فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

إطلالة على ألعاب الأطفال بالمغرب

العدد 26 - عادات وتقاليد
إطلالة على ألعاب الأطفال بالمغرب
كاتب من المغرب

يُشَكِّلُ اللَّعِب قسماً مُعتبراً من اهتمامات الطفل، لا يَقِلُّ قيمةً وأهميةً عن الأقسام الأخرى التي يتوزّعها التعليم وطرائق اللباس والأكْل وغير ذلك من العناصر التي تُكَوِّنُ شخصيته وتُهَيِّئُهُ للقيام بأدوار في المستقبل. وقد ذهب بعض الباحثين إلى “أن أهمية اللّعب عند الأطفال ضرورية كضرورة الهواء النقي، وأشعة الشمس، والماء العذب والغذاء والنوم. فهو يُهَيِّء لهم فرصاً كثيرة للاندفاعات الطبيعية، كما أننا بواسطتها نستطيع أن نبثَّ فيهم أشياء كثيرة وخصالا حميدة كضبط النفس والإقدام والعزم والشجاعة”(1).

ومِنْ هُنا فإن أي حِرمان أو نقص قد يُعانيه الطفل في هذا الجانب ستكون له انعكاسات سلبية، كما أن مَنْحَ اللّعب حجما أكبر من حَجْمِه الطبيعي، وتَرْك الطفل يتمادى فيه إلى حُدود غير معقولة يؤدي كذلك إلى سِلبية أخرى، ولعلّ الواجب في هذا المجال هو مدّ الطفل بالجُرْعَة المُناسبة من غير أن يكون لذلك تأثير أو طغيان على جوانب أخرى من احتياجاته العديدة، ويبدو أن الحرص على التوازن في هذا المجال هو السبيل إلى تجنيب الطفل السقوط في سلبيات الإفراط والتفريط.
ويبدو أن طبيعة حُبّ اللعب التي تنشأ وتنمو في نفس الطفل تبدأ مع المُلاعبة التي يَتلقّاهَا من قِبل والديه وأفراد عائلته بُعَيْد رُؤيته لنُور الحياة بشهور قليلة، فالمُلاعبة هي التي تُوقظ في الطفل شُعورَ الفرح وتزرع فيه رُوح المرح والدعابة، ورُبّما كان لهذه الملاعبة وَقْع في صُندوق ذاكرة الطفل، قد يمتد تأثيره إلى فترة مُتقدمة من مرحلة الطفولة، وقد كان لبعض المُلاعبات طابعٌ وَسَمَ عائلة بكاملها، وأصبحت الأجيال تتوارث تلك السِّمة، كما هو حال أبي محمد الرّشاطي، أحد علماء الأندلس المتوفى عام 542هـ، قال في تفسير نِسبته: “الرُّشَاطِي: نِسبتنا التي اشتهرنا بها وذلك أن أحد أجدادي كانت به شَامَة كبيرة هي التي تُعرف بالوردة وتُسمّيها العجم رُوشَة، وكانت له في الصغر خادمة عجمية تحضنه وتكفله فكانت عندما تخدعه وتلاعبه تقول له: رُشطاله، وكثر ذلك منها حتى غلب عليه، وقيل له: الرُّشاطي”(2).

1 - ألعاب الأطفال في الأزمنة القديمة
وكما هو الحال اليوم، فقد كان العرب قديما يُخصِّصون لأطفالهم وقتا للعب، ينصرفُ فيه هؤلاء الصبيان إلى إرضاء ذَوْقهم والتعبير عن فرحهم، وفي الآن نفسه كان الآباء –من خلال ذلك- يكتشفون ذكاء أطفالهم ومَدَى قُدراتهم، وقد حفل الثرات العربي بكلام كثير على ألعاب الأطفال، نجد ذلك مفترقا في العديد من الكُتب والتآليف، وقد أَفْرَدَ أحد علماء العرب، وهو جلال الدين السيوطي، ألعابَ الأطفال بتأليف مُستقل، سمّاهُ: “البيان في رياضة الصبيان”(3).
