قال ابن حبتور - شعبيات الشاعر الغنائي محمد بن حبتور

الآن في الأسواق

+973 33769880
+973 17400088
اللغة العدد
المَثَل الشعبي العربي المصدر والمآل
المَثَل الشعبي العربي المصدر والمآل
العدد 53 - آفاق

أ.د.  عاطف عطيّه -  لبنان

يحمل( الجذر )مثل معاني متعددة، منها ما يشكّل موضوع اهتمامنا هنا بما يعنيه حول الكلام المأثور في ثقافتنا الشعبية العربية. والمثل منطوق أدبي قلما نجد من يجهل ما يرمي إليه في مجرى حياتنا اليومية. وهو ما يتميز به عن أي منطوق أدبي آخر، عدا الحكاية الشعبية. فإذا كان الدين لجميع بني البشر، وكذا الحكاية الشعبية، فإن المثل الشعبي المأثور متماثل في رسوخه معهما في الوجدان الفردي والشعبي معاً، إلا في هذه الآونة التي انتقلت بتكنولوجيّتها الحديثة، إلى اهتمامات أخرى أكثر سهولة، وأقرب منالاً، في ظل خفوت تأثير المثل، أو اضمحلال الاهتمام بالحكاية الشعبية.

من نافل القول التأكيد على انتشار المثل الشعبي في كل فئات المجتمع، من النخبة إلى العامة من الناس، ومن المتعلمين إلى قليلي التعلم والأميين، ومن المثقفين إلى الناهلين من تجارب الحياة وبساطتها وعفويتها، ومن الكبار إلى الصغار. ذلك أن المرء من كل هذه الشرائح، وفي أي عمر كان، ذكراً أو أنثى، يتداول يومياً، سمعاً ومشاركة، أمثالاً متعددة، إما لتثبيت رأي، أو للمقارنة بين ما لحظه في وقته، وما حصل في الماضي في موقف مشابه. ولحظة المقارنة، لا تستوجب معرفة تفاصيل ما حدث سابقاً، الذي اقتضى تلخيصه بمَثل، فصار، من بعد، سائراً، دون الاهتمام بتفاصيل الحادثة، أو معرفة بطلها أو شخصياتها. وغالباً ما يستحضر المثل المناسبة التي قيل فيها، فقط كخلاصة دون تفصيل؛ وتفاصيل الحدث الآني هي التي تشرح ما آل إليه الأمر ماضياً، فانبثق منه المثل المستعار، لأخذ العبرة في الحاضر. فإذا حصلت مشادة بين الجار وجاره، يتدخل المصلحون لتقريب ذات البين بالقول: «الجار قبل الدار»، وجارك القريب خير من أخيك البعيد»، و«الله موصّى بسابع جار». وإذا تفاقم الخلاف بين أب وابنه، لفرق العمر ونمط العيش بينهما، يأتي المثل ليخفّف عن الأب والابن معاً: «قلبي على ولدي، وقلب ولدي عالحجر»، للتدليل على الفرق في التوجه، وهو أمر بديهي لاختلاف الأجيال. هكذا يظهر المثل إما للتدليل على إنهاء النقاش بإيراد مثل يرجّح كفّة على أخرى، وإما لتأجيجه بتقديم مثل مناقض، وربما يستجرّ النقاش نفسه المزيد من الأمثال المتناقضة. هنا تحضرني حادثة حصلت لصديق.. ضُبط في حالة سُكر شديد، نهره مسؤول الأمن على الحاجز، وحكم عليه بقصّ شعره، فاستعطفه ليعفو عنه، ويتركه وشأنه، لقاء وعد بعدم تعاطي المسكرات، وأسند قوله بآية قرآنية راحت مثلاً لسماحتها: «إن الله غفور رحيم»1.. فما كان من المسؤول أن صفعه بقوة ارتجّت لها أوداجه، وهو يقول، ولكنه «شديد العقاب»2، وقد ذهب هذا القول الإلهي مثلاً أيضاً.

معنى المَثل ودلالته:

للمثل مكانه المركزي في كتب التراث الأدبي العربي، لما له من دور رئيس في عملية التنشئة الاجتماعية وفي رفد الثقافة الشعبية بما يعزّزها في مواجهة أعباء الحياة، وفي التكيّف مع مصاعبها، والمساهمة في تسهيل ممارسة الحياة العملية اليومية في المجتمع. يحتّم علينا هذا الموقع المركزي للمثل، النظر فيه، وفي ما يعنيه، وفي أهميته، وصولاً إلى البحث في وظيفته، إن كان في التعاطي مع ما هو واقع، أو في العمل على تجاوزه، أو في تجنّب ما يحذّر منه، أو في استخلاص العبرة من حادثة أنتجته. والمثل هنا يمكن أن يكون على وجهين متناقضين لحادثة بعينها.. ففي حال مواجهة المخاطر والتفاعل معها، ثمة من استخلص عبرة تجنّب المخاطر في قول ذهب مثلاً..«مية (مئة) كلمة الله يرحمه ولا كلمة جبان». وثمة من فضّل مواجهة المخاطر بالقول المعكوس الذي ذهب مثلاً أيضاً.. «مية كلمة جبان ولا الله يرحمه».. وثمة من آثر الابتعاد بالقول: «العين ما بتقاوم المخرز»، أو «بوس إيد السلطان، وادع عليها بالكسر»، أو «ابعد عن الشرّ وغنّي له».. أو «الحيط.. الحيط يا ربي وصّلني عالبيت».

لذلك تأتي مفردة «المثل»، في هذا السياق، على أنها تشبيه شيء حاصل آنياً وحاضراً بشيء حصل في الماضي، بما يأتلف مع المعنى، ويختلف في ظاهر القول. من هنا جاءت التفاسير الكثيرة على امتداد التاريخ الأدبي العربي لمفردة المثل لتستقر في الأخير على ما يتم تداوله في هذا المجال3.

الجذر «مثل» يعني الشبيه والنظير. يقول ابن منظور: «المِثل كلمة تسوية. فيقال هذا مِثلُه، وهذا مَثَلُه، كما يقال شِبهُه وشَبهُه بمعنى... والمَثل: الشيء الذي يُضرب لشيء مثلاً فيُجعل مثله. والمثل ما يُضرب به من الأمثال»4. في الأصل، المثل من المماثلة، وهو الشيء المثيل لِما يشبهه. وهو الشبيه والنظير. لذلك يضرب المثل عند وجود التشابه بين حالة حادثة تذكّر بحالة مشابهة، ولهذا، وعلى سبيل التكرار للحالة الأولى، ذهبت مثلاً. فيكون المثل تبليغاً عن حالة مشابهة، فيه نوع من التورية والكناية تحاكي الحالة التي يستذكرها المثل.

عرّف الميداني المثل بأنه «لفظ يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ»... ويجتمع (فيه) أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام، إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحُسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة»5.

في التعاريف الحديثة، يقول أحمد أمين في تعريفه للأمثال: إنها «ليست إلا جملاً قصيرة نتيجة تجارب طويلة، وهي عندما تُقال لا تكون مَثلاً، وإنما يجعلها مثلاً شيوعها، بَعدُ، لموافقتها لذوق الجمهور، ويغلب عندئذ أن يكون قد نُسي قائلوها... (و) المثل لا يستدعي إحاطة بالعالم وشؤونه، ولا يتطلب خيالاً واسعاً، ولا بحثاً عميقاً، إنما يتطلب تجربة محلية في شأن من شؤون الحياة»6. وتقول نبيلة إبراهيم في تعريف حديث، إنه «قول قصير مشبع بالذكاء والحكمة.. موجز، أو حكاية رمزية شائعة يتمثل بها الإنسان في حالة يعيشها، أو موقف يقفه فيشبّه به ضمنياً الحالة التي مرّ عليها، بالحالة التي قُيّد فيها المثل»7.

عرّف سلام الراسي اللبناني المثل بأنه مرافق للحياة اليومية في كل ما يتعلق بالتربية والأخلاق. فهو حصيلة تجارب اجتماعية أو فردية، وتدل على حقيقة من حقائق الحياة، ثم إنها، لبلاغتها وحسن سبكها وصوغها، سهلة الحفظ، تتعلق بالذهن لمجرد سماعها، فتدخل القلوب في طريقها إلى الذهن وتنساب انسياباً عند الحاجة ووقت الضرورة في أية مناسبة كانت. ومن النادر أن ينتهي حديث العامة مهما كان دون تأييد قولها بمَثل أو حكمة شعبية لأنها بمثابة الحجر الأخير في بنيان الحديث»8. وغالباً ما يسبق تلاوة المثل، القول: «الحقيقة ما قال المتل شي وكِذِب».

