فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

نحو قراءة ثقافية للفنون الشعبية الرقص الجماعي المغربي أنموذجا

العدد 48 - موسيقى وأداء حركي
نحو قراءة ثقافية للفنون الشعبية الرقص الجماعي المغربي أنموذجا
كاتب من المغرب

يسعى هذا المقال إلى إبراز دور التراث الشعبي في تحقيق التنمية الثقافية وإبراز الغنى الثقافي المجتمعي المعبر عن الأصالة في الهوية والعمق القيمي البعيد عن «الفلكلرة» و«الفرجة الظرفية»، مستفيدا من التحليل الثقافي في مقاربة الفنون الشعبية والخطابات الثقافية الهامشية. لسعيه الدائم إلى الذهاب إلى أبعد من النصوص في تحديد الصلات بينها وبين القيم من جهة، وبينها وبين المؤسسات والممارسات الأخرى في الثقافة من جهة أخرى. وعمله المتواصل على «الكشف» عن قيم الرفض والتسلط، ومقاومة الرداءة وإثبات الذات الجماعية القومية والثقافية والفنية للعشيرة أو الأسرة أو الوطن، بالتصدي لمختلف أشكال الهيمنة الثقافية. وفي ذلك إعادة القيمة للثقافات المحلية والطبقات الشعبية وفنونها الأصيلة المعبرة عنها، باعتبارها الممثل الحقيقي للشعب في عمقه الزماني والمكاني وفي تضاريسه الفنية والمعرفية. وتختار الدراسة الرقص الجماعي المغربي لاختبار فرضياتها وآليات تحليلها، باعتباره خطابا متكاملا تتداخل فيه أجناس مختلفة وآفاق إبداعية وثقافية متباينة.

الدراسات الثقافية والقراءة الثقافية

ترجع بدايات الدراسات الثقافية إلى ستينيات القرن العشرين في بريطانيا، وبالضبط في مركز برمنجهام للدراسات الثقافية في جامعة برمنجهام، على يد مجموعة من المفكرين اليساريين، الذين راهنوا على الثقافة للتصدي لمختلف أشكال الهيمنة والإيديولوجيا، وإعادة القيمة للثقافات المحلية وثقافة الطبقات الشعبية أو الطبقات الدنيا بوصفها من أشكال التعبير الخصبة والمشروعة.

وفي مقدمة هؤلاء المفكرين الأستاذان ريتشارد هوغارت Richard Hoggart وستيوارت هول Stuart Hull ، وهما اللذان يعتبران المؤسسين الفعليين لحقل الدراسات الثقافية في بريطانيا، بعد إفادتهما من مجموعة من النظريات والاتجاهات الفكرية السابقة. كالماركسية، وخصوصا المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci ومفهوم «الهيمنة»، بوصفه من المفاهيم المركزية في كتاباته، حيث نجده في إطار الفلسفة والتاريخ والسياسة، جامعا بين النظرية والممارسة، ومفتاحا للتعامل مع الواقع وتحليله في إدراك ابعاده المتناقضة1. والمفكر الفرنسي لويس ألتوسير Louis Althusser مفهوم «الإيديولوجيا». والتي أضحت عنده لا تعبر عن العلاقة بين الناس وظروف وجودهم، ولكنها تعبر عن الطريقة التي يعيشون بها، والعلاقة بينهم وبين ظروف وجودهم. ومن ثمة فلا يشترط عنده أن يكون التعبير صحيحا أو زائفا أو مشوها؛ ولكنه خليط من كل ذلك. «والمهم من ذلك أن نظرية ألتوسير حول الإيديولوجيا ووظائف الدولة يفاد منها مع تحليل جرامشي لـ «كتل السلطة» و«الملابسات» والهيمنة بطبيعة الحال»2.

كما يبدو تأثر منظري الدراسات الثقافية في برمنجهام واضحا بالحركات النسوية بأنواعها وتياراتها المختلفة، بما هي «أكثر من مجموعة من النصوص الأكاديمية والممارسات، إنها أيضا حركة سياسية معنية بظلم النساء»3؛ تسعى إلى تحقيق المساواة وإزالة التمييز في المجالات المختلفة، وتقوم على إدانة المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسين، والكشف عن أنه مبدأ فاسد من جذوره، لأنه يقوم على أساس تبعية أحد الجنسين (النساء) للجنس الآخر (الرجال)، وهو مبدأ ينبغي أن يحل محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بوجود ميزة لجانب على حساب جانب آخر»4. بالإضافة إلى الإفادات الجوهرية من حركة ما بعد البنيوية Post structuralisme وخصوصا التفكيك déconstruction مع جاك دريدا Jacque Derrida الذي يؤكد على أن مفردة «التفكيك» لا تتمتع «بقيمة إلا في سياق معين تحل فيه محل كلمات أخرى أو تسمح لكلمات أخرى بأن تحددها: «الكتابة écriture مثلا، أو «الأثر Trace أو الاختلاف Différance أو الزيادة Supplément أو الهامش Marge أو الباكورة Extame أو الإطار Parergon الخ»5. وميشيل فوكو Michel Foucault ، الذي يرى أن الحقيقة يجب أن تفهم باعتبارها نظاما من الإجراءات المرتبة لإنتاج المقولات وتنظيمها وتوزيعها وتدويرها وتفعيلها؛ وهي بهذه الصفة «ترتبط بعلاقة دائرية بنظم السلطة التي تنتجها وتحافظ عليها، وبآثار السلطة التي تؤدي إليها وتكسبها امتدادا وتوسعا»6، وبذلك يشترك فوكو مع مدرسة فرانكفورت في «الاهتمام بالآليات التي تتوسل بها السيطرة والسلطة في تدعيم هيمنتها علينا تدعيما شديدا»7.

ونظرا لجملة هذه التأثيرات ؛ غرامشي والهيمنة، و ألتوسير والإيديولوجيا، والحركات النسوية، وحركة ما بعد البنيوية، وخصوصا دريدا والتفكيك، وفوكو والسلطة، فقد كان من أهم الشعارات التي رفعتها الدراسات الثقافية في بريطانيا، هي الدراسة الملتزمة للثقافة، مما جعلها تنحو نحو الانتماء إلى العلوم الإنسانية، والثورة على «الأدب الكلاسيكي» ونمطية الثقافة.

وقد سعى هذا المشروع في جذوره الأولى إلى إبراز بعض التعاطف مع الطبقة العاملة في سياق دفاعه عن المهمشين، مستجيبا للتقاليد الاشتراكية، ومع ذلك «فطغيان الاتجاه الثقافي على التقاليد الطبقية والصراع الطبقي شأن لا لبس فيه»8 في عمل مركز برمنجهام. وباعتبار هذا المركز نواة الدراسات الثقافية في العالم فإنه مشروع أكثر عمقا من أن يتماهى مع الإيديولوجيا الماركسية؛ «إذ أفاد المشروع بأفكار من النسوية، والبنيوية، وما بعد البنيوية، والسيميائية، إلى جوار الماركسية، وكان موقف هول من الماركسية مضادا للتزمت الفكري»9. وفي هذا تتجلى حيوية هذا المشروع وديناميته.

وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى مركز برمنجهام بين منتصف الستينيات ونهاية السبعينيات، وخصوصا بريادة هول، فإن عمل المركز الدؤوب ضد الثقافة النخبوية و«إنجازات كتابات المركز وهول عن الثقافة لها الأولوية في تاريخ الدراسات الثقافية»10، مما ضمن انتشار أفكار المركز في عدة مناطق في العالم، وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وكندا، ثم جنوب إفريقيا فيما بعد.

فبعد أن انتقلت الدراسات الثقافية إلى الولايات المتحدة أفضت إلى معنى مختلف بعض الشيء، في سعيها لتقديم «نسب أمريكي» خاص لها فارتبطت «نمطيا مع باحثي الأقلية أي مع التعددية الثقافية وتحليل الحق والقوة»11، بالإضافة إلى عنايتها بدراسة الثقافة الشعبية ومواضيع تميزها من قبيل: النقد ما بعد الاستعماري، والاهتمام بالضعفاء والمغلوبين، وتحليل خطاب الأقلية والهجنة12.

أما الدراسات الثقافية الأسترالية فتعد امتدادا للدراسات الثقافية البريطانية، انتقلت على يد مجموعة من الأكاديميين البريطانيين وفي مقدمتهم جون هارتلي John Hartly، وتعرف الدراسات الثقافية في أستراليا بنشاطها الكبير بالمقارنة مع قريناتها في باقي دول العالم، حيث «يجري على نحو متزايد تطبيع الدراسات الثقافية الأسترالية هذه الأيام بالتركيز على دراسات السياسة الثقافية، وغالبا بشكل غير نقدي على الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام... وربما تقدم لنا الدراسات الثقافية الاسترالية لمحة عما سيكون عليه هذا الاختصاص فيما لو أصبح مهيمنا بعض الشيء في العلوم الإنسانية»13.

إن أهم ما استرعى انتباهنا في الدراسات الثقافية، ونحن بصدد دراسة الفنون الشعبية واشتغال القيم فيها، هو رفضها التمييز بين فنون «راقية» وأخرى «دونية»، وعدم قبولها ذلك الفصل المقيت بين ثقافة «نخبوية» تستحق الاعتبار وأخرى «عامية» يكون مصيرها التهميش. فينبش التحليل الثقافي في أعماق التعابير الفنية، مهما كانت هامشية، ليبحث عن أشكال المقاومة والنقض وعدم التستر. وفي الآن نفسه يخترق أفقيا التخصصات المختلفة، ويدرس النصوص والخطابات في بعدها المتعدد في علاقتها بحقول معرفية أخرى، من أجل البحث في إحالات النص في ذاته، وفي علاقته بما حوله، والكشف عن الأنساق المتباينة التي يضمرها.

فأهمية الدراسات الثقافية وجاذبيتها تكمن في ذلك «التوتر بين رغبة المحلل لتحليل الثقافة بوصفها مجموع الشفرات والممارسات التي تصرف الناس عن اهتماماتهم وتخلق الرغبة التي تمنوها، ومن جانب آخر أمنية المحلل في أن يجد في الثقافة الشعبية تعبيرا موثوقا به للقيمة»14. فتجد في الثقافة الشعبية «ثقافة النضال، ثقافة تنطوي ابتكاريتها وابتداعها على استخدام منتجات الثقافة العامة»15 ويستحضر التحليل الآتي دون شك حجم الفروق والاختلافات بين «الثقافة الشعبية» في المجتمعات الغربية، ونظيرتها في ثقافتنا المحلية، كما يستحضر طبيعة المواقف من الثقافة وأحداثها مما تختلف فيه المجتمعات باختلاف تقاليدها وأعرافها ورؤاها للحياة والكون.

من النقد الثقافي إلى التاريخانية الجديدة

وقد ارتبط ظهور النقد الثقافي ومفاهيمه الأساس بحقل الدراسات الثقافية، واستمد منها الكثير من مفاهيمه وإجراءاته النقدية، فكان «نتيجة حتمية لظهور الدراسات الثقافية وتطورها بفرعيها العامة والخاصة بالأدب. فالنقد الثقافي هو وليد تلك المؤثرات الثقافية التي نشأت في الغرب»16. ولذلك لا نستغرب من أن آرثر أزا برغر Arthur Asa Berger في كتابه التأسيسي للمفاهيم الرئيسة للنقد الثقافي عمل في الفصل الثاني من كتابه على معالجة أهم النظريات والمفاهيم الدائرة في نظرية الأدب، كما تحدث في الفصول الموالية عن الماركسية والسيميوطيقا والتحليل النفسي والنظرية الاجتماعية، وهو يبسط مفاهيم وإجراءات النقد الثقافي. فهو عنده «نشاط، وليس مجالا معرفيا خاصا بذاته»17، يتميز بالترابط والتجاوز، وتطبق مفاهيمه ونظرياته وإجراءاته «على الفنون الراقية والثقافة الشعبية والحياة اليومية، وعلى حشد الموضوعات المرتبطة....»18. كما يتميز النقد الثقافي بقدرته على المواكبة والاشتمال؛ الاشتمال على «نظرية الأدب والجمال والنقد، وأيضا التفكير الفلسفي وتحليل الوسائط والنقد الثقافي الشعبي»19. وهذه أبرز دوافعنا للاهتمام به في هذا السياق.