وإذا كان مثل هذا التأليف نادرا في تراث العرب، فإنّ كُتب تاريخهم ولُغتهم وآدابهم تحتفظ بإشارات متفرقة ولقطات مُهمة حول بعض الألعاب التي كان يُمارسها صبيان العرب، وسنقتصر في هذه الدراسة على عَيِّنة من المصادر المغربية والأندلسية التي ورد فيها تَسْمِية بعض الألعاب مع كيفية لعبها، وقبل أن نتقدّم بِعَرض بعضها نودّ أن نشير إلى أن العلماء المغاربة قد نبّهوا إلى ضرورة أن يُمْنح الطفل وقتا لِلّعب، وإلى خُطورة حرمانه من ذلك، منهم ابن الحاج العبدري الذي يقول في كتابه “المدخل” –أثناء كلامه على التعليم الأوّليّ بالكتاتيب القرآنية-: “وينبغي أن يُؤْذَنَ لَهُ (أي للصبي) بعد الفراغ من المكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب الأدب، بحيث لا يتعب في اللّعب، فإن مُنع الصبي من اللعب وإرهافه إلى التعليم دائما، يُميت قلبه، ويُبطل ذكاءه، ويُبغض إليه ذلك، ويُنغص عَيْشَهُ حتى يَطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً”(4).
وإلى جانب هذا الحرص على تمتيع الطفل باللعب، فقد أشار أصحاب كتب الآداب والتاريخ بالمغرب والأندلس إلى ضُروب من الألعاب التي كان يُمارسها أبناؤهم أو أطفال زمنهم، منهم مالك ابن المرحّل السبتي (توفي سنة 699هـ) في منظومة “الفصيح”، قال:  
وهــــذه أُرْجُـــــــــوحَـــــــةُ الصــِّبْـــــيَــانِ
إِذْ يَلْعَبُــــونَ وَهـــــــِيَ كَــالــــمــِيـــــزَانِ(5)
كما خصّص يوسف ابن الشيخ البلوي الأندلسي (توفي سنة 604هـ) في كتابه “ألف باء”، -وهو كتاب لُغويّ بالأساس- فقرات مُهِمّة للكلام على لعب الصبيان، فقال:
“المقلاء والقلّة: عُودان يلعب بهما الصبيان، فالعُود الذي يضرب به هو المقلاء، والقُلّة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وقال الأصمعي رحمه الله: هي القُلّة، والقال هو المقلاء، ومنه قول الشاعر:
كأنّ نـــــــزو فــــــــراخ الــــــهـــــــــام بينهم
زهو القــــــــلاة زهـــــاهـــــا قــــــــال قالينا
يعني الذين يلعبون بها، يقال: منه قلوت، والقالون: الصبيان الذين يقلون أي يضربون القُلّة.
ثم تابع البلوي سَرْدَ أسماء بعض الألعاب فقال: “ويُقال: فَالَ رأيُ فُلان إذا لم يُصب، وأصله من المُفَايَلَة: لعبة لفتيان الأعراب يُخَبِّئُونَ الشَّيْءَ في التُّرَاب ثم يقسمونه فإذا أخطأ المُخْطِئُ قيل لَهُ: فَالَ رَأْيُكَ”.
وقال أيضا: “ولصبيان العرب لُعبٌ أُخر ذكرها ابن قتيبة في تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه بَيْنَا هو يلعب وهو صغير مع الغلمان بعظمِ وضّاح مرّ عليه يهودي فدعاه، فقال: لتقتلنّ صناديد هذه القرية. قال: و“عَظْم وضّاح” لُعبة الصبيان بالليل، وهو أن يأخذوا عظما أبيض شديد البياض فيلقوه ثم يتفرّقوا في طلبه فمن وَجَدَهُ منهم رَكِبَ أَصْحَابَهُ.