وإذا كان علينا أن نضيف شيئاً على فهمنا للمثل، فلا يتعدى القول بأنه البليغ المختصر والمفيد الذي يفصح عن تجربة من تجارب الحياة، مشتركة بين أناس ومجتمعات، يتلقونها مجتمعين ومنفردين بمواقف وردود أفعال مشتركة ومنسجمة، وربما متباينة، تظهر على شكل عبارة بليغة مستخلصة من قيم المجتمع ومن مثله العليا، وتشكل دروساً للأجيال المتعاقبة.

بنية المثل وتركيبه

علينا أن نعتبر أولاً أن للمثل بنية خاصة به، لا يشاركه فيها أي عنصر من عناصر الأدب الأخرى. بل يمكن القول إن الكثير من شذرات الشعر والنثر قد ذهبت أمثالاً، لأنها انبنت على المبادئ التي يقوم عليها المثل.. منها القابلية للاستمرار والترسّخ في أذهان الناس، البساطة في التركيب لتسهيل الفهم والحفظ، البلاغة في الاختصار الأقصى لمفرداته، والطلاوة والمتعة في السماع والقراءة، وتطابقة مع المناسبة التي استدعت استحضاره. كل ذلك، دون الحاجة إلى معرفة من استخلص المثل من المناسبة التي أوحت به9.

وفي هذا يقول العسكري إن للمَثل بنية وتركيباً يضعانه في قمة البلاغة الأدبية. وقد صاغ ذلك في كلام بليغ، بلاغةَ المَثل نفسه؛ «ولما عرفت العرب أن الأمثال تتصرّف في أكثر وجوه الكلام، وتدخل في جلّ أساليب القول، أخرجوها في أقواها من الألفاظ؛ ليخفّ استعمالها، ويسهل تداولها؛ فهي من أجلّ الكلام وأنبلِه وأشرفِه وأفضلِه، لقلّة ألفاظها وكثرة معانيها، ويَسيرِ مؤونتِها على المتكلم، مع كبير عنايتها، وجسيم عائدتها»10.

بالإضافة إلى ما سبق، للمثل مواصفات مهمة، جعلت منه أدباً متميزاً في كثافة مضمونه، وبلاغته، وشدة تعبيره عن الواقع، وإن كان من مواقع مختلفة. وأكثر ما يتميز به هو سهولة انتقاله الشفوي من جيل إلى جيل دون تضييع ما يتميز به إن كان في طريقة إلقائه أو لغته، او الحفاظ على مضمونه كما هو دون تجميل، أو زيادة أو نقصان، إلا عند انتقاله من مجتمع إلى آخر، من أجل أن يتوافق مع اللغة الشعبية لكل منها، مع التعابير التي تدخل إلى أعماق الوجدان المختلف في مضمونه بين هذا المجتمع وذاك.

أما الأساليب المتّبعة في قول المثل وانتشاره فأول ما تعتمد على الأسلوب اللغوي الذي من مهامه الوصول إلى الناس في أفضل طريقة ممكنة من أجل فهمه واستيعابه ومعرفة ما يومي إليه.. وهذا لا يحصل إلا باللغة المحكية والمتداولة في المجال الذي يقال فيه المثل.

أما الأسلوب البرهاني المنطقي فهو الذي يتوسّل المنطق في القياس عند مقارنة ما يحصل في الحاضر مع ما حصل في الماضي وأنتج مَثله. فيكون المثل هنا استحضار الماضي في الحاضر من خلال إظهار خلاصة التجربة أو العبرة منها. ولا بد هنا من توسّل اللغة المحكية في كل تقنياتها لجعل المثل ينطبق على الحالة الحاضرة بما تحملة من عادات وتقاليد شعبية راسخة.

ومن أهم أساليب إيصال المثل إلى غايته هو معرفة لحظة استحضاره والنطق به، في محاججة أو نقاش أو دحض الرأي المخالف، بالبرهان على صحة الرأي الآخر. إذ غالباً ما يكون المثل قفلاً للرأي وحجة له ومرجعاً.

ومن الأساليب المقنعة، أو الحاملة على الإقناع، الأسلوب الديني من خلال توسّل النص الديني بإرجاع الرأي إلى ما يقوله الدين، وإسناده بآيات من القرآن والأحاديث النبوية، ما يستدعي التوقف عن أي نقاش بعد فصل المقال بما يقوله الدين.

مميزات المَثل

مما لا شك فيه أن للمثل مميزات أساسية يتقدم فيها على بقية أصناف الأدب الشعبي.

أولى هذه المميزات العبارة الموجزة مع وضوح المعنى. ذلك أن الإيجاز يسهّل الحفظ بالمفردات ذاتها لقلّتها، ولوضوح معناها. هذا ما يجعل من انتشاره وانتقاله من جيل إلى جيل، أمراً سهلاً. لنأخذ مثل «عينك ميزانك» فنجد أنه يدل على رأي مهم جداً في كلمتين. يعني لا تصدق إلا ما تراه بعينك، ولا تثق في كل ما تسمعه من الآخرين، أو في ما ينقله أحد إليك. وما تشاهده هو عين الحق. و«بدو منّه وتفوه عليه»، وهو مثل يصف المتردد في القول والفعل. في الإيجاز وضوح وإن تخلى عن موجبات اللغة، وقواعدها. ومن المعروف أن هذا التخلي من مواصفات اللغة المحكية، بعكس اللغة الفصحى وقواعدها11.

أما الميزة الثانية فهي دقة المعنى، على الأقل في بيئة اللغة المحكية المختلفة بطبيعة الحال عن اللغة المحكية لبيئة مغايرة. ولا قيمة لأي مثل إذا لم يعبر عن محليّته، وإن كانت مشتركة مع محليات أخرى في اللغة المحكية. فعندما نقول «اللي بيحرث العيب بيحصد الندامة»، تأكيد على أن هذه النتيجة نشأت عن هذا السبب. و«النقار بيخرب الديار»، يربط خراب البيت بالشجار بين الزوجين.

إلا أن أهم ما يميز المثل هو التشبيه، لما للتشبيه من قوة بلاغية تعطي للفكرة لمعتها وحسن ربطها بشيء آخر، ربما لا علاقة له بما يراد قوله إلا لترسيخ الفكرة وإيضاحها، من خلال المماثلة بالمقارنة. لنأخذ مثلاً «اللي بتأمّن للرجّال متل اللي بتملّي بالغربال». لا يتضّح المعنى إلا من خلال المقارنة. الشق الثاني من المثل هو الذي يعطيه بلاغته ومعناه. وعندما نقول «يللي متلنا تعا لعنّا»، يدل على أهمية التساوي في الفئة الاجتماعية، من أجل حياة سليمة مبنيّة على الانسجام والتفاهم. أما عندما يقال بأن: «المرا بلا أولاد متل الخيمة بلا أوتاد»، فهذا يعني أن الزوجة لا يمكن أن تستقر في بيت زوجها وترتاح، إلا بالإنجاب، وما دون ذلك تهديد دائم بالطلاق، لعدم ثباته، كما وقوع الخيمة غير المدعومة بالأوتاد. أما مَن عليه أن يأمن من غدرات الزمان، فلا يعرّض نفسه للمخاطر، ويحتاط ويحذر، لذلك «لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة» (بشعة ومخيفة). واستمرار الفقر مرتبط بفقر الزوجين، لذلك يقال: «جوّز الفقير للفقيرة بتكتر الشحادين». والقياس يجوز في كل الميادين. فإذا كانت قوة التاجر تقاس بأمواله، فقوة العالِم تقاس بما قدّم من أبحاث وأعمال فكرية. هنا يمكن القول بحق: «مجد التاجر بكيسو ومجد العالم بكراريسو». ولأن أول لقمة تفتح الشهية، والكلمة الفظّة بداية الشجار، قيل «مفتاح البطن لقمة ومفتاح الشرّ كلمة».

ومن المميزات التي ترفع من قيمة المثل الأدبية التورية والكناية. يعتمد المثل عليهما من أجل إيصال فكرة محدّدة، تبيّن ما هو المقصود من ذكر المثل في طريقة غير مباشرة. فمجابهة المخاطر لها تبعات على المغامر معرفتها قبل الولوج فيها. فإذا قرّر أحدهم مقاومة الظلم، فعليه أن يتحمل النتائج مهما كانت. يقال «اللي بدو ياكل عسل بدو يتحمّل عقص النحل»، و«اللي بدو يلعب مع البسين (الهر) بدو يتحمّل خراميشو». أما الظالم المقتدر فـ «بيدبح بضفرو». والذي يفعل المستحيل من أجل راحة أسرته وتأمين حاجاتها، يقال عنه «بينحَت الصخر». ولضعف الشخصية والخجل والتردد، أمثال كثيرة وبليغة تعبّر عنها وتبيّن مضارها، منها: «اللي بيستحي من مرتو ما بيجيب ولاد».