وقد اتخذت هذه الحركية النقدية ذات العمق الثقافي بعدا أكثر وضوحا وإجرائية عند مثقفي نيويورك، الذين يعتبرون العمل الأدبي «ظاهرة ثقافية مفتوحة»، ودعوا «إلى اتباع مداخل كثيرة للنصوص الأدبية لأن الثقافة دينامية نشطة وحية ومتعددة الأوجه، يدخل فيها الاقتصاد والتنظيم الاجتماعي والقيم الأخلاقية والمعنوية والمعتقدات الدينية والممارسات النقدية والأبنية السياسية وأنظم التقييم والاهتمامات الفكرية...»20. وكان من أهم رواد هذا التوجه في السبعينات ستيفن غرينبلات Stephen Greenblatt الذي انتهى من خلال دراسته لأدب عصر النهضة إلى أن «تشكيل المرء نفسه وتشكله بالمؤسسات الثقافية – الأسرة، الدين، الدولة- أمران مرتبطان بلا انفصام»21. حيث التأثر بأفكار ما بعد الحداثة، وخصوصا ميشيل فوكو. وظل غرينبلات وفيا لهذا التوجه حتى أضحى ما اصطلح عليه فيما بعد بــ»التاريخانية الجديدة»، ثم «شعرية الثقافة» من أهم الاجتهادات النقدية في تسعينيات القرن الماضي... حيث إمكانية جديدة ومهمة للجمع بين ما هو جمالي وما هو ثقافي؛ «فالخطاب الثقافي لن يتحقق وجوده بانفصامه عن جماليات اللغة والمعنى في النصوص الشعرية، وإنما يكتسب صفته الثقافية بفعل السياقات الجمالية والقيم الاجتماعية المنصهرة فيه»22. وبذلك يصير النص خصوصا والخطاب عموما في حركية دؤوبة للتواصل مع الأنساق الثقافية دون أن يفقد الشكل الجمالي جاذبيته، ودون أن تفقد الأنساق الثقافية قدرتها على الكشف والتجلية، ومن ثمة «فإن تموقع الأنساق الثقافية في إطار الشعرية يكون وظيفة قيمية لاكتشاف الجمالي واللاجمالي في فراغات النص من قبل المؤول»23. فأعيد الاعتبار للعلاقة بين القيم الثقافية والأشكال الفنية، وأعاد غرينبلات تنظيم الشعرية الثقافية من خلال «التأكيد على التناص بين الأدب والمجتمع. وقد نشأت الشعرية الثقافية وفقا له من نظام ثقافي موحد عضويا، وحاول دراسة العلاقات داخل المؤسسة الهيكلية الكبرى بدلا من رؤية التسلسل المستقل لمختلف الخطابات»24. مما نفيد من آفاقه الممتدة في دراسة الأشكال الفنية للرقص الشعبي والبنيات القيمية التي تنصهر فيه. حين لا تفصل الجماعة بين قيم «العمل» و«التعاون» و«التكافل»، باعتبارها قيما أخلاقية منغرسة في ثقافة الجماعة، وبين «حركات الجسد» و«كلمات الأغنية» و«إيقاعات الآلات» بوصفها تعابير متأصلة في ممارساتها الفنية. حتى يغدو «الرقص الجماعي» في الساحات، امتدادا للعمل الجماعي في «الحقول» و«المنازل» و«الضيعات».

القراءة الثقافية والفنون الشعبية

بالإضافة إلى أن العلاقة وطيدة بين «الفنون الشعبية» والدراسات الثقافية منذ بداياتها الجنينية، فإن أهم ما يغري بالتحليل الثقافي في مقاربة خطاب الفنون الشعبية هو سعيه الحثيث إلى تجاوز بنيات النصوص والبحث في التعالقات بين النصوص والممارسات الثقافية والقيم المنبثقة عنها. فبعد أن يلمس الباحث هذا البعد القيمي الذي تنضح به هذه الفنون، والبنيات الثقافية الثرة التي تستضمرها وتعبر عنها بكل بساطة وعفوية؛ فإنه بدون شك لن تغيب عنه تلك النظرات الشزراء التحقيرية التي تواجه بها هذه الفنون في المجتمعات الأكاديمية اليوم، عربيا على الأقل، ولدى محترفي الثقافة الرسمية في الصالونات الأدبية والقاعات الفخمة، وتصنيفها الفلكلوري ضمن خانة تأثيث الفضاءات وتزيين المزارات السياحية، وفي إطار «الثقافة الهامشية» التي يعتنقها الأميون في القرى والمداشر البعيدة، ويمارسها الشيوخ والنساء في البيوت والضيعات لزج الأوقات وملء الفراغات.

فقد ظلت هذه الفنون في الكثير من الأعراف والتقاليد الأكاديمية، ولازالت إلى اليوم في بعضها، ممارسات لا ترقى إلى التعبيرات الفنية التي تستحق البحث العلمي والدراسة الرصينة. وحتى إذا درست فإنها تدرس بمناهج تقليدية وبطرق وأدوات بدائية، وفي مراحل أولى من البحث الأكاديمي والترقي الجامعي. ولما يختار الباحث الفنون الشعبية مجالا لأبحاثه فإنه يواجه بآفاق مغلقة في التدريس الجامعي وفي التأليف ومنافذ الشغل التي تحظى بالاحترام في الأوساط الأكاديمية، لأن هذه الأوساط لا زالت تنزع إلى إقصاء الثقافة المحلية والفنون التراثية الشعبية.

ونظرا لحجم الإبعاد الاجتماعي والإقصاء الثقافي والدونية الفنية التي عانت منها الفنون الشعبية ومحترفوها في مختلف الدوائر الاجتماعية والهيئات الفنية والمجتمعات الأكاديمية؛ فقد انصب الاختيار على المدخل الثقافي لعنايته بكل ما هو مهمش وجماهيري وملتصق بالإنسان المستبعد والفكر المغلوب. فمن منظور الدراسات الثقافية «سنجد أن جميع الثقافات تستحق التحليل والتفسير، ولم تعد الفروق التي استخدمت للتفريق بين الفنون الراقية والفنون الشعبية مفيدة أو صالحة للاستخدام»25. ومن ثم فهي تسلط الضوء على هذه الممارسات الثقافة والتعابير الفنية التي عانت من النظرة الدونية والاستبعاد بجميع أشكاله، وترفض التمييز بين نصوص سامية صنعتها النخب المثقفة تحت توجيهات الطبقات النافذة في المجتمع، وتحت عيون السلطة المتمكنة دينية أو ثقافية أو سياسية... ونصوص هامشية صُنعت أو صاغت ذاتها في غفلة من الجميع في هوامش التاريخ والجغرافيا وأثناء التضاريس الوعرة للفكر والثقافة، ومن رحم الألم والمعاناة الفردية أو الجماعية؛ فـــ«مع القراءة الثقافية ينفتح النص على المناطق المهمشة اجتماعيا وزمانيا ومكانيا وثقافيا»26.

فاستطاعت الثقافة الشعبية عموما أن تنتزع الاعتراف، حتى أضحت من مجالات بحث الدراسات الثقافية الأثيرة والمؤثرة، وصارت في أدبيات التحليل الثقافي أكبر وأعمق من مناقشة طبيعة أساليب حياة الناس، ومظاهر الأصالة والعراقة في هذه الأساليب، بل أصبح ينظر إلى هذه الأساليب والطرق من منظور أنها «تعبر عن معاني وقيم محددة»27، وترسخ بوسائلها الخاصة وبقوتها التعبيرية والتأثيرية أشكالا من السمو والجمال. فبالغت الدراسات الثقافية للثقافة الشعبية في إنكار أن فنون هذه الأخيرة «لا تعدو أن تكون مشهدا منحطا من التحكم أو التلاعب التجاري والإيديولوجي المفروض من فوق لجني الأرباح وتأمين السيطرة الاجتماعية»28. وهو واقع اجتهد الدارسون الثقافيون في الكشف عن تناقضاته وخفاياه المرعبة، التي تجعل الإنسان في تعبيراته الفنية المختلفة، وفي نبضاته الثقافية المعبرة عن ذاته الفردية والجمعية مجرد سلعة تجارية أو ورقة إيديولوجية أو تحفا تعرض في الواجهات والساحات العامة، في متاجرة فجة بالتراث وفنونه، وبالقيم وأدواتها، وبالماضي وجذوره الممتدة.

وفي ظل هذا الواقع المستفز، تقدم الدراسة الثقافية ذاتها باعتبارها القادرة بكفاءة وفعالية على تقديم قراءة أعمق وبحث أوسع وأشمل لبنيات هذه الممارسات الثقافية والتعبيرات الفنية الثرة، وتواشجاتها الغنية بالرموز والإشارات، وأشكالها التعبيرية العفوية المنبتة في سائر طقوس المجتمعات وممارساتها. لأن القراءة الثقافية تقصد هذه الفنون والثقافات في أماكنها الحقيقية لا المصطنعة، وتبحث في ممارسات الإنسان الشعبي في وجوده الطبيعي الأصيل والمتمكن، وفي بعده المجتمعي المنبت في كيان الجماعة، بعيدا عن الفلكلرة والنمذجة والمعيرة.

فتصير «الكلمة» تعبيرا صادقا متغلغلا في النفوس المنتهكة، وتغدو «العبارة» نسجا من خيال مهزوم يبحث في ملفوظات الكلام على ما افتقده في تجسيدات العيان، وتضحي «حركات الجسد» انعكاسا لآلام الذات وتعبيرا عن أناها المتردية في أتون الاستبعاد والاغتراب، وتصبح «الإشارات والإيماءات» مؤولات دينامية تختزل الانتصارات الموؤودة والهزائم المعادة، وتجد في «الألوان» علامات تعكس قسوة المكان وتدمير الزمان، وفي «الخطوط» شقوقا تخترق الذات في بعدها الفردي والجماعي، وفي «الإيقاعات» تأوهات تبعث أنينا متمكنا وجرحا غائرا. في بحث مضن عن تجاوز براثن الآلام والمعاناة وبناء عوالم من الآمال والمداواة، ودفن الماضي المعذب لاستنباط حاضر دافق بالحياة والعيش الكريم، وتبديد معالم الاغتراب وتجاربه المفجعة بنسج خيوط من الاقتراب والانعتاق والحرية، مما لا تتبدى معالمه ولا تترسخ مفاهيمه وأدواته إلا بالدراسات الثقافية الواعية بالعلاقات الخفية بين الفرد والجماعة، وبين الإبداع والفكر، وبين المؤسسة / السلطة وممارسات المجتمع والثقافة، بوصف هذه الأخيرة «أنظمة متكاملة تشمل عدة عناصر، نذكر منها اللغة والتقاليد والأساطير والقيم والفنون والرموز»29. فتتجاوز القراءة المباشرة والتناول السطحي والمقاربة المبتسرة، لتتعمق ظواهر الممارسات وتنتهك ستائر المعنى وترفع الحجب عن المسكوت عنه؛ فتعيد بناء المعنى وتجدد النظر فيما كان يبدو ممارسة فلكلورية وطقوسا غير ذات معنى.

الفنون الشعبية والقيم:

يمكن تصنيف الفنون الشعبية ضمن ثقافات الهامش اجتماعيا وتاريخيا وجغرافيا، إلا أن هذا التصنيف رغم ما يضفي عليها من «استبعاد» يرديها في غياهب التناسي، ويحتفظ بها في معارض الفلكلرة، ويرمي بها على أبواب التوظيفات الإيديولوجية الفجة؛ فإنه في الآن ذاته يكسبها بعدا آخر يغيب عن «النخبويين» المتخفين وراء تعاليهم وتمايزهم، مما يتجلى في التصاق هذه الفنون بالشعب، بما هو «موقف روحي أكثر منه تكتل بشري»، وفي إبرازها لعاداته وثقافاته ومواقفه في أعز جوانبها بدوا وأكثر مناطقها خفاء. فالفنون الشعبية في هذه المجالات الهامشية البعيدة/ المبعدة «تكون أكثر تعبيرا عن روح الجماعة وعن الذوق الشعبي والقيم الجمالية الشعبية، حيث يكون الفنان الفرد أكثر تمثلا لقيم الجماعة وأكثر انصهارا في التراث»30. وهي معان لا تكتسب بمال ولا سلطة، بل بمزيد انغراس في أعماق الجماعة وكيانها الممتد في التاريخ الصعب والجغرافيا الوعرة، ومزيد انتماء لأتراحها قبل أفراحها وتبن لآلامها قبل آمالها. حتى تتشكل شرعية ثقافية وفنية يفتقدها «فن النخبة» الذي لا يتجاوز في أحيان كثيرة «قعقعات» خاوية من كل إحساس و«فذلكات» خالية من كل تأثير.

