحاسيس من المنافسة لكن التقدير المشترك يكون دوما حاضرا. في أحيان قليلة ربما يتواجه الباحث بعلاقات معقدة بين رواته وعليه أن يلتقط ذلك بحساسية وذكاء وأن يرتب أموره بمراعاة ذلك حتى لا يزعج أحدا من رواته. على الباحث أن يحرص دائما بعد أن يستوفي معلوماته من الباحث الأول أن يجعله يرشح له رواة آخرين أو يلتقط بنفسه أسماء رواة آخرين من حديث الراوي ويطلب منه تسهيل الاتصال بهم. وعلى الباحث علاوة على ذلك أن يلتقط بحس سليم طبيعة العلاقات بين هؤلاء الرواة كما أسلفت وعليه أن يفهم مشاعر الود أو المنافسة بينهم وكل ذلك سيساعده في مرحلة لاحقة في اختيارهم لإجراء جلسات النقاش المشترك والتي يتحقق عبرها من سلامة معلوماته ويقارن فيها إفادات رواته ويستفيد فيها من تحفيز كل منهم لذخيرة الآخر. إن كل مقابلة ينبغي أن تكون مناسبة جديدة لتوطيد العلاقات مع الرواة. ويجب أن تتوفر علاقة طيبة من الاحترام المتبادل فيضمن الراوي إن الباحث لن يحكم عليه بسبب آرائه أو معتقداته أو ممارساته ويجب أن يشعر إن الباحث يقدره بسبب التعاون الذي يبديه.

التأكد من معلومات المقابلة:

إعادة موضوع المقابلة مع نفس الراوي ومع رواة آخرين:

على الباحث أن يستطلع رواة مختلفين في موضوع بحثه وفي نقاط هامة في عمله. ويتيح تعدد الرواة للباحث أن يستمع للمادة التي ينشدها من عدة مصادر، ويتيح له ذلك أن يقارن روايات الرواة ببعضها البعض، وأن يقيم ذخيرة كل منهم وبالتالي تكوين رؤية شاملة عن الموضوع. وللتأكد من معلومات المقابلة سيكون مفيدا أن يعاود الباحث إثارة نفس الأسئلة أو بعض النقاط مع نفس الراوي بفارق زمني كاف لمقارنة إجاباته مع بعضها مع مراعاة الفارق الزمني بينها للتأكد من دقة إفادته. كذلك سيكون مفيدا أن يلجأ الباحث إلي مقارنة إجابات الرواة أو افاداتهم وربما يسألهم بطريقة لبقة عن سبب اختلاف أو تضارب إفاداتهم. وفي هذه النقطة يجب أن يكون الباحث حساسا ولبقا بما يكفي لاستشعار طبيعة العلاقات بين رواته. كثيرا ما يعرف الرواة بعضهم بعضا وتكون بينهم علاقات واقعية في الحياة العادية. وكثيرا ما تتقاطع طرقهم فبعضهم أصدقاء ولا يمانعون من مناقشة تضارب إجاباتهم بطريقة مثمرة، وبعضهم يتنافسون وقد يفضل الراوي حينئذأ لا تتم مقارنة إفاداته براو معين وكل ذلك مما يجب أن يضعه الباحث في حسبانه.

جلسات المناقشة الجماعية:

في مرحلة متقدمة من الجمع وبعد التعرف على الرواة بشكل جيد وتقييم ذخيرة كل منهم وفهم طبيعة العلاقات بينهم، يمكن أن يلجأ الباحث إلى عقد جلسات مناقشة جماعية بموافقة رواته بالطبع. حينما يكون الرواة على علاقة جيدة مع بعضهم البعض ويجمعهم شغف مشترك في موضوع واحد (موضوع البحث)، ويتم جمعهم في جو ملائم يبدأون بمناقشة بعضهم ومقارنة معلوماتهم واستثارة كل منهم لذاكرة وذخيرة الآخر. يبدأ الرواة في هذه المرحلة بتداع حر يتبادلون فيه الأفكار والرؤى بشكل مفصل وفي هذه المرحلة يجب أن يمكث الباحث هادئا ولا يقاطع هذا التداعي بل يقوم بالتسجيل، وربما يتدخل بين الحين والآخر فيوجه خط سير الحوار. إن جلسات المناقشة الجماعية هذه تكون مثمرة للغاية على وجه الخصوص في بلورة الأفكار النهائية وتحليل المعلومات التي حصل عليها الباحث في الحقل. الراوي المثقف أو المرتبط بتراثه يكون أكثر كرما في تبادل أفكاره مع رواة اخرين يشاركونه نفس الشغف وربما تلعب مشاعر الانسجام والتنافس الودي بين الرواة دورها حينئذ في أن يحصل الباحث على أكثر مما كان يتوقع خلال هذه الجلسات الجماعية. ربما يواجه الباحث بعض الصعوبة في ترتيب هذه الجلسات، وربما يأخذ الرواة وقتا حتى يصلوا إلى مرحلة الانسجام والتداعي فتطول الجلسة، إلا أن مردودها يستحق فعلى الباحث أن يصبر ويحاول تهيئة الجو للرواة حتى يحصل على مراده.