أما خفة اللفظ ورشاقته، فهما ما يدللان على أن ما نقرأه هو مثل شائع. تركيبه وخفّته ووقعه على السمع وجرسه الموسيقي المبني على السجع والإيقاع تدل على أنه مثل. وبهذا يتميز مثلٌ عن مثيله من الأمثال. تُظهر ذلك العلاقات الاجتماعية القابلة للانتشار والإفشاء في كل الأوقات، نهاراً وليلاً. لماذا..؟ لأن «النهار بعويناتو، والليل بودَيناتو»، ما يعني أن للنهار عينين تريان، ولليل أذنين تسمعان. يأتي السجع في هذا المجال ليزيّن الكلام ويسهّل حفظه ويؤمّن استمراره. وطول البال له محاسن يُظهرها المثل في جمال لفظي مسجّع: «طول البال بيهدّ الجبال». ولأن البنت تشبه أمها في هيأتها وخصالها، جاء المثل ليقول، «طب الجرّة عتمّا البنت بتطلع لأمّا». وكذلك المثل الذي يقول: «لا تلمّ قبل ما تسأل عن الأم». وللتعاون في العلاقات الاجتماعية والمبادلة في الخدمات، جاء المثل يقول: «حكّللي تـ حكّللك». أما المثل الذي يعطي للفلاح قيمته، ويبيّن مكانته في نمط الحياة الزراعية، عماد الحياة الريفية، فيقول: «فلاح مكفي سلطان مخفي».

ومن المميزات الأساسية للمثل التساؤل، إذ تظهر أمثال كثيرة في صيغة التساؤل، ومن ثم الجواب عنه. وقد نشأت عن الخبرة والتجربة. وتدعو إلى عدم الوقوع في موقف مشابه للموقف الذي أدّى إلى استنباط المثل منه في زمن سبق. وما يمكن أن يعبّر عن ذلك، تجنّب موقف محدّد، أو الهروب من فعل غير مضمون النتائج بحجة يبيّنها المثل دون أن يضطر صاحب الأمر إلى تحديد السبب الحقيقي لعدم قيامه بالفعل المنتظر منه، فيقول: «ليش بتنفّخ للبن؟ لأنو الحليب كاويني». كذلك في تفضيل ما يتناسب مع المرء على غيره من الاحتمالات، فيقول: «شو أحلى من العسل؟ الخل ببلاش». وفي أهمية الجيرة ودورها في العلاقات الاجتماعية، يقول المثل في صيغة التساؤل ومن ثم الجواب، ليترسخ وقعه في الذاكرة، «مين أدرى بحالك؟ ربك وجارك». والأهم من ذلك كله ما جاء في مثل فرعون: «يا فرعون مين فرعنك؟ فرعنت وما حدا ردّني».

ومن مميزات المثل أيضاً، القدرة على الاستمرار. ذلك أن المثل هو أكثر الأنواع الأدبية رسوخاً في الأذهان، ومقدرة على الاستمرار، بالحفظ ودوام الترداد، وإلا بطُل كونه مثلاً، لأنه يمثل خلاصة التجارب الإنسانية التي ذهبت حوادثها ومناسباتها، وبقي ما يعبّر عنها باللغة المكثّفة، والسهلة على الفهم والإستيعاب، ما جعله عصيّاً على الاندثار، والمستمر منذ أزمنة مغرقة في القدم. وما كان على المثل أن يبقى ويستمر لولا العقل والذاكرة اللذين يستمدّان من التجربة الإنسانية والملاحظة ما يخلّد العبرة أو الخلاصة لموقف أو مناسبة مرّا في مسيرة الحياة اليومية في أي مجتمع، بمجرّد أن حصلَ ما يستدعي تذكّر تلك الخلاصة أو العبرة الناشئتين في الماضي، بما يشبه حصوله في وقت أو مناسبة لاحقين، فيُستحضر المثل وكأنه وُلد في حينه. فعندما يقول المثل: «سبحان مين خلق صيف وشتا على سطح واحد»، فإن قائله يريد أن ينتقد موقفاً لأحدهم يكيل بمكيالين مبتعداً عن الموضوعية في الحكم، ومتأثراً بخلفية منحازة.

المثل انتاج مجتمعي:

بهذا التحليل لمبنى المثل وتوجهه، يتبين أنه ذو ميزة مهمة تتيح تكريس الكلام واستعادة ذكره في كل حادثة أو موقف مشابهين للموقف أو الحادثة الأوّلين. هذه الصفات بكل ما فيها من الإيجاز والوضوح في المعنى، حسب اللهجة التي صيغَ بها، والبلاغة في التشبيه، تكرّسه أدباً شعبياً في رأس القائمة. ولا يتوانى الأدب الرسمي من نثر وشعر، وكذلك الأدب الشعبي، من توسّل المثل والاعتماد عليه من أجل زيادة الإيضاح، وترسيخ الفكرة، وتمتين الربط بين الأفكار، بالاضافة إلى المزيد من البلاغة في القول والكتابة.

وليبقى المثل قريباً من عامة الناس، وليعبّر عن أفكارهم وتجاربهم، جاء في لهجة عاميّة قريبة التناول من كل الناس على اختلاف معارفهم، وفهمهم لأمور الحياة، ولدرجات وعيهم. ولأنه كذلك، فهو يمثّل مرآة المجتمع ومنارتها في الوقت عينه. ولأنه جاء ليلبّي حاجات الناس وليعبّر عن أفكارهم، جاء باللهجة الأكثر محلية، والأكثر صعوبة على الفهم والاستيعاب من مجتمعات أخرى، وإن كانت تحكي اللغة نفسها. ولأن المثل يتمتع بهذه المواصفات، فهو يمكن أن يكون عصيّاً على الفهم في اللهجة التي صيغ فيها، من غير قائليها. وفي هذا، جزء موزون من سرّ قوّته واستمراره بين ناطقي اللهجة ذاتها.

من المهم القول هنا، إن المثل لا يقتصر على اللهجة العامية المحكيّة، بل ثمة أمثال فصيحة، وذات أهمية قصوى ظهرت في النثر والشعر، وكانت معيناً لتوسيع دائرة الأمثال الشعبية التي صاغها قائلوها، بالاقتباس والتحوير اللفظي. إلا أن ما يتميّز به المثل الشعبي هو القدرة على التحوًل، والمطواعيًة في الانتقال، ضمن البلد، إلى أي لهجة محلية، وإلى بلدان أخرى، بتنوّع لهجاتها، وحسب كل بلد؛ وهي اللهجات التي تكون مختلفة في الألفاظ، ولكن يبقى فيها كلها المعنى نفسه.

يمكن أن نوضّح ذلك بأمثلة ذات موضوع واحد. لو أخذنا المرأة موضوعاً للمثل لرأينا أنه يتناولها باعتبارها أماً وزوجة وابنة، وحبيبة، إن كان في ذاتها، أو في علاقتها مع الرجل، إن كان زوجاً أو أباً أو شقيقاً أو حبيباً. ما نلاحظه في هذا الاطار أن المثل يلخّص النظرة الشعبية العربية المتماثلة إلى المرأة في كل الأقطار. فهي التي تعطي لإبنتها مواصفاتها. ظهر ذلك في بلاد الشام بالمثل الذي يقول: «طب الجرّة عتمّا بتطلع البنت لأمّا»، أو «إقلب الجرة عتمها بتطلع البنت لأمها، أو أكفي الجرة على فمها تطلع البنت لأمها»، وذلك على التوالي في لبنان وسورية وفلسطين. أما في المغرب العربي فيتحول المثل إلى: «إقلب الطنجرة على فمها تتطلع البنت لأمها»، و«إقلب القدرة على فمها تخرج الطفلة لأمها»، وذلك في تونس والجزائر على التوالي.

وفي بداية العلاقة الزوجية بين العريس والعروس، يحاول العريس أن يسيطر على نمط حياته الجديدة مع عروسه. وليعرّفها على أن الماضي راح إلى غير رجعة، وليعوّدها على مخافته وطاعته، يتصرف بما يوحي بسلطته وقوّته أمام عروسه لتهابه أولاً، ومن ثم لتصير طوع بنانه، خوفاً وطاعة واحتراماً. عبّر بذلك المثل المصري الذي يقول: إدبح بسّك (الهر) ليلة عرسك»، لتخيف عروسك في ليلة الدخلة، ولتبقى كذلك. وفي تونس يقول المثل «إضرب القطوسة تتربّى العروسة»، وفي الجزائر: «إضرب الطاروسة تخاف العروسة».