ولهم لُعبة أخرى تُسمّى: الخَطْرَة، وهي بالمِخْرَاق. وأخرى تُسمّى: خراج، وهي أن يُمسك أحدهم شيئا بيده ويقول لسائرهم: أَخْرِجُوا مَا فِي يدي. ومنها لعبة الضّب وهو أن يُصوّر الضّبَّ في الأرض، ثم يُحَوِّلُ أحدهم وجهه ويقول: ضع يدك على صورة الضّبِّ ثم يقال: على أي موضع من الضّبِّ وضعته، فَإِنْ أَصَابَ قُمّر. ولهم لُعبة أخرى بالتراب يُقال لها: النقيري، يُقال: أنقر الصبيان، فهم ينقرون، وقال الأصمعي في رجزه:
كأنّ آثار الضرابي تلتقث
            حولك نقيري الوليد المنبحث
تُراب ما هَالَ عليك المُجْتدِث
والمجتدث: القابر، والجدث: القبر. ولهم لُعبة أخرى يُقال لها: الجثة، وتشبه الأولى، ولعلها هي المفايلة: يُخبئون شيئا تحت تُرَابٍ ثُمّ يَصْدَعُ صدعين ثم يضرب بيده على أحدهما أو على بعضه فإن قبض على الخبء فيه قُمِّرَ... والعَرْعَارُ لُعبة للصبيان أيضا”(6).
كما أشار أبو حيان الأندلسي -نزيل القاهرة- إلى لُعبة أخرى، يبدو أنها كانت ملعوبة بالأندلس، قال: وسدّر لُعبة للصبيان(7).
ويذكر المؤرخون أن الخليفة عبد المؤمن بن علي الكومي (توفي سنة 558هـ) كان يُرَبِّي صغار الطلبة بمدرسة الموحدين بمراكش على عِدّة أمور: “يأخذهم يوما بتعليم الرُّكُوب، ويوماً بالرّمي بالقوس، ويوماً بالعَوْمِ في بُحيرة صنعها خارج بُستانه مُربّعة، طول تربيعها نحو ثلاثمائة باع، ويوما يأخذهم بأن يجذفوا على قوارب وزوارق صَنَعَهَا لهم في تلك البُحيْرة”(8).
ومن ألعاب الأطفال بالمغرب والأندلس: لُعبة الكُرَةِ، وقد ذكرها ابن هشام اللخمي الإشبيلي (توفي سنة 570هـ)، قال: “والكُرَةُ التي يُلعب بها، وفيها لغتان: كُرَةٌ وأُكْرَةٌ، على ما حَكَى أبو حنيفة. فأمّا قول عامّة زَمَانِنَا كُورَة، فخطأ”(9).
غير أن عُلماء التربية الذين كتبوا الرسائل في توجيه الناشئة لم يَكُونُوا يستحسنون هذه اللُّعبة، نذكر منهم العربي بن محمد المسّاري (توفى حوالي عام 1185هـ)، يقول:
ولَعِبُ الكُرَةِ لَيْسَ مَذْهَبِي
              إِذْ فِيه لِلْقِتَـالِ أَقْــــوَى سَبَـبِ
يُدنّسُ الْمُرُوءَةَ المُحَصّنَة
              وَيَطْرُدُ الـــوَقَارَ وَالسّكِيــــنَة
فَمَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئاً يُحْمَد
              فَتَرْكُ فِعــله لَـدَيّ أَحْمَدُ(10)
إذن، فالفقيه المَسَّارِي كان يرى أنَّ لعب الكرة فيه أقوى أسباب القتال كالمدافعة والمخاصمة والمضاربة، وأنَّ لعبها يُخِلّ بالمروءة التي يجب تحصينها ويُزيل السكينة التي ينبغي تحصيلها، وذلك لأن اللاعب بها يكون كثير الوُثوب والجَرْيِ والطيش والهرج، وهذا ليس من أخلاق ذوي المروآت. وبالتالي كان ترك لعب الكرة –في نظره- هو الرأي السّدِيدِ. وقد خالفه بعض الفقهاء، أوّلُهُم شارحُ منظومته أحمد بن المأمون البلغيثي، قال بعد أن شرح الأبيات المذكورة شرحا لُغوياًّ:
“فقد أبَاحَهَا بعضهم، كصاحب “مُخْتصر الأَفَارِدَة”، وذكر كيفية لعبها، فانْظُره. وهي من لعب العرب الأقدمين كما يُؤخذ من “القاموس” و“الصِّحاح” و“المصباح” وغيرها من كُتب اللغة. وبها فسّروا ما في الحديث: (كُنّا نُعْطِي الصبيان يوم عاشوراء اللُّعبة من العهن، نُلْهِيهِم بها عن الطعام). وكأن من أباحها نظر لِما فيها من التّدرب على القتال والشّجاعة وخِفّة الحركة والرياضة. والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأعراف والعادات فرُبّ قوم لا وَصَم عليهم في لعبها كأهل مراكش ونواحيها وربّ آخرين لا يلعبها منهم إلا الصبيان أو مَن ليس مِن ذوي المروءة”(11).

