قال ابن حبتور - شعبيات الشاعر الغنائي محمد بن حبتور

الآن في الأسواق

+973 33769880
+973 17400088
اللغة العدد
ثقافة البحرين الوطنيّة بين التحفّز والاستنفار
ثقافة البحرين الوطنيّة بين التحفّز والاستنفار
العدد 55 - المفتتح

بصدور هذا العدد من مجلة «الثقافة الشعبية»، العلمية الفصلية المحكمة، نكون قد أصدرنا عددنا الثاني في سنة المجلة الرابعة عشرة، بخطوات يقين فكري ثابتة، تجاوزنا معها كافة العقبات التقنية واللوجستية، وصعوبات الاختصاص العلمي، التي عادة ما تعترض في بلادنا العربية استمرار مطبوعات التفـرّد الثقافي، وبالذات في هذا الزمن الرقمي الذي تواجه فيه الكلمة المطبوعة على الورق،أياَ كان توجهها، أو أهمية موضوعها صعوبات مختلفة جمة، في مجال توفر مادة اختصاص عالية المستوى، ثرية وجاذبة، في ظل شح المادة المعرفية ذات العمق والإضافة أمام توفر كم هائل من ركام المواد المكرورة أو التي لا ترقى لمستوى الإضافة المعرفية ذات الجدّة والتحليل المعمق. ذلك أمام قارئ تشغله الشواغل من كل جانب، وقد يصعب ضمان توصيل هذه المادة إليه.

وما نزال نتشبث بالإصدار الورقي لهذه المطبوعة، رغم كلفة الطباعة العالية ومصاريف البريد والشحن الجوي لأكثر من 163 بلداً من بلدان العالم، رغم تواجد كل مواد المجلة على موقع إلكتروني نشط بست لغات، حافل بمئات ألوف الزوار من كل أنحاء العالم. إذ ما نزال نعتقد بأن قارئ هذه المطبوعة بحاجة إلى وجودها واقعاً ملموساً بين يديه.

ولصرامة الهيئة العلمية للمجلة في تحكيم المواد المعروضة للنشر، استطاعت «الثقافة الشعبية» أن تكون مرجعاً عربياً مهماً للباحثين والدارسين في مجال الاختصاص، مما حقق لها درجة عالية من درجات الاعتماد من معامل التأثير والاستشهادات المرجعـية العربي (Arcif)، إلى جانب طلبات العديد من الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العالمية بإتاحة مواد المجلة على روابط قواعد معلوماتها، لتكون متاحة لكل من يطلب الاستفادة. وما كان لهذه المكانة أن تتحقق لمطبوعة اختصاص عربية لولا الجهود البحثية والدراسات التحليلية للعلماء والباحثين والكتاب المتعاونين الذين نعتز بصلات التواصل المستمره معهم. ولا بد لنا هنا من أن نشيد بصلات التعاون المشترك مع المنظمة الدولية للفن الشعبي IOV التي أتاحت لهذه المطبوعة أن تتواصل وأن تصل بيسر إلى العلماء والمبدعين من مختلف دول العالم الأعضاء بهذه المنظمة.

وحين نعرج على اهتماماتنا الأصيلة بالاحتياج الملح لسد فراغات ما تحتاجه ثقافة البحرين الوطنية من دراسات وبحوث معمقة، فلقد حملت الثقافة الشعبية على عاتقها بعضاً من هذا العبء، فبالتعاون مع جامعة البحرين العتيدة، وبإشراف الدكتورة ضياء الكعبي أستاذ السرديات والنقد الأدبي الحديث تم في العام 2008 تأسيس أول فريق جمع ميداني قوامه مائة جامع من طلبة وطالبات بكالوريوس اللغة العربية وآدابها، لإجراء مسح ميداني جماعي شامل لمدن وقرى البحرين، لجمع وتوثيق الحكايات الشعبية بمملكة البحرين والذي استغرق إنجازه لأكثر من عشر سنوات، وتمت طباعته في خمسة مجلدات أنيقة وزعت بكثافة. وواصلت الثقافة الشعبية تبني طباعة ونشر أحد عشر كتاباً في مجال الاختصاص، منها كتاب باللغة الفرنسية، تم إصداره بباريس حول الموسيقى الشعبية في البحرين، وقد تمت المشاركة بهذه المطبوعات في أهم معارض الكتب التي تقام سنوياً بعواصم بعض الدول العربية.

أما الذي كان من الواجب أن يكون ولم يتحقق لنا لعدة ظروف موضوعية خارجة عن الإرادة، فلقد كنا في سبيل تأسيس فريق جمع ميداني احترافي متفرغ، ينتج بحوثاً ميدانية دورية تحتاجها ثقافة البحرين الوطنية. وبالفعل باشرنا في بداية العام 2010 باستقدام باحث عربي متخصص في علم موسيقى الشعوب Ethnomusicologist لإجراء بحث ميداني حول «فن العرضة» وهو أحد الفنون الشعبية الرئيسية الأصيلة في البحرين والخليج العربي التي أنتجتها البيئة البرية وانتشرت مع هجرة القبائل العربية إلى مختلف بيئات السواحل الخليجية، وقد باشر الباحث أعماله التحضيرية لتكوين الفريق وإعداد المادة المكتبية إلى أن داهمتنا الأحداث السياسية للربيع الأسود سيّء الذكر عام 2011 فتوقف العمل وتم تأجيله. وفي ذلك الوقت أيضاً، كانت هناك محاولة لإعداد دراسة حول (التحايا الشعبية في البحرين) إلا أنها لم تستكمل وظلت معلقة حتى الآن.

إن ثقافة البحرين الوطنية، وبها بعض الروافد المهمة غير المفعلة، بحاجة ماسة إلى العديد من الدراسات والأبحاث التأسيسية والاستكشافية المعمّقة التي تتناول بالكشف والتحليل المكونات الأساس لهذا الرافد الثر من الثقافة العربية الذي أفرد له المشروع الإصلاحي للمقام السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه والله ورعاه مكان الصدارة للنهوض بالشخصية الوطنية.

وما استمرار نجاح وتواصل أعمالنا في خدمة الثقافة الشعبية العربية ووصلها بثقافات العالم إلا جزء يتحقق تحت مظلة ذلك الدعم وتلك الرعاية الكريمة النابعة من رؤية ملكية قيادية بعيدة النظر.

وهذا ما يجعلنا باستمرار على المحك، ويجعل من كافة جهودنا في حالة تحفـز واستنفار. وعلى الله التوفيق.

علي عبدالله خليفة
رئيس التحرير