ولأن المثل إنتاج ظروف محدّدة استدعت استحضاره وقوله، فإن ظروفاً مغايرة يمكن أن تبطل تداوله، لتنتج ما هو متناسب مع الظروف المستحدثة. يمكن توضيح ذلك من خلال المثل الذي يحدد العلاقة بين الكنّة والحماة، أي العلاقة بين أم الزوج وزوجته. استحوذت هذه العلاقة على أمثال كثيرة تلحظ التوتر الدائم بينهما. لماذا؟ لأن نمط الحياة الذي أنتج هذه العلاقات يقوم على أساس العائلة الممتدة التي يعيش فيها الجد والجدة والأبناء المتزوجون والعازبون مع الزوجات والأبناء والأحفاد، ما يفرض الاحتكاك الدائم واليومي بين الحماة (الأم والجدة) وكنائنها (جمع كنّة، زوجة الابن). أنتج هذا النوع من العلاقات الأمثال التي تبيّن نظرة الحماة إلى الكنة، وبالعكس. هنا، لا بد من إظهار ذلك بالمَثل. في بلاد الشام يقول المثل: «مكتوب على بواب الجنة ما عمرها حماة حبّت كنّة». وفي مصر يقول المثل في المعنى نفسه: «إذا كانت الغلة تجي قدّ التبن، كانت الحما تحب مراة الإبن». وفي الجزائر: «إذا تصالحت العجوز والكنّة، الشيطان يخشّ الجنة». وفي المغرب العربي في شكل عام ثمة مثل متداول شبيه بما سبق: «إذا تفاهمت العجوز والكنة، يدخل إبليس الجنة».

أما عندما تغيّر نمط الحياة من اعتماده على العائلة الممتدة في تدبير شؤون الحياة اليومية، إلى اعتماده على العائلة النواتية المقتصرة على الزوج والزوجة والأولاد، مع الاستقلال التام عن الأهل، سكناً وانتاجاً واستهلاكاً، ونمطَ تفكير، بطُلَ التداولُ بهذه الأمثال، واحتواها مخزن التراث، إلا في المجتمعات التي لا تزال فيها العائلة الممتدة ذات سطوة.

تقطن في عمق التقاليد العربية أفضلية الزواج من بنت العم. وقد أفصحت الأمثال عن عدم ثبات حالة الزواج إلى أن يحصل عقد القران أو الإكليل عند المسيحيين. ذلك لأن إبن العم يستطيع أن ينزلها عن هودج العرس، أو يُبطل عقد قرانها، أو يسحبها من تحت يد الكاهن لحظة الأكليل، لأنه أحقّ بها من غيره حتى ولو كان ابن عمتها أو خالها من غير عائلة. لذلك قيل في بلاد الشام: «إبن عمها ينزّلها من على الحصان». و«عروسك تحت الإكليل ما بتعرف لمين بتصير». وفي الجزائر يقول المثل في المعنى نفسه: «العروسة ركبت لا تحصي لمن كتبت». وهذا يعني أن العروس في زمن عقد المَثل ما كان لها رأي في زواجها، ويمكن أن يُستبدل عريسها في اللحظة الأخيرة، وخصوصاً إذا أراد إبن عمها أن يتزوجها.

وإذا انتقلنا إلى المجال التربوي، فإن ما نلحظه أن هذه المهمة كانت تقع بمجملها على عاتق الأب الذي عليه أن يربي ابنه على ما تقتضيه عادات وتقاليد المجتمع، كما تلخّصها الأمثال، باعتبارها المرجع الأساسي لربط الخلف بالسلف. لذلك، يقول المثل في لبنان وبلاد الشام عموماً: «إبنك الصغير ربّيه، وإذا كِبِر خاويه». وفي المغرب العربي يقال: «إذا كِبر ولدك خاويه». أيضاً: «إلا عندك طفل خاويه». ولحظ المثل أيضاً عقوق الابن وتمرّده على أبيه، انطلاقاً من جهله لمصلحته. يقول المثل في المشرق العربي عموماً: «قلبي على ولدي وقلب ولدي عالحجر». وفي السودان: «قلبي على جناي وقلب جناي على الحجر». وإذا شذّ الإبن أو فعل شيئاً مشيناً يستوجب التأنيب، والدعاء عليه بما يضرّه، جاء المثل ليلحظ التضارب بين طلب الشيء ورفضه في الوقت نفسه.. «إدعي على إبني وأكره اللي يقول آمين»؛ هذا في مصر. أما في بلاد الشام، فيقال: «أضرب ولدي بالسكين وأكره اللي بيقول آمين». وقد أوصى المثل بالتربية الحسنة، لأن الولد ذا التربية المنقوصة والعاق يجلب الشتيمة إلى أهله، يقول المثل في هذا الصدد: «الابن الفاسد بيجيب لأهله المسبّة». والتربية الحقة هي تلك التي تقوم على الاهتمام والصرامة إلى الدرجة التي يمكن أن تُبكي الطفل. أما تربية الغنج والدلال فتفسد الطفل وتضرّه، وتصنع منه ولداً لا نفع منه في المستقبل: «إفرح للي بيبكّيك وما تفرح للي بيضحّكك». وفي الجزائر يقول المثل نفسه في صيغة أخرى: «إسمع الكلام اللي بكّيك ولا تسمعش الكلام اللي ضحّكك». وفي تونس المثل نفسه تقريباً في المبنى: «إسمع الكلام اللي يبكيك وما تسمع الكلام اللي يضحكك» يقال في اليمن: «أنا فدا من بكاني ولا من ضحك لي».

لحظ المثل أمور التدخل في شؤون الزواج، والعمل على تدبيره. وكانت النتيجة التوصية بعدم الإقدام على هذا الفعل لأنه مجلبة لسواد الوجه وخيبة الأمل في حال فشله، والتنكر لمدبّره في حال نجاحه. لذلك جاء السعي في أمر الزواج مكروهاً في الأمثال. يقول المثل في بلاد الشام: «إمشي بجنازة ولا تمشي بجازة». أيضاً في المعنى نفسه: «حطّ إيدك بجنازة ولا تحطّ أيدك بجازة». وفي مصر: «إمشي في جنازة ولا تمشي بجازة».

ولأن الولد سر أبيه ويمشي على خطاه، قيل في بلاد الشام: «فرخ البط عوام»، وفي مصر: «إبن الوز عوّام».

أعطى المثل الأهمية الكبرى للعيش في الحاضر، وتركِ أمور الغد للغد، لأن في ذلك راحة للنفس والجسد. وأكثر ما يتم تداوله على هذا الشكل في البيئة التي تضيّق على العيش، وتصعّب إمكانية الاستمرار. فجاء المثل ليحضّ على التفكير في تدبير أمور الحاضر لأن الغد في ظهر الغيب. يقول المثل المصري: «إحييني النهار ده وموّتني بكرا». وفي فلسطين وبلاد الشام عموماً يقال: «إحييني اليوم واقتلني غدوة».

ولان المثل ابن بيئته، والمعبّر عن حاضره وظروفه، ولصعوبة الاستمرار في الحياة بما تتطلبه من مشقة وعذاب، جاءت القناعة لتأخذ مكانها المركزي في خزان الأمثال، لتضفي نوعاً من الراحة النفسية على المتلقي ليرضى بما هو فيه، دون إغلاق الباب للوصول إلى الأفضل. ولا بأس هنا من ربط القناعة بالقضاء والقدر والرضى بالقسمة والنصيب، لما في ذلك من أهمية لترسيخ الاستقرار النفسي والاجتماعي للفرد والجماعة. في هذا المجال، يقول المثل في العراق، ومنه انتشر في بلاد الشام: «لو جريت جري الوحوش غير رزقك ما تحوش». أيضاً: «يا عبدي لا تلوج، غير رزقك ما بتحوش»؛ وهو مثل نشأ في لبنان وانتشر منه. وفي مصر يقال: «إجري يا إبن آدم جري الوحوش غير نصيبك يا إبن آدم لم تحوش». بقيت القناعة في إطار التوصية. لم تستطع الحد من الطمع في الأمور المادية، وإن قبلت بالاكتفاء بما أوتي المرء من القدرة على التعقل. لذلك يقول المثل: «كل من بعقلو راضي، لكن برزقو لا».هذا في العراق، أما في بلاد الشام، فقد جاء المثل نفسه، ولكن بصيغة أكثر تفصيلاً، إذ يقول: «لما تفرّقت الأرزاق ما حدا عجبو رزقو، ولما توزعت العقول الكل رضي بعقلو». هذا في لبنان، أما في سورية، فجاء المثل كما يلي: «لما فرّقوا العقول كل واحد عجبه عقلو، ولما وزّعو الأرزاق ما حدا عجبه رزقو».

