قال ابن حبتور - شعبيات الشاعر الغنائي محمد بن حبتور

الآن في الأسواق

+973 33769880
+973 17400088
اللغة العدد
المعـلم محمد بن حـربان في ذاكرة البحرين
المعـلم محمد بن حـربان في ذاكرة البحرين
العدد 54 - المفتتح

مصطلح «دار»، وجمعها « دُور» في اللهجة البحرينية، وربما في أغلب لهجات دول الخليج العربية، يطلق على الغرفة في البيت الشعبي الذي قد يحوي عدداً من «الدور» تزيد أو تنقص حسب مساحة البيت وقدرة ساكنيه. ذلك خلاف ما يعنيه مصطلح «دار» في بعض الدول العربية الذي يعنى المنزل أو السكن. ولهذا المصطلح معنى آخر في البحرين، فهو يعني غرفة كانت تبنى قديماً بمكان منعزل لاجتماع رجال الأحياء المتقاربة بعد موسم الغوص على اللؤلؤ للمجالسة والتذاكر والسمر وممارسة الفنون الشعبية الغنائية من بعد صلاة العشاء وحتى وقت متأخر من الليل.

ولـهذه الـ «دّور» في المفهوم الشعبي العام أخلاقيات وأصول فنية واعتبارية وطقوس رجولية تواترت بين الناس بصرامة من جيل إلى جيل، حسب مقتضيات كل زمان. وكانت الـ «دور» قديماً تُبنى خارج الأحياء، بجدران شبه مُصْمَتة بنوافـذ صغيرة وقليلة للتهوية تكون أقرب إلى السقف، وبعض ما يُبنى منها قريباً من الأحياء السكنية - حسب الرواة والإخباريين - كان يبنى أساسها على حفرة بعمق ثلاثة إلى أربعة أمتار لخفض صوت الطبول والأهازيج بالخارج، تجنباً لغضب المتشددين دينياً. ولكل دار مؤسس ذو شخصية اعتبارية ومكانة فنية تسمى الدار باسمه، فهو من يدعـو للتأسيس ومن يتولى إدارة تمويل المستلزمات من أدوات وآلات وشؤون ضيافة.

ومن أواخر دور الطرب الشعبي في البحرين التي تأسست عند أربعينيات القرن الماضي وبعدها بقليل، وظلت عامرة لسنوات: دار علي بن صقر ودار محمد بن حربان ودار إبراهيم مسعد ودار إبراهيم البلوشي في المحرق ودار جناع بن سيف بحالة بوماهر ودار قلالي ودار محمد بن عريك ودار الرفاع الصغيرة بالرفاع الشرقي ودار جمعة بن مكتوب بالبديع.

ولكون هذه الدور مكاناً خاصاً بالرجال للتجمع والتذاكر والسمر فقد لعبت على مر الأزمان أدواراً اجتماعية وسياسية مؤثرة في الحراك الوطني والمناسبات الشعبية، وحدث في مايو من العام 1932 أن تم هدم بعض دور الطرب الشعبي الكبرى في المحرق بأمر من السلطات الاستعمارية وقتها لمنع التجمعات، وحتى ستينيات القرن الماضي كان يمنع إدخال آلة العود إلى البحرين من خلال منافذ البلاد. فحمداً لله على ما نحن فيه بهذا العهد الزاهر من تطور اجتماعي وانفتاح فني وفكري وتقدم ثقافي وحرية مفتوحة ومسؤولة.

لقد تقلص عدد الدور الشعبية بهذه البلاد، وربما في بلدان خليجية أخرى نتيجة التغيرات الاجتماعية ورحيل أغلب مؤدي الفنون الشعبية التقليدية وتراجع أهميتها، إلا أن بعض هذه الدور قاوم المتغيرات وصمد أمام مسرحة هذه الفنون وتحويرها لتتناسب وظروف البث الإذاعي ومقتضيات العروض التلفزيونية والمتطلبات السياحية وانصراف حياة الناس بصورة عامة نحو مستجدات كاسحة.

منذ الطفولة، ومع ولعي الشخصي بالفنون الشعبية كانت دار محمد بن حربان في المحرق إحدى المدارس التي تلقيت بها أبجديات تذوق واستلهام نصوص الموال والمويلي والبوذيات وسلطنة إيقاع الطبول والطارات والطويسات وتملكني سحر حناجر النهامين وامتداد تلك الآهات التي ليس لها مثيل.

كان المعلم الراحل الأستاذ محمد بن جاسم بن حربان ومجايليه من مؤسسي الدور الشعبية وسط التجمعات السكنية وبين الأزقة والأحياء الشعبية بالمدن، قصدوا وقتها تأكيد صلة هذه الفنون الشعبية بالناس وإعلاء القيمة الاجتماعية لمؤدي هذه الفنون وإشهار السمعة الأخلاقية لحرمة المكان، فحققوا عدة أهداف نبيلة لحفظ واستمرار الفنون إلى جانب جذب أجيال جديدة، ما كان لها أن تتعرف على تلك الإبداعات التراثية وأن تتفاعل معها لولا وجود هذه المؤسسات الأهلية.

كان محمد بن حربان يصول ويجول بقامته المربوعة وصوته الساحر الشجي بين المؤدين فخوراً بما عنده من خبرات ومعارف وتجليات فنية وأدائية، ولم يكتف هذا المبدع بممارسة الفنون البحرية بل عني بفنون «البستات» و«السامر» و«السامري» و«العرضات» ولم تفته مناسبة أهلية أو وطنية إلا وكانت فرقته الشعبية في الميدان. وكان الراحل الكريم، طيّب الله ثراه، حكيماً في حرصه على توريث هذه الخبرات لأبنائه، فقد بث في أرواحهم وفي قلوبهم ذلك الشَّجى الإنساني العاشق، وتلك العاطفة المشبوبة بوجْـدٍ كوني لا حدود له، وقد نجح في ذلك.

كنت ألاحق هذا الفنان الكبير بأسئلة اهتماماتي المبكرة بالفنون الشعبية، كلما أتيحت لي فرصة لطرح استفسار خجول، فكان أستاذاً ودوداً وسيع الصّدر يجيبني بابتساماته المرحبّة مكررا: «تعال معنا، خلَـك مع الرَبع.. راح تتعلم وبتعرف كل شي».

لقد تعامل هذا المعلم مع الحياة بأنَفَة الفنان المبدع المعتز بقيمة فنه والفخور بانتمائه إليه. كان مؤسساً حكيماً وقائد فُـرجة شعبية علمتنا أصول الفنون وأصول احترام أدائها، وظلت روحه الإنسانية الملهمة تسري فينا ساكنة الجزء المضيء من ذاكرة الوطن.

تجلت أمامي كل الأعمال التي خدم بها الراحل العزيز محمد بن حربان الفنون الشعبية وأنا أشاهد الخبر المصور لافتتاح المبنى الجديد الذي أنشأته مشكورة هيئة البحرين للثقافة والآثار لدار بن حربان، تحقيقاً لرؤية المقام السامي لحضرة سيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه في تأكيده على أهمية الثقافة الشعبية كمكـوّن أساس للهُوية الوطنية. وهو عمل ثقافي يستحق الإشادة وفي صميم ما كان يجب أن يكون.

علي عبدالله خليفة

رئيس التحرير