إعداد سجل عن الرواة ومصادر معلوماتهم:

إن توفير سجل غني عن الرواة هو من أهم المساهمات التي يستطيع الباحث أن يسهم بها في الدراسات اللاحقة لدراسته. ويجمع الباحث هذا السجل تدريجيا من خلال مقابلة أولية تسمى (المقابلة التعبيرية) يقوم خلالها الباحث بسؤال الراوي عن حياته أو تفاصيل عنها ويترك للراوي الحرية في أن يسرد تفاصيل عن حياته وخبراته مع مداخلات الباحث وتعليقاته وتشجيعه (Goldstein 1977, 121-127) وتكمن فائدة هذه المقابلة في وضع تصور لعلاقات ومصادر معرفة الراوي التي أفاد منها أو استطاع من خلالها التعرف على جنس فلكلوري معين، ومدى معرفته به وإجادته لأدائه، وبشكل عام يحصل الباحث على خلفية تاريخية أو معرفية عن الراوي ومصادر معرفته ومعلوماته عن طريق إجراء المقابلة الأولية. يستطيع الباحث أن يزيد من غزارة هذه المعلومات بسؤال أقرباء الراوي واصدقائه وجيرانه وزملائه في المهنة. ويمكن أن يستخدم الباحث جهاز التسجيل للحصول على معلومات تفصيلية عن الراوي وحياته ومصادر معلوماته ويمكن أن يحصل على صور منه أيضا يضيفها لسجله. بعد أن يقوم الباحث بهذه المهمة مع كل راو يستطيع أن يكتب موجزا عن كل راو. ويمكن أن يضمن الباحث هذا الموجز ملاحظاته وانطباعاته عن الراوي ومصادر معرفته وعن الكيفية التي ساهم بها في موضوع البحث. ويمكن أن يزود هذه المعلومات بدرجات متفاوتة ببعض المعلومات من البحوث والدراسات من المكتبة. من خلال هذه المعلومات يستطيع القارئ أن يقيم العوامل المختلفة التي أسهمت في كل أصالة مشاركة كل راو في البحث والعوامل التي تجعل كل راو متميزا في موضوع ما. إن مصادر الثقافة أو خلفية التعليم التي حصل عليه الراوي أو مصادر المعلومات التي شكلت ذخيرة الراوي كلها عوامل هامة في تقدير معلومات الراوي ومدى أصالتها.

تدوين معلومات ونتائج المقابلة:

من أفضل الطرق في حفظ معلومات المقابلات هي التسجيل سواء على أشرطة الكاسيت أو على الفيديو أو على ذاكرة الهاتف أو أية وسيلة تسجيل اخري (Barits 2002, 9). لكن بعض الرواة يكونون حساسين تجاه التسجيل ويشعرون بعدم الارتياح لتسجيل إفاداتهم على الأشرطة. إذا لاحظ الباحث إن الراوي يتأثر سلبا بتدوين الملاحظات أثناء المقابلة فعليه أن يدون ملاحظاته بعد انتهاء المقابلة على أن تكون الجلسة قصيرة حتى يستطيع أن يستدعي كل المعلومات في ذهنه. إن استخدام جهاز التسجيل هو الوسيلة الأفضل دائما ولربما انتبه الراوي للتسجيل في بداية المقابلة لكنه سرعان ما يندمج في الحديث فيتخلى عن حساسيته تجاه التسجيل. بعد انتهاء المقابلة يستطيع الباحث تفريغ المقابلة على الورق الشيء الذي ينبغي أن يتم سريعا بعد انتهاء المقابلة حتى لا تتراكم عليه التسجيلات، وحتى يستطيع أن يراجع اسئلته وخط سير الحوار ويستنتج الثغرات التي ينبغي أن يسأل عنها في المقابلات اللاحقة. سيكون الباحث أيضا قادرا على استخراج كل ما لم يفهمه في المقابلة لإعادة سؤال الراوي عنه فيما بعد مثل العبارات أو الكلمات المحلية أو ذات المضامين الخاصة أو التي تمليها اختلاف اللهجات وهكذا. وعلى الباحث أن يدرك أن أي إخفاق في تسجيل معلومات المقابلة قد ينتج عنه تحريف أو تغيير في المعلومات التي حصل عليها. فإذا أخفق الباحث في التعرف على حدث أو قلل من أهميته أو أهمل حادثة هامة فإنه يرتكب خطأ الإثبات. وإذا حذف حقيقة جوهرية أو تعبيرا أو تجربة ما فإنه يرتكب خطأ الحذف. وإذا ضخم الباحث أو طور إجابات الراوي فإنه يرتكب خطأ الإضافة. وإذا نسي الكلمات التي استخدمها الشخص الذي قابله واستبدلها بكلمات قد يكون لها دلالات مغايرة لما قصده الشخص الذي قابله فان الباحث هنا يرتكب خطأ الاستبدال، وإذا لم يتذكر تسلسل الاحداث وارتباط الحقائق ببعضها البعض فإنه يرتكب خطأ التبديل (غرابية وآخرون 1977، 51). وبما أنه من السهل ارتكاب هذه الأخطاء فمن الأفضل دائما القيام بتسجيل المعلومات بدقة وسرعة بعد الانتهاء من المقابلة.

تفريغ معلومات المقابلة

وإيداع الأشرطة في الارشيف:

يجب أن يقوم الباحث بتسجيل معلومات المقابلة الأساسية والتي تشمل اسم الراوي أو الرواة وعمره، وجنسه، ومكان إقامته، وعنوانه، ومصدر معلوماته، ومكان وزمان إجراء المقابلات معهم، وأي معلومات تفيد في تذكر التفاصيل الصغيرة في مرحلة التوثيق النهائية مثل وصف السياق الاجتماعي للمقابلة. ويعني السياق الاجتماعي للمقابلة الوضع الطبيعي الذي تمت فيه المقابلة والأشخاص الذين كانوا موجودين أثناء إجراء المقابلة. من الأفضل أن يقوم الباحث بتسجيل معلومات المقابلة أما في بدايتها وأما بعد أن ينتهي منها مباشرة. قد يغفل الباحث عن توثيق معلومات المقابلة بسبب حماسه عند بدء المقابلة. وقد يبدو له أن كل المعلومات سهلة ومتاحة في ذهنه متى ما احتاجها إلا أن هذا الشعور خادع فكل شيء معرض للنسيان وكل تفصيل معرض للتحريف داخل عقولنا. وعلى الباحث أن يضع في حسبانه أن السياق الاجتماعي للمقابلة يؤثر في إفادات الرواة. حيث يميل الراوي إلى الحديث بحرية إذا كان وحده أثناء المقابلة، وربما يبوح بأشياء لا يرغب بالبوح بها أثناء وجود اصدقائه أو جيرانه بقربه أثناء المقابلة. إن طبيعة الحضور في سياق المقابلة يؤثر بشكل كبير في اختيار الرواة لمواضيعهم وكلماتهم ولذلك فمن الأفضل دائما أن يشير الراوي أثناء تدوين معلومات المقابلة إلى السياق الاجتماعي للمقابلة حتى يستطيع أن يستنتج تأثير هذه السياق على إفادات رواته. هذه المعلومات يمكن أن يكتبها الباحث في بداية المقابلة أو على شريط التسجيل ويمكن أن يوثقها شفاهة على الشريط في بداية الحوار. يمكن أيضا أن يعلق الباحث بعد انتهاء المقابلة على ظروف المقابلة مثل مواقف واتجاهات الرواة العامة وموقف ومشاعر الباحث أثناء المقابلة.