للنميمة أيضاً نصيب من الأمثال باعتبارها من الرذائل الاجتماعية. وقد انتشرت في كل البلدان العربية. ففي بلاد الشام يقال عن الذي يغتاب الناس ويتملّقهم في حضورهم: «في الوجه مراية وفي القفا صرماية» (حذاء). وفي الجزائر: «في الوجه مرايا وفي الظهر مقص». أما في السودان فيقال في المعنى نفسه: «في الوش حبايب وفي القفا دبايب».

وأعطى المثل للخبرة في العمل والاتقان في الحرفة النصيب الوافر من الاهتمام. قيل في بلاد الشام: إعطي خبزك للخباز ولو أكل نصّه، وفي فلسطين «ثلاث رباعو»، وفي مصر: «أدي العيش لخبازينه ولو ياكلو نصّه».

وللوفاء نصيب من الاهتمام للتدليل على قيمته الاجتماعية. قيل في العراق: «البير إلـ تشرب منها مَي لتذبّ بيها حجارة». وهو نفسه المثل الذي شاع في بلاد الشام وإن بتغيير أو زيادة بعض الكلمات: «لا تشرب من البير وترمي فيه حجر».

أما سوء الحظ والنحس، فلهما نصيبهما من الأمثال المنتشرة من المشرق العربي إلى مغربه، وخصوصاً في زمن انتشار معتقدات السحر والتدخلات الغيبية في مصير الانسان. ففي سورية يقال «المنحوس منحوس ولو علّقو على باب بيتو فانوس». وفي فلسطين:«على راسو فانوس»، وفي لبنان:«.. ولو علقولو فانوس». وفي المغرب يقال: «منحوس منحوس ولو على راسو فانوس».

وفي النصيحة، أمثال كثيرة لما لها من تأثير شديد كوجهة من وجهات التربية والتنشئة، أو التشجيع على القيام بفعل ما أو تجنّب فعل آخر. يقول المثل: «تغدّى وتمدّى ولو دقيقتين وتعشى وتمشى ولو فشختين». هذا في لبنان، ويصير في سورية وفلسطين: تغدى وتمدى، وتعشى وتمشى، وفي الخليج أيضاً المثل نفسه: «اتغدى واتمدّى واتعشّى واتمشّى».

جاء المثل أيضاً ليقول إن الجهل منتج للمصائب. يقول في الجزائر: «إللي ما يعرف قيمة الطير يشويه»، يقال لمن يجهل قيمة ما يمتلك، فيستهتر به ويرميه. وبما أن للصقر قيمة كبرى في السعودية والخليج، جاء المثل ليقول مؤكداً أهمية الصقر وغلاوته: «اللي ما يعرف الصقر يشويه». ومن ناحية ثانية، لا حاجة إلى طائر، أو أي شيء آخر، لا فائدة منه: «لو كان فيها الخير ما رماها الطير». هذا في السودان، وكذلك في السعودية. ويقول المثل في الجزائر: «لو فيك الخير يا موكة ما يعيفوك الصيادة».

حازت العلاقات الاجتماعية على نصيبها الأكبر من الأمثال. وقد انتشرت في كل البلدان العربية، منها ما له علاقة بالاعتدال، وعدم المبالغة في التعاطي مع الأهل والأصحاب. يقول المثل في بلاد الشام: «إذا كان حبيبك عسل لا تلحسه كلّه». وفي المغرب يقال: «يلا كان خوك عسل ما تلعقوش كله». وفي اليمن يقال: «إذا كان صاحبك عسل خلّي منه وسل». وحول عمل الخير دون مباهاة ودون منّة، يقول المثل في بلاد الشام: «إعمل معروف وارميه في البحر»، وفي لبنان: «عْمال منيح وكبّ بالبحر». وفي تونس يقال: «إعمل خير وارميه في البحر».

لحظ المثل العلاقة غير المتكافئة بين الجنسين، إن كانا زوجين أو حبيبين. يقول في بلاد الشام: «ضرب الحبيب زبيب وحجارته رمّان». هذا طبعاً لمصلحة الذكر مقابل الأنثى. وفي الجزائر المعنى نفسه في المثل: «حجرة من يد الحبيب تفاحة». وفي استضافة الناس، جاء المثل ليقول: «لاقيني ولا تطعميني». وفي الجزائر يقال: «اعطيني بسمتك ما أردت خبزتك». وهو في المعنى نفسه. وللإحساس بالضغط الاجتماعي، يقول المثل في بلاد الشام: «كول على ذوقك ولباس على ذوق الناس». وفي المغرب يقال: «كول بشهوتك ولْبِس بشهوة الناس». وفي الجزائر يقال: «كول واش يعجبك ولبِس ما يعجب الناس».

هذا غيض من فيض الأمثال الشعبية العربية سقناها هنا بالانتقاء اللازم والاختصار على سبيل المثال لا الحصر. ومن المهم القول إن الأمثال الشعبية في أكثريتها الساحقة منتشرة في كل البلدان العربية نتيجة التفاعل الثقافي الناشئ عن وحدة اللغة التي لها الفضل الرئيس في انتشار الأمثال، إن كان في اللغة الفصحى أو العاميّة. والتداول وحده هو الكفيل بتَبيِئَة المثل وإلباسه الثوب المحلي العامي. ولكن لا بد من الاعتراف أن ثمة أمثالاً كثيرة لم أستطع فكّ رموزها، ولا معرفة ما تعنيه. وقد رأيت ذلك صعباً جداً علي. وهو ما يدلل على محلية المثل وارتباطه ببيئته، والبيئات القريبة منه جغرافياً لسهولة التداول والانتقال في الزمن المغاير لسرعة الاتصال اليوم؛ وهو الاتصال الذي تخطى الحواجز والحدود بالسهولة واليسر اللذين لم نعهدهما من قبل، وخصوصاً في زمن الاعتماد على المثل كوسيلة اتصال رئيسة، وبالطرق التقليدية، كما غيرها. ولنأخذ أمثلة على ذلك:

في الخليج العربي ثمة أمثلة كثيرة بقيت غامضة نظراً لمحليتها. وقد عانيت ذلك سابقاً عند البحث في الشعر النبطي12. يقول المثل من المغرب:

«دابا كلينا وشربنا ونسينا الحرابل باش سعينا». «عمرو ما احبى وملي احبى طاح فلبير». وهما مثلان لم أفهم منهما شيئاً.

ومن اليمن: «من فعل نفسه كدافه خربشنو الدجاج». « خص الخص يا باغة مدّعس». «يسأل عن الحدا والندا والزنوة منو أبوه».

ومن الخليج أيضاً: «إبناو الزين زر في العين وابناو اللاش شاعب في الراس». «إحضر إحضار غيري وإخلي إحضاري طايح»13. كذلك لم أفهم شيئاً.. ولا أدري إذا كانت الكتابة صحيحة كما تقال في اللهجة العامّية المحلية.

ومن خلال هذا التحليل، أيضاً، يمكننا القول إن المثل، والمثل الشعبي على الخصوص، إنتاج مجتمعي صادر عن اهتمامات الناس اليومية وممارساتهم العملية. ويمثّل الخلاصات العفوية لهذه التجارب، وما نشأ عنها من دروس ومواعظ. وتنتقل بالتداول، لسهولة حفظها ويُسرِ تداولها من السلف إلى الخلف.

والمثل المنتج على هذا النحو، يعتبر أكثر الأشكال التعبيرية الشفوية انتشاراً وتداولاً. له مكانته الراسخة في أي ثقافة. ويتناول بالصدق والعفوية مسالك الناس في معيشتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ونظرتهم إلى الحياة، وإلى ما وراء الحياة بالإيمان اللازم المتأتّي من الدين والتجارب وطرق التفاعل الاجتماعي والأخلاق. لذلك يُنظر إلى المثل على أنه خلاصة تجارب الإنسان في المجتمع وعصارة تفكيره العملي.

لذلك، حظيت الأمثال بالعناية والاهتمام، ولا تزال. وخرجت عن كونها جزءاً من الإنتاج الأدبي واللغوي وحكراً على دراساتهما، وتوسّعت لتطول اهتمامات وميادين إنسانية مختلفة، منها الفلسفة وعلم الاجتماع، بالاضافة إلى الأنتروبولوجيا والإتنولوجيا.