يضاف إلى ما سبق أن هذه الفنون الموصوفة بالشعبية يدمج خلالها ذلك التاريخ الشعبي المكتسب لشرعيته وحقيقته من خلال تناقله من طرف الجماعة عن الجماعة من وقوع الحدث إلى ما لا نهاية، وتستضمر تلك الثقافة الشعبية المتأصلة في واقعها الراسخة في أفئدة أفرادها وحامليها، مما لم يكتب له التدوين، لكن كتب له القناعة المتمكنة في نفوس حامليه بفائدته المعنوية ومردوديته الرمزية وتأثيره النفسي عبر الفن والإبداع والممارسات الفنية المختلفة، والحماية المضمونة لطقوسه من طرف جميع أفراد الجماعة التي يمثلها وتمثله. إذ يتحدث المنظرون للفنون الشعبية عن شرطين أساسيين لتجاوز أي تسلل إلى بنياتها، الأول أن يكون هذا الفن «مصنوعا داخل البيت»31، بكل ما في هذا الشرط من حرص وإخفاء وخصوصية، وهدوء وسكينة وحميمية، فهو ينمو برفق وتؤدة بعيدا عن الـأعين المتربصة والسلطات المترصدة وآليات الهدم المترقبة، التي تمارس فعلها في التوجيه والإلزام والأدلجة. والشرط الثاني «أن تكون دلالته مفهومة لكافة المشتركين في هذا التراث»(32)، بكل ما في «الفهم والاشتراك» من شعبية وتقاسم ومشاركة وإبداء وظهور، مما يتجاوز الفهم إلى الإدراك، ويرقى بالمشاركة إلى الشراكة في الخلق والإبداع. وهو ما يغدو معه الفن الشعبي ملكا للجماعة ورأسمالا رمزيا لا تفرط فيه تحت أي ظرف من الظروف، تصير معه المقاومة طقسا يوميا مع كل محاولات للاختراق والتمييع، وممارسة متجددة للمواجهة وإثبات الذات. وهو ما يضمن له الاستمرار في الوجود والامتداد في النفوس، والصفاء من التأثيرات الخارجية والوقائع البرانية، وقوة التأثير في الكيانات الجماعية التي يتوجه منها وإليها.

وبين طرفي هذا التقابل، وفي توترات هذه الإشكالية؛ الخفاء والتجلية، الخصوصية والمشاركة، الفردية والجماعية، تبرز الفنون الشعبية الحقيقية، وتتقد جذوتها، وتُغنى بنياتها، ويمتد تأثيرها، وتُحفظ مكوناتها، مهما اشتدت محاولات الإخفاء، ومهما سادت عقليات الإقصاء، واشتدت سلطات الهيمنة.

فتأتي القراءة الثقافية لتهتم بهذه «الممارسات الضمنية» التي تمارس فيها الفنون الشعبية مقاومتها للنزوعات الهيمنية وسعيها المتواصل إلى الكشف وعدم التستر، حيث تنبجس قيم الرفض والمقاومة وإثبات الذات باعتبارها من أبرز القيم التي تستضمرها الفنون الشعبية وتكرسها ثقافتها الفنية منذ الأزل، جيلا بعد جيل، وجماعة عن جماعة.

فيذهب التحليل الثقافي إلى أبعد من النص وأعمق من تمظهراته البلاغية وانعكاساته الجمالية «ليحدد الروابط بين النص والقيم من جهة، والمؤسسات والممارسات الأخرى في الثقافة من جهة أخرى»33. فيخرج النص من تبنينه وتشكلاته اللغوية ليثبت أهليته باعتباره خطابا حافلا بالتجارب، حابلا بالتواشجات، حاملا للعلامات، التي تكشف عن «القيم» وطرق تشكلها ثقافيا، ووسائل انبتاتها فنيا واجتماعيا؛ فمن «خصائص الجنس البشري تمريره بواسطة المسار الثقافي كل ما لا يستطيع تمريره عبر الجينات، أي عبر الطبيعة»34. وبذلك تتحقق الاستفادة من قدرة الخطاب الشعبي على امتصاص القيم المغرقة في التجريد، واستضمار البنيات الثقافية والاجتماعية المتناثرة في الممارسات والطقوس المختلفة، فيعبر عنها فنيا بسلاسة وبساطة وأريحية، بعيدا عن تقييدات المدارس الفنية النخبوية ومتاهات البرامج الأخلاقية المؤسسية وتوجيهات المؤسسات الإيديولوجية السلطوية.

وهو ما تنبهت إلى شيء منه أدبيات اليونسكو مؤخرا، حين فضل خبراؤها الحديث عن التراث الثقافي غير المادي لتجنب الغموض الذي يكتنف مفهوم «الفلكلور» الذي اعتبره غير ملائم، لأنه يستضمر العرض في المراكز المتخصصة، لما في ذلك من فصل للثقافة الشعبية وفنونها عن سياقها الاجتماعي والثقافي لتصبح عينات علمية وكائنات سياحية وبضاعة استهلاكية غير ذات جدوى في الإبداع الهادف والتنمية المستدامة. مما يكشف لنا عمقها باعتبارها خطابا أولا، ثم قيما وممارسات ثقافية ثانيا، فعوالم تختصر روح التاريخ وغنى الجغرافيا.

وقد توج هذا المسار باتفاقية لحماية التراث الثقافي غير المادي، صودق عليها في الدورة الثانية والثلاثين لعام 2003. حيث حددت الاتفاقية في النقطة الأولى من المادة الثانية تعريفا واضحا للتراث الثقافي غير المادي؛ والذي هو: «الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصوغات وأماكن ثقافية التي تعتبرها الجماعات والمجموعات وأحيانا الأفراد جزءا من تراثها الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها. وهو ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، ويعزز من ثم احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية»35.

كما حددت الاتفاقية نفسها في نقطتها الثانية من المادة ذاتها، مجالات التراث الثقافي غير المادي، في: التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، فنون وتقاليد أداء العروض، الممارسات الاجتماعية والاحتفالات، المعارف والممارسات المرتبطة بالطبيعة والعالم. وبذلك انتبه العالم إلى أهمية التراث الفني والثقافي للأجداد في أماكنه الحقيقية ولدى حملته الفعليين، وتنبه إلى دوره في بناء الذاكرة وترميم العلاقة بالتراث وفنونه العميقة.

وهو ما نراقبه ونحن نتوجه إلى الفنون الشعبية المغربية، التي نهتم بها في هذه المضمار، فهذه الفنون سارية في كل أشكال الحياة اليومية ومظاهر التراث المادي واللامادي، كما أنها سارية فيه بالدرجة نفسها وبالشكل ذاته، تتغيا ترسيخ القيم وتثبيتها بالإضافة إلى حفظ التراث ونقله بأمانة وحكمة إلى الأجيال المقبلة. وفي هذا تتجلى أهميتها الفنية وقيمتها الثقافية ودورها التربوي.

وبالإضافة إلى الغنى والتنوع اللذين يعتبران أسّين من بين أهم أسس الفنون الشعبية التي انتبه إليها الباحثون في الفن، كما اعتنى بها الدارسون للثقافة، فإن الاشتغال الفني لهذه القيم الثقافية، ودراسة علاقتها بالمجتمع وبالمؤسسات، وتعبيرها عن الذات المغربية وخصوصياتها الثقافية والجمالية يبقى مجالا واعدا للبحث والدراسة.

الرقص الجماعي في المغرب ممارسة ثقافية

ليست الرقصات الجماعية في الفنون الشعبية التراثية مجرد حركات سطحية منعزلة عن عمقها الاجتماعي، وليست كلماتها عبارات مطلقة بعيدة عن هموم الجماعة واهتماماتها، وليست إيقاعاتها نقرات للاستمتاع وإزجاء الزمان؛ بل هي ممارسات ثقافية منغرسة في وجدان حامليها من أبناء الشعب منذ أقدم العصور، وفي أكثر الأماكن حيوية ونشاطا، تؤدي باستمرار دورها في المقاومة والحفاظ على الذات وصيانة التراث. تستدمج بألق قيم البطولة والعمل والتعاون والإنصاف... لبناء عوالم من العطاء والفن والثقافة، وسبر أغوار الجماعة والكشف عن منظوراتها للحياة والوجود، فالرقص الشعبي «يستخدم بصفة عامة لوصف أشكال الرقص المتعارف عليها بين الشعوب المختلفة. والتي تكون ذات أصول متشابهة تتوارثه جيلا بعد جيل. ولذلك يعد الرقص الشعبي بصفة عامة وسيلة مهمة لترجمة أحاسيس ومعتقدات الشعوب»36، والكشف عن اختياراتها الجمالية وحمولاتها الثقافية والفكرية.

فما كان الرقص الشعبي يوما «بنية عضلية، ولا هو مجرد تشكيلات يؤديها الممارسون في بيئتهم بلا هدف أو معنى، بل هو موضوع مهم للدرس العلمي، بحيث أصبحت دراسة الرقص الشعبي علما له كل مواصفات العلوم الإنسانية، كما تعددت مناهج دراسته وتباينت الأبعاد التي تختص بتحليله»37؛ والرقص الشعبي الجماعي من أكثر أنواع الرقص غنى واحتمالا للثقافة والفن، لأنه تمثيل شفاف لتراث المجتمع المتنوع، وتعبير فني بسيط عن أكثر قضايا الجماعة تعقيدا، وانبعاث ضمني للحظات الانتصار والهزيمة، ومواقع الفرح والحزن المنغرسة في وجدان الجماعة. فـــــــ»لا ينحصر في عملية التعبير عن الذات، وكأن كل مهمته هي أن ينقل إلينا بعض مشاعر معينة عاناها في حياته الوجدانية الخاصة، وإنما تنحصر المهة في التعبير عن بعض المعاني العميقة بطريقة رمزية لا تتأتى لأي وسيلة أخرى من وسائل التعبير»38. وهنا جزء من أهميته، ودافع أساس من دوافع دراسته.

وتتميز الرقصات الجماعية المغربية من بين ما تتميز به بخطابها المتكامل، فهي مزيج متجانس من الشعر والغناء والموسيقى والحركات والعادات وطريقة اللباس وإعداد الطعام والقيام بمختلف الأشغال والصنائع، ويغدو الرقص والغناء مجرد رموز لعناصر ثقافية مغرقة في العمق والتعقيد، تبرز الخصوصيات الاجتماعية واللغوية والفلسفية للإنسان ممارسا للفرجة أو متفاعلا معها أو جزءا فقط من المجتمع الذي أنتجها. فالرقصة «كجنس فني، وكنوع متميز بخصائصه الجوهرية والشكلية من المعالم والمؤشرات التي يمكن أن يقوم عليها تصنيف ثقافة أو مجموعة بشرية، وتمكن من التعرف على انتمائها الجغرافي واللغوي والثقافي»39، بل وخصوصياتها الثقافية وطبيعة نظرها لمختلف جوانب الحياة. فليس الرقص سوى تجسيد لحياة الإنسان، وانعكاس لتجاربه، وترجمة لمواقفه، وتعبير عن مشاعره. وما حركات الأجساد في فضاءات المكان سوى تقليد لحركية الذوات، في وجودها الفردي وامتدادها الجماعي، في متاهات الحياة الضيقة ومسالك الوجود الوعرة.

وبعيدا عن التعميم، فإن تحليل حركات الرقصة وإيماءاتها يفضي بنا إلى الكشف عن حالة سلم أو حرب، ثقة أو ضياع، فرح أو حزن، مما يغمر الجماعة في ماضيها أو حاضرها. وتفكيك كلمات الأغنية المرافقة لها يجول بنا في عوالم الحب والحياة الدابة في الحقول والجبال على أرصفة الشعور الجمعي الشفاف والمعبر. وتتبع وتيرة الإيقاعات المختلفة فيها ينبئ عن ملاحم المقاومة وملامح تاريخ طويل من العطاء والتعاون والتكافل والتقدير لمختلف مكونات الجماعة.

ونظرا للموقع الاستراتيجي لبلاد المغرب ولتاريخه العريق وجغرافيته المتنوعة فقد أفرز كل ذلك تنوعا في فنونه الشعبية وتراثه الثقافي المعبر، وثراء كبيرا في بنياتها ووظائفها. ويشكل الرقص الجماعي أبرز هذه الفنون وأكثرها تعبيرا عن الهامش الثقافي والجغرافي والتاريخي، وعن هموم الإنسان في القرى والمداشر والأماكن النائية. حيث يصبح الرقص فرصة للتعرف وإثبات الذات وإظهار التنوع، لتصب هذه الروافد المختلفة في نهر الثقافة المغربية، فنجد في الشمال رقصة «الطقطوقة الجبلية»، ونجد في الشرق «الركادة»، وفي الوسط «رقصة عيساوة»، وفي تادلا وخريبكة «اعبيدات الرما»، وفي الصحراء المغربية رقصة «الكدرة»، بينما تخترق رقصات أحيدوس وأحواش وإمديازن بأنواعها المختلفة كل المناطق الناطقة بالأمازيغية في ربوع البلاد. إذ أكدت العديد من الأبحاث أن «المغرب من بين الشعوب المرهفة الإحساس بالموسيقى بالرغم من الطابع المحافظ الذي قد يبدو ظاهريا نتيجة تحولات تاريخية وثقافية ارتبطت بتاريخه السياسي الذي ارتبط جدليا بالفقه والزوايا، ولذلك يزخر البلد باعتباره ملتقى تلاقح عدد من الثقافات والحضارات كما سبقت الإشارة إلى ذلك، بعدد من الأشكال الموسيقية الأصيلة منها والشعبية التي برزت في إطار تحولات المغرب الثقافية الناتجة عن انفتاحه على جل ثقافات العالم»40، وهو ما ألقى بظلاله الوارفة على مجالات الرقص الشعبي المختلفة في البلاد، والكشف عن أي رقصة من هذه الرقصات هو اكتشاف للمغرب العميق، واستحضار لغنى ثقافي يمتد آلاف السنين، وبناء لتاريخ فكري راسخ في كيان الإنسان المغربي قبل أن يتشكل في الزمان والمكان الفيزيقييين.

