فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

التراث الشعبي والجزر المنعزلة

العدد 10 - التصدير
التراث الشعبي والجزر المنعزلة
مصطفى جاد
عضو هيأة مستشاري التحرير - الثقافة الشعبية

هل هناك ثمة مؤامرة ترتكب ضد حركة توثيق تراثنا الشعبي العربي..؟

أنا لا أستطيع أن أجد مبرراً واحداً يجعلنا حتى الآن لا نملك أرشيفاً عربياً موحداً لتراثنا الشعبي العربي.. وإذا كانت حركة توثيق التراث تتقدم دائماً للأمام فى كافة أنحاء الكرة الأرضية.. فإن المجتمع العربى لا يلبث أن يتقدم خطوة إلى الأمام إلا ويجد العراقيل التي تكبله عن التقدم..

لن أتحدث هنا عن المراكز البحثية المتخصصة التي تراجع نشاطها أو أغلقت في عدة دول عربية.. فلا يزال الأمل في بعض المؤسسات الجديدة. غير أن العلاقات التي تربط كل مؤسسة عربية بنظيراتها في المؤسسات الأخرى هى جد مأساوية.. فلا أحد يعرف عن الآخر شيئاً سوى بمحض الصدفة.. سواء على مستوى الأفراد أو الهيئات!.. فعلى سبيل المثال لا يوجد أدنى علاقة تربط بين المركز الوطني للمأثورات الشعبية بليبيا، ومركز دراسات الفنون الشعبية بالقاهرة، وهيئة أبوظبي للتراث والثقافة، وأرشيف الثقافة الشعبية بالبحرين، وأطلس الثقافة الشعبية الجزائرية، وإدارة التراث الشعبي بالسعودية، ومديرية التراث الشعبي بسوريا، وقسم الدراسات الاجتماعية والتقاليد الموروثة بموريتانيا، وبيت الموروث الشعبي اليمني..إلخ. يمكننا على هذا النحو أن نحصر مئات المؤسسات الرسمية والأهلية المهتمة بالتراث الشعبي العربي، لنكتشف أن معظمها تعيش في جزر منعزلة.

وإذا تتبعنا التوصيات التي وردت في المؤتمرات والمحافل المهتمة بالتراث الشعبي على مدى نصف القرن المنقضي، سنجد أنها تكاد تكون إعادة صياغة لموضوعات متكررة، حيث تقابلنا عبارات من قبيل: أهمية البدء في الجمع المنظم للتراث الشعبي العربي وتوثيقه.. وإنشاء مركز عربي لحفظ التراث الشعبي.. والإعلان عن رابطة الفولكلوريين العرب.. وإنشاء أرشيف للفولكلور العربي.. ومعهد عربي لتدريس التراث الشعبي..إلخ.

غير أن معظم هذه المؤتمرات والمحافل الدولية تختتم أعمالها بالتوصيات دون أن يكون هناك خطة حقيقية لتنفيذها.. والسؤال المطروح هنا: على من تطرح هذه التوصيات؟.. وأين هي قنوات المتابعة وآلية التنفيذ؟..

المشكلة الأكبر – من وجهة نظري – أن المئات من هذه المؤتمرات والندوات الدولية التي أقيمت خلال هذه الفترة فى مختلف البقاع العربية لايوجد أدنى صلة تربط بينها.. وقد يقام مؤتمر فى بلد ما دون أن يعلم عنه الآخرون سوى بالصدفة..

لازلنا غير منتبهين إلى أننا نملك ثروة هائلة من تراثنا الشعبي فى معظم مؤسساتنا العربية.. غير أنها محفوظة في شرائط أو أقراص ممغنطة أو صور أو أفلام..إلخ.. وقد يتم عمل قاعدة معلومات مصغرة في هذه المؤسسة أو تلك، غير أننا لم نصل بعد لمرحلة أرشيف عربي يمكننا أن نتواصل معه، على نحو ما نجده في المواقع العالمية التى تنشر موادها التراثية على قواعد معلومات متقدمة.

ولعل غياب أرشيف الفولكلور العربي حتى الآن كان من نتيجته ظاهرة جمع المادة وعدم نشرها أو إتاحتها بدعوى السرقة؟.. وهو ما جعل آلاف المواد حبيسة الأدراج دون أن يراها أحد.. وأنا أعرف أشخاصاً عاشوا يجمعون مواداً ثمينة من تراثنا الشعبي، واحتفظوا بها.. ورحل هؤلاء عن الحياة وذهبت المادة إلى المجهول ما بين ورثة تخلصوا منها لعدم اهتمامهم بالقضية، أو تلف أصابها بفعل الزمن..

ومع تزايد الاهتمام العالمي بقضايا التوثيق، ومع وجود قانون للحماية الفكرية للتراث الشعبي.. لازلنا حتى الآن لا نملك مؤسسة تتيح موادها التراثية بشكل ميسر.

والسؤال: لماذا تهدر الجهود بعد سنوات من العمل؟.. ولمصلحة من يعيش كل منا – داخل الوطن الواحد – في جزيرة منعزلة؟..

وقد شهد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين العديد من المؤسسات العربية التي يعقد عليها الأمل فى الدفع بحركة توثيق تراثنا الشعبي العربي للأمام مثل مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بالقاهرة (2000)، وهيئة ابو ظبي للثقافة والتراث بالإمارات(2005)، وأرشيف الثقافة الشعبية بالبحرين(2008)... وهناك العديد من المؤسسات الأخرى التي يضيق المكان بحصرها جميعاً.. وكل الأمل أن تعمل هذه المؤسسات الجديدة بروح الفريق العربي الواحد.. وألا تتكرر ظاهرة الجزر المنعزلة التى دفعنا ثمنها الكثير.

أعداد المجلة