بناء على كل ما تقدّم، جاء المثل في شهرته وانتشاره وكأنه يختصر الأدب الشعبي في كل تفاصيله، من الأسطورة إلى الحكاية والشعر الشعبي، إلا الأغنية التي لها صفة الاستمرار والحفظ لمميزاتها الخاصة القريبة من مميزات المثل. ذلك أننا نرى من النادر من يحفظ الكثيرون حكاية شعبية أو مقاطع من أسطورة، أو زجلاً، ولكن قلما نجد من لا يحفظ أمثالاً كثيرة، أو مقاطع من أغاني مجتمعه الشعبية. لذلك استوطن المَثل قلوب الناس والذاكرة الجماعية بتوالي الأجيال، لإيجازه وسهولة حفظه، ولبلاغته بما يمكن أن يصيب بها ما يريد التعبير عنه نثراً أو شعراً، بالعاميّة والفصحى. هذا ما يجعله مقبولاً ومتداولاً لدى الخاصة والعامة من الناس. وأهمية المثل تكمن في الحفاظ على تركيبته الأولى التي تمّ صوغه بها. ولا يهمّ، من بعد، إذا كانت هذه الصياغة فصيحة أو عاميّة، نثراً أو شعراً، أو إذا صدرت من أفواه الخاصة، أو تمّ تداولها بين الناس في أحوالهم العاميّة الشعبية.

ما يهم قوله هنا، إن المثل ثابت في صياغته، على أي وجه كان، في البلد الذي يتم تداوله فيه. وقيمته في هذه العلاقة معه، وكذلك أهميته. فالمثل يظهر، عفو الخاطر، أو بعد تأمل سريع، في لحظة الحاجة إليه. وذلك بتثبيت ما يقال من كلام مشابه للمعنى الذي صيغ من أجله في لحظة ظهوره الأول، ومن ثم يصير مثلاً سائراً بالتكرار. فعندما يقول أحدهم باللغة الفصحى «وافق شنّ طبقة»، فإنه يريد أن يقول إن هذين الزوجين، وهما موضوع حديث ما، متوافقان ومنسجمان، ومتشابهان في خصالهما، كما توافقت هذه الصفات مجتمعة، بين شنّ وطبقة، موضوع المثال. وإذا قيل «طبّ الجرة عتمّا بتطلع البنت لأمّا»، فهذا القول يأتي كخلاصة لحديث عن التشابه في الخصال أو الجمال أو السيرة بين البنت وأمها.. وهكذا.

وظيفة المَثل ودوره:

المثل كإنتاج مجتمعي، يشكّل خلاصة التجارب في العلاقات الإنسانية وتفاعلات الناس في حياتهم العملية بكل ما تحمل من مواقف وتوجهات. وغاية المثل الرئيسة تهذيب النفس، وتوقّي الشطط، وتنبيه العقول على ما يمكن فعله، وما يمكن الابتعاد عنه في العلاقة مع الذات ومع الآخرين.. والعمل بما يرضاه الدين ويقرّه العقل وتستوجبه الأخلاق الفاضلة.

جاء المثل ليضع في ذهن المتلقّي في المناسبات التي تستدعيه خلاصة ما يظهر أمامه من وقائع وأحداث، على سبيل الإفادة من درس عرض له على شكل فعل أو موقف، أو مناسبة يمكن استخلاص العبرة من أي منها. والعبرة هنا تتلخص في عبارة بسيطة يمكن أن تختصر المشهد بكامله. فتترسخ هذه الخلاصة في الذهن، ويتجاوز تأثيرها ما يمكن ان يتعرض له المشاهد أو المشارك في مسرى طويل من حياته العملية، فتبقى حية في ذاكرته، يستحضرها لحظة الحاجة إليها، أو على الأقل استعادتها بينه وبين نفسه. ذلك أن المثل يفعل في النفس ما تعجز عنه وسائل أخرى، إن كانت دروساً أو تجارب أو أنواعاً مغايرة من التفاعل الانساني. ويتزايد تأثيره بقدر ما يتعرض الواحد منا إلى التجارب، وتتراكم لديه الخبرات في الممارسة العملية. ويزداد فعله في النفس بوتيرة متصاعدة ومؤتلفة ومطّردة مع الزيادة في سنين العمر. لهذا يغتني الانسان بما يتراكم عنده من الأمثال، ويصير قادراً على التلفّظ بما يختزنه منها، حسب الموقف أو المناسبة التي يجد نفسه فيه أو فيها.

وعليه، يمكن القول إن المثل حاضر في تجليات حياتنا العملية. وهو يشكل درساً لصغار السن، وعبرة للشبان، وترسيخاً لفهم الكبار، وتثبيتاً للإيمان به باعتباره حصيلة التجربة الإنسانية.

والمثل، لذلك، ذو وظائف متعددة، منها ما يدخل في صميم النفس الإنسانية يغذيها لتكون متوازنة في علاقتها مع الجسد، ومساعدة له ليكون قادراً على التفاعل مع الآخرين، بالوعي والثقة اللازمين. يلجأ الفرد منا إلى المثل ليخفّف من ثقل ما يتعرض له من ضروب العذاب واليأس والخوف من المجهول. فيستعين به لأن «كل حال يزول»، و«الدهر دولاب»، ويعمل على تهيئة النفس لاستقبالها والتعاطي معها بأقل ما يمكن من الحزن أو الشعور بالخسارة لأن «اللي كاتبو ربك بدو يصير»، و«الصبر مفتاح الفرج». وبالصبر وعدم الاستعجال يمكن أن الوصول إلى الغاية، لأن المثل يقول: من صبر نال ومن لجّ كفر».

أما وظيفة المثل الأخلاقية فهي التي تبيّن للإنسان الفرد أهمية التحلّي بالأخلاق الفاضلة والتواضع، والتضحية والتعاون، والتفكير بالآخرين، والعمل على الارتقاء الاجتماعي دون الإضرار بمن حوله. ذلك أن الأخلاق الفاضلة هي عماد التعامل بين الناس، باعتماد القيم الإيجابية في التعامل، ونبذ القيم السلبية. من هنا جاءت الأمثال الشعبية لتركّز على ما يمكن أن يدعم طرق التعامل بين الناس باعتماد القيم التي تنشر المحبة والتسامح والغفران والتعاون واعتماد الصدق والتشجيع على انتهاج مسالك المروءة والشهامة والشجاعة، ومباركة الكرم، وغيرها من القيم الانسانية الإيجابية، دون أن يعني ذلك تجاهل قيم الفساد والكذب والغش والاحتيال والظهور بغير المظهر الحقيقي، والبخل والأنانية. فعندما يقال «حبل الكذب قصير»، يصير من السهل إدراك مغبّة الكذب الذي لا بد أن ينكشف. وإذا كان الموقف يستدعي الصبر وطول البال، فلا بد من القول إن «الشجاعة صبر ساعة». وإذا كان الطمع آفة اجتماعية، فلا بد أن يبيّن المثل ذلك، فيقول: «الطمع ضر ما نفع».. و«الطمع طاعون». وإذا طلبتَ شيئاً من صديق تحبّه، فلا تطمع بالمزيد، لأن «حبيبك إذا كان عسل لا تلحسه كلّه». والمثل يبالغ في وصف السارق للتدليل على الرأي السلبي فيه: «بيسرق الكحل من العين»، لسرعته وخفّته. أما الذين لا حياء لهم فيمكن تقريعهم بالقول: «اللي اختشوا ماتوا»

هذا قليل من كثير في ما يتعلق بوظيفة المثل الأخلاقية، منها أيضاً ما يتعلق بالكرم والبخل والرذائل.. وغيرها.

وللمثل أيضاً وظيفته الدينية من خلال ترسيخ فكرة الإيمان بالله، والعمل بما يرضاه الدين، إن كان في التشجيع على ممارسة الشعائر الدينية، أو في كيفية التعامل مع الوالدين، ومع بقية الناس، والعمل قدر الإمكان على ممارسة الحياة العملية اليومية بما ينسجم مع الإيمان.

لذلك اعتمد الدين، أي دين، على الأمثال لترسيخ الإيمان في النفوس، ولتقريب ما يقرّه الدين إلى الأذهان بالصيغة المناسبة لكل العقول. ذلك أن الدين جاء لكل الناس. وعلى كل الناس أن يستوعبوه على قدر عقولهم. وتأتي الأمثال الدينية لتقوم بوظيفة التوصية للتمسك بالدين وتنفيذ إجراءاته العملية الدالّة على الإيمان والتقوى، بالإضافة إلى تقديم النصائح في ما يجب فعله، وفي ما يجب الابتعاد عنه، أو النهي عن ممارسته.

جاء المثَل الديني في الإسلام ليدلّل، بتوسّل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف الصالح، على أهمية الإيمان والتمسك بأهداب الفضيلة والعمل بما يُرضي الله. وقد شجع القرآن على رواية المثل: «إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها»14. ولأن الدين الاسلامي من المصادر الأساسية لمكارم الأخلاق والبر بالوالدين وآداب التعامل بين الناس، فقد جاءت أقوال كثيرة لتحثّ على الممارسة بما يقوله الدين، أو بما يقال باسم الدين من قبل النبي والفقهاء والعاملين على نشره بالحكمة والموعظة الحسنة اللتين ذهبتا، بما تحتويهما من البلاغة وحُسن الوقع في النفس، مذهب الأمثال لكثرة تداولهما. فإذا سمعنا المثل القائل «أفضل الزاد ما تزوّد للمعاد»، فهذا يعني أننا أخذنا بنصيحة آية قرآنية تقول: «.. وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى..»15، و«كون مع الله ولا تبالي» مستوحى من الآية القرآنية: «إن ينصركم الله فلا غالب لكم»16. وكذلك في كل مسائل التوكل والإيمان بالقضاء والقدر التي ذهبت أمثالاً.. «على الله فليتوكّل المؤمنون»17. و«الشكوى لغير الله مذلة».