فقد ظل «الرقص الشعبي المغربي» تعبيرا عن التعلق بالماضي، وتأكيدا للاستمرار في التواصل مع الحاضر والمستقبل، وانعكاسا للجمال في الإنسان والطبيعة والوجود، وللتنوع في اللغة والثقافة والفكر. وفي كل ذلك يظل مناطا للتعبير عن هموم الإنسان، ومرقى للمكوث والبقاء والاستمرارية، ووسيلة للخروج من الهامش إلى الضوء، ومن الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. ويبقى دليلا حين تفتقد الأدلة، وسبيلا حين تضيع السبل، وعلامة لما نفتقر إلى العلامات. فليست طقوس الرقص الجماعي بالتأكيد «مجرد حركات متناسقة تنساب على إيقاعات متباينة، بل هو شكل تعبيري تكون فيه الإيماءة والزي ولونه وطبيعة ارتدائه دلالة موغلة في الذاكرة الجماعية، ويكون للإيقاع هو الآخر حمولة بين طبقات تاريخ أجيال وشعوب تصل الماضي بالراهن، وتمنح للذاكرة الجماعية حرية الإبداع والإضافة على الأشكال التعبيرية التي لا تعترف بحق الإبداع الفردي لكونها تعكس رغبة الجماعة في الزمان والمكان»41. وفي التعبير عن الجماعة تتجلى أهمية البحث في هذا الموضوع وجدوى قراءته الثقافية.

ونجد أن هذا التعبير الفني صار في المغرب ثابتا من ثوابت التحليل الثقافي التي لا يمكن تجاوزها، حتى قال أحد الباحثين في الثقافة المغربية «ومن تقاليد الأمازيغيين العريقة الرقص المصحوب بالغناء، وهو الذي قال فيه أحد الخبراء الغربيين إنه من إيحاء تموجات السنابل، أو الكثبان في الصحراء، أو أعراف الجبال في الآفاق. وليس من المبالغة أن يقال إن الرقص الأمازيغي التقليدي هو الرقص الكلاسيكي المغربي، وليس للمغرب رقص غيره له ميزة تستحق الاعتبار يُرشح بها لأن يمثل الشخصية المغربية، لكن هذا الرقص صنفه الفرنسيون فتبعهم في ذلك المسؤولون الوطنيون فلكلورا Folklore عن الفن، فلم يقيض له من ينهض به، ولذا صار يفقد رونقه الأصلي، ويفقد تلقائيته النابعة من روح الابتكار الجماعية العاملة بدوافعها الذاتية»42. وبعيدا عن إشكالية التمثيلية للشخصية المغربية، والتي لا يحق لأحد احتكارها دون غيره، لأن قوة هذه الشخصية في غناها وتعدد روافدها، فإن الدعوة إلى إخراج هذا الفن من التناول الفلكلوري وإدراجه ضن دائرة الإبداع الجماعي المعبر عن روح الابتكار دعوة كان لها تأثيرها في الكثير من الباحثين الذين تناولوا هذه الفنون، ولا يزال لهذه الدعوة حينيتها وجاذبيتها للكشف عن الأسس الثقافية والغنى اللغوي والرمزي لفنون الرقصي الشعبي المغربي بأنواعه المختلفة.

وخصوصا وأن هذه الفرجة الشعبية المتميزة لدى المغاربة، والمتأصلة في مختلف مناسباتهم «تجمع بين الأدب الشفهي وقدسية إيقاع الجسد، وذلك بإظهار ما تقوم به من شعرية الخطاب وجماليات الحركة، لكونها ذاكرة ومكونا رئيسيا في الحفاظ على الهوية الثقافية والعادات والتقاليد لمجتمع متنوع ومتغير»43. حيث لا يمكن للباحث أن يتجاوز ما يحفل به هذا الخطاب من علامات ورموز وإشارات، وما يفيض به من أشكال الفن والجمال وغواية الإيقاع والحركة، وما يجيش به من الأحاسيس والمشاعر ومظاهر الإبداع والابتكار. مما تُشارك في إنتاجه أطراف كثيرة ومختلفة، بالإبداع والإنتاج والخلق، أو بالفهم والإدراك والتلقي، أو بإعداد الفضاءات وتيسير أجواء التفاعل مع الخطاب، أو بالنقل عبر الأجيال، والانفتاح على جماهير متباينة في ربوع العالم عبر الوسائط المختلفة.

فتتجدد العناصر الثقافية باستمرار، وتبرز القيم الأخلاقية والجمالية بوضوح، وترسم أبعاد جديدة للشخوص والعلاقات والأشياء. في مجتمع يحتفي بالفن، ويعتبر طقوسه شبه مقدسة، يلجها في أبهى حلله، ورجاله يرتدون لباسا ناصع البياض ونساؤه يتحلون بأجمل الحلل وأنفسها. ويعد لها أصدق كلماته وأحاسيسه، فيجعل الكلام عملة تُسوَّق من خلالها الشخصيات، فتُرفع قيمة من يحسن التعبير ويُحط من قدر من يعجز ويعي. ويعتبر الفن امتدادا له ولفكره، يبرز فيها فلسفته ونظرته للوجود والحياة. يفتح أحضان فرجته للقريب والغريب وللنساء والرجال، وللمحترف والمبتدئ، في ديموقراطية غريبة لا تتحقق إلا في ساحات الرقص، التي أضحت بمثابة «أغورا» متجددة، لا ينضب معين الكلام فيها، ولا يهدأ ضجيج الحركة خلالها، ولا تغيض دلالات الإيماءات أثناءها. مما سنكشف عن بعض من مظاهره من خلال العناصر الموالية، ونرجو أن تسنح فرص أخرى بملاحقة عناصر أخرى، في خطاب يتجدد بقدر ثباته، وينفتح بقدر أصالته، ويتوق إلى المستقبل بقدر اختراقه للحاضر والماضي، إنه الرقص الجماعي المغربي في بعده الرمزي والثقافي.

قيم المقاومة والدفاع عن الجماعة

ظلت قيم البطولة والشجاعة والدفاع عن الذات الجمعية والوطن المشترك من أهم المضامين الراسخة في الأدب الإنساني عموما، واكتست أهمية كبرى في التراث الشعبي باعتباره الأقرب إلى هموم الجماعة والأقدر على التعبير عن قيمها المجمع عليها. حيث تغيب فيه أي نزعة فردية، لأن الفرد يرى امتداده الحقيقي في خضم الجماعة، فيتطلع باستمرار إلى التعبير عن قضاياها، ويفاخر بالنطق بلسانها، ويعتبر ذلك من دواعي وجوده في هذا الكون، ومن رسائل الإنسان النبيلة في هذا العالم.

وقد حضرت حيثيات الدفاع عن الجماعة وحماية القبيلة والبلد والوطن في مختلف الفرجات الشعبية المغربية عربية وأمازيغية. واتخذت مظاهر مختلفة سواء في طبيعة العروض، ونوعية الحركات، وهندسة الرقصات، وطرق الاصطفاف، ودلالات الكلمات، وطبيعة الأدوات الملازمة للراقصين، ومجال الساحات التي تجري فيها الرقصات، ومختلف الطقوس التي ترافقها من إطعام، ولباس، وزينة، وحلي، ومؤثثات للفضاء من زرابي وأواني الشاي.... فبالإضافة إلى أدوار سائر هذه العناصر الوظيفية في المجتمع ووظائفها الجمالية لدى الجماعة؛ فإن لها أدوارا ثقافية كبيرة وأبعادا رمزية متمكنة من عمق الجماعة وفكرها الواقعي والغيبي، ومن كل تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الشخص الشعبي المنغرس في الأرض المنبت بفكره وروحه في أرجاء الوطن وامتداداته التاريخية والجغرافية.

1) الأشكال والحركات:

كل الحركات والأشكال التي تؤدى من خلالها جل الرقصات الشعبية المغربية تحمل دلالات القوة في حماية القبيلة والإجهاز على العدو، سواء في الكر والفر أو طرق الاصطفاف، أو طريقة الإحاطة، أو الانتقال الانسيابي من المستقيم إلى الهلال ثم إلى الدائرة والأشكال الهندسية الأخرى. فتأخذ رقصة أحواش شكل خط مستقيم أو قوسين متقابلين أو دائرة مغلقة، ومن أنواع رقصات أحواش الكثيرة رقصة احتفالية أمازيغية تسمى بتاسكيوين44 التي يعني بالأمازيغية القرون، والتي ينفخ فيها للحشد أو يوضع فيها البارود، ولا تفارق الراقصين أثناء هذه الرقصة إلى اليوم. وهي رقصة حربية في إيقاعها القوي وحركاتها الرياضية المعبرة، تذكر بمعاني القوة والبطولة والشجاعة والانتصار، وتحكي في تتابعها وتناسقها معركة حربية، وتصور عمليات الحذر والتوقع والاستعداد للمعركة، والمباغثة والانقضاض على العدو، وقفز الحواجز وركوب الخيل واقتفاء أثر العدو وتعقبه، والمراوغة والمصارعة، ثم نشوة الانتصار وانهزام العدو45. فتغدو الرقصة ملحمة للانتصار وقصة محكية للحرب وفرصة لاستعادة أمجاد الجماعة في مراحل الصراعات الدائرة دفاعا عن الذات وصيانة حقوقها المهدورة في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

كما تأخذ رقصة أحيدوس شكل حلقة دائرية أو صفين متقابلين أو صفا واحدا، ويبرز رئيس الفرقة بلباسه الخاص والمتميز للتنسيق والتنظيم وإصدار الأوامر التي يتطلع إليها الراقصون بترحيب وسعة. مادام الرئيس لا ينقل تجربة ذاتية ولا يضمر نزوعا فرديا بل يعد خبيرا بفنون الرقص وأشكال الإيقاع التي تتوارثها الجماعة جيلا بعد جيل، وممثلا حريصا على طقوس الفن في أصغر تفاصيلها وأكبرها، يحرص على الصدق في الأداء والأمانة في النقل والابتكار في التجديد.

بينما اقترنت رقصة الركادة بالتغلب على العدو وإظهار الشراسة في القتال والأنفة في التعبير «فهي تجسد النصر، ويكون على يد الراقصين في الركادة بندقيات التي قد تعوض بالعصي عندما لا تتوفر البنادق، كما يضربون بأرجلهم علامة على الانتماء للأرض ويحركون أكتافهم وفق عمليات حسابية وحركية مضبوطة إيقاعيا بمساعدة المزمار المزين بقرون الثور»46 و«الركادة» من الرقصات الرجالية الخالصة لما فيها من حركات عنيفة، وتمايلات للجسد، لا تستطيع النساء مسايرتها في مجتمع محافظ. تعبر عن شهامة وبطولة واستئناس بالسلاح، وتعبير عن فرح تختلط خلاله الزغاريد الصادحة بطلقات النار القوية.

أما في «إمديازن» في منطقة الريف شمال المغرب، فيتم «تشكيل عدة أشكال هندسية مدا وجزرا عن طريق التقابل والتماثل والاستواء والدوران، مع ضرب الأرض ضربات معدودة انسجاما مع نغمات الأشعار وطلقات البارود. وغالبا ما يقود الراقصين والراقصات شيخ «مايسترو» له تجربة ودربة كبيرة في مجال الرقص والغناء...»47.