2 - ملاحظات:
*وقد يلحظ الباحث في تاريخ الطفولة العربية أن لعب الأطفال لم يستأثر بعناية الفقهاء والعلماء العرب إلا بمقدار قليل، إشارات هنا وهناك لا تُغْني في شيء، وتآليف قليلة بل نادرة لا تتجاوز حجم الرسائل الصغيرة، ولعل السبب في ذلك هو أن العلماء العرب الذين كتبوا في مجال تربية الأطفال ركّزوا على الجانب التعليمي خاصّة، اعتقادا منهم بأن اللّعب من طبيعة الأشياء التي تميل إليها نفس الطفل كُلَّمَا بدأ يدبّ على الأرض، فهي طبيعة فطرية لا تحتاج إلى تلقين أو تقنين، ومما قد يكون تعزيزا لهذا الرأي السائد ما نجده في مُقدمة مجموع حديث في “الألعاب التربوية” المغربية، يقول مُؤَلِّفُه:
“فالطفل يلعب دَوْماً، أَحْبَبْنا أم كَرِهْنَا، تحت إشرافنا أم خفية عن أعيننا، ذاك عالمه، وكل شيء في لُغته يرتبط عنده باللّعب، فَنَرَاهُ في البيت يلعب بالأدوات المنزلية، وفي الشارع بالكُرة أو بشيء آخر، أو يحاول الانزلاق على مكان مُنْحَدِر، وفي السّاحة نجده منهمكا في لعبة جماعية، وكذا في القسم. فإن انعدمت لديه أدوات اللعب يتّخذُ أدواته وسيلةً لذلك. ولو سألته عمّا يعمله في كل حالة لأجابك بوضوح: أَلْعَبُ. ولو أَمْعَنَّا النّظر فيما يقوم به لَمَا وجدناه يلعب لمجرد اللعب أو لأنه رأى رفاقه يلعبون بل على العكس يُتيح لنفسه فُرصاً لاكتساب الخبرات والمهارات.. وقال مُرَبٍّ يُعَرِّف اللعب بالنسبة للطفل: “هو أول ما يقوم به وهو في مهده، هو سلسلة مترابطة من الحركات يُعَبِّر بها عن الاختلاجات النفسية يقصد بها الترويح والتسلية، وهو كذلك السُّرعَة والخِفّة في تناول الأشياء أو استعمالها أو التّصرف فيها”(12).
وانطلاقاً من هذا الرأي، كان من الطبيعي أن ينصبّ اهتمام المُربّين على الأشياء المكتسبة لدى الطفل مِن طريق التربية والتعليم كالقراءة والكتابة والحِفظ وحسن السلوك والتّديّن، ولم يكن يتمُّ التّطرّق إلى اللّعب إلا عَرَضاً، وبإشارات عابرة هي في أغلبها تحذيرٌ مِنْ خطورة التّمادي فيه وضرورة وضع حُدودٍ له يجب على الطفل أن يتوقّف عندها حتى لا يطغى ذلك على الجِدِّيّة والاستقامة التي تتطلبها المراحل المُقبلة من حياته، وحتى لا تمتد مرحلة اللّعب في حياة الطفل إلى مُستويات مِن عُمره لا يُستحسن فيها أن يظلّ لاعباً.