على الباحث أن يقوم بتفريغ المقابلات على الورق بأسرع ما يمكن بعد انتهاء المقابلة. وهذا النسخ السريع يخدم عدة أغراض. منها تفادي النسيان لتفاصيل مهمة وعلى وجه الخصوص المتعلقة باللهجات أو المفردات الغريبة على الباحث. فربما كانت طريقة نطق الراوي أو لهجته تجعل نسخ التسجيل على الورق مهمة صعبة، وربما يكون كلامه مفهوما للباحث أثناء المقابلة وكل ما طال الوقت بين المقابلة والتفريغ كلما تدخل النسيان. ولهذا السبب فإن الباحث الذي ينسخ مقابلاته بسرعة يعطى ذاكرته الأفضلية لتساعده في فك شفرة اللهجة أو طريقة النطق التي استخدمها الراوي. وربما كانت هناك بعض العبارات المبهمة أو غير المفهومة فيستطيع الباحث أن يرجع للراوي بعد التفريغ فيستعلم إذا كان قد كتب هذه العبارات بشكل سليم ويستطيع أن يحصل على بعض التفاسير والشروحات والتعاريف لأي مصطلحات وردت في أثناء المقابلة. يجب في كل الأحوال أن يحاول الباحث توفير نسخة احتياطية من تسجيلاته تحسبا لأي ظرف يمكن أن يؤدي إلى ضياع تسجيلاته ويمكن أن يحصل على نسخة مكتوبة باستخدام ورق الكربون أثناء التفريغ إذا كان الحصول على نسخة مسجلة مكلفا بالنسبة له. بعد نهاية العمل الحقلي يقوم الباحث بوضع تسجيلاته في الأرشيف حيث يحصل على أرقام متسلسلة لكل شريط من أشرطة تسجيله وهذه الأرقام هي بمثابة عناوين مرجعية يستطيع أن يوثق عبرها للمعلومات التي يستخدمها أثناء عرض نتائج عمله في مرحلة كتابة البحث.

عرض ومناقشة نتائج البحث:

بعد أن يجمع الباحث معلوماته ويشعر أنه استوفي جميع مصادره وقام بإفراغ جميع مقابلاته على الورق، يبدأ في صياغة بحثه بشكل علمي أكاديمي. حينها تتحول المعلومات والتصريحات التي أدلى بها رواته إلى مصادر أكاديمية بعد أن يشير اليها بالأرقام المتسلسلة التي أودع عبرها أشرطة مقابلاته في الأرشيف المعني. يبدأ الباحث في هذه المرحلة بتحليل معلومات العمل الميداني ومقارنتها بالأدب المكتوب في موضوع البحث. أنه يقوم في هذه المرحلة بمقارنة هذه المعلومات من ناحية تاريخية أي من ناحية طول الفترة التي سجلت فيها المعلومات المكتوبة مع المعلومات التي قام بجمعها. يقارن الباحث أيضا ظروف الجمع في كلا الحالتين مع الظروف الشخصية والموضوعية واختلاف السياق والظروف الذي يمكن أن يؤثر في اختلاف أو تطابق المعلومات في كلتا الحالتين. يمكن أيضا أن تؤدي هذه المقارنات والتحليلات إلى نتائج موضوعية يقوم الباحث بعرضها في بحثه وتكون هذه التحليلات هي مساهمته في موضوع البحث الذي يمكن أن يباشره من زاوية مختلفة عما باشره بها غيره ممن سبقه من الباحثين.

مقارنة نتائج العمل الميداني مع فرضيات البحث:

ان عقدة البحث الأكاديمي في مجال الفولكلور تكمن في مقارنة نتائج العمل الميداني بعد تحليلها وتفسيرها وتأويلها مع فرضيات البحث المسبقة. قد تصدق نتائج البحث الفرضيات، وقد تدحضها، وقد توافقها ويضيف التحليل المزيد من التفاصيل والحقائق إليها. مهما كانت النتيجة التي تنتهي اليها المقارنة بين نتائج العمل الميداني والفرضيات فهي تعتبر لب العمل البحثي وهي في نهاية الامر تعتبر مساهمة الباحث في مجاله.

