قال ابن حبتور - شعبيات الشاعر الغنائي محمد بن حبتور

الآن في الأسواق

+973 33769880
+973 17400088
اللغة العدد
ما لا يقوله الشكل فتاةُ «الكارا» - الغلاف الخلفي
ما لا يقوله الشكل فتاةُ «الكارا» - الغلاف الخلفي
العدد 55 - لوحة الغلاف

بوداعتها وكامل زينتها، تقفُ فتاةُ من «قبيلة الكارا» أمام عدسة الكاميرا، مرتديةً ملبوسها من الجلد، المحفوف بالأصداف. مسربلةً نفسها بالخرز الملتف على جيدها، والأساور في معصميها، وما يشبهُ التميمة بالقرب من كوعها. وأما وجهها، فمنقطُ بالطبشور الأبيض، مفضياً لتشكيلاتٍ رمزيةٍ لها دلالاتها في عرف القبيلة، والتي عادةً ما تكون موضع اهتمام الأنثروبولوجيين لقراءتها في سياقات، تذهبُ في أحيانٍ نحو إيجاد صلات بين البيولوجيا والثقافة.

بالعودة لـ «قبيلة الكارا»، فهي قبيلةٌ تتمركزُ في «وادي أومو السفلي» بإثيوبيا، والذي يتمدُ على مساحة (165) كم، وهو موقعُ بارزُ لدارسي التطور الإنساني، ففيه «اكتشفت العديد من البقايا الأحفورية، وهي الأقدم لدراسة تطور النوع البشري». كما يمتازُ هذا الوادي بالتنوع الإثنوغرافي، من حيثُ قبائل الصيادين وجامعي الثمار، الذين ما يزالون يحافظون على عاداتهم منذُ قديم الزمان.

تعمدُ نساءُ «الكارا» لحلق رؤوسهن، أو تقصير شعورهن. فيما تمتاز القبيلة، بالرسومات التي تزينُ وجوه وأجساد المنتمين إليها، باستخدام الطباشير، والمغرة، وغيرها من المواد.. إلى جانب أساليب الزينة التي تعطي لكل قبيلةٍ خصوصيتها عن الأخرى في هذا الوادي.

وبالنظر لهذه الأشكال المرسومة، يذهبُ بعض الباحثين في سياق قراءتهم للمجتمعات الإنسانية قراءة تطورية، إلى أن هذه الرموز لها أغراضُ تتعلق بالمكانة، والخصوبة، والجذب... وفيما يتعلق بهاتين الأخيرتين، نجدُ أن إشارات البلوغ، لها تجليات ظاهرية وأخرى مخفية، وعليه، فالمرأة في هذه المجتمعات، تعمدُ لإبداء الخافي منها، باستخدام الرموز المرسومة أو الطلاء، كما يفعلُ الذكر لإثبات كفاءته، وخصوبته، وشجاعته... وهذا ما يلفتُ لهُ عالم النفس الأمريكي، جيوفري ميلر، بقوله «قوى الإنجاب الجنسي حفزت إلى إتقان تقاليد دهان الجسم بأصباغ التجميل عن طريق عوامل المنافسة بين التحالفات الشعائرية الأنثوية واختيار الذكر لقرينته من الإناث اللائي تزين بأصباغ التجميل»، في إشارة لما للأشكال الرمزية من دورٍ يتداخلُ مع الخصائص البيولوجية الطبيعية، ويؤدي به إلى علاقة تكامل بين ما هو جيني، وما هو ثقافي.

إلى جانب ذلك، يُلحظُ بأن هذه المجتمعات، غالباً ما تكونُ نتاجاتها المتمثلة في الإنتاج والمعيشة البسيطة، تتواءم والاستدامة، وليس ذلكُ لعدم قدرتها على إنتاج المواد المصنعة كالبلاستيك، إنما يعودُ للآليات الثقافية التي مكنتها الاستفادة من البيئة وتجديدها، دون إضرار كبيرٍ لها، وليست هذه دعوة للعودة للطبيعة، أو «حالة الطبيعة» التي دعا إليها جان جاك روسو، أو لتنزيه هذه المجتمعات وناسها عن الإتيان بالضرر البيئي، وفق مفهوم «الهمجي النبيل»، إنما هي إشارة لمقدار ما تمثلهُ هذه الثقافات من غنىً، خصصت لأجله «الأمم المتحدة» يوماً هو التاسع من أغسطس، للاحتفاء بـ «اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم».

أ. سيد أحمد رضا