ففي مختلف هذه الرقصات تحضر أشكال هندسية مختلفة، منها الدائرة وهي من الأشكال الهندسية التي تلقى تقديرا كبيرا لدى الحضارات الإنسانية المختلفة، لأنها تستلهم شكلها من الشمس والقمر، ومن حركية الليل والنار، والحياة والموت، والمعاش والمعاد. ثم هي ترمز إلى الاتحاد والتعاون والتضام، فضلا على أنها تعيد إنتاج حركية الإحاطة بالعدو والإطباق عليه، وعدم منحه فرصة للإفلات. ففي الشكل الدائري يتحمل كل فرد هذه المسؤولية المشتركة بالدرجة ذاتها، فيؤدي دوره بفعالية في سد الثغرات وتقييد حركة العدو، مع بروز قيمة «الثقة» المتبادلة التي يكرسها الشكل الدائري، فكل تهاون لفرد من أفراد المجموعة يعني انفراط الدائرة وفشل عملية الإحاطة وافتقاد الأمان الفردي والجماعي.

فإن الفلسفة المتمكنة من «الرقص الشعبي الجماعي» هو أنه باستثناء القائد الذي له أدوار ريادية محددة، فيها تكليف ومسؤولية كبيرة أكثر من التشريف والمكانة الاعتبارية؛ فإن كل الأفراد متساوون في مختلف طقوس التعبير من حركات وغناء وإيماءات. تذوب الذوات وتتماهى فيما بينها، لتؤدي الطقس بصفة جماعية، فلا يكتسب الفرد قوته ومكانته إلا داخل الجماعة. ففي الرقص وفي الأشغال الفلاحية في الحقول كما في «المعارك» الأزلية ضد العداء وظواهر الطبيعة وتقلبات الحياة، تكتسب القوة من الوحدة وتتحقق الرسالة من خلال الجماعة. وحين تدور الحياة دورتها تدور معها المجموعة فلا تجد إلا قوة متضافرة وأيد متشابكة وهمما عالية غير فاترة.

وغالبا ما يشفع الشكل الدائري في الرقصة بحركات تظهر القوة والرشاقة البدنية، إما بحمل الأرجل والأيادي إلى السماء في تناسق وانسجام كبيرين إظهارا للقوة واستبشارا بالنصر والتفوق، أو بالضرب على الأرض بقوة ضربات متتالية موحدة، تحيل إلى الارتباط بالأرض والتمسك المتواصل بها، كما ترمز لإبداء الشدة على العدو وزلزلة الأرض من تحت أقدامه. في حركات دؤوبة تتوارثها الأجيال عبر الأجساد، لتمثل رقصا للإمتاع وبعث الثقة في الجماعة، بعد أن كانت حركات منظمة وموحدة للإيقاع بالعدو وبعث الرعب في صفوفه.

كما تتخذ الرقصات شكل خط أفقي مستقيم أو خطين متقابلين في طقس عسكري متوارث، يُنشد منه في البدء التأكد من سلامة المحاربين والاطمئنان على قدراتهم البدنية، وجاهزية أسلحتهم وعتادهم الحربي. ثم عوضت ملابس الحرب بملابس الرقص البيضاء أو المزركشة الموحدة، والأسلحة بالدفوف والطبول والقصبات. وتأكد القائد أو الرئيس من مدى استعداد أعضاء فريقه لإحياء «الحفل الراقص» هو بعث لسلوك القائد في المعركة وهو يحتفي بالاستعداد للنصر.

فتعتبر حركة المستقيم أو المستقيمين المتوازيين أو المتقاطعين، حركة استعراضية تعبر عن الوحدة والامتداد والاستعداد للتشكل، فبسرعة وتحت التوجيهات الصارمة للرئيس يصير المستقيم مستقيمين أو هلالا أو دائرة أو نصف دائرة في حركات منظمة تبعث طقوسا ممتدة في الزمان والمكان والكيان.

فتصير طقوس الرقص الجماعي إعادة إنتاج احتفالي لطقوس البطولة التي عاشتها الجماعة بالأمس، فتتوارثها الأجيال لتعبر عن الارتباط بالأرض والتماهي مع الجماعة، والتفاخر بشجاعة الآباء والأـجداد وبطولاتهم، وتعيد ترميم لحظات هاربة كانت فيها القبيلة بؤرة وموئلا. ومن ثم يكتسب الجسد الإنساني في الرقص الجماعي دلالته في هذا السياق المحيل على الحرب، وتصير كل حركاته ذات معنى، كل أعضائه تشارك بفعالية في بناء الدلالة العامة التي تروم الرقصة تبليغها عن وعي أو دونه. فالجسد «واقعة اجتماعية، ومن ثم فهو واقعة دالة، إنه يدل باعتباره موضوعا، ويدل باعتباره حجما إنسانيا، ويدل باعتباره شكلا. إنه علامة وككل العلامات لا يدرك إلا من خلال استعمالاته، وكل استعمال يحيل على نسق، وكل نسق يحيل على دلالة مثبتة في سجل الذات وسجل الجسد وسجل الأشياء. إن أي محاولة لفهم هذه الدلالات والإمساك بها يمر عبر تحديد مسبق لمجموعة من النصوص التي يتحرك ضمنها ومعها وضدها»48.

فليس الرقص لحظة متعة محدودة بمحددات فيزيقية معلومة، بل هو لحظة لتجميد الانتصار وتمديده، ولتنشيط الذاكرة وتمحيصها، وابتعاث مختلف لحظات النصر المفتقد، وطقوس الانخراط والتماهي الموؤود. فيمثل الخط المستقيم الممتد لحظات البداية والاستعداد المنبثق عن أمل في المستقبل وفي طريق طويل نحو التحرر والانعتاق، وتشكل الدائرة ونصف الدائرة لحظة الإطباق والإحاطة بالعدو، وفعالية الاستمرار ودينامية التأسي بنواميس الكون التي لا تقهر، والحركات والأشكال الموالية لحظات النصر والاحتفال، في انطلاقاتها وتجاوزها، ومكان الرقصة بمثابة أرض النزال، التي تحتضن النصر كما تحتضن الهزائم. ولا عجب أن تنتشر هذه الفرجات الحربية الحماسية في القبائل التي تقع في مواطن التماس مع الأعداء على الطرق التجارية، وعلى السواحل البحرية، وفي السهول المعرضة للهجوم. فتكون للجغرافيا آثارها في كتابة التاريخ وصياغة خطابات الفن. وبذلك يؤدي الرقص مهمته في التعبير والتعريف والفهم والإدراك ونقل رسالة التاريخ والفن والثقافة، وحين يكون الرقص جماعيا شعبيا تتعمق هذه الأبعاد وتتدفق دلالاتها وأبعادها الرمزية، لتعبر عن الجماعة في حقيقتها الوجودية ومعناها القيمي واشتغالها الجمالي.

2) الألبسة ووسائل الزينة:

لم تكن الألبسة التي يرتديها المؤدون والحلي التي يتحلون بها في الرقصات الجماعية المختلفة أدوات زينة فقط أو وسائل للتباهي والتفاخر، بل رموزا حافلة بالإشارات والعلامات دافقة بالمعاني والدلالات، ضاربة في أعماق الذات في وجودها الفردي وامتداداتها الجماعية، وفي أثناء المكان السرمدي والزمان المعاد. وإلا لما كان توحيد اللباس سنة الراقصات والراقصين أثناء الأداء، ولا كان الاعتناء بدقائقه ديدن المتفوقات والمتفوقين منهم المؤمنين بالرسائل الثقافية التي يحملونها ويدافعون عنها من خلال رقصاتهم، «إذ يشكل اللباس في هذا السياق رمزا من الرموز التلخيصية للثقافة التي تحيل على الهوية، أسلوب الحياة، وعلى الذوق في الآن نفسه»49، كما يحيل على التاريخ والفن، ونظرة مرتديه إلى الوجود والجمال. حيث اقتفاء آثار الاشكال والألوان والعلامات والمواد فعل ضروري للكشف والإظهار، وترجمتها إلى أنساق ثقافية معبرة ضرورة بحثية لا مناص منها للقبض على لحظات فرح أو حزن غابرة ومظاهر انتصار أو هزيمة عابرة.

ففي رقصة أحواش المغربية ذات الانتشار الكبير والواسع في المناطق التي تنتشر فيها الثقافة الأمازيغية، والتي لا تزال فرجتها إلى اليوم طقسا شبه مقدس تهفو إليه أفئدة الجمهور من مختلف الطبقات الشعبية،

وينسلخ الراقصون من فردانيتهم ووظائفهم الاجتماعية ومستواهم التعليمي وميولاتهم الفكرية الذاتية ليرتدوا «زي الحفلات والأعياد، وهو من الصنف التقليدي المميز لكل منطقة. فالرجال يلبسون الجلباب الوطني الأبيض والقميص (تشامير) والبرنس والعمامة البيضاء أو المزركشة بالحرير الأصفر، ويتقلدون بالخنجر الفضي تكوميت، وأقراب (المحفظة الجلدية المزركشة بالحرير) والبلغة البيضاء أو الصفراء المحلية أو الوطنية. أما النساء فتختلف أزياؤهن باحتلاف المناطق الأمازيغية وكذلك الشأن بالنسبة للحلي التقليدية التي تكون من الفضة»50. ولا يختلف اللباس في أحيدوس كثيرا عن هذا المنحى. بينما في رقصة الركادة في الشمال الشرقي فيتميز المؤدون باستعمالهم للبنادق أثناء الرقص، وفي غياب البنادق تحضر رمزيتها باستعمال العصي، في طقس حربي متوارث، يمجد الشجاعة والشهامة والدفاع عن القبيلة والوطن.

وفي سائر الرقصات الجماعية الشعبية نلفي حرصا كبيرا من لدن الراقصين على توحيد الألبسة، فوحدة اللباس طقس عسكري أصيل في الممارسة الشعبية لفعل الرقص، مع تمييز رئيس الفرقة بلباس خاص يؤدي وظيفة التمييز للموجه والمسير لمختلف الطقوس والعمليات. وفي توحيد اللباس إشارات لرمزية التضامن والمساواة والعدل بين المؤدين مهما اختلفت مستوياتهم، مع التزام البياض لدى الرجال وألوان الطبيعة الصافية لدى النساء، وتمييز رئيس الفرقة بجعله يتوشح بالسواد في طقوس تحفل بدلالات الألوان وتنضح بالإشارات العميقة الممتدة في الوجدان الجماعي للمجموعة البشرية التي تمثلها الرقصة. فالألوان المختلفة تشير إلى هذا الارتباط الدائم بالأرض والطبيعة، والاستعداد المتواصل للدفاع عنها والتمسك المستمر بها بدون حدود أو شروط، ويأتي البياض والسواد في الرقص الجماعي للإظهار والتبريز والتعبير عن الجماعة، نظرا لكم التمييز والتهميش الذي تعاني منه هذه المجموعات، فتتعلق بوحدة الألوان القوية المعبرة للتعبير عن ذاتها وإظهار تميزها. والعناية بوحدة اللباس في دقائقه المختلفة، عناية بما يوحد الجماعة، ويضفي على الذات التماسك والتشابه.

وفي رقصات شعبية مغربية مختلفة، وخصوصا ذات الأصول الأمازيغية، نجد حضورا لافتا للخنجر الأمازيغي (تكميت)، الذي تظهر فيه براعة الصانع وذوق المستعمل. حتى إن بعض الفرجات الشعبية ترفض ولوجها ممن لا يحمل هذه الأداة البليغة بدلالاتها ورمزيتها. فالخنجر «رمز الشجاعة والشهامة والرجولة، فيجب أن يتقلده الرجال في مناسباتهم الاجتماعية وحفلاتهم، فالعرف القائم في المنطقة يقتضي في رقصة أحواش أن يتقلد الرجال خناجرهم، ومن لم يحمل هذا الخنجر لا يمكنه ولوج أحواش. وتحرص رقصة الخنجر التي يؤديها الناس في حاحا على ترجمة هذه الدلالات عبر لوحات تعبيرية حركية رائعة. كما أن رقصة الكدرة، في مرحلتها الفاصلة تخترق حلقة الراقصين فتاة في كامل زينتها، لا يظهر منها سوى العينين، تؤدي رقصتها فتزيد من حماس الراقصين، ثم يأتي الدور على البطل الذي يدخل الحلقة ليكشف القناع عن الفتاة، ويعلق على صدرها خنجرا دلالة على حمايتها واختيارها له زوجة»51.