وفي الأحاديث النبوية حِكم ووصايا كثيرة ذهبت مذهب الأمثال، منها، للدلالة على أهمية المثل للترفيه، وأخذ الدروس بعد التعب والملل: «إن القلوب تملّ كما تملّ الأجسام، فاهدوا إليها طرائف الحكمة». ومنها: «أعقل وتوكّل». وكذلك القول: «الساعي بالخير كفاعله».

ومن الأمثال ما هو مأخوذ من التراث الأدبي الإسلامي ليدلّ على مواقف محدّدة. فالمتحدث بما لا يربط كلامه رابط، حصّتُه من الأمثال، فيقال له «عم تخلط شعبان برمضان» ومن لا يعجبه شيء من أمور الدنيا، يقال له: «ما بيعجبو عجب ولا الصيام برجب». أما من يدّعي المعرفة وهو جاهل، يقال له: «من معرفتو بالصحابة بيصلّي على عنتر». ولإظهار أهمية الصلاة في وقتها، جاء المثل ليقول: «الصلاة في وقتها حسن في دنيا وما فاتها»..

كما في الإسلام، كذلك في المسيحية ظهرت الأمثال لتساهم في نشر الإيمان والتخلق بالأخلاق الحميدة، والتحلي بالصفات الحسنة واعتماد القناعة والبساطة نهجاً في الحياة. ففي القول الذي ذهب مثلاً: «إعطنا خبزنا كفاف يومنا» دعوة إلى القناعة والبساطة. و«كما تزرع تحصد» صارت مثلاً يدل على حتمية نتيجة الفعل الإنساني، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشرّ. كما ينبّه المثل الديني من الوقوع في المبالغات الإيمانية من خلال القول: «الدير القريب ما بيشفي». ويلحظ أيضاً عدم اهتمام المجتمع برجالاته الكبار بالقول: «لا نبي في وطنه».

بالإضافة إلى ذلك، ظهرت لدى المسيحيين أمثال كثيرة مستوحاة من المناسبات والأعياد الدينية التي يزخر فيها تقويمهم السنوي. وقد ربطوا بين هذه المناسبات ودورة الحياة اليومية العملية، حسب كل بلد. ففي بلاد الشام ظهر المثل الذي يقول: «بعد عيد الصليب (14 أيلول/ سبتمبر) كل شي بيسيب»، بمعنى أن كل مزروع يصير مشاعاً لكل الناس. و«بـ عيد الرب نقّي الحَبّ (6 آب/ أغسطس)، ويعني نهاية حصاد القمح ولم يبق إلا تنقية الحب مما علق به. أما في عيد مار الياس (20 تموز/ يوليو)، فيمكن للمضيف أن يقدم لضيوفه العنب الناضج دون خوف من حموضته. «بـ عيد مار الياس حطّ العنب للجلاّس».

أما المثل الذي يحذّر من البرد وقساوة الطقس في الشتاء، فقد جاء ليحدّد الفترة الأقسى التي تستوجب الحماية من تداعياتها؛ يقول: «بين المولود والمعمود بتوقف المي عامود». وهذا يعني أن الفترة الممتدة من عيد الميلاد (25 كانون الأول/ ديسمبر) وعيد الغطاس (6 كانون الثاني) يصل الصقيع إلى درجة تجميد المياه في المزاريب فتصير كالعمود المتدلي من السطح إلى الأرض. هذا طبعاً خاص بالمناطق الجبلية المسيحية حيث الصقيع والبرد القارس، ما يدل على محلية المثل وارتباطه ببيئته.. أيضاً، هذا قليل من كثير.

وتبقى الوظيفة التربوية التعليمية من أهم وظائف المثل. ذلك أنه يلخص التجارب والأحداث بلغة بسيطة وسهلة الفهم، وبمتناول الجميع للإفادة بما يقدمه لأخذ العبرة، والتشجيع على الفعل الإيجابي، والابتعاد عما هو مضرّ أو سلبي في مجريات الحياة اليومية، وفي العلاقات بين الناس، أو حُسن التصرف في المواقف الحرجة، والأوقات الصعبة التي يمكن أن يمر فيها أي إنسان.

تأسس نقل القيم الاجتماعية والدينية في عملية التنشئة الاجتماعية في الأزمنة القديمة على القول والمشافهة بين الناس، وبين الأجيال. وما كان لنقل المعرفة أن يتم إلا بنقل حصيلتها من الآباء إلى الأبناء والأحفاد بصورة متلاحقة عبر الأجيال، لأن التعليم كان مقتصراً على فئة قليلة من الناس. من هنا، نفهم كيفية صوغ المثل بكلماته المقتضبة والعامية والمعبّرة بالبلاغة اللازمة والوضوح التام لفهمه وتناقله، كخلاصة تجربة من تجارب الحياة.. وحصيلة خبرة طويلة في التعاطي مع الناس. لذلك قيل «لا تعلم إبنك، الدهر بيعلّمو». والتعلّم هنا هو ما ينشأ عليه الإبن في أسرته ومحيطه. وهذا يعني أن التجربة تتقدم على النظريات والأفكار. لذلك قيل «سآل مجرّب ولا تسأل حكيم»، والحكيم هو الفيلسوف أو المنظّر الذي ينطق بالحكمة.. والحكمة هنا، ما هي إلا خلاصة تجارب، وحصيلة خبرة في مجالات الحياة، اختصرتها الأمثال بأقل قدر من الكلمات. فإذا قيل «التجربة أكبر برهان»، دليل على أن التجربة مولّدة للحكمة، كما هي مولّدة للمثل، مع لحظ الفرق بين الحكمة والمثل18. و«العلم في الصغر كالنقش في الحجر» ذهب مثلاً وإن انطلق من موقع الحكمة.

من الأمثال ذات الوظيفة التربوية ما قيل ليتربّى الإبن، حسب ما تقتضيه العادات والتقاليد، والحفاظ على روحية المجتمع بتوارث الخصال الحميدة من السلف إلى الخلف، في الشكل الذي يحافظ على استمرارية المجتمع في إيقاعه القائم على السلطة الأبوية والطاعة واحترام كبير السن، والتأدّب في إبداء الرأي الذي عليه أن لا يخرج عن السياق العام. لذلك جاءت التربية لصقل نفسية الإبن، لأن «الطير المربّى غالي». و«إبنك الصغير ربّيه ولما يكبر خاويه». وغاية التربية في ما سبق، وفي غيرها من الأمثال، ترسيخ البنية الأبويّة في النظام القرابي العربي، لتبقى من العناصر الأساسية في البنية الذهنية العربية.

أما بالنسبة للوظيفة التعليمية، فقد جاءت الأمثال لتبيّن أهمية التعلّم. فـ«الدارس غلب الفارس». وكثيراً ما كنا نسمع المثل الذي يقول: «الإعادة فيها إفادة»، وهو المثل الفصيح للقول العامي: «التكرار بيعلّم الحمار». ولأن التجربة والخبرة زادا المعرفة والتعلم، جاء المثل الذي يقول: «الانسان ما بيتعلم إلا من كيسو».

المثل مرشداً وموجّهاً:

على أي حال، جاء المثل الشعبي، على أي وجه كان، ومهما كانت وظيفته، ليقوم بنشر خلاصات التجارب الانسانية في شتى مناحي الحياة. وهو لذلك، يفصح عن رأي ما في مسألة ما، دون مواربة، وبالنقد اللازم. ذلك أن مبدعه لا يخاف لومة لائم لأنه مجهول، وقائله لا يتوانى عن قوله لأنه مَثل. لذلك احتوى على كل ما يشجّع الانسان على الاقتداء بمضمونه، في حال كان المثل يتناول أي قضية اجتماعية أو سياسية أو قيمية إيجابية، من ناحية؛ وعلى الابتعاد عما يشكّل مفسدة أو شذوذاً عن الطريق المستقيم، إذا كان يتناول أي ظاهرة مجتمعية سلبية، من ناحية ثانية. وذلك كله، على قدر ما تقبله وتعتمده العادات والتقاليد والأعراف في كل مجتمع، أو ما تنفر منه وتستقبحه.