فثمّة العديد من الكتب العربية الموجّهة للأطفال، منها على سبيل المثال “تلقين الوليد” لأبي محمد الإشبيلي، وكتاب “ألف باء” لأبي الحجّاج البلوي المالقي، لا يجد فيها القارئ إلا دعوة الآباء أبناءهم إلى سُلوك نهج الجِدِّيّة والاستقامة والاقتداء بالمثال الصالح، وترتكز تلك الدعوة على أمرين : طلب العلم والتّديّن.
ومما قد يدخل في هذا الباب أيضا: الوصايا، لقد وصلتنا العديد من الوصايا المغربية الأندلسية التي وجّهها الآباء لأبنائهم، نشير -على سبيل المثال- إلى أنّ الأستاذ محمد بن عزوز جمعَ نصوصَ عشرةٍ منها في كتابه: “أدب الوصية من الآباء للأبناء”(13)، وبالرجوع إلى قراءتها فإننا لا نجد فيها أيّ شيء يتعلق باللّعب أو الرياضة. إنّ هذه التآليف وغيرها إنما كان هدفها تعليمِيٌّ بالأساس: ترسم للولد الصغير نهجا، أو تضع له خُطّةَ حياةٍ من خلال العديد من الأمثلة التي يتوجّب على الطفل أن يقتدي بها ويمشي على أثرها، وبالتالي فهي لا تُعَرِّج على اللّعب الذي كان يُعَدُّ ضربا من اللّهو والهزل، ثم إنّ هذه التآليف كانت –على العموم- مُوجّهة لِفِئة عُمرية تمكّنت من اكتساب نصيب صالح من العلم وأضحت تستطيع أن تُميِّز وتختار القُدوة الصالحة أيْ أنّها تجاوزت مرحلة اللّعب التي تسبق مرحلة الوعي والنّضج العلمي والفكري.
فكما قلنا، إن هذا الإغفال راجع إلى أن اللّعب فطرة في نفس الطفل، ثم إن حدوده الزمنية تقف عند مرحلة مُعيّنة، بينما التّعلّم -وهو شيء مكتسب- تظل حدوده مفتوحة من المهد إلى اللّحد، وهذا هو الذي ركّز عليه العلماء والمُرَبُّون العرب.
*ومما يُلاحظ أيضا في ألعاب أطفال العرب -بصفة عامة- أنها تختلف من منطقة إلى أخرى، وثمة ألعاب يشترك في لعبها أطفال عِدّة مناطق، كما نجد اتفاقا أو اختلافا في طُرق لعبها والمصطلحات المستعملة أثناء ذلك. ويبدو أنّ طبيعة المكان كان لها دخل في تحديد بعض أنواع الألعاب، فأطفال المناطق الصحراوية تختلف ألعابهم عن أطفال المناطق الجبلية المعتدلة أو الباردة، كما أن ألعاب الرِّمال هي غير ألعاب الرّوابي المخضرة والمروج الواسعة.
بل إننا نجد تأثيرَ المكان في طبيعة اللعب يبرز حتى في البلد الواحد، وهُنا سأسمح لنفسي بتقديم مثال مُنتزع من طفولتي، فقد كُنّا نسكن في حي شعبي يقع خارج أسوار المدينة القديمة ويتمتع بأشجار ورياحين ومساحات واسعة لِلّعب، وقد مارسنا في تلك الفضاءات ألعابا عديدة، اكتشفتُ فيما بعد أن أطفال الأحياء العصرية، التي تنعدم فيها مثل تلك المساحات الخضراء المفتوحة، لا يعرفون تلك الألعاب ولا سَمِعُوا بها، وإنما كان جلّ لعبهم ما كانوا يُمارسونه في النوادي، ومن المعروف أن ألعاب النوادي هي الرياضات التي يلعبها كُلّ أطفال وشباب العالم مثل كُرة القدم وكُرة السّلة وكُرة المضرب، وهذه لا نبعد إذا لم نُسَمِّها ألعاباً لأنها لا تُحِيلُ على خُصُوصِيّة أو هُوِّيّة ثقافية، ومن هُنا جاء التفريق مِن قِبل الباحثين بين الرياضات والألعاب، ولِتمييزِ هذه الأخيرة أُطلق عليها إسم: الألعاب الشعبية.