فتمتد رمزية الخنجر ليتعلق بالفحولة والحماية والرجولة والمعرفة والبراعة. فهو آلة ممتدة في الزمان، لدى شعوب ومجموعات مختلفة، لا زالت تحمل آثار الدفاع عن الذات وحماية العرض والشرف. مع ما تدل عليه عبر أساطير راسخة في الكيان الجماعي للجماعات الثقافية المختلفة من حسم وشهامة وبطولة. وإذ يفتقد الخنجر اليوم دوره الوظيفي فإنه لم يفقد رمزيته ودلالاته الثقافية الغامرة، وتاريخه الحافل بالانتصارات، ولا زال إلى اليوم شاهدا على محطات النصر والقوة، كما يشهد على لحظات الغدر والهزيمة والهوان. وهو الأمر ذاته بالنسبة للبندقية التي تقدم الراقص باعتباره محاربا جسورا يستأنس بالسلاح ويصل إلى درجة التلاعب واللهو به، كما تعيد ملاحم النصر التي سطرها الأجداد في الشمال والشمال الشرقي بروحهم المتوقدة وشجاعتهم المتوجة بقيم الشهامة والاعتزاز بالانتماء للوطن. حيث ابتعاث طقوس الكر والفر، واستعراض قوة الأبطال مترجلين أو على ظهور الخيول. ليعيدوا كتابة تاريخ مهمل حافل بالانتصارات والتضحيات بحركات الأجساد في الفضاء وطلقات البنادق في الهواء.

أما (أقراب) التي تعني بالأمازيغية تلك المحفظة الجلدية التي لا تفارق الرجال في الكثير من الرقصات الجماعية الشعبية المغربية، فهي تختصر لحظات ضاربة في القدم، وتنعش الذاكرة الجماعية للإنسان في علاقته بمختلف المكونات البشرية والطبيعية المحيطة به. فيستشف من خلالها مظاهر النخوة البدوية، التي يصير معها الجود والكرم سلوكا لا يفارق الرجال في حربه وسلمه وفي عمله وراحته وفي حله وترحاله كما لا تفارقه محفظته الجلدية الأنيقة. ففي تلك «المحفظة» الجلدية العتيقة يختصر الزمان البائد ويحمل الرجل البدوي تاريخه الوفير ووفاءه لثقافته المتمكنة. وحين يتزيا الراقص بها فإنما يروم ابتعاث تلك اللحظات والأحاسيس والمواقف، ويعبر عن حجم التضحية من أجل الجماعة التي ينتمي إليها، وهو ينسلخ من ذاته ومن لباسه وعمله ليعيد بعث طقوس أمته وانتصاراتها الغابرة وأساطيرها المحكية، عساها تخرج من الهامش إلى دوائر الضوء، ولعلها تغادر جحيم التنائي والإبعاد والاغتراب وتلج عوالم الاقتراب والاعتراف.

بينما تظل الحلي لدى النساء رمزا للخصوبة وحماية من السوء والحسد والعين، ودلالة على صور البقاء والمكوث والانشداد إلى الأرض. وصورة من صور اجتهاد المرأة في الحفاظ على تراث الأجداد وتمريره بثقة وأمانة للأجيال المقبلة، مع ما يمثله كل ذلك من إشعال لجذوة الاحتفال، وترسيخ لقيم الفن في النفوس المتعطشة لتاريخها الجماعي الغني بمعالم الجمال والجلال.

3) المرأة أيقونة الرقصات الجماعية:

لم تكن المرأة في الرقص الشعبي موضوع الدراسة موضوعا للإغراء والاشتغال بفتنة الجسد، بل ظلت شريكة في طقوس الرقص مشاركتها في بناء الحضارة وفي الأشغال اليومية في البيت والحقل وغيرهما، «لا تمارس الفن إلا كوسيلة لرفع الأكبال والقيود عن مجتمعها»52، ويتجلى دورها الأساس في الحفاظ على التراث الفني والأدبي؛ باعتبارها أكبر ناقل للقيم الجمالية والفنية وما تستبطنه من قيم أخرى أخلاقية وثقافية وحضارية عبر الأجيال53.

فباستثناء الرقصات الخاصة بالرجال لسياقها الوجودي الخاص كالركادة واعبيدات الرما، فإن الولوج إلى ساحات الرقص الشعبي الجماعي ظل حقا مكتسب للجميع رجالا ونساء. ولا يشترط فيه غير الكفاءة في الأداء والتفوق في نسج الكلام. وإذا كانت المرأة عموما غائبة في الأشكال الفرجوية قبل المسرحية كالحلقة وسلطان الطلبة والبساط وبوجلود، حتى «تأسست مسافة بين المرأة والتمثيل عبر التاريخ»54؛ فإن الرقص الجماعي قد أعاد المرأة إلى دائرة الضوء لتفجر طاقاتها الإبداعية والتعبيرية، وتعبر عن ذاتها بالحركة والقول والألبسة وأدوات الزينة والحلي، فيصير الأداء التعبيري «استراتيجية لمقاومة قساوة اليومي باختراق زمن الحظر والاحتجاب البصري»55.

فساحات الرقص الجماعي الشعبي في أحواش وأحيدوس والكدرة وغيرها. هي مجال رحب للتواصل الجسدي والغنائي الذي تسمح به الرقابة المجتمعية. حيث تستحدث الجماعة آليات لتفجير الشحنات العاطفية المكبوتة، وتحقيق الوصال الممنوع في الحياة اليومية، والتعبير عن المشاعر والأحاسيس والخروج من الهامش وتعبير الذات عن أناها وآمالها وآلامها مع الحب والحياة، ومواقفها من الوجود والأشياء عبر هذه الرقصات المعبرة والحركات الدافقة بالمعاني، والأغاني المعبرة عن رسائل مشفرة مغرقة في التعبير عن قضايا الجنس المُبعَد والجماعة الثقافية المهمشة.

وإلى جانب سلطة الجسد والحركة تمتد سلطة القول والكلام، فيفتح المجال للمرأة للتعبير في أحواش وأحيدوس، والدفاع عن جماعتها من بنات جنسها خصوصا، حين يصبح الدفاع عن الجنس بالقول البليغ والحركة المعبرة واجبا مقدسا لمواجهة التمييز الذي قد تتعرض له، أو أشكال التهميش الذي تجد نفسها ضحية له. وتعتمد رقصة الكدرة في الصحراء المغربية أساسا على خطاب الجسد وحركة الأصابع والأيدي، حيث تشكل الراقصة بؤرة الرقصة ولوحة تعبيرية ينطلق خلالها الجسد المهمش للتعبير والخروج من ذاته للانفتاح على الإيقاع والتفاعل معه في حركات تعبيرية لا شعورية يرقى فيها الجسد في سلالم الجمال رقيه في براعة الرقص في الكارة. حيث «تمثل الراقصة أو الركاصة بالتعبير المحلي في هذا المشهد الاحتفالي عنصرا أساسا، إذ تتكفل سيدة (خادم أو معلمة) بإحضارها بعد إعدادها، وحثها على عدم فتح أعينها سوى بالقدر الذي يمكنها من رؤية ما بحولها، ثم تبدأ في عملية الرقص وهي في حركة مستمرة داخل الدائرة معتمدة في ذلك على ركبتيها، في حين يظل باقي أفراد المجموعة في أماكنهم ويتدافعون بأكتافهم يمينا ويسارا فيما يعرف بالتداويح، ذلك حسب تحرك الراقصة نحوهم، التي تقوم بتحريك الأصابع وتقليب الكفين، أما النكار فتفرض عليه الراقصة التحرك وسط الدائرة لكن بهدوء لكي يظل مقابلا للراقصة ولآلته الموسيقية»56.

فما هذا النموذج سوى دليل على مكانة المرأة في الكثير من الرقصات الشعبية المغربية، حيث شكلت بؤرة بكل ما ترمز إليه من معاني الخصب والعطاء، وما تدل عليه من الارتباط بالأرض والحياة، وتمثيلها للمجتمع العميق في جانبه العاطفي وفي بعده التعبيري. فكان الرقص فرصة لإثبات الذات جسدا وروحا ومشاعر وأحاسيس. وكان التماهي مع الإيقاعات المختلفة طقسا روحيا شفافا يعكس الصفاء والتوهج، ويسمح للجسد بالانطلاق في عوالم المطلق واللامحدود مما لا يستقيم إلا في «أسايس» أو «الكارة» أو «الساحة». فتغدو الرقصة لحظة للانفلات من اليومي والعادي والروتيني، وفرصة للجسد للتعبير عن ذاته تحت أعين الرقابة وفي تحرر عنه في الآن ذاته. لما كان ولوج ساحة الرقص ممارسة ديموقراطية يتساوى أمامها الرجال والنساء في جل الرقصات. وتهتبلها الذات المؤنثة فرصة للتعبير والخروج من الهامش الذي تتردى فيه لأزمنة طويلة. فتتسلل إلى الأضواء، إلى وسط الدائرة، إلى عمق التعبير الفني؛ لتخلق الحدث، وتسحب البساط من تحت أرجل الرجال الذين يمتلكون الكلام والإيقاع غالبا؛ ففي أحيدوس مثلا «وحدهم من يتولى استعمال آلة النقر ألّون أو طّارت، دون النساء اللائي يكتفين بالرقص والترديد الصوتي»57، ليصبحوا تابعين للراقصة يقتفون بكلماتهم وإيقاعهم آثار أقدامها وحركات يديها وإشارات أصابعها وتموجات جسدها. وبذلك يلج الرقص الشعبي فضاء التعبير العميق عن الذات الأنثوية، والطقس الاجتماعي الحافل بالإشارات والعلامات الأنثروبولجية والإثنية.

وهنا فقط وفي أوج الرقصة وفي عزة حماسها، تصير المرأة الأيقونة التي تتوجه إليها أبصار المتفرجين وإيقاعات الراقصين وكلمات المغنين، فتخطب ودها كل الآلات من الدف والكنبري إلى الكدرة والقراقب. الكل يستهدف إرضاء جسد المرأة والحوار مع حركاتها والاستجابة لتطلعاتها في اختراق الفضاء والتسامي عن الوجود المادي الضيق. وفي هذا التوجه نحو المرأة تصير حركاتها وألبستها وزينتها وحليها ناضحة بالدلالات حافلة بالمعاني والإشارات. فتهتبلها الراقصة فرصة لتبليغ رسائل بنات جنسها، وهموم ومعاناة قريناتها، وتبئير شخصيتها للخروج من الهامش الذي ترزح فيه سائر وقتها.

فيصير الملحف في رقصة الكدرة «تميمة لتحصين الجسم. تساهم رمزيا في التعبير عن المشاعر المتفقة والحب المصادر اجتماعيا ودينيا وثقافيا»58، وتصير الألوان الزاهية التي تتوشح بها المرأة في أحواش وأحيدوس عنوانا للانطلاقة والخصب والاستبشار بمستقبل أفضل، يعوض عن هذا الحاضر المثقل بالهموم والمعاناة. وتغدو الحلي الفضية المختلفة التي تتزين بها المرأة الراقصة عنوانا للنفاسة تحكي أساطير الماضي وحقائق الحاضر والآمال الموؤودة في المستقبل. فلا زالت المرأة في هذه الرقصات «حارسة للفن والتراث حتى لا يضيع بين قدمي متغيرات العصر، فلا زالت تنسج الزرابي وتنسج المشغولات الخزفية وتزين العمارة كما تعيش حالة اندماج وتوحد مع هذا التراث من خلال جسدها الذي حولته إلى فضاء تزينه بالأوشام وبنقوش الحناء، وتكسوه الأزياء التقليدية وتتجلى بالحلي الفضية فتصبح هي نفسها أيقونة فنية»59. ممتدة في ذاتها، وفي الزرابي التي ترقص عليها والتي حاكتها بأيديها، وفي الأطعمة وأكؤس الشاي التي أعدتها بنفسها.

ويبرز «الوشم» على أجساد الراقصات الأمازيغيات ووجوههن، علامات تدل على التضحية والمعاناة وتحمل الألم لحماية الثقافة وتجسيد التراث وإظهار الزينة، حتى لا نكاد نفرق في هذه الجماعة الثقافية بين الوشم والمرأة، باعتبار الوشم علامة على الانتماء إلى الثقافة بطقوسها المختلفة، «فإن شأن الوشم كشأن بنية القبيلة، التي كانت حتى مجيء المستعمر الغربي شكلا من أشكال التنظيم الاجتماعي القروي بالمغرب، بحيث نلاحظ أن الوشم بمثابة بنية تتقاطعه قيم اجتماعية وثقافية وسيكولوجية وجمالية»60 والاحتفاء بالألم لتمييز جسد المرأة وتزيينه، «إن الوشم بالنسبة للجسم، هو العلامة الموسيقية، القاطعة المطعمة للجسم، والتي تتطلب الإنصات للشهوة في فرادتها وصمتها، وعدم قابليتها للنطق»61، حسب التحليل الأنثروبولوجي.

كما يتطلع الجسد إلى أن يدون بواسطة الحناء أجمل الحكايات وأغزر الرموز على جسد منهك بتعب اليومي ومشقة الهامشي، تردي الجسد خطابا دافقا بالمعاني والدلالات، مثقلا بتضاريس الهموم ومتاعب الحياة، تتقاطع خلاله أحداث التاريخ الجريح ونتوءات الجغرافيا المكلومة. فلا يجد إلا الرقص للانطلاق والتخطي والتجاوز، ولا يجد إلا ذاته ليدون عليها رموزه وانتصاراته وانكساراته. وحين يكون الجسد للمرأة تختلط الشهوة بالقسوة، والألم بالأمل، فيتمايل على إيقاعات الموسيقى والغناء، كما يتمايل على وقع التهميش والاستبعاد والإيلام.