الرواة خلال وبعد مرحلة كتابة وصياغة البحث:

من المهم أن يبقي الباحث على علاقات طيبة ومتعاونة مع رواته في كل الأوقات. في مرحلة صياغة البحث يمكن أن يتفاجأ الباحث بنقص في جزئية معينة أو غموض في بعض التفاصيل ويمكنه في هذه الحالة أن يعأود الاتصال برواته لاستجلاء بعض المعلومات أو التواريخ أو التفاصيل الملتبسة. حتى بعد الانتهاء من البحث يمكن أن يسهم الرواة في كثير من الأعمال الثقافية والأدبية التي تتعلق بموضوع البحث كتقديم السمنارات أو المحاضرات أو المساهمة في البرامج التلفزيونية أو الإذاعية. وحتى بعد أن ينتهي العمل الميداني ويفرغ الباحث من بحثه وينال درجته العلمية، تبقى ذكريات العمل الميداني حاضرة في ذهنه وكثيرا ما يجد نفسه يفكر في الكثير من التفاصيل فهو ببساطة يصبح خبيرا في موضوع بحثه. ربما لأن الكثيرين لا يفكرون في بذل الوقت والجهد الذي بذله هو في موضوع البحث أو في تقصي المعلومات عن جنس من أجناس الفولكلور كما فعل هو. على الباحث بعد الفراغ من بحثه أن يحاول الإفادة من المعلومات المتوفرة من العمل الميداني في عمل آخر ذي صلة بموضوع بحثه. قد يفكر حينها في تقديم مساهمة عن حياة شاعر، أو تجميع ونشر مجموعة من الأغاني أو الأشعار الشعبية أو الكتابة عن موضوع معين على هامش عمله البحثي. في هذه الحالة يكون التعاون مع الرواة مثمرا ومفيدا للغاية وقد تتيح لهم مجهودات الباحث الفرصة لتقديم مساهمة طالما تمنوا تقديمها في مجتمعاتهم. وفي العموم ينبغي أن يحافظ الباحث على علاقة طيبة يحفها التقدير والاحترام بينه وبين رواته مهما طال الزمن.

المراجع

1. البكر، محمود مفلح، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، دمشق: منشورات وزارة الثقافة 2009م.

2. الجوهري، محمد، الدراسة العلمية للمعتقدات الشعبية، القاهرة: دار الكتاب للتوزيع، 1978م.

3. الجوهري، محمد وآخرون، مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، تحرير محمد الجوهري، القاهرة: (ب. ن) 2006م.

4. الرفاعي، حصة، الفولكلور والعلوم الإنسانية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، السنة 12، العدد 46، 1994م.

5. الطيب، الطيب محمد، دليل الجامع السوداني لجمع الفولكلور، الخرطوم: وزارة الثقافة والاعلام، 1977.

6. العامري، محمد احمد، قراءة في اجناس الادب الشعبي وموضوعاته، صنعاء: مركز التربية للطباعة والنشر 2010م.

7. دورسون، ريتشارد، نظريات الفولكلور المعاصرة، ترجمة: محمد الجوهري وحسن الشامي، الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 2007م.

8. سوكولوف، يوري، الفولكلور قضأياه وتاريخه، ترجمة: حلمي شعراوي وعبد الحميد حواس، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة 2000.

9. غرابية، فوزي وآخرون، أساليب البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، عمان: الجامعة الأردنية 1977م

10. Barits, Peter, Folklife and Fieldwork: An Introduction to Field Techniques, Washington: Library of Congress, 2002.

11. Goldstein, Kenneth S., Guide for Field Work in Folklore, Pennsylvania: Folklore Associates, Inc., 1974.

الصور

1. https://i.pinimg.com/originals/e2/ce/96/e2ce964b81242a9653a82ed6936d80df.jpg

2. https://cdn11.bigcommerce.com/s-x49po/images/stencil/1280x1280/products/52503/70291/1594711971659_IMG-20191107-WA0042__30082.1594913067.jpg?c=2

3. https://hiro.lifeisgoodontbesad.xyz/

4. https://www.abqjournal.com/1450482/echoing-for-generations-online-exhibition-pays-homage-to-taos-society-of-artists-cofounder-oscar-berninghaus.html/life01_jd_03may_5oscar

5. https://i.etsystatic.com/13105001/r/il/b2f280/2341223850/il_794xN.2341223850_qfuo.jpg