3 - ألعاب الأطفال في الأزمنة المعاصرة
لقد عرفنا أن الألعاب الشعبية عُرفت في بلاد المغرب والاندلس منذ القديم، غير أنها لم تنل نصيبا كافيا من الاهتمام من لدن المؤلفين(14)، أما في الفترة المعاصرة فإن الأجانب كانوا سباقين إلى جمعها وتدوينها، جاء ذلك في إطار سياسة ثقافية استعمارية تهدف إلى التعرّف على ذهنية الشعوب وعاداتهم وتقاليـدهم حتــــــى يسهل على المستعمِر السيـطرة والـتغـلغ، ومهما يكـن الأمـر فـــإن ذلك الاهتمام أثمر العديد من الدراسات التي تخدم البحث العلمي اليوم. وسأحصر الكلام هنا على كتابات الأجانب التي اهتمت بلعب الأطفال بالمغرب، ففي سنة 1939م صدر كتاب بمدينة سبتة المغربية بعنوان “كيف يلعب الأطفال المغاربة”(15)، يقع الكتاب في 93 صفحة، وقد أصدرته مندوبية الشؤون الأهلية التابعة لإدراة الاحتلال الإسباني بالمغرب، وهو مِنْ تأليف جماعة مِنَ الباحثين الإسبان، وقد ضمَّ الكتاب 9 دراسات حول ألعاب يُمارسها أطفال 9 بلدات مغربية جلّها يقع في شمال المغرب المحتل آنذاك من طرف إسبانيا. وفي عام 1952م نشر المؤرخ محمد ابن عزوز حكيم كتابا باللُّغة الإسبانية يتضمّن وصفاً لألعاب الأطفال بقبيلة غمارة الواقعة شمال المغرب.
كما أن الباحثين الفرنسيين كانوا قبل هذا التاريخ قد اهتموا بتدوين ألعاب أطفال بعض مناطق المغرب التي تقع في القسم المحتل من طرف فرنسا(16). وفي السنين الأخيرة ظهرت العديد من الدراسات حول ألعاب الطفل، أنجزها عرب وأجانب، وانصب الاهتمام فيها على مناطق مُحدّدة من المغرب الكبير ذي الثقافة العربية الأمازيغية والصحراوية. والمجال يطول إذا أردنا أن ننجر مسردا بيبليوغرافيا لجميع الأعمال التي تناولت بالدراسة ألعاب الأطفال بالمنطقة العربية، ولعلنا نرجع للقيام بذلك في بحث لاحق إن شاء الله.
وعلى ما يبدو، فإن الأجانب كانوا سباقين إلى ولوج هذا الميدان في الفترة المعاصرة، بينما جاء دور العرب في وقت لاحق، وفي المغرب –مثلا- بدأ الاهتمام بألعاب الصبيان في سياق اهتمام المربين والعلماء الباحثين بتربية الطفل عموما، ولعل بوادر ذلك الاهتمام ظهر مع مجلة صدرت بمدينة طنجة في الخمسينيات من القرن الماضي خصّصها مُنشؤها الأستاذ عبد الرحمن الحريشي لشؤون الطفولة. ثم سارت الأمور في التطور والتّراكم إلى أن صدر في أواخر الستينات من القرن الماضي كتاب عن لعب الأطفال مُوجّه لتلاميذ المدارس “يُساير مُقررات سائر الأقسام الدراسية” حسب العبارة المكتوبة على غلافه، اشتمل الكتاب على 59 صفحة، وقد جمع فيه مؤلفه الأستاذ محمد العلمي 100 لعبة بالنص والتعاليق والصُّوَر التوضيحية(17). ثم تَلَتْهُ مجموعة من الأبحاث لأساتذة مغاربة ركّزوا اهتمامهم على مناطق مُحدّدة من البلاد، وذلك قبل أن تشرع وزارة التربية والجامعات -في السنين الأخيرة- في تنظيم سلسلة من الندوات والمؤتمرات حول موضوع تربية الطفل وتتبع سلوكه في المنزل والمدرسة والشارع، وقد كان للعب الأطفال موقعٌ في عدد من الدراسات المُقدَّمة. وعلى ما يبدو فكُلّما تطوّرت مناهج التربية ظهرتْ مُقاربات جديدة حول لعب الأطفال، ومع ذلك لا زال مجال القول ذَا سِعة والإضافات في هذا الميدان لاتزال مطلوبة.