4) قيمة التعاون المنتج:

بالإضافة إلى البعد الجماعي والتعاوني الذي يكرسه الرقص الجماعي، حيث يتحد الإيقاع والغناء والرقص لإنتاج فرجة تمتح من اليومي والهامشي وتصدح بآلام الجماعة المهمشة وآمالها في مستقبل أفضل، وبالإضافة إلى مكان الفرجة الذي يرمز إلى اللم والضم والتجميع ويتوحد فيه بطريقة ديمقراطية الراقصون والمغنون والجمهور؛ وتوحيد اللباس وبساطته ليتسع للجميع التزيي به؛ فإن الرقص الشعبي المغربي تنبني الفرجة فيه على تفاعل حركات الراقصين وأصواتهم وإيقاعات الآليات المختلفة وأهازيجها المدوية، كل ذلك بصيغة جماعية منتظمة ومتناسقة.

وحتى إذا سُمعت «الزغاريد» و«الآهات» الفردية وعبارات الثناء والإعجاب أو حتى الرفض والاستهجان هنا وهناك، فهي تنطق بلسان الجماعة ولا يرغب أحد في نسبتها لنفسه، فأي احتفال «هو بالأساس لقاء، ولأن اللقاء هو خروج الذات من عزلتها، لتشكل الجماعة والمجتمع، وإن وجود الجماعة يفرض وجود حوار للتواصل والتفاهم، وإن لغة الحوار الاحتفالي هي لغة أكبر من لغة اللفظ إنها لغة الجسد ككل»62. حيث تنمحي صيغة الفرد في خضم الجماعة، وتذوب فردانيته وسط العشيرة أو القبيلة أو الوطن، للتعبير عنها والنطق بلسانها ونقل ثقافتها وتبديد مخاوفها.

ومن مظاهر هذه الوحدة والتمثيل اللذين نتحدث عنهما أن الرقصات تحيل من خلال حركاتها وإيقاعاتها وامتداداتها الشعبية على المجموعة البشرية التي تمثلها والجماعة الثقافية التي تنتمي إليها، وتغدو «من المعالم والمؤشرات التي يمكن أن يقوم عليها تصنيف ثقافة أو مجموعة بشرية وتمكن من التعرف على انتمائها الجغرافي واللغوي والثقافي»63، وذلك لطابعها الوحدوي، وخروج أفرادها المستمر من ذواتهم ليمثلوا الجماعة التي ينتمون إليها كما أسلفنا. وفي المغرب؛ مجال هذه الدراسة «بمجرد مشاهدة أحيدوس، يتبادر إلى الذهن فضاء إمازيغن أو «شلوح الأطلس»، حسب الشائع من التسميات، ويربط أحواش تلقائيا بأهل سوس (إشلحين أو سواسة)، ولو أن انتماءه الجغرافي أوسع من ذلك. وتحيل رقصة الركادة مباشرة على مغاربة المنطقة الشرقية (لوجادا، ساكنة وجدة). كما تُربط الهيت بأهالي بني حسن، ورقصة الحصادة بمنطقة تادلا وخريبكة، ورقصة الكدرة بالمجال الصحراوي. علما بأن التسميات الشائعة غالبا تعميمية، وليست دائما في تطابق تام مع التفريعات السوسيولغوية والسوسيوثقافية بالمغرب. والحاصل من كل هذا أن الرقصة في حد ذاتها واجهة ظاهرية للثقافة المحلية التي تنتمي إليها والتي أنتجتها وتمارسها»64.

ومن جهة أخرى فإن من أهم ما تتميز به فرجات الرقص الشعبي المغربي هو أنها لا تنعقد بدون مناسبة «فليس هناك من حفلة أو عيد دون رقصة أحواش، وكما أنه لا معنى لأحواش ولا قيمة له بدون مناسبة تهم الجماعة على مستوى المدشر أو القبيلة»65، بل إن أحيدوس بالإضافة إلى أنه يحضر في حفلات الزواج والختان والعقيقة والمواسم والمناسبات الدينية، فقد ثبت عندنا أنه إلى عهد قريب كان أحيدوس يرافق الجنائز، وخصوصا حين يكون المتوفى شابا في مقتبل العمر، لكن يكتفون بإنشاد القصائد بدون إيقاع.

ومن أهم المناسبات التي تتطلع إليها أفئدة سائر ممارسي الرقص الجماعي الشعبي وجمهوره «الأعياد الدينية والوطنية والمواسم الفصلية والحفلات الاجتماعية كالأعراس والختان والولادة وغير ذلك من المناسبات التقليدية التي تبرز فيها ظاهرة التكافل والتآزر الاجتماعي المميز للمجتمع القروي عامة»66 فلا معنى للاحتفال بدون مناسبة، وتتعزز قيم الاحتفال في وظيفيته، وتنعكس مردودية التعاون من خلاله على الجماعة.

ففضلا على المناسبات المختلفة، فقد شكلت الرقصات الشعبية امتدادا للأعمال الفلاحية والأشغال الجماعية التي تقوم بها الجماعة لتحقيق أمنها الاقتصادي والغذائي. وذلك لانغراس الرقصات في واقعها بكل إكراهاته ورهاناته. فلا تنفصل الرقصات عن نظام «التويزة» المعروف في المجتمع البدوي المغربي، بما «هو شكل تعاوني يؤدي إلى تكتل القوى الإنتاجية لتقديم مساعدة تطوعية تستمد أساسها من الثقة المتبادلة، ومن مشاعر التضامن الجماعي، إذ تتضافر جهود مجموعة من الأفراد من عشيرة واحدة «إيحس» للقيام بما لا تستطيعه الأسرة أو الشخص مفردا، ولإنجاز مجموعة من الأعمال الجماعية لفائدة الأرامل واليتامى»67. هذه المؤسسة التي تعمد على روح الثقة والعمل الجماعي التضامني... والتي تتناقلها الأجيال منذ قرون، من أجل ضمان استمرارية الجماعة وتلبية حاجاتها الأساسية في مناخ صعب وطبيعة معادية في الكثير من الأحيان68. وعند اعبيدات الرما كان الاحتفال ينعقد تتويجا لموسم فلاحي منتج.

فتبدأ طقوس الفرجة بالإنشاد المرافق للأشغال في الحقول لدى الرجال، وبالإنشاد المرافق لأشغال إعداد الطعام لدى النساء، ليتوج اليوم بحفل غنائي راقص تحتضنه «الساحة» التي تشهد الحفل ليلا بعد أن شهدة «درس» المحصول نهارا.

إنها قيم التعاون والوحدة والتكافل في أرقى مظاهرها، نرى فيها الفنون الشعبية ليست رقصا ولهوا وإزجاء للزمان وغناء معزولا عن القيم الأخلاقية المتمكنة من فكر الجماعة وكيانها؛ بل هي تتويج ليوم عمل شاق ولمسار حافل بالعطاء والتضحية من أجل الجماعة وتأمين حاجاتها. فالرقص الجماعي الشعبي في المغرب ممارسة منتجة ونمط حياة معطاء، تسير جنبا إلى جنب مع سيرورة الإنتاج في الحقول والمزارع. مما ينم عن وعي حضاري وثقافي استطاعت من خلاله الجماعة أن تكرس أنماطا فنية شعبية تنتج باستمرار قيما لتأمين الجماعة وحمايتها، لا تنفصل خلاله المتعة عن الفائدة ولا الجمال عن الجلال ولا الأخذ عن العطاء. هي قيم تحيا جنبا إلى جنب في مجتمع بدوي استطاع بناء منظومة للفن والقيم للتعبير والتأثير والتوجيه والخروج من الهامش المعتم إلى دوائر الضوء التي تضمن استمرارية الجماعة في الوجود الفيزيقي والاستمرار الثقافي وصناعة القيم.

خلاصة وانفتاح

وفي نهاية هذا المقال ندرك بما لا يدع مجال للشك أن الفنون الشعبية عموما والرقص الجماعي خصوصا بنيات فنية دافقة بالجمال ناضحة بالقيم، مكنتنا القراءة الثقافية من كشف تواشجاتها مع الذات والجماعة والتراث، ورفع الحجب عن قيم الرفض والمقاومة التي تستضمرها.

وهو ما حملنا فرضياته إلى فنون «الرقص الجماعي المغربي»، الذي ألفيناه منتوجا ثقافيا أصيلا ومتجددا، وخطابا جماليا متكاملا، يغري بالتحليل، بما يضمره من بنيات ثقافية ثرة، كشفنا عنها من خلال مكونات قيمية محددة. ركزنا منها على: قيم المقاومة والدفاع عن الجماعة، وقيم إنصاف المرأة وتقديرها، وقيم التعاون والتكافل. وهي قيم لا تعدو أن تكون بؤرة تدور في فلكها العديد من القيم الأخرى، التي تتناقلها الجماعة جيلا بعد جيل، ولا تزال إلى اليوم مرفأ الجمال والجلال في هذه الربوع. وهي اليوم، على بوابة القرن الواحد والعشرين، تكتسي أبعادا جديدة مع التكنولوجيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو موضوع نروم مقاربته في مقالات أخرى مستقبلا.

الهوامش

1. جرامشي: من الهيمنة إلى الهيمنة الأخرى، د. أمينة رشيد، ضن: غرامشي وقضايا المجتمع المدني، مجموعة من المؤلفين، دار كنعان، ط1، 1991، ص: 195.

2. سعيد شبار،الإيديولوجيا في الفكر العربي المعاصر ومركب الأزمات والحلول، مجلة إسلامية المعرفة، السنة 7، العدد 25، ص: 20.

3. جون ستوري، النظرية الثقافية والثقافة الشعبية، ترجمة: صالح خليل أبو أصبع وفاروق منصور، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1، 2014 ص: 218.

4. الحركة النسوية، مجموعة من المؤلفين، ترجمة: جمال الجزيري، المشروع القومي للترجمة، العدد 449، ط1، 2005، القاهرة، ص: 218.

5. جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال، ط:2، 2000، ص: 62-63.

6. ريتشارد وولين، مقولات النقد الثقافي، ترجمة: محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2016، ص: 241.

7. نفسه، ص: 242.

8. تيم إدواردز، النظرية الثقافية: وجهات نظر كلاسيكية ومعاصرة، ترجمة: محمود أحمد عبدالله، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2012، ص: 136.

9. نفسه، ص: 134.

10. نفسه، ص: 150

11. سايمون ديرونغ، الدراسات الثقافية مقدمة نقدية، ترجمة: محمود يوسف عمران، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 425، يونيو 2015، ص: 53.

12. نفسه، ص: 53-54.

13. نفسه، ص: 56.

14. جاناثان كولر، الأدب والدراسات الثقافية، ترجمة: مصطفى بيومي وعبد السلام، مجلة الملتقى، العدد 12، 1 دجنبر 2004، ص: 91.

15. نفسه، الصفحة نفسها.

16. عبد الله حبيب التميمي، وسحر كاظم حمزة الشجيري، سيرورة النقد الثقافي عند الغرب، مجلة جامعة بابل، العلوم الإنسانية، المجلد 22، العدد1، 2014، ص: 31.

17. أرثر أيزا برغر، النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، ترجمة: وفاء ابراهيم ورمضان بسطويسي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003، ص: 30.

18. نفسه، الصفحة نفسها.

19. نفسه، ص: 31.

20. فنسنت ليتش، النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، ترجمة: محمد يحيى، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة، 2000 ص: 104

21. نفسه، ص: 3،4.

22. يوسف عليمات، جماليات التحليل الثقافي: الشعر الجاهلي نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004، ص: 35.

23. نفسه، ص: 17.

24. موكيش ويليامز، التاريخانية الجديدة والدراسات الأدبية، ترجمة: سناء عبد العزيز، مجلة فصول، المجلد 25/3، العدد 99، ربيع 2017، ص: 328.

25. أرثر أيزا برغر، النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، ص: 195.

26. محمد عبد المطلب، القراءة الثقافية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2013، ص: 18.

27. جون ستوري، النظرية الثقافية، ص: 174.

28. نفسه، ص: 150.

29. ادريس الخطاب، علوم الثقافة، دار توبقال للنشر، البيضاء، ط1، 2017، ص: 97.

30. محمد الجوهري، مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، ط1، 2006، ص: 51.

31. نفسه، ص: 49

32. نفسه، الصفحة نفسها.

33. ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2002،3، ص80.