وفي الحالة التي تفرض التعاطي مع المثل في طرق مغايرة، يكون لهذا التعاطي مبرراته التي يمكن أن تكون متناقضة، تستهدف إما السلامة الشخصية والتعبير عن الفردانية، وإما التضحية في سبيل الجماعة والمجتمع. فإذا كان لا بد من الخسارة إنقاذاً لكلمة معطاة، ولا يمكن الرجوع عنها، باسم الرجولة والشهامة، يأتي المثل ليقول: «ميّة غلبة ولا قلبة». ولكن بالمقابل ثمة من يعتمد المثل المناقض: «ميّة قلبة ولا غلبة». وكذلك الحال بالنسبة للمثلين التاليين: «ميّة كلمة ألله يرحمو ولا كلمة جبان» مقابل: «ميّة كلمة جبان ولا ألله يرحمو». وما يقدمه لنا التاريخ من مواقف فضّل أصحابها الموت على الهرب أو الاستسلام أكثر من أن تحصى. وفي المجال نفسه، يأتي المثل «بْعَاد عن الشر وغنّيلو»، مقابل المثل: «الساكت عن الحق شيطان أخرس».

من المهم القول إن الأكثر وقعاً على النفس الإنسانية هي تلك الأمثال الشعبية التي تحمل الوعظ والإرشاد والتوجيه، لأنها الأكثر تأثيراً باعتبارها موجّهة للناس في ما عليهم فعله وممارسته، وما عليهم الابتعاد عنه. بمعنى أن المثل هنا، هو المعلم والمرشد في غياب المدرسة والمعلمين ومناهج التربية والتعليم. والمتلقّي لهذ النوع من الأمثال يلمس باليد والعقل أنها تعنيه مباشرة، لأنها تطول جوانب كثيرة من شخصيته التي عليه أن يعدّلها لتتناسب مع هذا المثل أو ذاك، أي لتتناسب مع قيم المجتمع ومُثله العليا.. فـ «الصبر مفتاح الفرج» يعنيه كما يعني غيره من الناس، و«مين جد وجد» يعنيه مباشرة أيضاً، وكذلك «اللي بيحرث العيب بيحصد الندامة». والتوجيه الذي يقوم به المثل يجنّب الوقوع في الغلط ويوفّر الندامة على من يتقيد به: عرفتو منيح؟ إيه.. عاملتو؟ لأ.. لَكَن ما بتعرفو».

المثل إذاً، يعمل على توجيه السلوك الإنساني بأسلوب ظريف لطيف خفيف على النفس، يخلو من الطابع الخطابي الوعظي المباشر، ويجسد العيب الاجتماعي تجسيداً يجعلنا ننبذه، وننفر منه تماماً، ليسلم منه المجتمع. لذلك يقوم، في شكل عام، على إظهار ما هو حسن وجميل في السلوك الإنساني، وإبراز العيوب الاجتماعية من كل صنف ولون من خلال نقدها ووصف معايبها وتضخيم أضرارها لتجنّب مخاطرها. وعلى المتلقين بعد ذلك أن يتصرّفوا.

على المثل أن يصيح.. وعلى الناس أن ينهضوا ليتدبّروا أمورهم بما يرضيهم ويرضي الأمثال.. وإلا.. لا نفع منها، ولا نفع من أمور كثيرة يقومون بها.

الهوامش

1. القرآن الكريم، من الآية 14 من سورة التغابن.

2. القرآن الكريم، في سور متعددة منها: الأنفال، 13، 25، الرعد، 13، غافر، 22.. ألخ.

3. قدم لنا ناهض قديح دراسة قيمة عن الأمثال العربية وقائمة بيبليوغرافية تحتوى على الدراسات القديمة والحديثة التي تناولت الأمثال العربية، في:

- ناهض قديح، الأمثال العربية، دراستها ومصادرها، الفكر العربي، العدد49، كانون الأول 1987، معهد الإنماء العربي، بيروت، ص 18 - 49.

4. إبن منظور، لسان العرب، مادة مثل، دار المعارف بمصر، 1981، القاهرة، ص4132 - 4133.

5. المصدر نفسه، ص6.

6. أحمد أمين، فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، الطبعة الحادية عشرة، 1979، بيروت، ص62، 64. وللمزيد من التفصيل حول الأمثال وأهميتها ومحاكاتها للواقع أنظر، المرجع نفسه، ص60 - 66.

7. نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، الفنون الشعبية المصرية، العدد10، 1969، القاهرة، ص98، نقلاً عن:

- قديح، الأمثال الشعبية، مذكور سابقاً، ص23، 49.

8. سلام الراسي، حكي قرايا وحكي سرايا، الطبعة الثانية، مؤسسة نوفل، 1977، بيروت، ص82.

9. أنظر في هذا الخصوص، للتفصيل:

- أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، الجزء الأول، 1965، الطبعة 27، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ص287 - 288.

10. . أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال، الجزء الأول، تحقيق أحمد عبد السلام، أبو هاجر بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، 1988، بيروت، ص10. أنظر أيضاً الرابط التالي:

- http://waqfeya.com/book.php?bid=4368

11. حول أهمية الإيجاز البلاغي في تركيب الأمثال، أنظر للتفصيل:

- يعقوب، الأمثال الشعبية اللبنانية، جروس برس، 1987، طرابلس، ص 38 - 39.

12. أنظر في هذا الخصوص ما يتعلق بالشعر النبطي في:

- عاطف عطيه، في الثقافة الشعبية العربية، المعنى في القول والمبنى، جروس برس، 1987، طرابلس، ص 107 - 116.

13. جميع الأمثال المستعملة هنا على سبيل المقارنة والصعبة الفهم، مقتبسة من المصادر التالية:

- فادي عبود، معجم الأمثال العالمية والعربية مع ملحق بالأمثال الشعبية العربية، كتابنا للنشر، 2013، بيروت.

- إميل يعقوب، الأمثال الشعبية اللبنانية، مذكور سابقاً، ص ص37- 46.

- علاء الحمزاوي، الأمثال العربية والأمثال العامية، مقارنة دلالية، جامعة المنيا. مصر، على الرابط التالي:

- http://elibrary.mediu.edu.my/books/SDL1329.pdf

- http://lebanonism.com/lebwp/?p=39

14. سورة البقرة، الآية 26.

15. سورة البقرة، الآية 197.

16. سورة آل عمران، الآية 160.

17. سورة آل عمران، الآية نفسها.

18. لمعرفة الفرق بين الحكمة والمثل، أنظر:

- عاطف عطيه، الرحمة والحكمة في الطب والأمثال، جروس برس، 2020، طرابلس، ص 160-165.

 

• المصادر والمراجع

- القرآن الكريم.

- إبن منظور، لسان العرب، مادة مثل، دار المعارف بمصر، 1981، القاهرة.

- أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال، الجزء الأول، تحقيق أحمد عبد السلام، أبو هاجر بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، 1988، بيروت.

- أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، الجزء الأول، 1965، الطبعة 27، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة.

- أحمد أمين، فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، الطبعة الحادية عشرة، 1979، بيروت.

- إميل يعقوب، الأمثال الشعبية اللبنانية، جروس برس، 1984، طرابلس.

- سلام الراسي، حكي قرايا وحكي سرايا، الطبعة الثانية، مؤسسة نوفل، 1977، بيروت.

- عاطف عطيه، الرحمة والحكمة في الطب والأمثال، جروس برس، 2020، طرابلس.

- عاطف عطيه، في الثقافة الشعبية العربية، المعنى في القول والمبنى، جروس برس، 2017، طرابلس.

- فادي عبود، معجم الأمثال العالمية والعربية مع ملحق بالأمثال الشعبية العربية، كتابنا للنشر، 2013، بيروت.

- ناهض قديح، الأمثال العربية، دراستها ومصادرها، الفكر العربي، العدد49، كانون الأول 1987، معهد الإنماء العربي، بيروت.

- نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، الفنون الشعبية المصرية، العدد10، 1969، القاهرة.

- http://waqfeya.com/book.php?bid=436

- http://lebanonism.com/lebwp/?p=3

- http://elibrary.mediu.edu.my/books/SDL1329.pdf

 

• الصور

1. https://twitter.com/celinekim218/status/1061828724507561984/photo/1

2. https://i.pinimg.com/564x/d8/54/74/d85474ed1bb4206e05258a73cb6f62d2.jpg

3. http://folkcostume.blogspot.com/2013/09/jeans-palestinian-thobe.html

4. http://book-graphics.blogspot.com/2012/05/most-beautiful-fairy-tales-thousand-and.html

5. http://folkcostume.blogspot.com/2013/09/jeans-palestinian-thobe.html

6. https://nostalgerie.tumblr.com/post/31542298032/tatouages-berberes