الهوامش

1 - محمد العلمي، المجموعة الكبرى الحديثة للألعاب التربوية. مكتبة السلام - الدار البيضاء/ مكتبة المعاريف – الرباط.(دون تاريخ).
2- Emilio Molina Lopez,. El kitab Ihtisar Iqtibas Al-anwar, El Autor y La Obra.  
Quaderni di Studi Arabi, vol.5-6, Venezia, 1987-1988, p.557  
3 - أحمد الشرقاوي إقبال، مكتبة الجلال السيوطي، مطبوعات دار المغرب - الرباط.1977م، ص.112  
4 - محمد بن الحاج العبدري، المدخل. المطبعة المصرية بالأزهر.1940م، ج.4 ص.298
5 - مالك ابن المرحل، منظومة الفصيح. ضمن مجموع المتون، دار الرشاد – الدار البيضاء.1999م، ص.146
6 -  يوسف ابن الشيخ البلوي المالقي، ألف باء. عالم الكتب - بيروت.1985م، ج.1 ص.321-322
7 - أبو حيان الأندلسي، ارتشاف الضرب من لسان العرب. تحقيق: مصطفى أحمد النماس، القاهرة.1984م، ج.1 ، ص.30
8 - مؤلف مجهول، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية. تحقيق: سهيل زكار وعبد القادر زمامة، دار الرشاد الحديثة - الدار البيضاء.1979م، ص.150  
9 - محمد بن أحمد ابن هشام الإشبيلي، المدخل إلى تقويم اللسان. تحقيق: خوسيه بيريث لاثارو، مدريد.1990م، ص.146
10 - العربي ابن عبد الله المساري، سراج طلاب العلوم. طبعة فاس. (دون تاريخ). ص.3
11 - أحمد بن المأمون البلغيثي، الابتهاج بنور السراج. طبعة مصر.1319هـ. ج.2 ص.282-284
12 - محمد العلمي، المجموعة الكبرى الحديثة لـ: الألعاب التربوية. مكتبة السلام .الدار البيضاء/ مكتبة المعاريف .الرباط . (دون تاريخ). ص.3-4
13 - محمد ابن عزوز، أدب الوصيّة من الآباء إلى الأبناء. دار ابن حزم - بيروت.2003م
14 - ينبغي التنويه هنا بالعمل الرائد للعلامة أحمد تيمور باشا: لعب العرب، مطبعة دار التأليف – القاهرة.1367هـ/1948م. وفي هذا الكتاب بعض الألعاب التي كانت تلعب في الأندلس والمغرب.
15 -  delegacion de asuntos indigenas, Como juegan los niños marroquies, impr.Imperio. Ceuta.1939
16 -  Pierre Claverie. Jeux berères : région d’Azrou, Hespéris,vol.8, (1928), p.401-403 Louis Brunot, Jeux d’enfants à Fès, Les Archives berères. Vol.2, Rabat.1917-1918, p.321-330 / vol.3, p.311-345
17 - محمد العلمي، المجموعة الكبرى الحديثة للألعاب التربوية. ص.3-4

أعداد المجلة