34. ادريس الخطاب، علوم الثقافة، ص: 300.

35. Convention pour la sauvegarde du patrimoine culturel immatériel, paris, le: 17 octobre 2003.

36. حسام محسب، نماذج من أهم أشكال الرقص الشعبي العربي، مجلة الثقافة الشعبية البحرينية، العدد1، 2008، ص 83.

37. سمير جابر، سامر الفريحي من الرقصات التقليدية لبدو سيناء، مجلة الثقافة الشعبية البحرينية، العدد 14، ص: 125، المقال صص: 124 - 131.

38. زكريا ابراهيم، فلسفة الفن في الفكر المعاصر. زكريا إبراهيم، مكتبة مصر، القاهرة، ب.ت ص 318. .

39. فاطمة بوخريص، رقصة أحيدوس بين المحلية ودينامية التحول، مجلة أسيناك المغربية، عدد مزدوج 4-5، 2010، ص 57، المقال صص: 57-62.

40. 4عياد أبلال، أنثروبولوجيا الأدب، دراسة أنثربولوجية للسرد العربي، روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2011، ص: 263.

41. لحسن موهو، الرقص الشعبي: دائرة الفولكلور المغربية، مجلة الفنون الكويتية، العدد 46، السنة4، أكتوبر 2004

42. محمد شفيق، لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين، 1988، ص: 69

43. عبيد لبروزيين، فَلكلَرَة التراث: رقصة أحيدوس والأنساق الثقافية المتغيرة، موقع الموجة الثقافة، اطلعت عليه بتاريخ: 20/06/2018 على موقع المجلة: http://elmawja.com

44. وهي من الرقصات التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في دجنبر 2017 ضمن لائحة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى حماية عاجلة.

45. عبد العزيز أومرزوك، نماذج من المظاهر الفنية الأمازيغية، جريدة تويزة المغربية، العدد 162، أكتوبر 2010، عبر الموقع الإلكتروني للجريدة، على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/Tawiza162/ahwach.htm?i=1.

46. محمد قروق كركيش، الرقصات الاحتفالية بمنطقة الريف شمال المغرب:رؤية سوسيوأنثروبولوجية، الحوار المتمدن-العدد: 4427 - 2014 / 4 / 17 – على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=410697

47. المقال نفسه، الموقع نفسه.

48. سعيد بنكراد، الجسد: اللغة وسلطة الأشكال، مجلة علامات المغربية، العدد4، 1995، المقال صص: 48-63

49. عياد أبلال، أنثروبولوجيا الأدب، ص: 263.

50. مجموعة من المؤلفين، معلمة المغرب، من إنتاج: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، نشر مطابع سلا، 1989، 1/ 193 (أحواش)

51. الزبير مهداد، الخنجر التقليدي، مجلة تراث الإمارات، العدد 190، أغسطس، ص: 119.

52. إبراهيم أوبلا، المرأة الأمازيغية والندية في فنون أسايس، مقال ضمن كتاب جماعي بعنوان: المرأة والحفاظ على التراث الأمازيغي، تنسيق: الحسين آيت باحسين، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008، ص: 90.

53. فؤاد ازروال، المرأة والتراث الشعري بالريف: وظائف وأدوار، ضمن الكتاب الجماعي نفسه، ص: 94.

54. سعيد الناجي، المرأة والفرجة: من الفرجة الشعبية إلى التاريخ، مجلة أمل المغربية، العدد 13-14، السنة الخامسة، 1998، ص: 29، المقال صص: 26-45.

55. رشيد الحاحي، سيميائية الرمزي في التشكيل اليدوي، من الاسم الشخصي إلى الجسد الجريح، مجلة علامات المغربية، العدد 17،ص: 83، المقال صص: 79-84.

56. المحجوب لال، رقصة «الكدرة»... ينسجم فيها الصوت والحركة وبطلاها «النكار» و»الركاصة”، 29 دجنبر 2014، اطلعت عليه بتاريخ: 23/06/ 2018

57. http://www.pjd.ma.

58. فاطمة بوخريص، رقصة أحيدوس بين المحلية ودينامية التحول، ص: 59

59. ابراهيم الحيسن، ملاحف الصحراء: خرائط الفتنة والغواية والإيروتيكا الجسد واللباس، موقع الأنطولوجيا، 18 /07 /2015، اطلعت عليه بتاريخ 20/06/2018 من موقع: alantologia.com

60. حورية الظل، الأمازيغيات يحرسن التراث بأجسادهن، جريدة الاتحاد الإماراتية، الملحق الثقافي، 12 مارس 2015.

61. الحسين آيت باحسين، دور المرأة الأمازيغية في الحفاظ على البعد الأمازيغي للهوية المغربية من خلال إبداعاتها، مقال ضمن كتاب جماعي: المرأة والحفاظ على التراث الأمازيغي، ص: 22.

62. عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح، ترجمة: محمد بنيس، منشورات الجمل، ط1، بيروت 2009، ص: 48.

63. يوسف حسن، المسرح والأنثروبولوجيا، كتاب جماعي، دار الثقافة، البيضاء، 2000، ص: 85-86.

64. فاطمة بوخريص، رقصة أحيدوس بين المحلية ودينامية التحول، ص: 57.

65. المقال نفسه، الصفحة نفسها.

66. معلمة المغرب، ص: 191

67. معلمة المغرب، الصفحة نفسها.

68. محمد أوسوس، كوكرا (في الميثولوجيا الأمازيغية)، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008، ص: 292.

69. RACHID Lhoussan, Tatouage de la mémoire : repères Amazighes dans la culture nationale, institut royale de la culture amazighe, EL Maarif AL Jadida, Rabat, 2006, p124,125.

المصادر والمراجع والمقالات:

- ابراهيم زكريا، فلسفة الفن في الفكر المعاصر. زكريا إبراهيم، مكتبة مصر، القاهرة، ب.ت .

- أبلال عياد، أنثروبولوجيا الأدب، دراسة أنثربولوجية للسرد العربي، روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2011.

- أرثر أيزا برغر، النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، ترجمة: وفاء ابراهيم ورمضان بسطويسي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003، ص: 30.

- ازروال فؤاد، المرأة والتراث الشعري بالريف: وظائف وأدوار، ضمن الكتاب الجماعي نفسه.

- أوبلا ابراهيم، المرأة الأمازيغية والندية في فنون أسايس، مقال ضمن كتاب جماعي بعنوان: المرأة والحفاظ على التراث الأمازيغي، تنسيق: الحسين آيت باحسين، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008.

- أوسوس محمد، كوكرا (في الميثولوجيا الأمازيغية)، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008.

- أومرزوك عبد العزيز، نماذج من المظاهر الفنية الأمازيغية، جريدة تويزة المغربية، العدد 162، أكتوبر 2010، عبر الموقع الإلكتروني للجريدة، على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/Tawiza162/ahwach.htm?i=1.

- بنكراد سعيد، الجسد: اللغة وسلطة الأشكال، مجلة علامات المغربية، العدد4، 1995، المقال صص: 48-63.

- بوخريص فاطمة، رقصة أحيدوس بين المحلية ودينامية التحول، مجلة أسيناك المغربية، عدد مزدوج 4-5، 2010، المقال صص: 57 - 62.

- التميمي عبد الله حبيب، وسحر كاظم حمزة الشجيري، سيرورة النقد الثقافي عند الغرب، مجلة جامعة بابل، العلوم الإنسانية، المجلد 22، العدد1، 2014.

- تيم إدواردز، النظرية الثقافية: وجهات نظر كلاسيكية ومعاصرة، ترجمة: محمود أحمد عبدالله، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2012.

- جابر سمير، سامر الفريحي من الرقصات التقليدية لبدو سيناء، مجلة الثقافة الشعبية البحرينية، العدد 14، المقال صص: 124 - 131.

- جاناثان كولر، الأدب والدراسات الثقافية، ترجمة: مصطفى بيومي وعبد السلام، مجلة الملتقى، العدد 12، 1 دجنبر 2004.

- جرامشي: من الهيمنة إلى الهيمنة الأخرى، د. أمينة رشيد، ضن: غرامشي وقضايا المجتمع المدني، مجموعة من المؤلفين، دار كنعان، ط1، 1991.

- الحاحي رشيد، سيميائية الرمزي في التشكيل اليدوي، من الاسم الشخصي إلى الجسد الجريح، مجلة علامات المغربية، العدد 17، المقال صص: 79-84.

- حسن يوسف، المسرح والأنثروبولوجيا، ضمن كتاب جماعي، دار الثقافة، البيضاء، 2000.

- الحسين ابراهيم، ملاحف الصحراء: خرائط الفتنة والغواية والإيروتيكا الجسد واللباس، موقع الأنطولوجيا، 18/07/2015، اطلعت عليه بتاريخ 20/ 06/ 2018 من موقع: alantologia.com

- الخطاب ادريس، علوم الثقافة، دار توبقال للنشر، البيضاء، ط1، 2017. محمد الجوهري، مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، ط1، 2006.

- الخطيبي عبد الكبير، الاسم العربي الجريح، ترجمة: محمد بنيس، منشورات الجمل، ط1، بيروت 2009.

- دريدا جاك، الكتابة والاختلاف، ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال، ط:2، 2000.

- الرويلي ميجان والبازغي سعد، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2002،3.

- سايمون ديرونغ، الدراسات الثقافية مقدمة نقدية، ترجمة: محمود يوسف عمران، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 425، يونيو 2015.

- ستوري جون، النظرية الثقافية والثقافة الشعبية، ترجمة: صالح خليل أبو أصبع وفاروق منصور، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1، 2014.

- شبار سعيد، الإيديولوجيا في الفكر العربي المعاصر ومركب الأزمات والحلول، مجلة إسلامية المعرفة، السنة 7، العدد 25.

- شفيق محمد، لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين.

- الظل حورية، الأمازيغيات يحرسن التراث بأجسادهن، جريدة الاتحاد الإماراتية، الملحق الثقافي، 12 مارس 2015.

- عبد المطلب محمد، القراءة الثقافية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2013.

- عليمات يوسف، جماليات التحليل الثقافي: الشعر الجاهلي نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1 .

- كركيش محمد قروق، الرقصات الاحتفالية بمنطقة الريف شمال المغرب: رؤية سوسيوأنثروبولوجية، الحوار المتمدن - العدد: 4427 - 2014 / 4 / 17 – على الموقع: http://www.ahewar.org

- لال المحجوب، رقصة «الكدرة»... ينسجم فيها الصوت والحركة وبطلاها «النكار» و»الركاصة”، 29 دجنبر 2014، اطلعت عليه بتاريخ: 23/06/ 2018 http://www.pjd.ma

- لبروزيين عبيد، فَلكلَرَة التراث: رقصة أحيدوس والأنساق الثقافية المتغيرة، موقع الموجة الثقافة، اطلعت عليه بتاريخ: 20/06/2018 على موقع المجلة: http://elmawja.com

- ليتش، فنسنت، النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، ترجمة: محمد يحيى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000.

- مجموعة من المؤلفين، الحركة النسوية، ترجمة: جمال الجزيري، المشروع القومي للترجمة، العدد 449، ط1، 2005، القاهرة.

- مجموعة من المؤلفين، المرأة والحفاظ على التراث الأمازيغي. تنسيق: الحسين آيت باحسين، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008.،

- مجموعة من المؤلفين، معلمة المغرب، معلمة المغرب، من إنتاج: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، نشر مطابع سلا، 1989.

- محسب حسام، نماذج من أهم أشكال الرقص الشعبي العربي، مجلة الثقافة الشعبية البحرينية، العدد1، 2008.

- مهداد الزبير، الخنجر التقليدي، مجلة تراث الإمارات، العدد 190، أغسطس.

- موكيش ويليامز، التاريخانية الجديدة والدراسات الأدبية، ترجمة: سناء عبد العزيز، مجلة فصول، المجلد 25/3، العدد 99، ربيع 2017.

- موهو لحسن، الرقص الشعبي: دائرة الفولكلور المغربية، مجلة الفنون الكويتية، العدد 46، السنة4، أكتوبر 2004

- الناجي سعيد، المرأة والفرجة: من الفرجة الشعبية إلى التاريخ، مجلة أمل المغربية، العدد 13-14، السنة الخامسة، 1998، المقال صص: 26-45.

- وولين ريتشارد، مقولات النقد الثقافي، ترجمة: محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2016.

- Convention pour la sauvegarde du patrimoine culturel immatériel, paris, le : 17 octobre 2003.

- RACHID Lhoussan, Tatouage de la mémoire : repères Amazighes dans la culture nationale, institut royale de la culture amazighe, EL Maarif AL Jadida, Rabat, 2006

الصور

- الصور من الكاتب

أعداد المجلة